حكايات الأمويين
(1)
تدوين تاريخ العهد الأموي تمّ أولا في العصر العباسي لذا سيلاقي الباحث فيه أن الجزء المكتوب في بداية العصر العباسي يتجنب تعظيم ذلك التاريخ و تبجيله ، أما الجزء الذي كُتب منذ الربع الثاني للقرن الثالث الهجري إبان و بعد خلافة المتوكل (232 ــ 247 هـ) ــ بعد مرور قرن على قيام الدولة العباسية ــ سيتغاضى عن كثير من مساوئه لأن العداء للأمويين قد خفت قليلا .. سيحتاج المؤرخون وقتها لكثير من رموزه و للصحابة الذين عاشوا فيه لرواية الحديث ، و من المعروف أن كتابة التاريخ تتم بالنظر إليه من عصر الكتابة فيتم إسقاط الكثير من نظرة عصر الكتابة على ذلك التاريخ . المدخل لقراءة أحداث العهد الأموي تستوجب الرجوع للخلف قليلا . سأعتمد على المصادر السنية و إذا تعرضت لرواية شيعية سأذكر ذلك و أذكر مصدرها .
جاءت السنة الثالثة و العشرون للهجرة و في آخر أيامها قتل أبو لؤلؤة غلام المغيرة سيدنا عمر بن الخطاب غدرا بخنجر ذي رأسين و قد ثأر عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأبيه ممن ظن أنهم تآمروا مع القاتل فقتل الهرمزان (و كان قد أسلم) و جهينة و هو نصراني و قتل ابنة الهرمزان . كان أبو لؤلؤة قد انتحر قبل أن يقدر عليه الصحابة في المسجد ، لكن هناك من قال إنه رأى أبا لؤلؤة و الهرمزان و جهينة يتناجون ، فلما رأوه فزعوا و قاموا فسقط ذلك الخنجر ذو الرأسين . من المعروف المشهور وصية سيدنا عمر في شأن الخلافة ، فقد اختار ستة (كلهم من قريش و من العشرة المبشرين) و نعرف كيف انتهى الأمر باختيار سيدنا عثمان . بويع سيدنا عثمان بالخلافة في آخر يوم في تلك السنة على أرجح الأقوال ، و يمكن القول إن خلافته بدأت أول محرم من السنة 24 هـ بمعضلة كيفية التصرف مع عبيد الله بن عمر ... اختلف الصحابة في مشورتهم له ، فبعضهم رأى القصاص للهرمزان و لأن هناك ابنة الهرمزان البريئة و الكتابي جهينة و منهم سيدنا علي بن أبي طالب ، و هو ما سيجعل عبيد الله بن عمر فيما بعد ، يلتحق بمعاوية بن أبي سفيان بعد مقتل سيدنا عثمان .. نعرف ان سيدنا عثمان حل المشكلة بدفعه دية المقتولين من ماله . اتبع عثمان وصية عمر بن الخطاب بالإبقاء على ولاة الأمصار عاما . كان سيدنا عمر لا يولي من قرابته أحدا ، بل ولم يعين من قريش إلا معاوية بن أبي سفيان على دمشق و أخوه يزيد على الأردن و لما مات ولى الأردن لمعاوية و ولى عمرو بن العاص مصر ، و كلهم ليسوا من قرابته (بني عدي) أما بقية الولاة و عددهم تسعة فكلهم من بقية العرب ، منهم المضريين و منهم اليمانية . بعد مرور العام قام سيدنا عثمان بعزل ولاة أهم الأمصار : الكوفة و البصرة و مصر أما المصر الرابع المهم و هو الشام فلم يعزل واليه معاوية بل ضم إليه أمصار الشام كلها .. عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة و ولى سعد بن أبي وقاص عليها في أول عام لولايته ، لكنه عزله بعد حوالي سنتين لخلاف بين سعد و بين خازن بيت المال عبد الله بن مسعود (تقول رواية الطبري في الجزء الرابع عن الخلاف ، إن سعدا استدان مبلغا من بيت المال و كتب صكا على نفسه لكنه حين جاء أجل السداد لم يستطع سداده) . ولى عثمان على الكوفة اخاه من امه الوليد بن عقبة و الوليد هو الذي نزلت فيه الآية (إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا...) عندما أرسله النبي (ص) لبني المصطلق لأموال الصدقة . لم يكن ذلك مرضيا لأهل الكوفة خاصة بعدما تبين لهم أن الوليد ليس الرجل الكفؤ و لا صاحب ورع ، و روى أنه صلّى بالناس مرة و هو سكران ، فاشتكوه للخليفة و كان معهم خاتمه الذي استولوا عليه و هو في حالة سكر و قد عزله عثمان و أقام عليه الحد (اختلفوا فيمن جلده بعضهم قال سيدنا علي و بعضهم قال سعيد بن العاص) . كانت ولاية الوليد على الكوفة قد استمرت أربع سنوات ... ولى الخليفة عثمان بعد عزل الوليد ، سعيد بن العاص ... مرة أخرى كانت الولاية من نصيب البيت الأموي . كان سعيد حسن السيرة لكن عابه اعتداده و فخره بقريش حتى كان في ليلة بعد ثلاثة أعوام من ولايته ، يسمر مع كبار أهل الكوفة فقال (إنما السواد بستان قريش) يعني بالسواد أرض العراق . نشا خلاف له تفاصيل لا يتسع المجال لسردها . عندما استدعاه الخليفة عثمان للمدينة ، جمع أهل الكوفة كلمتهم و قرروا ألا يقبلوا بولايته عند رجوعه و قابلوه خارج المدينة بسلاحهم و ردوه . كانوا قد كاتبوا الخليفة أن يحبس عنهم سعيد بخطاب عجيب جاء فيه حسب البلاذري في "أنساب الأشراف الجزء 6" : (... إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنة نبيه النابذ لحكم القرآن وراء ظهره ... و أن تولي مصرنا عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري و حذيفة ، فقد رضيناهما . و احبس عنا وليدك و سعيدك و من يدعوك اليه الهوى من أهل بيتك إن شاء الله و السلام) .لم يجد الخليفة بداً من الاستجابة لمطالب أهل الكوفة فولى أبا موسى الأشعري .
كان أبو موسى قبل ذلك واليا على البصرة منذ عهد الخليفة عمر ، قام الخليفة عثمان بعزله و ولى عبد الله بن عامر بن كريز (و هو ابن خاله) و ذلك عام 29 هـ ، و كان عمره خمس و عشرون عاماً . أما مصر فقد عزل عمرو بن العاص و ولى بدلا منه أخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن السرح و أعطاه خمس الخمس من الغنائم ، كانت الغالبية غير راضية عن عبد الله بن أبي السرح و اشتكوه للخليفة و انتقم الوالي من الشاكين حتى انه قتل منهم واحدا . الجدير بالذكر أن عمرو بن العاص دخل على الخليفة بعد عزله حين ورده خراج مصر فقال له : (هل تعلم أن تلك اللقاح درت بعدك يا عمرو؟) فأجابه عمرو (و قد هلكت فصالها) ..
لم تكن تلك سياسة حكيمة من سيدنا عثمان و كان من أكثر ما أضر به قرابته الذين لم يخلصوا له النصح و مما عابه عليه الصحابة رده للحكم بن العاص [طريد النبي (ص)] إلى المدينة و بنيه و أجزل لهم العطاء . زاد الأمر سوءا سماحه لكبار الصحابة بالخروج من المدينة للأمصار بعد أن أجزل لهم العطاء ، فاجتمع عليهم الناس و كونوا مراكز قوة و جمعوا الثروات . وقعت الاختلافات بين سيدنا عثمان و بعض الصحابة في المدينة ، و لكل منهم قصة لا يتسع المجال لروايتها ، مثل عبد الله بن مسعود و عبد الرحمن بن عوف و أبي ذر الغفاري و عمار بن ياسر و طلحة بن عبيد الله الذي اشترك أوان الفتنة في حصاره ، و عاب عليه الصحابة تقريبه لأهله من بني معيط و بني أمية ، ساهم ذلك في اشتداد أوار الفتنة ، و لعل معارضة سيدنا علي له قد تصاعدت لما كان يراه حسب وجهة نظره حيادا عن الجادة ، فقد عارضه عندما هم بنفي عمار و عارضه علنا على رؤوس الأشهاد عندما صرح من على المنبر أنه سيأخذ من المال حاجته و إن رغمت أنوف الكارهين ، فقال له علي : (إذن تُمنع من ذلك) ، اضف إلى ذلك ظلم ولاته و نشوء جيل جديد له مطالب و ميول و أمزجة مختلفة ، سيقود كل ذلك لما يعرف بالفتنة الكبرى .
|