ولكن أليس من الصحيح كذلك أن ترافق العولمة مع ثورة الاتصالات والمعلومات قد حوّل العالم إلى قرية صغيرة مما أدى إلى اقتحام للأنا وللهويات التي لم تتعرف على صيرورة الحداثة، فشعرتْ مع تسارع وتيرة وإيقاع التغير أنها ستُجرف بعيداً في التيار لو قُطعت جذورها مما دفعها للتشبُّث بهوياتها بشكل أكبر. وفقاً لهذا التصور يمكن لنا أن نفسّر الأصولية بوصفها رد فعل على العولمة.
عندما كانت الحرب الباردة مستعرة و مسيطرة، كانت كل مشاكل العالم الهامة خاضعة للمنطق الاستراتيجي المتعالي لتلك الحرب. أي أن جميع الصراعات الأدنى، من قومية إلى إثنية إلى قَبَلية إلى عشائرية الى إقليمية تحررية… الخ، كانت مضبوطة ضمن المنطق الأكبر المتعالي للحرب الباردة بحيث كان الطرفان الكبيران يتدخلان في ضبط أية مشكلة عملية كان يمكن أن تُهدّد التوازن الدولي وبحيث لا تؤثر على منطق التوازن ذاك. مع انتهاء الحرب الباردة شعرت العناصر الصغيرة بأن لديها هامش أكبر لتلعب وتتحرك وتؤكد نفسها. وأنا أعتبر أن العولمة فلتت من عقالها مع سقوط الاتحاد السوفييتي رغم أنها كانت موجودة قبل هذا السقوط. أنت تعلم أن الظاهرة عندما تبدأ قد لا نلحظ وجودها، ولكننا ننتبه لها عندما تختمر وتنضج وتتطور، حينها نبدأ البحث عن بداياتها الأولى. اندفعت العولمة بكل قواها وأصبحت ظاهرة لا يخطئ ملاحظتها أحد بعد تلاشي ذلك المنطق الاستراتيجي الذي حكم الحرب الباردة فسمح للقوى الموجودة على هامشه التصرف بحرية أكبر.
بهذا المعنى العام جداً يمكن أن نرى في الأصوليات الدينية الراهنة رد فعل على العولمة بعد انتهاء الحرب الباردة لصالح الغرب. بعد ذلك أخذت العولمة الرأسمالية تقفز من مكان إلى آخر على سطح الكرة الأرضية وبسرعة هائلة دون الاهتمام كثيراً بالثقافة المحلية، أو بالخصائص القومية الموضعية أو بالطبائع الإثنية المختلفة إلى أخره، إلا بما يخدم مصالحها وأغراضها ولا يصطدم بمطالبها الحيوية أو يضربها. هذا أعطى القوى المحلية و الإقليمية حرية أوسع في التصرف الثقافي والديني والاجتماعي والحربي، بما في ذلك التشبث والاقتتال الأهلي أحياناً مع التحديث والتطوير والإصلاح في أحيانٍ أخرى. لكن هذا بحد ذاته لا يفسر الكثير عن الحركات الأصولية وعن نشأتها وتفاقمها بسبب عموميته المفرطة ولا بد من أخذ الشروط المحلية والمجتمعية لكل حركة أصولية ناشطة اليوم. لا شك أن الأصولية الإسلامية هي رد فعل كما تؤكد، لكنها رد فعل، في نظري، على أزمة العالم الإسلامي في تفاعله الفاشل حتى الآن مع الحداثة الرأسمالية وفقاً للتعريف الذي قدمته لك للحداثة قبل قليل. الاستثناء الوحيد هو تركيا التي أصبحت نموذجاً ناجحاً نسبياً على ما يبدو يتطلّع إليه القسم الأكبر من الإسلاميين الوسطيين حالياً بدلاً من إيران، وبالتأكيد بدلاً من الأصولية الجهادية التكفيرية. لا أرى نجاحاً آخر حقاً غير تركيا علماً أن تركيا لم تكتفي بالتشبُّث وردود الفعل فقط.
|