منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-11-2009, 02:43 PM   #[1]
منال
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية منال
 
افتراضي الحَرَكَة: حُكومَة أَمْ .. مُعارَضَة؟! - بقلم/ كمال الجزولى

الحَرَكَة: حُكومَة أَمْ .. مُعارَضَة؟! بقلم/ كمال الجزولى
الأربعاء, 07 يناير 2009


كتبت قبل أشهر من الآن متسائلاً عمَّا إذا لم يكن ضرباً من الوهم التعويل بالكليَّة على مجرَّد ارتباط الحركة الشعبيَّة بمواثيق مع أطراف المعارضة كى تتصوَّر هذه الأخيرة ، ولو للحظة ، إستحالة أن يُفضى أىُّ اتفاق سلام ضمن ترتيبات الايقاد إلى شراكة ما فى مستوى السلطة بين الحركة والحكومة. فقد وقع عندى أن مثل هذا التصوُّر يستمد منطقه من الفكر الحقوقى بأكثر من السياسى! ذلك أن الالتزامات الناشئة عن أىِّ اتفاق لا تعتبر مقدَّسة فى حقل الحقوق إلا بقدر ما يحرسها القانون وآليات إنفاذه. أما فى حقل السياسة فإن القانون نفسه يتحدَّد بميزان القوَّة!
ومن ثمَّ استصوبنا التعاطى مع إشارات قادة الحركة حول حرصهم على حلفائهم بأكبر قدر من الواقعيَّة السياسيَّة ، ليس فقط بسبب تضارب هذه الاشارات ، مثلاً ، ما بين تأمين السيدين منصور خالد وإدوارد لينو على مشروع هذه (الشراكة) ، تارة ، ونفى السيد ياسر عرمان ، تارة أخرى ، لاندراجها ضمن أجندة التفاوض ، أو حتى تقييده إياها بأشراط التحوُّل الديموقراطى وحقوق الانسان .. الخ (الأضواء ، 21 ـ 23/9/03) ، بل ولأن من الظلم للحركة ولأطراف المعارضة الأخرى فى نفس الوقت محاولة تقييد حراكات المستجدات السياسيَّة ، مسبقاً ، بقيود )قانون العقود) الذى لا يشتغل بفعالية معها ، لكونه ليس أصلاً من جنسها ولا هى من جنسه!
وقلنا إن الحركة ليست مظنونة بأن تتقيَّد بأى (التزام) سياسىٍّ سابق فى ما لو تبيَّنت لاحقاً عدم جدواه فى ظل متغيِّرات أىِّ ظرف جديد! وهكذا فإن أىَّ اتفاق سلام (ثنائىٍّ) بين الحكومة والحركة لن يستنفد ، بالغاً ما بلغت ضرورته لوقف الحرب ، مطلب (التسوية السياسيَّة الشاملة) ، أو يغنى عنه شيئاً. فما أن يجف غداً حبر التوقيع عليه ، حتى تفيق البلد والمنطقة والعالم على أن ثمة نزاعات أخرى ما تزال أشراط تسويتها غير مستوفاة ، فى الشمال والجنوب والغرب والشرق. وفى هذه الحالة لن يكون التلفت بحثاً عن (التزام) سابق للحركة باستيفاء هذه التسويات الأخرى ، كشرط لاتفاقها مع الحكومة ، سوى ضرب من (الغشامة السياسيَّة) فى أفضل الأحوال!
لكن المعضلة ، بالنسبة للحركة ، تظل قائمة ، مع ذلك ، فى إدراكها اليقينىِّ لما يمكن أن يكون عليه رصيد الأحزاب الجماهيرىِّ غداً ، حين تتراجع البندقيَّة وتتقدم السياسة ، وذلك بصرف النظر عن فشل هذه الأحزاب بالأمس فى تحقيق ثقل يكافئ ما للحركة فى مضمار المواجهة العسكريَّة مع الحكومة. ولعل هذا هو بالضبط ما فطن إليه السيد ياسر عرمان ، الناطق الرسمى باسم الحركة الشعبيَّة ، فى لحظة من لحظات انتباهاته الذكيَّة بقوله فى تصريح باكر: إن الكيانات السياسيَّة المكوِّنة للتجمع الوطنى الديموقراطى سوف تظل "قوى مهمَّة لضمان مستقبل أىِّ تحول ديمقراطى في السودان ‏,‏ كذلك حزبا الأمة والمؤتمر الشعبي‏ .. ومنظمات المجتمع المدنى وجميع أقاليم السودان ‏,‏ لاسيما في الشرق والغرب‏" (الأهـرام ، 24/9/03). وفى الندوة التى نظمها له التجمع بفرجينيا فى 19/6/04 لم تبتعد إفصاحات الرجل كثيراً عن هذا المعنى ، وإن بدت فى سَمْت (الوعيد!) هذه المرَّة ، عندما (حذر!) القوى السياسيَّة من محاولة عزل الحركة ، مطالباً بضرورة التعاون معها (الصحافة ، 26/6/04).
مهما يكن من شئ ، وبما أن الحركة لا تملك للمعارضة ، حتى بتغليب حسن النيَّة ، أكثر من الانتباهة الثاقبة لوزنها الشعبى ، والاقرار الجهير بقدراتها السياسيَّة ، فقد خلصنا إلى أن الموقف الصائب الوحيد الذى كان منتظراً فى هذه الحالة هو أن تسارع المعارضة لمغادرة محطة (أشركونا) إلى محطة (نحن هنا)! ومن ثمَّ دعَوْنا التجمع للتوقف عن أعمال الصيانة والطلاء بمقرِّه الجديد بالقاهرة ، مِمَّا جاء فى الأنباء وقتها ، كناية عن أن الضرورة الملحَّة لم تعُد تستوجب نشاطه فى الخارج!

***
بعد بضعة أسابيع من ذلك كان السيد ياسـر عرمان يخاطب ندوة التجمُّـع التى أقامها فى 12/11/03 بدار حزب الوفد بالقاهرة على شرف زيارة وفد الحركة لمصر ، نافياً بشدة أن تكون الحركة بصدد الدخول فى شراكه لتقاسم الشمولية فى الخرطوم على حد قوله (سودانايل 14/11/03). غير أن وسائل الاعلام كانت قد تناقلت ، إلى ذلك ، نبأ اجتماع وفد الحركة الرفيع بقيادة الكوماندور سيلفاكير مع هيئة قيادة التجمع ، حيث أبلغوا حلفاءهم بوضوح أنهم ماضون قدماً فى ترتيب شراكتهم مع الحكومة (البيان 12/11/03). ومع أن السيد باقان اموم حَرص على التأمين ، فى ذلك اللقاء ، على (احترامهم) لتحالفاتهم مع التجمع ومع القوى السياسيَّة الأخرى ، إلا أن ذلك كله لم يحُل دون أن يشدِّد الرجل على أن (شراكتهم) مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم ماضية لا ريب فيها (المصدر).
أحكَمُ قرار كان يمكن للتجمع اتخاذه فى تلك اللحظة هو العودة الجماعيَّة الفوريَّة للالتحام بجماهيره ، وإعادة تنظيم صفوفه ، وتنشيط العمل بالداخل ، وتعديل موازين القوى ، ومن ثمَّ تغيير شروط الظرف السياسى نفسه ، وبذلك ينقل وضعه إلى خانة أفضل ، بكل المقاييس ، فى رقعة صراع التسوية. وكما سلفت الاشارة ، فلئن لم يكن للتجمع نفس المنعة الماديَّة التى للحكومة والحركة ، أو حتى ما يقاربها ، فإن لديه السند الشعبى الذى يشكل عنصراً كامناً يستطيع بتفعيله أن يكافىء تلك المنعة ، فيأخذ بذلك زمام المبادأة ، ويرغم اللاعبَين الرئيسَيْن ، بالاضافة لوسطاء الايقاد ، على مراجعة حساباتهم ، حتف أنف النفوذ الخارجى ، بحيث يصعب تجاهله بمثل تلك الكلفة الزهيدة التى تجاهلوه بها فى المفاوضات وفى الاتفاقيَّة!

***
لكن التجمع واصل رهانه ، بدلاً من هذا ، على منهج الدبلوماسيَّة الماكوكيَّة بين الأروقة المغلقة ، وفى عزلة تامَّة عن جماهيره ، تحت عنوان وحيد هو: (أشركونا)!
وقد لا نحتاج فى معرض التدليل على ذلك إلى أكثر من إلقاء نظرة عابرة على رزنامة أدائه خلال الفترة الأكثر حسماً فى مسار المفاوضات بين أوائل ديسمبر 2003م وأواخر مايو 2004م:
(1) شهدت تلك الفترة اتفاق جدة المفاجئ بين طه والميرغنى فى 4/12/03 ، وفى غياب كل رموز التجمع ، مِمَّا أثار التساؤل المقلق المشروع حول جدوى مثل هذه الأساليب المعزولة فى العمل السياسى. وهو التساؤل الذى لا تخفف من حدَّته تصريحات الميرغنى بأن "كل فصائل التجمع .. فوضتني لتحقيق هذا الاتفاق" (الخليج ، 6/12/03) ، أخذاً فى الاعتبار بنفى بعض أطراف التجمع لهذه الواقعة ، حيث انتقد السيد التجانى الطيب الاتفاق ، كما أكدت مصادر فى الحزب الشيوعى أنه لم يسبقه تشاور بين الأطراف (أ ش أ ، 31/12/03).
(2) ثم أعلن التجمع ، بمنطق الأمر الواقع ، عن تشكيل غرف عمليات ولجان فنية استعداداً للحوار مع الحكومة ، والتنسيق مع الحركة الشعبية فى مفاوضات الايقاد تفاديا (لتضارب!) المسارات (موقع التجمع على الشبكة ، 7/12/03). وأعلن فى وقت لاحق عن تشكيل سبع لجان للسياسة والقوات النظامية والشؤون الدستورية والاقتصادية والانتخابات .. الخ (أ ش أ ، 23/2/04). ثم ما لبثت أن تلاشت ، بلا أىِّ أثر فى الواقع ، كل تلك (الاجراءات) المصمَّمة جيداً على الورق ، وغير المُعزَّزة بأىِّ اعتبار شعبىٍّ فعَّال ، مِمَّا سهَّل على الحكومة انتهاز أول فرصة (للنكوص!) عن الاتفاق نفسه ، والذى لم يكن سوى طلعة استكشافيَّة فى جبهة المعارضة ، متعللة بقبول التجمع لحركة تحرير السودان فى عضويته (أ ش أ ، 28/2/04).
(3) رغم ذلك بعث الميرغنى بالدكتور جعفر عبد الله حاملاً رسالتين إلى كل من طه وقرنق حول (أهميَّة!) إشراك التجمع فى مفاوضاتهما (الثنائية) التى كانا قد استأنفاها آنذاك بنيفاشا. وعبَّر الناطق باسم التجمع عن (تفاؤل!) التجمع بأن توافق الاطراف على تمثيله خلال تلك الجولة ، كما أعلن فاروق أبو عيسى أن هناك إشارات من الوسطاء الامريكيين والبريطانيين إلى أن الوقت قد حان لإشراك التجمع (وكالات ، 28/2/04). أما الميرغنى فقد أكد من جانبه أنه سيقود الوفد فور صدور الموافقة (وكالات ، 23/2/04). إلا أن نائب رئيس الجمهورية أبلغ المبعوث بان حكومته قررت تعليق الاتصالات مع التجمع حتى يصحِّح قراره بقبول عضوية متمردى دارفور (وكالات ، 28/2/04).
(4) ومع ذلك فإن الميرغنى ظل يؤكد أن مشاركة التجمع "قد التزم بها قرنق .. علاقتي مع قرنق تعود الى 16 نوفمبر 1988م .. ولاتزال ثقتي فيه كما كانت" (البيان ، 7/3/04). ومن المؤكد أن رئيس التجمع قد وجد من الخصائص والخصال الشخصيَّة لدى زعيم الحركة ، بعد كلِّ تلك السنوات الطويلة من المعايشة الانسانيَّة والسياسيَّة ، ما يدعو بالفعل للثقة فيه. هذا ، دون شكٍّ ، أمر طيِّب فى حدِّ ذاته ، ولكن هل يصلح بمجرَّده مبرِّراً لأن يلقى التجمع بمهامه السياسيَّة على كاهل الحركة أو قائدها؟! إشراك أو عدم إشراك التجمع فى المفاوضات قضيَّة سياسيَّة تخضع ، أوَّل ما تخضع ، لميزان القوَّة فى الظرف التاريخىِّ المعيَّن , وهذا ، بدوره ، يتحدَّد بجملة عوامل يتشابك فيها الذاتى والموضوعى. وفى حالتنا الراهنة ثمَّة طرفان تكافأت كفتاهما فى ميزان القوَّة حتى لم يعد فيهما من يعتقد أن بمقدوره إنزال الهزيمة الحاسمة بالآخر. بالاضافة إلى طرف ثالث لديه مصالح فى بلادنا ، وفى المنطقة من حولنا ، وقد تهيأ له ظرف دولىٌّ وإقليمىٌّ جعله يستقوى بمركزويَّة تتيح له ، وإلى حدٍّ بعيد ، إعادة ترتيب البيئة الملائمة لتحقيق هذه المصالح. فإذا وجد طرف آخر يريد أن يبرز فى ساحة هذا الصراع ، فيتوجَّب عليه ، قبل أىِّ شئ آخر ، أن يتلمَّس مكامن قوَّته هو نفسه ، وما يمتاز به من مقوِّمات التفوُّق أو ، على الأقل ، عناصر الضغط التى تمكنه من تعديل ميزان القوَّة بحيث يصعب على الآخرين إهماله أو تجاوزه. وليس من بين هذه المقوِّمات والعناصر ، بالطبع ، وجود حليف يقوم مقامه أو ينهض بمهامه ، بالغاً ما بلغ هذا التحالف من الوثوق. وبالحق أنت لا تستطيع أن تبلغ على طاولة المفاوضات أبعد مِمَّا تستطيع أن تبلغ مدافعك فى الميدان ، على حدِّ تعبير ونستون شيرشل ، غير أن (المدافع) ليست دائماً هى ذلك السلاح النارى المحدَّد. وإلا فما هى (مدافع) المهاتما غاندى أو نلسون مانديلا؟! المهم أن لكل (مدافعه) التى يتوجب عليه أن يُحسن إدارتها. ولعل التعويل الملحوظ فى أداء التجمع على طاقات الحركة القتاليَّة ، أوان كانت تلك هى لغة الصراع الرئيسة طوال السنوات الماضية ، والاكتفاء فى غضون ذلك بالاستماع إلى التنويرات الدوريَّة عن سـير العمليات من د. جون ، هو الذى أغاظ ستيفن واندو ، مدير مكتب الحركة بواشنطن ، ودفعه لأن يتلفظ بما تلفظ به فى ندوة أخرى بواشنطن أواسط يونيو المنصرم ، حيث قال: لا نقبل أن تعطينا أحزاب الأمة والاتحادى والشيوعى دروسا في الديمقراطية! إن هذه الإحزاب هى سبب الأزمة في السودان! إن ما حققته الحركة من إنجاز يعود لكونها التنظيم الوحيد الذي يمتلك القدرة والتنظيم والكفاءة! إن الحركة تحمَّلت الكثير في الحرب دون أن تقوم القوى الأخرى بدورها ، فقد دفعت الحركة بالآلاف من قواتها في الجنوب والشرق على حين عجزت الأحزاب مجتمعة عن تكوين لواء واحد (الصحافة ، 17/6/04).
(5) الشاهد أن التجمع واصل عزلته عن الجماهير ، وأدار سياسته طوال الفترة الماضية تحت شعار: (أشركونا) ، مُعوِّلاً بالكليَّة على دبلوماسيَّة الأروقة المغلقة. فعقد اجتماعا موسعا، مطالع مارس الماضى ، للسفراء الأجانب بالقاهرة ، طلب فيه من دولهم الضغط على النظام ليقبل بمشاركة بقية القوى التى ستوفر للاتفاق غطاء جماهيرياً وسنداً شعبياً يضمن الاستقرار. ويستوقفنا هنا ، بصفة خاصة ، للتدليل على مدى ما أضاع التجمع فى التركيز فقط على هذه الأنشطة ، قول ناطقه الرسمى إن التنوير لاقى ارتياحاً كبيراً لدى الدبلوماسيين وأكمل لديهم الصورة الناقصة! (سودانايل 11/3/04) ، ولا تسل بعد ذلك عمَّا فعلت دولهم!
(6) وفى منتصف مارس الماضى طار الميرغنى إلى كمبالا ليعرب عن أمله فى أن يقوم (موسفينى!) أيضاً بدور ما على صعيد المفاوضات بما يضمن اتفاق سلام شامل وعادل .. الخ! ثم انتقل من هناك إلى نيفاشا ليبلغ طه وقرنق رسالة فحواها استعداده التام للتعاون من أجل الاسراع فى عملية السلام! وطالب بسلام نهائى ، شامل وعادل ، ينال موافقة كل القوى السياسية ، معلناً استعداده أيضا لقبول أى اتفاق سلام يتوصل إليه الطرفان (!) مشيراً إلى أن ذلك سيخلق واقعاً جديداً أفضل حالاً. كما ناقش مع قرنق مستقبل (التحالف!) بين الحزب الاتحادى والحركة (موقع التجمع على الشبكة ، 19/3/04).

***
أخشى ما نخشاه الآن أن يخطئ التجمع التقدير السياسى مرة أخرى ، وهو يُقبل على اتخاذ قراره التاريخى (المؤجَّل) بالعودة ، كما هو متوقع ، من خلال أحد أهم وأخطر اجتماعات هيئة قيادته بالعاصمة الاريتريَّة مطلع يوليو القادم ، وذلك فى ما يتصل بعلاقته بالحركة ، فيظلمها بتحميلها ما لا طاقة لها به ، ويظلم نفسه برهن حركته لمثل هذه الحسابات الخاسرة مجدَّداً ، أو أن تتحمَّل الحركة عبء هذا الخيار المستحيل من تلقاء نفسها ، مدفوعة بهاجس الخوف من (العزلة) كما سبق أن ألمحنا ، والنتيجة فى الحالين .. واحدة!
فالحركة ، من جانبها ، تتهيأ لترتيب شراكتها مع المؤتمر الوطنى فى السلطة ، والتحوُّل من حركة مقاتلة فى الأحراش إلى حزب سياسىٍّ مدنى حاكم ، بعد أن حققت انتصارها بالتوقيع مع شريكها الجديد على بروتوكولات السلام الستة. أما أحزاب المعارضة داخل وخارج التجمع فلم تحزم أمرها بعد بشأن المشاركة فى الحكومة القوميَّة ذات القاعدة العريضة ، إذ لا تزال تنتظر موقف (الشريكين) من شروطها التى طرحتها لأغراض هذه المشاركة ، وفى مقدمتها عرض الاتفاقية على منبر وطنى واسع لإخراجها من ضيق (الثنائيَّة) وإكسابها الطابع (القومى) ، ومعالجة اختلالاتها ونواقصها الكثيرة ، فضلاً عن اصطناع منبر آخر لوضع المعالجات اللازمة لمشكلة دارفور .. الخ.
فإذا لم يُُستوفَ هذا الشرط ، على الأقل ، فإن الاحتمال الغالب هو أن تبقى هذه القوى ، أو جُلها ، فى المعارضة. ومن نافلة القول أن الحركة ، فى هذه الحالة ، لن تستطيع ، مهما أوتيت من المهارة ، أن تلعب دور (السلطة) و(المعارضة) فى آن. فلا هى مستطيعة أن تخرج من اجتماع مجلس الوزراء ظهراً لتلتحق باجتماع هيئة قيادة التجمع مساءً ، كما يتوهَّم البعض ، ولا بمقدورها حتى أن تنفذ عملياً ، دون مخاطرة سياسيَّة حقيقيَّة ، ما أشار إليه السيد عرمان فى ندوة فرجينيا المشار إليها قائلاً: إن الحركة ستستمر في التنسيق مع التجمع وهي داخل الحكم لتضمن تنفيذ كل المواثيق المتفق عليها لإنجاز قضايا التحول الديمقراطى (سودانايل ، 23/6/04).

***
لا نستبعد ، بالطبع ، أن يتوصَّل الطرفان من خلال اجتماع هيئة القيادة إلى صيغة ما من خلال الاجتماع المشار إليه. لكن المهم هو أن نعى جيداً ، وبصورة موضوعيَّة ، أن شراكة الحركة والمؤتمر الوطنى قد ابتدأت فعلياً منذ أن قررا التفاوض الثنائى لحل المشكلة. وأن الاختلالات التى شابت البروتوكولات التى خلصت إليها مفاوضاتهما هى من جنس اختلال هذا الطابع الثنائى لمفاوضات تتعلق ، فى أصلها ، بقضايا ذات طابع وطنى عام وشامل.
لكن ، وبرغم الخطورة الاستثنائيَّة لهذه المفارقة ، فليس من المستحيل على الحركة السياسيَّة الوطنيَّة ، إن هى اعتمدت على الجماهير ، تحقيق اختراق جدى لإكساب الاتفاق قوميَّته المطلوبة ، وربطه بتحول ديمقراطي حقيقى لجهة الأوضاع المعيشية بتحسينها ، فمن حق مواطنى القوميَّات كلها فى الوطن أن يتلقوا تعويضاً مجزياً عمَّا ظلوا يكابدون من شظف فى حياتهم اليوميَّة بسبب الحرب التى كانت تكلف مليار جنيه يومياً ، وإلا فلن يعنى السلام بالنسبة لهم غير أناشيد فى الراديو والتلفزيون! وكذلك لجهة الحقوق والمظالم ، فما من قوة فى الأرض تستطيع أن تنسى المظلوم غبنه إلا برد حقه المعتدى عليه ، مادياً أو معنوياً ، وإلا فسوف يبقى السلام مهدَّداً!



منال غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-11-2009, 03:13 PM   #[2]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خالد الحاج
 
افتراضي

الله يديك العافية يا كمال الجزولي...
فاتهم القطار والله... وعليهم الآن بعد ما استبانوا نية الحركة في الانفصال "بعد ضحي الغد" أن يلعقوا جراحهم ...




التوقيع: [align=center]هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-11-2009, 04:22 PM   #[3]
مبر محمود
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

في ايام الحركة الاولى
والكل مولي وجهه شطرها ،
قال لي صديقي الساخر واصفاً الحركة
(يازول دي حركة ساي منهم ) واضاف ( حركة في شكل وردة) او كما قال
وانا الان انظر لهذاء الحال ،
تراني اقول ،، ما ابعد نظرك يا صديق



مبر محمود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2009, 11:26 AM   #[4]
منال
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية منال
 
افتراضي حُكْم اَبْ تَكُّوْ! بقلم/ كمال الجزولى

الأربعاء, 07 يناير 2009
حُكْم اَبْ تَكُّوْ!
بقلم/ كمال الجزولى

لا شكَّ أن القانون مفهوم ملتبس يعبر بشكل قامع عن أفق التصورات القيمية والمعرفية المحدودة لجزء صغير من المجتمع ، بينما يدعى ، فى الوقت نفسه ، الإحاطة بقيم ومثل المجتمع كله. فهو كمؤسسة اجتماعيَّة ، وكشكل تاريخى لضبط العلاقات ، يقوم على جملة قواعد حقوقية لإنفاذ هذا الضبط وفق مصالح الطبقة الاجتماعيَّة السائدة اقتصادياً وسياسياً. والدولة ، توأم القانون ، هى التى تقرِّر هذه القواعد ، وتستخدم لإنفاذها ترسانة متكاملة من أجهزة القمع وتدابير الإكراه. بعبارة أخرى ، وعلى حين يتمظهر القانون افتراضاً كأداة (خارجية) تعمل (بحياد) و(استقلال) وفق أعمِّ القيم المتواضع عليها والتى تتشكل تاريخياً ، وبتراكمية تلقائية ، فى مستوى البنية الاجتماعية الفوقية ، فإن وظيفته الحقيقيَّة هى إخضاع (الأغلبيَّة) لمصالح (الأقليَّة) بموجب قواعد محدَّدة فى المعاملات.
مع ذلك ، فما من دولة غير محتاجة ، ولو بالحد الأدنى ، (لإقناع) الناس فيها ، مواطنين وأجانب ، (بجدارة) قوانينها (لصون) أرواحهم وأموالهم ، ولو من باب حاجتها لخلق الحدِّ الأدنى من الاستقرار النسبى لأوضاعها. أما المدى الذى يتحقق فيه هذا (الإقناع) فرهين بالمدى الذى يطمئن فيه المستهدفون أنفسهم لشيوع القدر المعقول من معايير (الحق والواجب) فى علاقاتهم فى ما بينهم ، من جهة ، وفى ما بينهم وبين الدولة من الجهة الأخرى ، بما فى ذلك ، بل أوَّل ذلك أسلوب إصدار هذه القوانين قبل استقرارها فى التطبيقات القضائيَّة. فكم من قانون غير مكتوب اكتسب (قوة الشرعية) من كون التزام الناس به لا ينبع من رهب ، وإنما من استشعارهم بمحض (الفطرة السليمة) أن فى ذلك تعبيراً ، بالحد المعقول ، عن أعمِّ القيم والمثل الأخلاقية لأوسع الطبقات الشعبية. ولكن كم من قانون مستوفٍ لكافة شكليات التدوين والتوثيق والتوقيعات والأختام دون أن يكتسى سوى (شرعية القوة) المنفلتة المحروسة بأجهزة القمع ، كونه لا يحظى بأدنى قبول فى إطار البناء الأخلاقى العام لثقافة الشعب ، والذى يمثل أفضل عناصر القيمة فى تصورات الماضى الأخلاقية ، ويبلور قناعات الناس الداخلية ، وينعكس بثقل مؤثر على مجمل العملية التاريخية الاجتماعية.
ولأن (العدالة) تأتى على رأس هذه المعايير فينبغى التفريق بين مفهومى (القانون) و(العدالة) فى عمل السلطة ومشرِّعيها. فلئن كان (القانون) أداة ضبط سلطانية مصدرها الدولة ، فإن (العدالة) نزوع أصيل للفطرة الإنسانية السليمة ، مِمَّا ينقدح فى الضمير الحى والعقل المستنير. ولعل هذا هو بالضبط ما رمى إليه كبير أساقفة كنتربرى ، عند زيارته لبعض المحاكم فى انجلترا ، فيما روى اللورد ديننج فى مستهل كتابه (طريق إلى العدالة) ، حين خاطب قضاتها بقوله: "لا أستطيع أن أدعى أنى أعرف الكثير عن القانون ، غير أنى ، فى الدرجة الأولى ، أوجه اهتمامى إلى العدالة".
لذلك من الخطأ إعتبار (العدل) ، مجرد مجموعة نصوص يعكف على صياغتها فى الغرف المغلقة (خبراء) سلطانيون ذوو تأهيل فنى خاص ، توهُّماً ، من عند السلطة ، بأن الحياة كلها سوف تدور حيثما دارت هذه النصوص ، وأن الدنيا بأسرها سوف تتغير بتغيرها: فتسود الفضيلة بقانون وتنحسر الرذيلة بقانون ، ويتحدد الصواب بقانون ويتعيَّن الخطأ بقانون ، بل يتحقق العدل نفسه ويزول الظلم بمجرَّد سنِّ الدولة للقانون ضربة لازب. لقد أصبحت أكثر التيارات (سلطويَّة) فى العصر الحديث تعى أهميَّة أن يتفادى (القانون) ، إلى الحد المعقول ، الاصطدام المباشر والمفضوح والفاجع بروح المجتمع وتصوراته الفطرية عن الخير والشر ، والصواب والخطأ ، والجمال والقبح .. الخ.
إقتضانا هذا الاستطرادَ ما وقع فى حقل التشريع السودانى خلال الأسبوع الأول من مايو الجارى (2004م). فما من مواطن ، أو ناشط فى غالب الوسط المهنى بخاصة ، كان يعرف قبل ذلك أن رئاسة الجمهوريَّة أجرت منذ يناير الماضى ، وبدون إعلان ، تعديلاً جوهرياً على قانون الاجراءات المدنيَّة لسنة 1983م ، بموجب مرسوم مؤقت (تعديل لسنة 2004م) ، ليسرى من تاريخ التوقيع عليه!
أوَّل ما يصدم العقل المستنير والوجدان السليم ، شكلاً ومبدءاً ، فى هذا التشريع الجديد ، هو صدوره ، من ناحية ، بمرسوم مؤقت ، الأمر الذى لا مسوِّغ له فى وجود المجلس الوطنى المعتمد من النظام نفسه ، بل يجعل التشريع سلطة أصيلة فى يد رئيس الجمهوريَّة الذى هو رئيس الجهاز التنفيذى ، ويفضح شكلانيَّة وهشاشة البنية الدستوريَّة للنظام ودعوى ارتكازها على مبدأ الفصل بين السلطات ، علاوة على النص ، من الناحية الأخرى ، على سريانه من تاريخ التوقيع عليه ، وهى مسألة لا تحتاج إلى درس فى القانون لإدراك مدى خطورتها ، إذ يكفى تصوُّر تشريع جديد يمهره رئيس الجمهوريَّة بتوقيعه ثم يُحفظ فى أضابير القصر ردحاً من الزمن دون الإعلان عنه ، بينما سيفه مسلط قانوناً ، منذ التوقيع عليه ، فوق رقاب الناس الذين يواصلون التعامل فى الحقل الذى ينظمه دون أن يكون لديهم أدنى علم به!
من جهة المضمون يطال التعديل البندين (1 ، 6) من المادة (231) ، ويلغى البند (3) منها ليستعيض عنه بنص آخر ، ويضيف البند (3) الجديد إلى المادة (243). فأما البندان (1 ، 6) من المادة (231) فقد سلبا القضاء سلطته الأصيلة فى تنفيذ أى حكم ضد الحكومة بعد مضى ثلاثة أشهر من صدوره ، ووضعاها فى يد وزير العدل (الخصم والحَكم) ، وبعد مضى ستة أشهر من صدور الحُكم!
وحدِّث ولا حرج عن طريقة التنفيذ بهذا التعديل العجيب! إذ يتعيَّن على المحكوم له أن يصبر ستة أشهر قبل أن (يلتمس) من وزير العدل تنفيذ الحكم. فإذا كان المبلغ المحكوم به ديناً خارجياً أو بالنقد الأجنبى فإن وزير العدل سوف (يحيله) إلى وزير الماليَّة والاقتصاد الوطنى (ليفاوضه) فى السداد حسب البند (3) الجديد! ولن يعجز حتى ذوى الذكاء المتوسِّط ، بطبيعة الحال ، عن تصوُّر نتيجة مثل هذا (التفاوض) ، خصوصاً لدى التمييز بين وضعى (الأقربين) و(الأبعدين)! أما إذا كان المبلغ المحكوم به بالعملة السودانيَّة فعليه العَوَض ومنه العَوَض!
ثم يجئ نص البند (3) الجديد المضاف إلى المادة (243) ليغلق كل باب قد يتوهم المحكوم له المسكين أن فيه محتملاً للعدل. ذلك أن النص القديم ، على علاته ، والذى يخوِّل المحكمة سلطة حبس المدين ، قد استثنى منه ممثلو الحكومة بموجب التعديل الجديد! وحتى يتضح موقفنا بشكل جلى فقد كان ولا يزال لدينا نظر ناقد للمادة (243) التى تقضى بحبس المدين لإرغامه على الوفاء بالدين ، ولكن أن يظل حكم هذه المادة قائماً على حاله القديم ويستثنى منه فقط ممثلو الحكومة بالتعديل الجديد فذاك لعمرى هو الظلم نفسه المعرَّف بالألف واللام! وعلى العموم ما كان أغنى المشرِّع عن هذا التزيُّد ، فالمحكمة (ممنوعة) أصلاً عن التدخل!.
يهدر هذا التعديل جملة قواعد ومباديء دستوريَّة وقانونية توصَّلت إليها الانسانيَّة عبر مسيرتها الطويلة من أجل استكمال مقوِّماتها ، وفى مقدمتها (المساواة أمام القانون). كما ويهدر مبدأ أساسياً لا تقوم للقضاء قائمة بدونه ، وهو مِمَّا ساقه سيدنا عمر فى رسالته الشهيرة إلى أبى موسى الأشعرى حين ولاه قضاء الكوفة: (لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له). ولكن المشرِّع ، مع ذلك كله ، لم يجد فى نفسه حرجاً كى يفصح صراحة فى (المذكرة التفسيريَّة) المرفقة بالتعديل عن كون الدافع إليه هو أن الديون أرهقت الحكومة ، وأن موظفيها لا يجوز ان يتحملوا أوزارها عند تنفيذ الاحكام ضدها!
وجدان المستعربين السودانيين صاغ أمثولة (حُكم اب تكو) كناية عن الاستبشاع الجمعى للجور ، ولكن هذا التشريع يجئ ، بكل المعايير ، آية فى (حُكم اب تكو)!



منال غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2009, 11:28 AM   #[5]
منال
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية منال
 
افتراضي مَرْجِعِيَّةُ الاتِّفَاقِ .. الوَرْطَةْ! بقلم/ كمال الجزولى

مَرْجِعِيَّةُ الاتِّفَاقِ .. الوَرْطَةْ!
بقلم/ كمال الجزولى

لم تتراجع الحكومة حتى الآن عن طلبها للانتربول العربى بتوقيف وتسليم العميد (م) عبد العزيز خالد ، أحد أبرز رموز التجمُّع الوطنى الديموقراطى ، وعضو هيئة قيادته طوال السنوات الماضية ، مِمَّا تسبَّب فى اعتقاله بمطار أبو ظبى عند وصوله إليه قبل شهر ، حيث ما يزال رهين السجن بانتظار صدور القرار النهائى بشأنه من الأجهزة العدليَّة هناك. مع ذلك داسَ التجمُّع على كرامته السياسيَّة ، فلم يشترط ، كما يُتوقع عادة فى مثل هذه الظروف ، إلغاء الحكومة لتلك الاجراءات أولاً ، وقبل أىِّ كلام عن جولة المفاوضات الحاليَّة ، الأمر الذى يُخشى معه أن تنفتح شهيَّتها لممارسة المزيد من الضغوط كما هى العادة أيضاً فى مثل هذه الحالات!
الشاهد أن الجولة قد ابتدأت ، بالفعل ، مساء الخميس 21/10/2004م ، تحت عنوان (الحل السياسى الشامل) ، وذلك بالعاصمة المصريَّة التى سبق أن شهدت جولة تمهيديَّة بين الطرفين خلال الفترة من 24 إلى 30/8/2004م. ولئن كان قادة التجمُّع قد وصفوا ، فى الندوة التى عقدوها بالقاهرة أوائل سبتمبر المنصرم ، تلك الجولة السابقة التى اقتصرت على محض مسائل إجرائيَّة واستمرت قرابة الاسبوع بأنها "كانت شاقة" (الزمان ، 9/9/04) ، فمن الراجح عقلاً ، إذن ، أن تتسِم هذه الجولة الجديدة بطابع (المشقات) المُضاعَفة بما لا يقارن ، كما ويُنتظر ، منطقاً ، أن تحتاج ، ربما كالزراعة تماماً ، إلى عمر نوح ، وصبر أيوب ، ومال قارون ، خاصة وهى جولة التفاصيل التى تملأ الألغام عرصاتها ، وتكمن الشياطين فى ثنياتها ، وتحتوشها احتمالات الخيبة والتوفيق جنباً إلى جنب ، وعلى قدم المساواة ، ومن كلِّ حدب وصوب. لذا فليس من قبيل التشاؤم المجانىِّ أن نتوقع لمداها الزمنىِّ أن يُحسب بالشهور ، إن لم يكن بالسنوات ، وأن تعترضها الكثير من العوارض المحتملة ، والعقبات المنظورة ، والانقطاعات المُتصوَّرة ، بل ومن غير المستبعد أبداً ، فى عصر (صناعة المفاوضات) هذا ، أن تتخللها أيضاً بعض الانتقالات السياحيَّة إلى الاسكندريَّة أو مرسى مطروح أو شرم الشيخ ، اللهم إلا إذا عِيْلَ صبر وسيطها بأسرع مِمَّا جرى لوسيط (الإيقاد) من مشاكوس إلى كارن إلى نيفاشا ، أو إذا تضعضع موقف أحد طرفيها ، لسبب أو لآخر ، فتداعى ، بغتة ، كمثل كاتدرائيَّة تتقوَّض!
يدخل التجمُّع هذه الجولة الجديدة محتقباً ، بلا شك ، أطناناً من العزم ، وأضابير مُزنَّرة من المقرَّرات والمواثيق ، وما يملأ مجلدات بأكملها من روايات الفلاح والاخفاق ، علاوة على خمسة عشر سنة من الثبات المشهود لأغلب رموزه ، والتضحيات غير المنكورة لمعظم قياداته العليا والوسيطة. مع ذلك ، ومهما يكن من شئ ، وباستثناء بعض أعضائه من مفاوضى الحركة الشعبيَّة ، فإنه يدخل مستنداً ، فحسب ، إلى هذه الخصائص والمعينات غير الكافية ، على أهميَّتها الكبيرة ، لما يحتاجه هذا الضرب المتميِّز من الكفاح ، ومفتقراً ، بالأساس ، إلى الخبرة الواسعة فيه ، مقابل فيلق من المفاوضين الحكوميين الخارجين لتوِّهم من (الإيقاد) ، مدجَّجين برصيد طازج من الخبرة فى هذا المجال ، مثلما يدخل مفتقراً أيضاً إلى القدر المطلوب من التعاطف العالمى والاهتمام الاعلامى ، مقارنة بما وجدته الحركة الشعبيَّة على محور نيفاشا وما تجده حركتا دارفور على محور أبوجا!
غير أن الأخطر من ذلك كلِّه هو أن التجمُّع ، ما لم يجترح أفكاراً مُفكراً فيها جيداًthinkable thohght بمصطلح نعوم تشومسكى ، وما لم يتمكن من تحشيد الجماهير حول مشروع جاذب بحق ، فإنه سيخوض جولة من اللت والعجن ، بينما ملايين الناس فى السودان لم يتبقَّ لديهم ، للأسف ، الكثير من فائض الطاقة على ترقب (مُطاولات) ساسَ يسوسُ! فعلى الرغم من الأهمية الاستثنائيَّة لقضايا مثل الحريًّات والتحوُّل الديموقراطى وتوسيع قاعدة المشاركة فى الحكم .. الخ ، وعلى الرغم من أنها بالفعل قضايا مصيريَّة ، إلا أنها تظل بلا مضمون حقيقى بالنسبة لهذه الملايين إن لم تقترن بمردود مادىٍّ ملموس ومباشر على حياتها ومعيشتها.
لقد تصرَّمت سنوات طوال منذ أن بلغت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر فى بلادنا 96% ، وفق بيانات الأمم المتحدة ومراكز البحوث المحليَّة. أما دولة النخبة الاسلامويَّة التى رفعت طاقات الرأسماليَّة الطفيليَّة إلى أقصى احتمالاتها ، فإنها ما تنفكُّ تلهث ، صباح مساء ، خلف وصفات البنك الدولى وروشتات صندوق النقد الدولى وتعليمات منظمة التجارة العالميَّة وسائر أشراط مؤسَّسات العولمة الرأسماليَّة التى تجبرها على التخلى ، يوماً بعد يوم ، عن دور الرعاية ، وعلى التخلص تماماً من ممتلكات القطاع العام ، وعلى إدارة الظهر نهائياً لوظائفها الاقتصاديَّة ، فأضحت تغلُّ يدها ، أكثر فأكثر ، عن معايش الناس اليوميَّة ، بما فى ذلك قطاع الخدمات من صحة وتعليم وغيره. وبالنتيجة التى أقرَّ النظام نفسه بها قبل ست سنوات ، ناهيك عن تفاقم الظاهرة بما لا يحتاج إلى أكثر من العين المجرَّدة تحت الظروف الراهنة ، فإن 83% من سكان الريف فقراء غذائياً ، أى تقل دخولهم عن خط الفقر الغذائى ، و45% منهم فى فقر مدقع ، مما يتسق ".. تماماً مع دعاوى التنمية غير المتوازنة وتهميش الريف" (التقرير الاستراتيجى السودانى 1998م ، مركز الدراسات الاستراتيجية ، الخرطوم ـ السودان ، ص 359 ، 361). أما سكان الحضر ، وحسب البيانات الرسمية نفسها المرصودة خلال الثلث الأول فقط من عمر النظام ، فإن "حوالى 81% (منهم) لا يستطيعون الحصول على غذاء كاف ، أى لا تمكنهم دخولهم من ذلك" ، وبإضافة الاحتياجات الأساسية الأخرى فإن ".. نسبة فقراء الحضر قد ارتفعت إلى 87%" (المصدر ، ص 358). وبحسب تلك البيانات الرسميَّة ذاتها فإن ".. فجوة الفقر .. قد تكون حوالى 70% أى أن إنفاق الفقراء يفى فقط بحوالى 30% من تكلفة غذائهم" (المصدر ، ص 360). ومع كون ".. الفقر ما زال يتخفى تحت قناع قيم التكافل والتراحم السائدة فى المجتمع السودانى (إلا أن) الخوف الآن أن هذا القناع بدأ يتمزق ، لأن مقدرة من يدعمون الفقراء .. بدأت تضعف بفعل الأحوال الاقتصادية الصعبة .. هذه القيم بدأت فى التلاشى جراء التضخم وقلة الدخل" (المصدر). ولا تسَلْ عن تفاصيل الاحتياجات الأساسيَّة ، إذ تكفى الاشارة ، حسب احصاءات وزارة الصحة الاتحادية ومنظمة الصحة العالمية ، إلى أن الملاريا وحدها تفتك بمئات الآلاف كلَّ عام ، ومعدل وفيات الامهات أثناء فترة الحمل والولادة بلغ حوالى 7000 حالة سنوياً. وأما عن أوضاع التعليم فحدِّث ولا حرج! وها قد أتى على الوجدان العام حين من الدهر انصدم فيه ، ذات صباح أغبر خلال الأيام الماضية ، بنبأ انتحار طفل تهشمت دواخله تماماً عندما طرد من مدرسته الابتدائيَّة لعجزه عن سداد الرسوم الدراسيَّة المفروضة!
إن الفقر يُدمِّر قدرة الفقراء على الصبر ، ويسحق بوصلة انتباهتهم للشأن العام ، ويمحق ، بالتالى ، وعلى المديين المتوسط والبعيد ، إمكانيَّة التمييز بين الفعل السياسى الصالح والآخر الضار فى مستوى الوعى الاجتماعى السائد. ولعل هذا بالتحديد هو ما يدفعنا ، ونحن بين يدى هذه الجولة من المفاوضات ، للتنبيه إلى أحد أكثر موضوعاتها التى تجابه التجمُّع خطورة وحسماً: القضيَّة الاقتصاديَّة.
لقد نصَّ الاتفاق المبرم فى ختام الجولة الاجرائيَّة السابقة فى 30/8/2004م على أن تكون مرجعية التفاوض فى الجولة الراهنة هى (اتفاق جدة الإطارى) و(برتوكولات نيفاشا) ، كما نصَّ ضمن (الفقرة/8) منه على أن يشمل جدول الأعمال (السياسة الاقتصاديَّة) ، وهنا بالتحديد تكمن الورطة! فلو كان التجمُّع محتفظاً ما يزال بأىِّ هامش يستطيع المناورة من خلاله حول هذه القضيَّة لانفتحت ، إذن ، خياراته بشأنها ، ولهانت المسألة. غير أنه ، وعلى حين لم يتطرَّق (بروتوكول اقتسام الثروة) فى نيفاشا إلى هذه القضيَّة إلا بأعمِّ العبارات ، وأكثرها غموضاً ، كالنص ضمن (الفقرة/1/4) منه على أن "تقسيم وتخصيص الثروة .. يضمنان ترقية نوعية الحياة وكرامة وظروف المعيشة لكل المواطنين"، وضمن (الفقرة/1/7) على أن "جنوب السودان والمناطق التي تحتاج إلى التعمير وإعادة التعمير سترفع إلى نفس متوسط الخدمات الاجتماعية الاقتصادية والخدمات العامة في الولايات الشمالية" ، فلكأن هذه الخدمات البائسة معيار يُقاس عليه! وكذلك ضمن (الفقرة/5/1/1) على الموازنة ".. بين حاجات التنمية القوميَّة وإعادة إعمار جنوب السودان" ، وغيرها من النصوص المغرقة فى مثل هذا الضرب من الابهام ، فإن الحكومة استطاعت ، من خلال (اتفاق جـدة الاطارى ـ 4/12/2003م) الذى يشكل المرجعيَّة الثانية للتفاوض ، أن تنتزع من التجمُّع ، للأسف ، إقراراً عزيزاً وجهيراً بتخليه التام عن قضايا الجماهير الاقتصاديَّة والمعيشيَّة (!) وذلك بالنصِّ ضمن (البند/ب/خامساً) منه على تأكيد اتفاق التجمُّع مع الحكومة على "المضي قدماً فى سياسات الانفتاح ورفع يد الدولة ومؤسَّساتها عن الأنشطة الاقتصاديَّة والإنتاجيَّة والخدميَّة بما يصل بالاقتصاد الوطنى الى اقتصاد السوق الحر"!
لا رغبة لنا فى العودة لاجترار ما سبق أن أوردنا من رأى حول هذا (الاتفاق/الورطة) فى حينه ، ولكننا لا نملك ، بمناسبة المفاوضات الجديدة ، إلا أن نعيد التذكير بشكوكنا القديمة. فمن غير المفهوم إطلاقاً أن يوافق التجمُّع بشيوعييه واشتراكييه ويسارييه ونقابييه ومهمَّشيه على هذا النصِّ الذى يعلن أن (اقتصاد السوق الحر) يشكل نهاية التاريخ الاجتماعى ، والنقطة فى آخر سطر التطور ، بل ويعلن ، ضمناً ، إستقالة هذه القوى والتنظيمات الوطنيَّة الديموقراطيَّة من ساحات الصراع فى بلادنا ، طالما أنها تقر بشطب أفق العدالة الاجتماعية ذاتها من أى مشروع وطنىٍّ للنهضة! فماذا ، بربِّكم ، ستكسب الجماهير لو خرج التجمُّع (منتصراً) فى كلِّ قضايا التفاوض الأخرى من ديموقراطيَّة وحريَّات وخلافه ، على أهميتها ، ولكنه (مهزوم) فى قضيَّة الجماهير الاقتصاديَّة والمعيشيَّة؟! وأيَّة مشاركة للتجمُّع فى الحكم سوف تسعد هذه الجماهير طالما أنها تعلم مسبقاً أنه (مُقيَّد) فى هذه المشاركة بالموافقة على الاستمرار فى "سياسات الانفتاح ورفع يد الدولة ومؤسَّساتها عن الأنشطة الاقتصاديَّة والإنتاجيَّة والخدميَّة بما يصل بالاقتصاد الوطنى الى اقتصاد السوق الحر!" ، أى سياسات إفقار الملايين وتهميشها؟!
ولعل أكثر ما يبعث على الاستغراب ، بعد هذا كله ، بل أكثر ما يثير القلق ، النقد الذى وجهته (هيئة قيادة التجمُّع) فى اجتماعها بأسمرا فى 20/7/2004م (لاتفاقيَّة نيفاشا حول قسمة الثروة) بأنها "تتجاهل ضرورة التخطيط الاقتصادى الاجتماعى ودور الدولة والقطاع العام فى إحداث تنمية شاملة ومتوازنة في كل أقاليم البلاد" ، وأنها "تنطلق من البرنامج الاقتصادي الحكومي .. لتركز ضمنيا على اقتصاد السوق ودور القطاع الخاص والعلاقة مع مؤسَّسات التمويل الدوليَّة" ، وأن "مثل هذا النهج لن يساعد في تنمية الجنوب والمناطق المهمشـة الاخرى ، وانما سيعمل علي توسيع وتعميق أوضاع التهميش في كافة الاقاليم لمصلحة مراكزها الحضريَّة وفئاتها الطفيليَّة والبيروقراطيَّة"!
كما يبعث على الاستغراب ويثير القلق أيضاً النقد الذى وجهته (سكرتاريَّة تجمُّع الداخل) لهذه الاتفاقيَّة ، بقولها ، ضمن الرسالة التى بعثت بها فى 26/6/2004م إلى رئيس التجمُّع فى القاهرة: إن الاتفاقيَّة "لم تتطرق الي وضعية القطاعين العام والخاص والمؤسسات التي تم تخصيصها أو التي قيد التخصيص بالرغم من أهمية ذلك"!
حسناً! لن نتساءل ، مع ذلك ، عن الكيفيَّة التى اعتمد بها التجمُّع هذا الاتفاق! ولا عن الكيفيَّة التى استطاعت بها كلا (هيئة القيادة) فى أسمرا و(سكرتاريَّة الداخل) رؤية هذا جميعه فى (اتفاقيَّة نيفاشا) ، بينما لم تستطيعا مجرَّد لمح شئ منه فى (اتفاق جدة)! ولكننا نفضل التركيز على حث التجمُّع على الاستمساك ، من خلال هذه المفاوضات ، بهذا الموقف النقدى الصارم الذى اتخذته الوثيقتان من اقتصاد السوق ، وسياسات الخصخصة الحكوميَّة ، بالانحياز لمصالح الفقراء والكادحين والمُهمَّشين ، ورفض التأمين على مكاسب حلف الطفيليَّة والبيروقراطيَّة غير المقدَّس ، فلمثل هذا وحده تنفتح آذان الملايين وعقولهم وقلوبهم ، حتى لو أدى الأمر إلى اختيار الامتناع عن المشاركة فى (الحكومة القوميَّة) خلال الفترة الانتقاليَّة ، مع الوقوف فى صفِّ المُعارضة إلى حين الاحتكام لصناديق الاقتراع ، طالما أن (التواثق) على إدارة الظهر لقضايا (العدالة الاجتماعيَّة) هو الشرط اللازم لمثل هذه المشاركة!



منال غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 08:40 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.