عرض مشاركة واحدة
قديم 02-02-2010, 11:13 AM   #[14]
شليل
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية شليل
 
افتراضي

[align=center]صادق جلال العظم : لا "أحن إلى خبز أمي"... قتلت آباء السماء والأرض جميعا 2/2[/align]

في مقالتك عن العولمة، والتي ألقيتها محاضرة في قسم الفلسفة في أواخر التسعينات و توسّعت فيها لاحقاً في كتاب "ما العولمة" الذي صدر بالاشتراك مع المفكر المصري حسن حنفي، كنتَ ترى أن العولمة ستقوم بتوحيد الهويّات وستقضي على الاختلافات والفوارق. ولكن ألا ترى معي أن العولمة تعملُ بدلاً من ذلك على تجذير الهويات القومية والدينية والطائفية إلخ؟ ألم تؤدي سيرورة العولمة المتسارعة في البلدان العربية مثلاً الى التشبث بالتقاليد الخاصة والارتداد إلى الهويات الأضيق فالأضيق نتيجة ما أسماه هابرماس"الخوف من اقتلاع الجذور"؟



عندما كان هابرماس يتحدث عن اقتلاع الجذور، كان يتكلم عن ذلك في إطار الحداثة أو الربط بين العولمة والحداثة. إن الرأسمالية هي، في الواقع، من يقتلع الجذور وهي التي تلغي طبقات اجتماعية، وتخلق طبقات جديدة وتعيد التوزيع السكاني وتغير في بنية المجتمعات وتوازنات المدينة والريف، الصناعة والزراعة، وهذا بسبب صيرورة الرأسمالية التاريخية. لقد قدّمتُ العولمة بوصفها طوراً من أطوار حِراك الرأسمالية التاريخية بحيث لم يبقَ على سطح الكرة الأرضية إلا بعض الجيوب هنا وهناك لم تتأثر بعد في العمق بصيرورة الرأسمالية. أنظرُ شخصياً إلى الحداثة، كتوصيفٍ عام، على أنها البنية الفوقية المتطوِّرة للرأسمالية التاريخية، لكن من يقتلع الجذور هو في الحقيقة التطوّر الرأسمالي الذي ينتج ردود فعل تتمثّل في التشبُّث بالجذور. ولكن بأي شيءٍ يتم التشبُّث حقاً؟ يتم التشبُّث بالعوامل الفوقيّة مثل القيم والعادات والتقاليد، أي الفولكلور. أرى أنه عندما يكثر الحديث عن القيم والتقاليد، ويتعالى التغني بها، فهذا مؤشر على أنها في طريقها إلى الزوال، إذ عندما نحياها حقاً لا داعي للتشبُّث بها والدفاع عنها أو الإفراط في التغني بها. التشبُّث هنا يعني أن الرأسمالية تهددها و تجرفها بطريقها. أنا لم أقل أن العولمة ستوحّد الهويات بأي معنى بالمطلق. كانت نظرتي تاريخية إلى هذه المسائل. فأنا اعتقد أن الهويات تتشكّل تاريخياً وتنحلّ تاريخياً أيضاً ولا أعتقد بوجود هويات ثابتة كلياً كالماهيّات أو الجواهر الثابتة أبداً. لا بد أن تؤثر العولمة بوصفها طوراً جديداً من أطوار الرأسمالية التاريخية على الهويات، وأعتقد أنها ستقوّي جوانب منها وتجرف جوانب أخرى وتصنع هويات جديدة معولمة أو ذات طابع عولمي – أممي – كوسموبوليتي. على سبيل المثال سينشأ أدب عولمي وفن عولمي يسد الحاجات الثقافية والروحية للنخب الجديدة هذه صاحبة الهوية العولمية الجديدة أيضاً. كانت النقطة الأخرى التي ركّزتُ عليها تتمثل في معالجة الرأي القائل بأن العولمة ستُضعف أو تزيل الدولة، وقد أخذتُ موقفاً نقدياً من هذا الرأي وقتها وما زلت. لقد كانت وجهة نظري تؤكد واقعة وجود دول قويّة تقف وراء العولمة وتدفع بها وتوسِّعها ولها مصالح فيها، ومن يصطدم بهذه الدول يتعلّم أنها لم تَضعُف. ونحن نرى الآن مع الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة كيف تتدخل الدول بقوة و حزم من أجل تجاوز الأزمة وإنقاذ النظام المالي العالمي القائم. الأزمة المالية الحالية هي أزمة في داخل العولمة الرأسمالية (أي واحدة من أزماتها المتعددة والكثيرة) وليست أزمة العولمة الرأسمالية ككل وبحدّ ذاتها كنظام سائد اليوم في كل مكان تقريباً. لهذا السبب تمكّنت الدول، وبخاصة العظمى منها، من التدخل بنجاح إعداداً لتجاوزها بعد الحد من تفاقمها.



شليل غير متصل   رد مع اقتباس