وبالاضافة الى موضوع الدستور، سعى الاخوان المسلمون للسيطرة على القضاء، باخضاعه وكسر هيبته. ففي 8 يوليو 2012 أصدر الرئيس مرسي قراراً بعودة مجلس الشعب، الذي كان قد صدر قرار بحله، مما يعتبر أولى خطواته في مسيرة تحدي أحكام القضاء، وانتهاك سيادة القانون، وكان بذلك، يدشن أولى معاركه مع السلطة القضائية، ممثلة في المحكمة الدستورية العليا .. وعلى الرغم من تبدي ضعف موقفه، الذي أظهرته قوة انتفاضة القضاة، ورضوخه لحكم المحكمة الدستورية، بوقف تنفيذ قراره الخاص بعودة مجلس الشعب، الذي لم يتجاوز ثلاثة أيام، فإن مواجهته للسلطة القضائية، كانت جزءا أصيلا، من خطة الجماعة للسيطرة على الدولة، ومؤسساتها، وتطويعها، حتى تسهل وتقصر عملية التمكين . ثم قام الرئيس مرسي وجماعته بمواجهة السلطة القضائية في ميدان آخر، إذ أعدوا دستوراً مشوهاً، في محاولة سافرة لتحجيم القضاء، والسيطرة عليه عبر نصوص دستورية، فانتفض القضاة لما اعتبروه تعدي من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، يعتبر إعتداء على مبدأ اساسي من مبادئ الديمقراطية، هو الفصل بين السلطات، الذي يجب ان يقوم عليه أي دستور. وزاد الأمر سوءاً بإقالة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود دون رغبته، في 11 أكتوبر 2012، مما أثار غضب واحتجاج القضاة، خاصة بعد تصريح النائب العام، بأنه لم يستقل من منصبه، وأنه تلقى تهديدات بصورة مباشرة، وغير مباشرة، من جانب المستشارين، أحمد مكي وزير العدل، وحسام الغرياني، رئيس محكمة النقض السابق، المحسوبين على جماعة الإخوان، من أجل ترك منصبه!! ومع تصعيد القضاة وتهديد النيابة العامة بتعليق العمل، قرر الرئيس إبقاء النائب العام في منصبه، بعد أقل من يومين على قرار إقالته. ولقد أدى تراجع الرئيس من قراراته، واضطرابه، وتردده، الى اهتزاز هيبة الحكومة، مما بعث الى الشعب من مؤيديه ومعارضيه، برسالتين.أولهما أن الرئيس ليس قامة دينية رفيعة، صادقة، ومتأكدة مما تقول وتفعل. وثانيهما أنه قيادة ضعيفة، يمكن ان تتنازل بالضغط الشعبي، لأنها لا تحترم المبادئ، ولكنها تخاف السقوط. ولم يكتف حزب الحرية والعدالة بهذه الهزائم، بل سعى الى إجراء إدخال تعديلات على قانون المحكمة الدستورية، وإعادة النظر فى تشكيلها، فى وقت، كانت فيه المحكمة دستورية، تنظر في مدى قانونية تشكيل مجلس الشعب، الذى يشغل فيه حزب الحرية والعدالة الأكثرية النيابية .. مما يترتب عليه أيضًا، إعادة النظر فى تشكيل لجنة انتخابات الرئاسة، التى يرأسها رئيس المحكمة الدستورية. وهكذا سعى الاخوان المسلمون وحلفاؤهم، الى استغلال اكثريتهم فى مجلس الشعب، وسيطرتهم عليه، لتصفية استقلال القضاء، واستخدام السلطة التشريعية، لتحقيق مكاسب حزبية ذاتية، تطلق يدهم فيما اسماه معارضوهم " أخونة" الدولة، خاصة في ظل ما تردد، حول ما سوف يترتب على القانون، من استبعاد 3500 قاض من العمل القضائي، بينما يجري الحديث عن تعيين جهات شرعية كقضاة تابعين لـ«الإخوان (الشرق الاوسط 21/5/2013م). وفي أثناء تدافع تداعيات الأزمة، استخدم الإخوان القوة، كأداة لتعطيل القضاء، وترهيب القضاة، ولأول مرة في تاريخ مصر، في خطوة صعدت من الأزمة الدستورية والقانونية والسياسية، التي مرت بها البلاد، أرسلوا أنصارهم لحصار المحكمة الدستورية العليا، في الثاني من ديسمبر 2012، وللمرة الأولى علقت جلسات المحكمة الدستورية، ومنع الغوغاء الذين يحملون العصي وفروع الأشجار القضاة، من الوصول الى مكاتبهم، مما اعتبر أكبر إهانة للقضاء المصري، عبر تاريخه الطويل.
ومع وضوح المخطط الأخواني، تصاعدت المعارضة ضده، وتراجعت شعبية الاخوان المسلمين. وتوحد رأي معارضيهم حول شعار إجراء انتخابات مبكرة، حتى لا يجد الاخوان الوقت اللازم، لتصفية خصومهم في القضاء، وفي الإعلام، وفي كافة المرافق العامة. ولكن حكومة مرسي رفضت الإنتخابات المبكرة، واصرت على إكمال مرسي لمدته. وبدلاً من اعتبار آراء المعارضة، استمر الاخوان المسلمون في " أخونة" الدولة، فتم إقصاء عدد من محافظي المحافظات، واستبدالهم بكوادر من الاخوان المسلمين، أو حلفائهم من السلفيين .. ولعل من ابرز هذه الاخطاء، محافظ الاقصر السلفي، الذي هاجم الآثار، التي يعتمد عليها أهل المنطقة في السياحة، على اساس أنها أصنام !! وتصاعدت المعارضة لحكومة مرسي، بسبب الهجوم، والإساءات، التي كان يمارسها الأخوان المسلمون، من قنواتهم العديدة، ضد رموز المجتمع المصري، من المثقفين والفنانين والفنانات، والاعلاميين غير الموالين لهم. ولقد أرعبت الخطب الحماسية، التي تشيعها القنوات الاسلامية، والتي تحرم السينما، والمسرح، والفنون، كافة المثقفين المصريين، واشعرتهم بخطورة الزحف المتخلف، الذي يهدد حضارتهم العريقة، وحداثة مجتمعهم، وبل ويهدد وجودهم نفسه. ولقد هاجم الرئيس مرسي الاعلاميين المصريين، الذين انتقدوا آداء حكومته، ووصفهم ب(منتهكي القانون والمتهربين من الضرائب) كما هاجم المسيرات، والاعتصامات السلمية، والذين ملأوا ميدان التحرير، ووصفهم ب(فلول النظام السابق ومن ينفذون مخططاً تخريبياً بدعم من الخارج)!!
وأدى إنشغال حكومة الأخوان بالسيطرة السياسية، واقصاء الآخر، الى إغفال حياة الناس.. وتردى الوضع الاقتصادي، وتدهور الجنيه المصري امام العملات الأجنبية، وتراجعت معدلات العمالة والاستثمار، وحدثت أزمة حادة في البترول والكهرباء، ارجعها الشعب الى الوزراء الجدد الذين تولوا المناصب، دون خبرة، لمجرد انهم من جماعة الأخوان، ولم يقدروا، بل لم ينشغلوا بحل الازمات. ولقد تبنى العقلاء، الدعوة لحوار وطني، يخرج مصر من الاستقطاب، والصراع، ولكن حكومة مرسي رفضت الحوار.
لقد بنى الأخوان المسلمون استراتيجيتهم، على استحالة تدخل الجيش، وعلى مقدرتهم على التضليل بأنهم مع الشرعية، رغم ما فعلوا بالدستور !! ثم انكار وجود سخط شعبي، والاستهانة بالجموع التي نزلت الى الشارع ضدهم، وظنهم انهم بالتخطيط والتنظيم، يمكن ان يحشدوا حشود مثلها !! ثم اظهار التماسك، والثبات، بتعيين المزيد من الاخوان في وظائف كبيرة، وابعاد المختلفين معهم. وتوسيع عملهم الاعلامي، وايقاف بعض القنوات التلفزونية، التي تخصصت في نقد مفارقاتهم، كقناة " الفراعين" . كما انتهجوا سياسة الإرهاب ضد المسيحيين، ومن سموهم العلمانيين، وحرضوا الناس عليهم، في خطاب تكفيري، وتهديد بالعنف، تحت سمع وبصر حكومتهم !!
ولقد دعا الجيش الفرقاء للجلوس على طاولة المفاوضات، فلم يجد من النظام أذناً صاغية. ونتج عن التحريض، والعنف، قتل عدد من المواطنين، في الاشتباكات التي جرت بين انصار مرسي ومعارضوه .. كما قامت جماعات متطرفة، بقتل جنود مصريين في سيناء.
وفي وقت متأخر جداً، وبعد نزول الملايين الى الشارع، وبداية بوادر ثورة تصحيحية جديدة، ادرك الاخوان المسلمون حجم المشكلة !!فخرج الرئيس مرسي للشعب بخطاب ضعيف. فقد كان الشعب ينتظر منه تنازلات، واعتراف بأخطاء، حدثت طول العام، ولكن الخطاب جاء محبطاً، فكانت نتائجه عكسية .. ولم يقدم الخطاب اي حلول للأزمة الاقتصادية، وذكر ان وزارة التموين توفر الكميات المطلوبة، كما بالغ في مدح وزارة الداخلية !! ومع اضطراب الأوضاع، والخوف من نشوب حرب أهلية، أمهل الجيش السياسيين فترة ليحلوا الخلافات فيما بينهم، ولم يحدث شئ حتى انتهاء الوقت، فقام الجيش بمنحهم فرصة أخيرة مدة 48 ساعة. ولقد استطاعت القوى المعارضة، بخاصة حركة " تمرد" الشبابية، ان تحشد في 30 يونيو، ما قدر باكثر من 20مليون شخص، في ثورة شعبية عارمة، أذهلت المراقبين.. ولم يستطع الجيش المصري إلا ان يستجيب لها، كما استجاب لثورة 25 يناير، فاطاح بنظام مرسي وجماعته، وأوكل الى رئيس المحكمة الدستورية ادارة شؤون البلاد، حتى إجازة الدستور الجديد، وقيام الانتخابات العامة. ولو أن الاخوان المسلمين قبلوا الشرعية الثورية، التي انحاز لها الجيش، على انفسهم، كما قبلوها من قبل على حسني مبارك، وانصرفوا للاستعداد للانتخابات المقبلة، لجنبوا مصر كثير من الدماء والدموع .. ولكن طمعهم في السلطة الفانية، وضعف التربية الدينية داخل تنظيمهم، ساقهم الى اخطاء جسيمة، ما كان لهم ان يقعوا فيها لو كان منهم رجل رشيد.
د. عمر القراي
هناك اعترافات متعددة مؤخراً من بعض قيادات الإخوان بالأخطاء التي وقعوا فيها حيث قال محمد مهدي عاكف المرشد السابق للجماعة في مقابلة تلفزيونية مع قناة العربية يوم الأحد27/5/2012 (ان الإخوان المسلمين ارتكبوا جملة أخطاء انعكست في تراجع ملحوظ لشعبيتهم في الشارع المصري.. ومنها أداءهم في البرلمان (مأرب برس 23/8/2013م)).
.
في تسلسل دقيق ومتتبع لمواقف كافة الأطراف، يأتي رصد معهد العربية للدراسات، لكل محطات التأزم التي عانى منها القضاء المصري إبان عهد الرئيس المخلوع محمد مرسي، بعد أن تحولت المعركة عقب الإعلان الدستوري إلى صدام معلن، وتحد سافر، وعناد وإصرار على اعتبار المؤسسة القضائية خصما للحاكم ، وعقبة في طريق جماعته الساعية إلى السيطرة على كل هيئات ومفاصل ومؤسسات الدولة المصرية، لكن قضاة مصر واجهوا، وتشبثوا بما انبروا يدافعون عنه، وهو سيادة القانون وقوته وعدم خضوع القائمين عليه لسيف الحاكم أو ذهبه.( معهد العربية للدراسات 22 يوليو
http://www.sudaneseonline.com/arabic...D9%86-1-2.html