منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-04-2020, 05:50 PM   #[1]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي حكايات الأمويين

(1)
تدوين تاريخ العهد الأموي تمّ أولا في العصر العباسي لذا سيلاقي الباحث فيه أن الجزء المكتوب في بداية العصر العباسي يتجنب تعظيم ذلك التاريخ و تبجيله ، أما الجزء الذي كُتب منذ الربع الثاني للقرن الثالث الهجري إبان و بعد خلافة المتوكل (232 ــ 247 هـ) ــ بعد مرور قرن على قيام الدولة العباسية ــ سيتغاضى عن كثير من مساوئه لأن العداء للأمويين قد خفت قليلا .. سيحتاج المؤرخون وقتها لكثير من رموزه و للصحابة الذين عاشوا فيه لرواية الحديث ، و من المعروف أن كتابة التاريخ تتم بالنظر إليه من عصر الكتابة فيتم إسقاط الكثير من نظرة عصر الكتابة على ذلك التاريخ . المدخل لقراءة أحداث العهد الأموي تستوجب الرجوع للخلف قليلا . سأعتمد على المصادر السنية و إذا تعرضت لرواية شيعية سأذكر ذلك و أذكر مصدرها .
جاءت السنة الثالثة و العشرون للهجرة و في آخر أيامها قتل أبو لؤلؤة غلام المغيرة سيدنا عمر بن الخطاب غدرا بخنجر ذي رأسين و قد ثأر عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأبيه ممن ظن أنهم تآمروا مع القاتل فقتل الهرمزان (و كان قد أسلم) و جهينة و هو نصراني و قتل ابنة الهرمزان . كان أبو لؤلؤة قد انتحر قبل أن يقدر عليه الصحابة في المسجد ، لكن هناك من قال إنه رأى أبا لؤلؤة و الهرمزان و جهينة يتناجون ، فلما رأوه فزعوا و قاموا فسقط ذلك الخنجر ذو الرأسين . من المعروف المشهور وصية سيدنا عمر في شأن الخلافة ، فقد اختار ستة (كلهم من قريش و من العشرة المبشرين) و نعرف كيف انتهى الأمر باختيار سيدنا عثمان . بويع سيدنا عثمان بالخلافة في آخر يوم في تلك السنة على أرجح الأقوال ، و يمكن القول إن خلافته بدأت أول محرم من السنة 24 هـ بمعضلة كيفية التصرف مع عبيد الله بن عمر ... اختلف الصحابة في مشورتهم له ، فبعضهم رأى القصاص للهرمزان و لأن هناك ابنة الهرمزان البريئة و الكتابي جهينة و منهم سيدنا علي بن أبي طالب ، و هو ما سيجعل عبيد الله بن عمر فيما بعد ، يلتحق بمعاوية بن أبي سفيان بعد مقتل سيدنا عثمان .. نعرف ان سيدنا عثمان حل المشكلة بدفعه دية المقتولين من ماله . اتبع عثمان وصية عمر بن الخطاب بالإبقاء على ولاة الأمصار عاما . كان سيدنا عمر لا يولي من قرابته أحدا ، بل ولم يعين من قريش إلا معاوية بن أبي سفيان على دمشق و أخوه يزيد على الأردن و لما مات ولى الأردن لمعاوية و ولى عمرو بن العاص مصر ، و كلهم ليسوا من قرابته (بني عدي) أما بقية الولاة و عددهم تسعة فكلهم من بقية العرب ، منهم المضريين و منهم اليمانية . بعد مرور العام قام سيدنا عثمان بعزل ولاة أهم الأمصار : الكوفة و البصرة و مصر أما المصر الرابع المهم و هو الشام فلم يعزل واليه معاوية بل ضم إليه أمصار الشام كلها .. عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة و ولى سعد بن أبي وقاص عليها في أول عام لولايته ، لكنه عزله بعد حوالي سنتين لخلاف بين سعد و بين خازن بيت المال عبد الله بن مسعود (تقول رواية الطبري في الجزء الرابع عن الخلاف ، إن سعدا استدان مبلغا من بيت المال و كتب صكا على نفسه لكنه حين جاء أجل السداد لم يستطع سداده) . ولى عثمان على الكوفة اخاه من امه الوليد بن عقبة و الوليد هو الذي نزلت فيه الآية (إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا...) عندما أرسله النبي (ص) لبني المصطلق لأموال الصدقة . لم يكن ذلك مرضيا لأهل الكوفة خاصة بعدما تبين لهم أن الوليد ليس الرجل الكفؤ و لا صاحب ورع ، و روى أنه صلّى بالناس مرة و هو سكران ، فاشتكوه للخليفة و كان معهم خاتمه الذي استولوا عليه و هو في حالة سكر و قد عزله عثمان و أقام عليه الحد (اختلفوا فيمن جلده بعضهم قال سيدنا علي و بعضهم قال سعيد بن العاص) . كانت ولاية الوليد على الكوفة قد استمرت أربع سنوات ... ولى الخليفة عثمان بعد عزل الوليد ، سعيد بن العاص ... مرة أخرى كانت الولاية من نصيب البيت الأموي . كان سعيد حسن السيرة لكن عابه اعتداده و فخره بقريش حتى كان في ليلة بعد ثلاثة أعوام من ولايته ، يسمر مع كبار أهل الكوفة فقال (إنما السواد بستان قريش) يعني بالسواد أرض العراق . نشا خلاف له تفاصيل لا يتسع المجال لسردها . عندما استدعاه الخليفة عثمان للمدينة ، جمع أهل الكوفة كلمتهم و قرروا ألا يقبلوا بولايته عند رجوعه و قابلوه خارج المدينة بسلاحهم و ردوه . كانوا قد كاتبوا الخليفة أن يحبس عنهم سعيد بخطاب عجيب جاء فيه حسب البلاذري في "أنساب الأشراف الجزء 6" : (... إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنة نبيه النابذ لحكم القرآن وراء ظهره ... و أن تولي مصرنا عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري و حذيفة ، فقد رضيناهما . و احبس عنا وليدك و سعيدك و من يدعوك اليه الهوى من أهل بيتك إن شاء الله و السلام) .لم يجد الخليفة بداً من الاستجابة لمطالب أهل الكوفة فولى أبا موسى الأشعري .
كان أبو موسى قبل ذلك واليا على البصرة منذ عهد الخليفة عمر ، قام الخليفة عثمان بعزله و ولى عبد الله بن عامر بن كريز (و هو ابن خاله) و ذلك عام 29 هـ ، و كان عمره خمس و عشرون عاماً . أما مصر فقد عزل عمرو بن العاص و ولى بدلا منه أخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن السرح و أعطاه خمس الخمس من الغنائم ، كانت الغالبية غير راضية عن عبد الله بن أبي السرح و اشتكوه للخليفة و انتقم الوالي من الشاكين حتى انه قتل منهم واحدا . الجدير بالذكر أن عمرو بن العاص دخل على الخليفة بعد عزله حين ورده خراج مصر فقال له : (هل تعلم أن تلك اللقاح درت بعدك يا عمرو؟) فأجابه عمرو (و قد هلكت فصالها) ..
لم تكن تلك سياسة حكيمة من سيدنا عثمان و كان من أكثر ما أضر به قرابته الذين لم يخلصوا له النصح و مما عابه عليه الصحابة رده للحكم بن العاص [طريد النبي (ص)] إلى المدينة و بنيه و أجزل لهم العطاء . زاد الأمر سوءا سماحه لكبار الصحابة بالخروج من المدينة للأمصار بعد أن أجزل لهم العطاء ، فاجتمع عليهم الناس و كونوا مراكز قوة و جمعوا الثروات . وقعت الاختلافات بين سيدنا عثمان و بعض الصحابة في المدينة ، و لكل منهم قصة لا يتسع المجال لروايتها ، مثل عبد الله بن مسعود و عبد الرحمن بن عوف و أبي ذر الغفاري و عمار بن ياسر و طلحة بن عبيد الله الذي اشترك أوان الفتنة في حصاره ، و عاب عليه الصحابة تقريبه لأهله من بني معيط و بني أمية ، ساهم ذلك في اشتداد أوار الفتنة ، و لعل معارضة سيدنا علي له قد تصاعدت لما كان يراه حسب وجهة نظره حيادا عن الجادة ، فقد عارضه عندما هم بنفي عمار و عارضه علنا على رؤوس الأشهاد عندما صرح من على المنبر أنه سيأخذ من المال حاجته و إن رغمت أنوف الكارهين ، فقال له علي : (إذن تُمنع من ذلك) ، اضف إلى ذلك ظلم ولاته و نشوء جيل جديد له مطالب و ميول و أمزجة مختلفة ، سيقود كل ذلك لما يعرف بالفتنة الكبرى .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-04-2020, 12:10 PM   #[2]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

حكايات الأمويين
(2)
ستقود سياسات الخليفة عثمان كما ورد ، إلى ما يُعرف في التاريخ الإسلامي بالفتنة الكبرى ... سيعم السخط أغلب الأمصار و ستبدأ بالتمرد . كما مرّ بنا أن أهل الكوفة ردوا أميرهم سعيد بن العاص و كاتبوا عثمان بأن يولي عليهم أبا موسى الأشعري فاستجاب لهم عثمان . من الطبيعي أن يصل خبر الكوفة لبقية الأمصار و سيكون ذلك عاملا من جملة عوامل تجعل القوم يرون أنه لا سبيل لتغيير الولاة الظالمين و استتباب العدل إلا بالثورة . سيثور أهل مصر و يخرج منهم وفد كبير في رجب 35 هـ معلنين أنهم ينون العمرة ، لكنهم ذهبوا للمدينة . من غير دخول في تفاصيل ما دار فقد رجع الوفد بعد وعود من الخليفة بالإصلاح . من سياق الأحداث تُظهِر حالة التمرد الثانية أن أهل مصر يئسوا من الإصلاح فخرجوا خروجهم الثاني في شوال بعد ثلاثة أشهر تقريبا من خروجهم الأول و هذه المرة خرج معهم أهل البصرة و يتبعهم أهل الكوفة كذلك ، يبدو أنه كانت بينهم مراسلات و اتفاق .
من يقرأ أحداث الفتنة الكبرى سيلاحظ أنه كلما تأخر الزمن عنها سيجد الرواة أسبابا خفية لها و سيتعامون عن أسبابها الحقيقية . من أكثر القصص التي روجها المتأخرون هي قصة عبد الله بن سبأ (ابن السوداء) و الذي يقال إنه يهودي من يهود اليمن أسلم ، و لقب بابن السوداء لأن أمه فيما يزعمون حبشية ، (و يمكن أن تكون سودانية فالكل كانوا أحباشا في عرف ذلك الزمن) و كونهم يصفونه بابن السوداء فذلك كناية عن التحقير في العرف العربي ، فالعرب عموما يكرهون و يحتقرون السواد ، فالقلب الأسود و النية السوداء و الأعمال السوداء و الأيام السوداء كلها تدل على السوء . أول من أورد ذكر ابن السوداء هو الطبري (224 ــ 310 هـ) فقد جاء في تاريخ الطبري (كان عبد الله بن سبأ يهوديا من صنعاء) ، سيرد ذكره بكثرة في روايات المتأخرين ، منهم ابن عساكر (499 ـ 571 هـ) الذي يروي عن المعمرين من الصحابة لكن الفرق بينه و بينهم أكثر من أربعة قرون ...على كل حال قصة عبد الله بن سبأ لها مؤيدون كأشد ما يكون التأييد و هم أهل السنة (أهم ما يشغلهم تبرئة المسلمين من أي وزر في الفتنة لذا يريحهم نسبتها ليهودي ابن سوداء) و هناك منكرين لوجودها كأشد ما يكون الإنكار (و هم الشيعة الذين يروون ان في ذلك تزوير للتاريخ) و قليل من الأقدمين بين هذا و ذاك . يُنسب لابن سبأ دور يصعب تصديقه ، يكفي أن تتصور ترحاله من صنعاء للعراق ثم مصر مرورا بالشام ثم ذهابه للمدينة و تحريضه كبار الصحابة و مقدراته الفذة لإقناعهم ، فكم أخذ ذلك منه من جهد و وقت و مال؟ و من أين له التمويل؟ (كان الناس في ذلك العهد و لزمن طويل بعده ، لا يصغون لمجهول ليس له عصبية و شرف و سؤدد في قومه ، فكيف به إذا كان ابن سوداء لا يعرفون قبيلته و لا نسبه و حسبه) . سنلاحظ اختفاءه من صفحات التاريخ في حروب علي و معاوية .لا ننسى أن البعض ذهب إلى أن (ابن السوداء) مقصود به عمار بن ياسر فقد كان يلقبه البعض بذلك و أن جذور أسرته أيضا من اليمن و أمه جارية حبشية .
ثارت الأقاليم و تواطأ الثوار من الأمصار و دخلوا المدينة . أول الأمر خرج اهل المدينة و فيهم علي و طلحة و الزبير و معهم جمع من الصحابة و كانوا مستعدين و مسلحين فردوا الثوار ، تظاهر الثوار بالرجوع و لكنهم عادوا و دخلوا المدينة بصورة مباغتة و كانت أعدادهم أكبر من اعداد سكان المدينة ، يقدرها المؤرخون بانها اكثر من ألفين و سكان المدينة أقل من سبعمائة . اعلن الثوار أن من لزم داره فهو آمن . ستجري تلك الأحداث المحزنة و التي تنتهي بقتل الخليفة بعد أربعين يوما من حصاره على أرجح الروايات و ذلك يوم الجمعة 18 ذو الحجة 35 هـ ... كان الثوار قد حاصروا دار سيدنا عثمان كما مرّ بنا ، و كان يحرسه جماعة من المسلمين منهم الحسن و الحسين و عبد الله بن عمر و عبد الله بن الزبير و جماعة من بني أمية ، لكن أعداد الثوار كانت كبيرة ، لم يكن يجري حتى حينها أي كلام عن القتل ، كانت مطالب الثوار هي تنحي الخليفة من الخلافة و ترك الأمر للمسلمين ليختاروا خليفة غيره . جاءت الأخبار للثوار أن بأن امداد الشام قادم لنصرة عثمان فقرروا قتله . كان يجاور بيت عثمان بيت عمرو بن حزم الذي فتح لهم الدار فتسللوا منها أثناء ما كان ثوار أخرون يحرقون أبواب دار عثمان و يقاتلون من يحرسونه . أما من قتله فإن رواية الطبري هي الأرجح ، روي في الجزء الرابع في أحداث سنة 35 هـ ما نصه (أنّ محمد بن أبي بكر تسوّر على عثمان من دار عمرو بن حزم ، و معه كنانة بن بشر بن عتّاب ، و سودان بن حمران ، و عمرو بن الحمق ، فوجدوا عثمان عند امرأته نائلة و هو يقرأ في المصحف في سورة البقرة ، فتقدّمهم محمد بن أبي بكر ، فأخذ بلحية عثمان ، فقال: قد أخزاك الله يا نعثل . فقال عثمان: لست بنعثل ، ولكني عبد الله و أمير المؤمنين . قال محمد : ما أغنى عنك معاوية و فلان و فلان ، فقال عثمان : يا بن أخي ، دع عنك لحيتي ، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه . فقال محمد : لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك ، و[إن]ما أريد بك أشدّ من قبضي على لحيتك ، قال عثمان : أستنصر الله عليك وأستعين به . ثم طعن جبينه بمشقص في يده . و رفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده ، فوجأ بها في أصل أذن عثمان ، فمضت حتى دخلت في حلقه ، ثمّ علاه بالسيف حتى قتله ، فقال عبد الرحمن: سمعت أبا عون يقول : ضرب كنانة بن بشر جبينه و مقدّم رأسه بعمود حديد ، فخرّ لجبينه ، فضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خرّ لجبينه فقتله.) انتهت رواية الطبري ، ما بين المعقوفين [ ] إضافة من عندي للتوضيح ... (نعثل كان يهوديا من أهل المدينة قبل أن يرحلوا عنها و يدّعي البعض أنه يشبه سيدنا عثمان بن عفان) . ينكر اهل السنة أشد الإنكار أي دور لمحمد بن أبي بكر في مقتل عثمان رغم إيراد المتقدمين رواية مشاركته في مقتل عثمان (حتى و إن لم يقتله بيده) و رغم اتفاقهم على رواية دخوله عليه قبل مقتله ، إلا أنه يجب أن يكون بريئا من دم عثمان حتى لا تُخدَش الصورة المرسومة لذلك العهد ، سنجد مثلا أن ابن تيمية (661 هـ - 728هـ) بعد حوالي سبعة قرون من الأحداث يقول إنه لم يشارك في قتل عثمان أي من السابقين و ذلك لأن تقديس الصحابة و أبنائهم و السابقين منهم قد تمكن بصورة لا تقبل قراءة التاريخ إلا بما يتفق مع تلك الرغبة في التقديس ، و ستجد ان كل المواقع السنية تقريبا على النت تردد نفس الكلام و تقول إن أول من ذكر الرواية الذهبي ‏(673 ‏ - ‏748هـ) بعد سبعمائة سنة من الأحداث و يتناسون رواية الطبري القريبة من الأحداث و روايات الواقدي و البلاذري مما يدل على أن تلك المواقع تنقل ممن سبقها من غير فحص ، لأن الأمر يوافق هواها . مما يقوّي رواية الطبري و غيره من المتقدمين أن هناك رواية عن حرق جثة محمد بن أبي بكر عندما ظفر به معاوية بن خديج في مصر و رواية أخرى أنه أُخذ أسير إلى عمرو بن العاص فقتله . يروي الطبري عن دفن عثمان في المصدر السابق ذكره روايات عدة تتشابه ، ارجحها : (أن جثمان الخليفة عثمان ظل ثلاثة أيام لا يدفن ، ثم إن حكيم بن حزام القرشي أحد بني أسد بن عبد العزّي ، و جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، كلّما عليًّا في دفنه ، وطلبًا إليه أن يأذن لأهله في ذلك ، ففعل ، و أذن لهم علي ، فلما سمع بذلك [الثوار] قعدوا له في الطريق بالحجارة ، وخرج به ناس يسير من أهله ، وهم يريدون به حائطًا بالمدينة ، يقال له: حشّ كوكب . كانت اليهود تدفن فيه موتاهم ، فلما خرج [الجثمان] على الناس رجموا سريره ، وهمّوا بطرحه ، فبلغ ذلك عليًّا ، فأرسل إليهم يعزم عليهم ليكفّنّ عنه ، ففعلوا ، فانطلق حتى دفن رضي الله عنه في حشّ كوكب ، فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدم ذلك الحائط حتى أفضى به إلى البقيع ، فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتّصل ذلك بمقابر المسلمين.) انتهت رواية الطبري ، (حائط تعني بستان) . خلافة سيدنا عثمان هي أطول خلافة بين الراشدين فقد استمرت 12 عاما.



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-04-2020, 01:35 PM   #[3]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(3)
تولى الخلافة سيدنا علي قبل خمسة أيام من نهاية عام 35 هـ أي بعد حوالي أسبوع من موت سيدنا عثمان و كان قد تبقى من العشرة المبشرين أربعة غيره أولهم سعد و قد اعتزل القوم ، و ثانيهم سعيد بن زيد الذي لم يأت له ذكر في هذه الأحداث و الراجح أنه اعتزل القوم و ثالثهم طلحة الذي كان من مناصري الثائرين على عثمان و رابعهم الزبير الذي لم يناصر الثوار لكن لم يُعرف له دفاع عن عثمان . اعتزل بعض كبار الصحابة فلم يجبرهم الخليفة على البيعة و لكن بعض المؤرخين يروون أن سيدنا عليا اضطر لإجبار طلحة و الزبير على البيعة لما توجسه منهما و هناك من يقول إنهما بايعا عن رضى و هو الأرجح .
تسارعت الأحداث ، كان البعض يرى أنه من الواجب القصاص من قتلة عثمان . في الواقع لم يكن ذلك ممكنا فقد كان للثوار قوة و منعة ليس للخليفة الجديد ما يكافئها فكان لا بد من التأني . نصح بعض الصحابة الخليفة أن يثبت العمال على الأمصار (أورد الطبري من هؤلاء الناصحين المغيرة بن شعبة و عبد الله بن عباس) خاصة معاوية بن أبي سفيان حتى يستقيم له الأمر ، لكن لم يكن سيدنا علي ممن يداهنون أو يمكرون ، و لم يكن ليرضى لنفسه أن يقوم بعمل نقمه على عثمان و لو يوما واحدا ، لذا رفض تلك السياسة . بعد ثلاثة أشهر من المراسلات بين الخليفة و معاوية أعلن معاوية تمرده على الخليفة برسالة لا تحوي غير أربعة كلمات (بسم الـله الرحمن الرحيم) أما شرحها فقد تكفل به الرسول كما أوصاه معاوية بعد أن أخذ الأمان . قال رسول معاوية لسيدنا علي (إن أهل الشام يتهمونه بقتل عثمان و أنهم صمموا على أخذ الثأر لعثمان و أنهم قد نصبوا قميص عثمان و أخذوا يطوفون به و يبكون و أنهم لا يرضون إلا بقتله) . خرج طلحة و الزبير معتمرين (تتضارب الروايات : هل خرجا بموافقة الخليفة أم تسللا ، أيضا الأرجح كما في رواية الطبري أنهما استأذنا عليا) ، لكن الثابت أن عبد الله بن عمر بن الخطاب تسلل لمكة لا عن رضى من الخليفة ، لذا فإن خروجه من مكة كان مزعجا للخليفة فأراد اللحاق به لكن أخبرته بنته أم كلثوم زوجة عمر بن الخطاب أنه على الطاعة و خرج لمكة و ليس إلى الشام فكف عنه و قال هو صدوق . كان سيدنا علي قد أرسل إليه ليخرج معه لقتال الخارجين و جرت بينهما محاورة يرويها البلاذري و الطبري ، يقول الطبري في روايته في الجزء الرابع من تاريخ الطبري في أحداث ما جرى في الأيام الأولى لخلافة سيدنا علي (ثمّ أتاه أنهم يريدون البصرة لمشاهدة الناس و الإصلاح [طلحة و الزبير و السيدة عائشة] ، فتعبّى للخروج إليهم ، و قال: إن فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين و ما كان عليهم في المقام فينا مؤونة و لا إكراه. فاشتدّ على أهل المدينة الأمر ، فتثاقلوا ، فبعث إلى عبد الله بن عمر كميلا النخعي ، فجاء به فقال: انهض معي ، فقال: أنا مع أهل المدينة ، إنما أنا رجل منهم و قد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم لا أفارقهم ، فإن يخرجوا أخرج و إن يقعدوا أقعد . قال: فأعطني زعيمًا بألّا تخرج ، قال : و لا أعطيك زعيمًا ، قال: لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيرًا و كبيرًا لأنكرتني ، دعوه فأنا به زعيم . فرجع عبد الله بن عمر إلى المدينة و هم يقولون: لا و الله ما ندري كيف نصنع ، فإنّ هذا الأمر لمشتبه علينا ، و نحن مقيمون حتى يضيء لنا و يسفر) انتهت رواية الطبري .
كانت السيدة عائشة قد حجت و أقبلت راجعة نحو المدينة فبلغها مقتل عثمان ، و كانت من أشد المعارضين له ، لكنها لم تكن تحب عليا فبينهما سوء تفاهم قديم ، و عندما عرفت أن البيعة انعقدت لعلي قالت لمن معها (ردوني ) فرجعت لمكة و أخذت تحرض على علي و انضم إليها طلحة و الزبير رغم بيعتهما للخليفة . يروي الطبري في المرجع المذكور عدة روايات متشابه عن ذلك منها (حتى إذا قضت عمرتها وخرجت فانتهت إلى سرف لقيها رجل من أخوالها من بني ليث - وكانت واصلة لهم ، رفيقة عليهم - يقال له عبيد بن أبي سلمة يعرف بأمّه أمّ كلاب ، فقالت : مهيم ، فأصمّ ودمدم ، فقالت : ويحك ، علينا أو لنا ؟ فقال: لا تدري ، قتل عثمان و بقوا ثمانيًا ، قالت: ثمّ صنعوا ماذا؟ فقال: أخذوا أهل المدينة بالاجتماع على علي، و القوم الغالبون على المدينة . فرجعت إلى مكة و هي لا تقول شيئًا و لا يخرج منها شيء ، حتى نزلت على باب المسجد و قصدت للحجر فستّرت فيه ، و اجتمع الناس إليها فقالت: يأيّها الناس، إنّ الغوغاء من أهل الأمصار و أهل المياه و عبيد أهل المدينة اجتمعوا أن عاب الغوغاء على هذا المقتول بالأمس الإرب واستعمال من حدثت سنّه....... فقال عبد الله بن عامر الحضرمي: هأنذا لها أوّل طالب - وكان أوّل مجيب ومنتدب.) انتهت رواية الطبري .
صارت مكة مركز المعارضة للخليفة الجديد و استطاعت السيدة عائشة بما لها من مكانة و بلاغة أن تؤثر في عدد كبير من الناس ، كانت تخطب و هي بالحجر متخذة سترا كما مرّ . قرر طلحة و الزبير و أنصارهما أخذ جيشهم للبصرة لما بلغهم أن بها مؤيدين كثر لهم (ظلت البصرة لزمن طويل عثمانية الهوى دون بقية العراق) ، و صحبوا معهم أم المؤمنين عائشة لتحرض الناس . (أقنعت السيدة عائشة السيدة حفصة بالخروج معها لكن منعها أخوها عبد الله) . كان سيدنا علي ينوي التوجه للشام لمحاربة البغاة إلا أنه اضطر أن يغيّر خطته و أن يلحق بالثائرين قبل وصولهم للبصرة ، لكنهم سبقوه . ستصيب القوم بلبلة و تساءل البعض : (ايمكن أن تكون عائشة و طلحة و الزبير على باطل؟) و هنا ستُروى تلك الحكمة عن سيدنا علي (أعرف الحق تعرف أهله) .
وصل سيدنا علي بجيشه و حاول محاولات عديدة أن يحقن الدماء لكن بلا فائدة ... جرت تلك المعركة الفظيعة التي ستُعرف في التاريخ الإسلامي بموقعة الجمل لأن السيدة عائشة كانت في هودج على جمل تحرض الناس و ذلك في جمادى الأولى سنة 36 هـ و قُتل في تلك المعركة ما بين عشرة ألفا (حسب رواية الطبري) و عشرين ألفا حسب آخرين منهم ابن عبد ربه في العقد الفريد الجزء الخامس روى (.... قال : ودخلت أم أوفى العبادية على عائشة بعد وقعة الجمل ، فقالت لها : يا أم المؤمنين ، ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا ، قالت : وجبت لها النار ، قالت : فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الاكابر عشرين ألفا في صعيد واحد ، قالت: خذوا بيد عدوة الله .) البعض يذهب بالعدد لأكثر من ذلك و كان بين القتلى طلحة و الزبير و لمقتل كل واحد منهما قصة . بعد أيام من المعركة روى الطبري تجهيز سيدنا علي لعائشة فكتب ما نقتطف منه (جهّز علي عائشة بكلّ شيء ينبغي لها من مركب أو زاد أو متاع ، و أخرج معها كلّ من نجا ممّن خرج معها إلّا من أحبّ المقام ، و اختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات ... و ودّعوها و ودّعتهم ، و قالت: يا بني، تعتّب بعضنا على بعض .... فلا يعتدّنّ أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك ، إنه و الله ما كان بيني وبين علي في القديم إلّا ما يكون بين المرأة و أحمائها ، و إنه عندي على معتبّي من الأخيار . و قال علي : يا أيها الناس ، صدقت و الله و برّت ، ما كان بيني و بينها إلّا ذلك ، و إنها لزوجة نبيّكم ﷺ في الدنيا والآخرة . و خرجت يوم السبت لغرّة رجب سنة ست و ثلاثين، و شيّعها علي أميالا ، و سرّح بنيه معها يومًا.) انتهت رواية الطبري .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-05-2020, 12:18 PM   #[4]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(4)
تحول سيدنا علي نحو الشام و كان عمرو بن العاص قد التحق بمعاوية و يروي الطبري في ذلك رواية غريبة في الجزء الرابع من تاريخه ، تقول الرواية (... فقال عمرو بن العاص: أنتم على الحقّ ، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم – و معاوية لا يلتفت إلى قول عمرو - فقال ابنا عمرو لعمرو: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك ، انصرف إلى غيره . فدخل عمرو على معاوية فقال: و الله لعجب لك ، إني أرفدك بما أرفدك و أنت معرض عني ، أما و الله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إنّ في النفس من ذلك ما فيها ، حيث نقاتل من تعلم سابقته و فضله و قرابته ، و لكنا إنما أردنا هذه الدنيا. فصالحه معاوية و عطف عليه..) انتهى . جرت مكاتبات بين علي و بين معاوية . كان معاوية يردد ما ظل يتحجج به من وجوب تسليمه قتلة عثمان ليقتص منهم . بعد رسالة مستفزة من معاوية و رد قاس من الخليفة تهيأ القوم للحرب و التقى الجمعان في صفين . صفين لا زالت تحمل نفس الاسم و تقع في سوريا جوار الرقة على نهر الفرات . مرّ عامان على قتل عثمان و ولاية علي و كان أهل الشام فيما يروي الطبري (قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان رضي الله عنه - الذي قتل فيه مخضّبًا بدمه و بأصابع نائلة زوجته مقطوعة بالبراجم ، إصبعان منها و شيء من الكفّ، و إصبعان مقطوعتان من أصولهما و نصف الإبهام - وضع معاوية القميص على المنبر ، و كتب بالخبر إلى الأجناد، و ثاب إليه الناس ، و بكوا سنة و هو على المنبر و الأصابع معلّقة فيه ، و آلى الرجال من أهل الشأم ألّا يأتوا النساء، و لا يمسّهم الماء للغسل إلّا من احتلام ، و لا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان...) انتهى ... كان ذلك من دهاء معاوية ليوتر أهل الشام على علي ... تتفاوت تقديرات أعداد الجيوش ولكن يمكن القول باطمئنان إن كل جيش فاقت أعداده المائة ألف .
منذ أول ذي الحجة 36 هـ و بعد أن أزاح جيش علي أهل الشام عن مورد الماء الذي منعوهم منه ، و صار مورد الماء للجميع ، ظل الجيشان يتناوشان و توادعا في المحرم ثم اقتتلا قتالا شديدا في أول صفر عام 37 هـ و أوشكت جيوش أهل الشام أن تنهزم لولا خدعة رفع المصاحف التي ينسبها المؤرخون لعمرو بن العاص و التي يروي فيها الطبري قول سيدنا علي (أن عليًا قال : عباد الله ، امضوا على حقكم و صدقكم قتال عدوكم ، فإن معاوية و عمرو بن العاص و ابن أبي معيط و حبيب بن مسلمة و ابن أبي سرح و الضحاك بن قيس ، ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، أنا أعرف بهم منكم ، قد صحبتهم أطفالًا ، و صحبتهم رجالًا ، فكانوا شر أطفال و شر رجال ، ويحكم ، إنهم ما رفعوها ، ثم لا يرفعونها و لا يعملون بما فيها ، وما رفعوها لكم إلا خديعةً و دهنًا و مكيدة ، فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله عز وجل فنأبى أن نقبله ...) انتهى . قُتل في صفين عمار بن ياسر و كانوا القوم يحفظون حديثا للنبي (ص) يقول ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار) ، الحديث ورد فيما بعد في البخاري . روى الطبري ما قاله عبد الله بن عمرو بن العاص لأبيه أنهم قتلوا عمارا و هو يعلم حديث النبي فيه ، هنا يبرز دهاء معاوية الذي رواه الطبري أيضا قال (فدفع عمرو صدر فرسه ، ثم جذب معاوية إليه ، فقال : يا معاوية ، أما تسمع ما يقول عبد الله ، قال : و ما يقول؟ فأخبره الخبر ، فقال معاوية : إنك شيخ أخرق ، و لا تزال تحدث بالحديث و أنت تدحض في بولك ، أو نحن قتلنا عمارًا ؟ إنما قتل عمارًا من جاء به . فخرج الناس من فساطيطهم و أخبيتهم يقولون: إنما قتل عمارًا من جاء به ..) انتهى .. يجتهد الكثيرون اجتهادات كثيرة للقول إن تأويلات معاوية و عمرو بن العاص هي تأويلات لا غبار عليها و إن كانت خاطئة ، خاصة في مقتل عمار و غرضهم الحفاظ على تلك الصورة المقدسة لذلك العهد من الخدش .
يقدر المؤرخون قتلى المعارك بين الفريقين بسبعين ألفا و هو عدد كبير ، فإذا أضفنا له قتلى موقعة الجمل أدركنا كم قتل المسلمون من المسلمين و لم يمض من موت نبيهم إلا حوالي ربع قرن . اتفق القوم على التحكيم و اختار معاوية عمرو بن العاص حكما و اختار جماعة علي أبا موسى الأشعري على غير رضا من خليفتهم الذي كان يريد اختيار ابن عمه عبد الله بن عباس .
في رأيي إن تاريخ الدولة الأموية يبدأ من يوم قبول الجميع بالتحكيم ، و سيترسخ بنتيجة التحكيم ، فقد كانت نتيجة التحكيم وخيمة العواقب على جيش سيدنا علي و امتدادا لعاقبة رفع المصاحف ، إذ قسمت جيشه لمجموعتين ، فخرج الخوارج عليه من جيشه ، أما معاوية فقد كانت نتيجة التحكيم عليه قوة و منعة . انتهى التحكيم بما هو معروف باتفاق الحكمين بخلع علي و معاوية و رد الأمر للمسلمين ليختاروا من يروون ، و الباقي معروف من تقديم عمرو بن العاص لأبي موسى فخلع صاحبه على رؤوس الأشهاد و تقدم عمرو ليؤكد ما سمعه الجميع من أبي موسى ، قائلا : إنكم قد سمعتم أن هذا قد خلع صاحبه أما أنا فأثبت صاحبي . رجع عمرو لمعاوية و حياه بالإمارة مخاطبا له بأمير المؤمنين .
يمكن التأريخ للدولة الأموية منذ ذلك الوقت ، لا من عام 41 هـ حينما دانت الدولة كلها لمعاوية .. للدلالة على ذلك يجب أن يلقي الباحث نظرة على الأحداث التي جرها التحكيم .
أدرك أبو موسى الأشعري أنه خُدع و يبدو أنه لم يستطع الرجوع لأميره الذي خلعه فذهب إلى مكة . بلغ الخبر سيدنا علي و عرف الخدعة فقرر الخروج لمناجزة معاوية ، و غضب أهل العراق لغضبه فاستعدوا للخروج ، لكن كان الخوارج قد عاثوا في الأرض فسادا ، قتلا و ترويعا ، فقرر الخليفة وأد فتنتهم أولا لأنه لا يمكن أن يتركهم وراءه يروعون الآمنين .
قابل الخليفة الخوارج في النهروان بعد أن ناظرهم و نصحهم فانخذل منهم الكثيرون حتى أنه لم يبق منهم إلا حوالي ثلاثة آلاف أبوا إلا الحرب ، فقُتلوا عن آخرهم . لكن كان لتلك المعركة أثرها الكبير في جيش سيدنا علي فقد فتت عضده . كانت روح القبلية لا زالت قوية و كان جيش الخوارج أغلبه من بني عمومة جيش سيدنا على فأثر ذلك في معنوياتهم إذ أدركوا أنهم قد قتلوا إخوانهم و بني عمومتهم فتكاسلوا عن الذهاب للشام و طلبوا مهلة من الخليفة . كان من المأمول أن تكون تلك المهلة أياما لكنها امتدت ثلاث سنوات من التكاسل و الخذلان حتى رمضان عام 40 هجرية حين حزموا امرهم بالاستعداد للخروج لقتال اهل الشام و لكن وقع القدر في 21 من شهر الصيام فاغتال عبد الرحمن بن ملجم سيدنا علي . في تلك السنوات الثلاثة استولى معاوية على مصر بواسطة عمرو بن العاص (كما كان الوعد بينهما عند التحاق عمرو به) من محمد بن أبي بكر و تم قتل محمد بن أبي بكر و إحراق جثته في رواية ، و قتله أسيرا عند عمرو بن العاص في رواية أخرى . أخذ معاوية يرسل الجند للإغارة على أطراف العراق ، فيعملون سيوفهم قتلا و نهبا و ترويعا . كان والي علي على اليمن هو عبيد الله بن عباس ، فأرسل له معاوية رجلا غليظ القلب من قريش ، قلما تجد نظيره في القسوة ، و هو بسر بن أرطأة الذي ارتكب أعمالا وحشية منها ذبحه لطفلين لعبيد الله بن عباس في حجر أمهما التي يروي الرواة أنها أصيبت بالجنون بعد ذلك ، مما اضطر سيدنا علي لإرسال جيش لقتاله لكنه أفلت منه و ذهب إلى الشام .
الباحث المحايد لأحداث تلك الفترة سيلاحظ أن هناك فرقا شاسعا بين علي و معاوية ، كان معاوية سياسيا داهية يحتال لغايته بالسياسة و المكر ، فيستميل من يريد بالمال و الترغيب و أحيانا بالتهديد ، و يتأوّل و يسلك أي سبيل للوصول لغايته ، فهو قد اتخذ من طلب القصاص لعثمان ستارا يصل به لما يريد ، و حين دان له الأمر سكت عن ذلك ... أما سيدنا علي فقد كان لا يعرف للمداهنة طريقا . كان يقدم على ما يراه حقا و لا يلوي عنه ، و ذلك مما نفّر منه طلاب الدنيا .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2020, 12:23 PM   #[5]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(5)
عانى سيدنا علي من أقرب الناس إليه ، فابن عمه حبر الأمة و الذي كان واليه على البصرة تتضارب الروايات في تسبيبه له أعظم الآلام . روى الطبري في تاريخه الجزء الخامس ، في أحداث عام 40 للهجرة مقدمة لرواياته تقول (وفيها خرج عبد الله بن العباس من البصرة ولحق مكة في قول عامة أهل السير ، و قد أنكر ذلك بعضهم ، و زعم أنه لم يزل بالبصرة عاملًا عليها من قبل أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام حتى قتل ، و بعد مقتل علي حتى صالح الحسن معاوية ، ثم خرج حينئذ إلى مكة) ... ثم يستعرض بقية الروايات : (مر عبد الله بن عباس على أبي الأسود الدؤلي ، فقال: لو كنت من البهائم كنت جملًا ، و لو كنت راعيًا ما بلغت من المرعى ، و لا أحسنت مهنته في المشي . قال: فكتب أبو الأسود إلى علي[يتهم ابن عباس و كتب علي لابن عباس يستوضحه فرد ابن عباس نافيا للتهمة] قال: فكتب إليه علي : أما بعد ، فأعلمني ما أخذت من الجزية ، و من أين أخذت؟ و فيم وضعت؟ قال: فكتب إليه ابن عباس: أما بعد ، فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أن رزأته من مال أهل هذا البلد ، فابعث إلى عملك من أحببت ، فإني ظاعنٌ عنه و السلام . ثم دعا ابن عباس أخواله بني هلال بن عامر، فجاءه الضحاك بن عبد الله وعبد الله بن رزين بن أبي عمر والهلاليان، ثم اجتمعت معه قيس كلها فحمل مالًا........ و مضى ابن عباس و معه نحو من عشرين رجلًا حتى قدم مكة. ) انتهى .. ما ورد بين المعقوفين [ ] مني لاختصار ما أورده الطبري و النقاط (....) للدلالة على كلام محذوف لا يؤثر في المعنى ... و ورد في تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي و هو سني مؤرخ من علماء القرن السابع الهجري عن المكاتبات التي دارت بينهما : (فكتب اليه ابن عباس: لإن ألقى الله بكل ما على ظهر الأرض وبطنها أحب إليّ من أن ألقاه بدم امرئ مسلم . فكتب إليه علي عليه السلام : إن الدماء التي أشرت إليها قد خضتها إلى ساقيك و بذلت في إراقتها جهدك و وضعت بإباحتها حظك و تقشعت عنها فتياك و إذا لم تستح فافعل ما شئت . قال أبو اراكة ثم ندم ابن عباس و اعتذر إلى علي عليه السلام و قبل امير المؤمنين عذره و قيل انه عاد الى الكوفة و الصحيح انه لم يزل مقيماً بمكة حتى استشهد علي عليه السلام .) انتهى ..
يحسن بنا أن نقرأ وجهة نظر الشيعة (الذين ينكرون نسبة أي شيء يسوء إلى ابن عباس) و نكتفي بما أورده اليعقوبي في كتابه (تاريخ اليعقوبي) ... (و كتب أبو الأسود الدؤلي : و كان خليفة عبد الله بن عباس بالبصرة ، إلى عليّ يعلمه أنّ عبد الله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم ، فكتب إليه يأمره بردها ، فامتنع ، فكتب يقسم له بالله لتردّنـّها ، فلما ردّها عبد الله بن عباس ، أو رد أكثرها ، كتب إليه عليّ : أما بعد ، فإنّ المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ، و يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فاذا أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحاً ، و ما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً ، و اجعل همّك لما بعد الموت ، و السلام . فكان ابن عباس يقول: ما اتّعظت بكلام قطّ اتّـعاظي بكلام أمير المؤمنين .) انتهى ... تاريخ اليعقوبي موسوعة ضخمة تحكي عن التاريخ منذ بدء الخلق حتى عام 258 هجرية ... إذاً تتفق الروايات السنية و الشيعية أن هناك أمرا يخص المال ، لكن الروايات الشيعية تنكر أن يكون عبد الله بن عباس قد أخذ تلك الأموال الضخمة التي يدعي المؤرخون أنه أخذها (تتفاوت قيمتها بين الملايين و مئات الآلاف) إلى مكة .
عانى سيدنا على من أنصاره في العراق و هذا نموذج لمعاناته منهم يرويه الطبري في الجزء الخامس في أحداث سنة 39 عن شيخ من بني فزارة : (بعث معاوية النعمان بن بشير في ألفين ، فأتوا عين التمر، فأغاروا عليها ، و بها عامل لعلي يقال له ابن فلان الأرحبي في ثلاثمائة ، فكتب إلى علي يستمده ، فأمر الناس أن ينهضوا إليه ، فتثاقلوا ، فصعد المنبر ، فانتهيت إليه وقد سبقيني بالتشهد وهو يقول : يا أهل الكوفة ، كلما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشأم أظلكم و أغلق بابه انجحر كل إمريء منكم في بيته انجحار الضب في جحره و الضبع في وجارها ، المغرور من غررتموه ، و لمن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب. لا أحرارٌ عند النداء ، و لا إخوان ثقةٍ عند النجاء ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، ماذا منيت به منكم ، عميٌ لا تبصرون ، و بكمٌ لا تنطقون ، و صمٌّ لا تستمعون إنا لله وإنا إليه راجعون.) انتهى .
و عانى من ولاته لكنه أخيرا جمع أمراء الحرب و خطب فيهم خطبة مؤثرة منذرا لهم إنهم إن لم يخرجوا معه لقتال معاوية ــ الذي أخذ يغير على العراق ــ فإنه سيخرج إليهم بمن معه ... تأثر القوم و خجلوا و تحمسوا للخروج معه و أخذت الجيوش تتجمع و كاتب ولاته على الأمصار ليمدوه بالمقاتلين و بدا أن تلك الجيوش قادرة على هزيمة أهل البغي في الشام لكن وقع القدر ففي فجر 19 رمضان سنة 40 هجرية اغتال عبد الرحمن بن ملجم سيدنا علي .. تكون بذلك خلافة الخليفة الرابع خمس سنوات إلا ثلاثة أشهر .
بعد مقتل سيدنا علي بايع أهل العراق ابنه الحسن بن علي و كانت بيعته تطلب منهم الطاعة في الحرب و السلم ، إصراره على تضمين البيعة الطاعة في السلم أوحت للكثيرين أنه يميل للسلم و ليس الحرب حتى قال بعضهم : ليس صاحبكم برجل حرب .. انضم للحسن عمه عبد الله بن عباس من مكة بجيش كبير و عبيد الله بن عباس والد الصبيين اللذين ذبجهما بسر بن أرطأة في حجر أمهما . في روايات الشيعة أغرب أحداث تاريخ تلك الأيام هو ما يمكن تسميته خيانة عبيد الله بن عباس لأميره . فقد أرسله الحسن في جيش ليلقى معاوية في (مسكن) و هو اسم مكان على نهر دجيل ، و أمره أن يحبس معاوية حتى يصل . لكن معاوية بث أعوانه مخذّلا لجيش عبيد الله و أشاع أن الحسن راسله في الصلح و كتب لعبيد الله إنه إن دخل في طاعته سيعطيه ألف ألف درهم (اليعقوبي الجزء 2 ص191) نصفها عاجلة و النصف الآخر عند دخوله الكوفة فانسلّ عبيد الله بن العباس إلى جيش معاوية ليلا ومعه بضعة آلاف من جيش الحسن وأصبح الناس ينتظرونه للصلاة فلم يجدوه فصلى بالناس قيس بن سعد بن عبادة الانصاري و قد كان سيدنا علي أمر بأن يتولى القيادة إذا أصيب عبيد الله . يردد الشيعة عبارة لسيدنا علي عن معاوية نصح بها زيادا حين تولى أمر البصرة أوردها بعض المؤرخين قال له : (و إن معاوية يأتي الانسان من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله فاحذر ثم احذر) أوردها ابن الاثير في الكامل ( ج 5 ص 176 ) . يعجب المرء لرجل ذبح بسر بن أرطأة ولديه و هو موجود مع معاوية ، كيف له أن يخذل ابن عمومته و ينضم لقاتل ابنيه ؟ في الحقيقة إن قصة التحاق عبيد الله بن عباس بجيش معاوية بتلك الصورة لم أجدها في المصادر السنية التي وقفت عليها .
جرت احداث و انتهت بالصلح بين الحسن و معاوية و دخل معاوية الكوفة 41 هجرية و خرج منها الحسن و توجه للمدينة في أهله و بذا خلا الجو لمعاوية ليبدأ بعدها تاريخ الدولة الأموية الحقيقي . يقول الرواة إن الحسين لم يكن راضيا بمصالحة الحسن لمعاوية و تنازله له عن الخلافة . حين استتب الأمر لمعاوية خطب في الكوفة فأسفر عن وجهه في أنه أعطى ما أعطى من عهود ليطفئ الفتنة ، فبما أنها انطفأت فما وعد به تحت قدميه . يذكرني ذلك بقول صاحبنا : (أمريكا و بريطانيا و فرنسا تحت جزمتي) ..
أقام الحسن بالمدينة و روى البعض أنه أصهر إلى الكثيرين و كان يسرهم ذلك . عاش بالمدينة حتى توفي عام 49 أو 50 هجرية ، يكاد يجمع الشيعة و السنة أنه مات مسموما ، كما مات الأشتر النخعي الذي ولاه علي على مصر فمات في طريقه إليها بشربة عسل مسموم ، فغمز بها معاوية لعمرو قائلا (إن لله جنودا في العسل) . يروي ابن قتيبة الدينوري في (الإمامة و السياسة) عن وصول خبر موت الحسن لمعاوية و كيف بكاه مع ابن عباس ثم سكت يسيرا و قال لابن عباس(.... "يا ابن عباس : أصبحت سيد قومك بعد الحسن" . فقال ابن عباس "أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين فلا" ، فقال معاوية :"لله درك يا ابن عباس ما استنبأتك إلا وجدت معدا") انتهى .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-05-2020, 06:11 AM   #[6]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زين العابدين حسن مشاهدة المشاركة
(1)
تدوين تاريخ العهد الأموي تمّ أولا في العصر العباسي لذا سيلاقي الباحث فيه أن الجزء المكتوب في بداية العصر العباسي يتجنب تعظيم ذلك التاريخ و تبجيله ، أما الجزء الذي كُتب منذ الربع الثاني للقرن الثالث الهجري إبان و بعد خلافة المتوكل (232 ــ 247 هـ) ــ بعد مرور قرن على قيام الدولة العباسية ــ سيتغاضى عن كثير من مساوئه لأن العداء للأمويين قد خفت قليلا .. سيحتاج المؤرخون وقتها لكثير من رموزه و للصحابة الذين عاشوا فيه لرواية الحديث ، و من المعروف أن كتابة التاريخ تتم بالنظر إليه من عصر الكتابة فيتم إسقاط الكثير من نظرة عصر الكتابة على ذلك التاريخ .

تحياتي زين العابدين
وجزاك الله خيراً كثيراً لإيرادك لتفاصيل هذا الأثر المهم والذي يمثل البداية الحقيقية والمؤثرة لسرقة الدين الإسلامي وتبديله بمسخ مشوه جعل من الدين مقاول أنفار، أفعل كذا لتأخذ الأجر والثواب ... ودون أي محاولة جادة لمعرفة سبب أو حقيقة العبادة التي يقوم بها المسلم.

المهم وكما أثر تاريخ تدوين التاريخ الإسلامي في العصر العباسي في صدقية وأكاديمية الرواية التي نقلت ... كذلك أثر العصر العباسي بالتحالف مع العصر الأموي في صدقية وأكاديمية ما وصلنا من الدين ... وكان الأثر الأكبر على يد المتوكل العباسي والذي كان يقتل دعاة الإصلاح بيديه في إرهاب مستمر منذ معاوية وإلى يوم الناس هذا ... ولو على مستوى سودانيات التي تم إيقافي فيها بسبب كشف عور الطغيان الأموي العباسي وكيف أنه مخالف لتعاليم القرآن الكريم والذي لن نسأل عن شيء خارج تعاليمه يوم القيامة ومهما كان سنده ... وقد نزلت في ذلك في آية صريحة ترفض أي تبرير بحسن النية أو الجهل بتعاليم القرآن الكريم.

المهم وبما أنك ذكرت بأن عصر التدوين للتاريخ له أثر كبير في صدقيته وأكاديميته ... كنت أود أن تذكر تأثير المحاولات الجادة والمتكررة في التاريخ الأموي العباسي لتغييب تعاليم القرآن الكريم؛ في مسار حركة هذا التاريخ ...

فقد تمت الكثير من الإعدامات لتثبيت التحريف للدين ... وبناءً على أحكام هذا التحريف ... وأوضح مثال على ذلك حد الردة الذي يخالف ما يقرب من مئتي آية في القرآن الكريم وكان الحجة رغم زيفه في إعدام دعاة الإصلاح بالعشرات بل المئات ... وتجد في هذا الرابط كتاب: (مسلسل الدماء في تاريخ الخلفاء).
http://www.ahl-alquran.com/arabic/sh...?main_id=19065







التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-05-2020, 09:49 AM   #[7]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو جعفر مشاهدة المشاركة

تحياتي زين العابدين
وجزاك الله خيراً كثيراً لإيرادك لتفاصيل هذا الأثر المهم والذي يمثل البداية الحقيقية والمؤثرة لسرقة الدين الإسلامي وتبديله بمسخ مشوه جعل من الدين مقاول أنفار، أفعل كذا لتأخذ الأجر والثواب ... ودون أي محاولة جادة لمعرفة سبب أو حقيقة العبادة التي يقوم بها المسلم.

المهم وكما أثر تاريخ تدوين التاريخ الإسلامي في العصر العباسي في صدقية وأكاديمية الرواية التي نقلت ... كذلك أثر العصر العباسي بالتحالف مع العصر الأموي في صدقية وأكاديمية ما وصلنا من الدين ... وكان الأثر الأكبر على يد المتوكل العباسي والذي كان يقتل دعاة الإصلاح بيديه في إرهاب مستمر منذ معاوية وإلى يوم الناس هذا ... ولو على مستوى سودانيات التي تم إيقافي فيها بسبب كشف عور الطغيان الأموي العباسي وكيف أنه مخالف لتعاليم القرآن الكريم والذي لن نسأل عن شيء خارج تعاليمه يوم القيامة ومهما كان سنده ... وقد نزلت في ذلك في آية صريحة ترفض أي تبرير بحسن النية أو الجهل بتعاليم القرآن الكريم.

المهم وبما أنك ذكرت بأن عصر التدوين للتاريخ له أثر كبير في صدقيته وأكاديميته ... كنت أود أن تذكر تأثير المحاولات الجادة والمتكررة في التاريخ الأموي العباسي لتغييب تعاليم القرآن الكريم؛ في مسار حركة هذا التاريخ ...

فقد تمت الكثير من الإعدامات لتثبيت التحريف للدين ... وبناءً على أحكام هذا التحريف ... وأوضح مثال على ذلك حد الردة الذي يخالف ما يقرب من مئتي آية في القرآن الكريم وكان الحجة رغم زيفه في إعدام دعاة الإصلاح بالعشرات بل المئات ... وتجد في هذا الرابط كتاب: (مسلسل الدماء في تاريخ الخلفاء).
http://www.ahl-alquran.com/arabic/sh...?main_id=19065




تحية طيبة أبو جعفر ، عساك بخير ... شكرا لك لإضاءتك للموضوع و شكرا لرابط كتاب أحمد منصور و هو صاحب وجهة نظر في التاريخ الإسلامي جديرة بالقراءة .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-05-2020, 09:54 AM   #[8]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(6)
استباقا للأحداث ، تأتي قصة ولاية العهد ليزيد ، فقد صبر معاوية حوالي ست أو سبع سنوات بعد موت الحسن و أخذ البيعة ليزيد سنة 56 للهجرة كما رواها الطبري و غيره . يروي ابن عبد ربه في العقد الفريد أن يزيد بن المقفع وقف بين الناس و قال : "أمير المؤمنين هذا (وأشار إلى معاوية)، فإن هلك فهذا (وأشار إلى يزيد) ، فمن أبى فهذا (وأشار إلى السيف) .
ستجد أن أهل السنة و الجماعة يبررون تحويل معاوية الخلافة من شورى لكسروية أو قيصرية . أبرز تلك الحجج أن معاوية أراد أن يجمع الأمة فلا تختلف ، ظلت تلك الحجة هي الرائجة في كل عصور المسلمين حتى يومنا هذا . حتى ابن خلدون في المقدمة يبرر ما قام به معاوية قائلا :" والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس ، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية ، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم ، و هم عصابة قريش و أهل الملة أجمع ، و أهل الغلب منهم ، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها ، و عدل عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع ، وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا ، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك و حضور أكابر الصحابة لذلك ، وسكوتهم عنه : دليل على انتفاء الريب فيه ، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة ، و ليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق ، فإنهم كلهم أجل من ذلك ، و عدالتهم مانعة منه " انتهى "مقدمة ابن خلدون" ، .لكن لا تبدو لي تلك الحجة قوية ، فعدالة معاوية رأينا منها الكثير و حضور أكابر الصحابة في وقت يجندل السيف من يعترض لا يُقنع أنه كان بإمكانهم أن يعترضوا و قد راينا خطبة يزيد بن المقفع "من أبى فهذا و أشار للسيف" . نعم ولاية المفضول جائزة فلا أحد يعترض عليها لكن أن تكون وراثة الخلافة و تحولها لملك سنة فتلك مصيبة في تاريخ المسلمين . أما الأهم و الذي تغفله وجهة النظر تلك حتى اليوم هو : هل حقا تولية يزيد العهد و من ثم الخلافة أدت لوحدة الأمة ؟ أو لم يكن يدرك من له بصيرة و لو خافتة ما يجره توريث الخلافة ليزيد من مصائب ؟استعراض تاريخ تلك الفترة و ما تلاها تكذّب مقولة وحدة الأمة و جمعها على كلمة واحدة ، بدءاً من كربلاء مروراً بالحرة و تلك الحروب العديدة انتهاء بزوال الدولة الأمية بعد حوالي سبعين عاما من وفاة معاوية ، كلها تقول إن توريث الخلافة لم يجلب وحدة الأمة أبدا ... ألم يجد معاوية من بين كل من حوله من الأخيار إلا ابنه يزيد ؟ مهما يكن فقد أكره معاوية كل من يخافهم على بيعة يزيد لكنه لم يستطع إكراه الحسين بن علي و عبد الله بن الزبير و قوم من الصحابة .
من البديهي أن من بين أول ما سيفعله معاوية النظر في شأن الولاة . تنكر معاوية لكثير من وعود و عهود بذلها قبل أن يدين له الأمر . أجبر أهل الكوفة على قتال الخوارج و ولى عليهم عبد الله بن عمرو بن العاص لكنه استمع لنصيحة المغيرة بن شعبة بألا يجعل نفسه بين لحيي الأسد ، يقصد عمرو بن العاص و ابنه ، ذلك أنه قد ولى عمرو بن العاص مصر . عندها عزل معاوية عبد الله و ولى المغيرة . يروي عنه ابن كثير في (البداية و النهاية) :" ..كان المغيرة من دهاة العرب، وذوي آرائها، أسلم عام الخندق بعد ما قتل ثلاثة عشر من ثقيف ، مرجعهم من عند المقوقس وأخذ أموالهم فغرم دياتهم عروة بن مسعود ، وشهد الحديبية ، وكان واقفا يوم الصلح على رأس رسول الله (ص) بالسيف صلتا.... و ولاه عمر فتوحا كثيرة ، منها همدان و ميسان ، ... و استنابه عمر على البصرة. فلما شهد عليه بالزنا و لم يثبت (كما سيمر بنا) ، عزله عنها و ولاه الكوفة ، و استمر به عثمان حينا ثم عزله ، فبقي معتزلا حتى كان أمر الحكمين فلحق بمعاوية . فلما قتل علي و صالح معاوية الحسن و دخل الكوفة ولاه عليها فلم يزل أميرها حتى مات .... قال الشعبي: ...الدهاة أربعة : معاوية ، و عمرو، و المغيرة، و زياد. ) أما الشيعة فيعدونه في الأضداد الخمسة فيقولون هم : أبو بكر ، و عمر، و معاوية ، و عمرو بن العاص ، و المغيرة بن شعبة..." انتهى .
. ولى معاوية بسر بن أرطأة (قاتل الصبيين)على البصرة ثم عزله و ولى عبد الله بن عامر عليها ثم عزله و ولى زياد بن أبيه البصرة و ذلك سنة 45 للهجرة . ولى معاوية مروان بن الحكم المدينة ، و ولى على مكة خالد بن العاص بن هشام ، و ولى على خراسان قيس بن الهيثم تحت إمرة عبد الله بن عامر. مات عمرو بن العاص يوم الفطر سنة 43 هـ فولى معاوية ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص خلفا له . مات المغيرة بن شعبة سنة 50 فولى معاوية ولاية الكوفة زياد بن ابيه فاصبح واليا على البصرة و الكوفة . في حياة المغيرة بن شعبة في الكوفة كانت هناك خلافات بينه و بين الصحابي الجليل حجر بن عدي و بعض من أصحابه . كان حجر من الذين حاربوا مع علي و كان أحد قواده الشجعان و قد قال عنه ابن عبد البر في (الاستيعاب): (كان من فضلاء الصحابة شجاعا من المقدمين) وقال عنه الذهبي في (سير أعلام النبلاء): (كان شريفاً أميراً مطاعاً أماراً بالمعروف مقدماً على الإنكار) وقال عنه ابن كثير في (البداية والنهاية): (من عباد الناس وزهادهم كثير الصلاة والصيام) ، و سنرى بعد قليل قصة حجر بن عدي مع معاوية و واليه زياد .
لتثبيت دعائم حكم بني أمية كان لا بد من الحرب على عدة جبهات . يمكننا تصور مخاوف معاوية و بني أمية من استقواء من يرون أنهم أعداؤهم من شيعة الخليفة علي بن أبي طالب لذا تم تجنيد الإمكانيات لإزاحتهم و إضعافهم ، بدءا من شتمهم من على المنابر ، إلى الدعاية ضدهم و تتبع مناصريهم . صار معاوية يأمر ولاته بسب علي ، روى البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب مناقب علي : " أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد فقال : هذا فلان – لأمير المدينة – يدعو عليا عند المنبر " أما أمير المدينة الذي لم يصرح البخاري باسمه فيبدو أنه مروان بن الحكم ، فقد روى مسلم في كتاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ قَالَ : فَدَعَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيًّا قَالَ : فَأَبَى سَهْلٌ فَقَالَ لَهُ : أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ فَقُلْ : لَعَنَ اللَّهُ أَبَا التُّرَابِ ..) ، و روى ابن عساكر في (تاريخ دمشق) عن عمير بن إسحاق قال : " كان مروان بن الحكم أميرا علينا ست سنين ، فكان يسب عليا كل جمعة على المنبر " . أورد ابن الأثير في (الكامل في التاريخ الجزء 2)عن معاوية " فكان إذا قنت سب عليا وابن عباس والحسن والحسين والأشتر "..
و روى ابن الجوزي في (المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم الجزء 4) : " بعث معاوية بسر بن أرطاة – إلى البصرة - فصعد إلى المنبر وشتم عليا (رض) ثم قال : " أنشد الله رجلا عليما أني صادق إلا صدقني ، أو كاذب إلا كذبني فقال أبو بكرة : لا نعلمك إلا كاذبا ، فأمر به يخنق فقام أبو لؤلؤة الضبي فرمى بنفسه عليه فمنعه " . في الحقيقة لم ينقطع سب علي على منابر بني أمية إلا في زمن عمر بن عبدالعزيز . قال ابن سعد في (الطبقات ، الجزء 4) : " كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبدالعزيز يشتمون عليا رحمه الله فلما ولي عمر أمسك عن ذلك " . و منْ شَتْم علي على منبر الكوفة ستبرز قصة عدي بن حجر و أصحابه . أمر معاوية المغيرة بن شعبة عندما ولاه الكوفة بسب علي ، فقد جاء في تاريخ الطبري الجزء الخامس في رواية أحداث سنة 51 هـ : (لا تتحم عن شتم علي وذمه ، والترحم على عثمان والاستغفار له ، والعيب على أصحاب علي ، و الإقصاء لهم ، و ترك الاستماع منهم ، و بإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه ، و الإدناء لهم ، و الاستماع منهم ....) فعمل المغيرة بوصية معاوية لمدة سبع سنين (لا يدع ذم علي والوقوع فيه) فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال: (بل إياكم فذمم الله ولعن) ثم قام حجر في أحد الأيام وقال: (إن الله عز وجل يقول: "كونوا قوامين بالقسط شهداء لله" وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لأحق بالفضل و أن من تزكون و تطرون أولى بالذم) . في آخر أيام المغيرة صاح به حجر صيحة سمعها كل من في المسجد وخارج المسجد عندما سمعه يسب عليا ثم مات المغيرة فتولى الكوفة زياد بن أبيه الذي حذا حذو سابقه المغيرة في سب علي فتصدى له حجر و بعض صحبه . كان المغيرة يتجاوز عن حجر لمكانته عند الناس ، لكن لما جاء زياد واليا على البصرة تسبب في مأساة حجر و أصحابه .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-05-2020, 10:50 AM   #[9]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(7)
قبل الدخول فيما دار بين زياد و جماعة حجر بن عدي ، فإن لزياد قصة تستحق أن تُروى ذلك لأنها من القصص العجيبة و غير المتداولة في الثقافة السائدة و لأنها أيضا ــ و هو المهم ــ تكشف صورة مهمة من صور التفكير في ذلك العهد و أحواله . سأروي تلك القصة نقلا عن طه حسين الذي جمع مادتها و لخصها في (الفتنة الكبرى الجزء الثاني "علي و بنوه") . يقول طه حسين فيما ملخصه : (كان زياد ذا شخصيتين مزدوجتين ، عاش بأولاهما أيام الخلفاء الراشدين و عاش بالثانية بعد أن صالح معاوية ، في الأولى راشدا و في الثانية طاغيا جبارا .... زياد رجل من موالي ثقيف ، ولدته أمه للحارث بن أبي كلدة و هي سمية ، و لعلها كانت فارسية أو هندية ، أما أبوه فقد كان عبدا روميا لصفية بنت عبيد زوجة الحارث بن كلدة أيضا ، و كان اسمه العربي عُبيد . كان زياد إذاً مولى لآل الحارث بن كلدة من ثقيف ، وُلد عام الهجرة و بعضهم يقول عام الفتح .... نراه كاتبا لأبي موسى الأشعري حين كان أميرا على البصرة ، و نراه رسولا إلى عمر ببعض الحساب فأعجب عمر بذكائه و فصاحته و حفظه للعدد و تصرفه فيه ، فأمره أن يعرض الحساب على الناس كما عرضه عليه ففعل ، و أعجب العرب من أصحاب النبي بهذا الفتى الفصيح الجريء الذي يلعب بالأرقام لعباً لا عهد لهم به ، و لم يخف عمر هذا الإعجاب [و من هنا سيدخل زياد التاريخ] . يزعم بعض الرواة أن أبا سفيان همس في ذلك اليوم بأن زياداً ابنه و لم يجهر بذلك مخافة عمر و أكبر الظن أن هذا الخبر اُختُرع بآخره . يزعم المؤرخون أن عمر أعطى زياداً ألف درهم ... سُئل زياد : ماذا صنعت بالألف ؟ قال : اشتريت بها أبي (عُبيداً) فاعتقته .. و لخمول أبيه كانوا يضيفونه لأمه فيقولون (زياد بن سمية) و سيسميه الشيعة بعد عمله لمعاوية (زياد بن أبيه) . ظل زياد في البصرة يكتب لأمرائها أيام عمر و عثمان فلما كان يوم الجمل و انتصر عليّ سأل عن زياد فأنبئ بأنه مريض فعاده .. و هم أن يوليه البصرة و لكن زياد أشار إليه أن يولي عبد الله بن عباس ففعل . عمل زياد مع ابن عباس كما عمل للولاة قبله فلما انصرف ابن عباس عن البصرة إلى مكة كما مرّ بنا ، قام زياد مقامه و أحسن الحيلة و البلاء في الاحتفاظ بهذا المصر لعلي رغم ما كاد معاوية لانتزاعها منه . لما قُتل علي و استبان زياد أن الأمر صائر إلى معاوية تحول إلى فارس و استعصم بقلعة هناك ... كان معاوية يعلم مكر زياد و كيده و دهاءه و ان عنده مالا كثيرا و له أنصار يتعصبون له من أهل فارس [فتوجس] أن يبايع لرجل من أهل البيت فيفسد عليه ... كان لزياد يد عند المغيرة بن شعبة سبقت إليه أيام عمر ، حين تلجلج في الشهادة فأعفاه من الحد [تقول القصة : كان يسمر جماعة مع أبي بكرة فهبّت ريح ففتحت باب الكوة حيث يسمرون ، فقام أبو بكرة ليغلقه وإذا به يرى المغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربة وهو مع امرأة [....] حال الجماع فقال للنفر الذين عنده : ”قوموا فانظروا“ فقاموا فنظروا ثم قال لهم : ”اشهدوا“ فسألوه: من هذه ؟ فقال: أم جميل .. فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة وقال : ”لا تصل بنا“ وكتب إلى عمر يبلغه بالحادثة. فأرسل عمر أبا موسى الأشعري محل المغيرة واستدعى المغيرة و الشهود الذين كانوا حاضرين عند أبي بكرة .....
شهد الشهود عند عمر رضي الله عنه ، و هم أبو بكرة ، و نافع ، و نفيع ، و زياد ، فصرح بذلك أبو بكرة ، و نافع ، و نفيع ، فأما زياد فقال له عمر : قل ما عندك ، و أرجو أن لا يهتك الله صحابيّاً على لسانك ، فقال زياد : " رأيت نفساً تعلو و استاً تنبو و .... و لا أدري يا أمير المؤمنين ما وراء ذلك ، فقال عمر : الله أكبر ، فأسقط الشهادة ولم يرها تامة " ....أقام سيدنا عمر الحد على الثلاثة و طلب منهم أن يتوبوا فتاب اثنان و رفض أبو بكرة التوبة و قال إن المغيرة زانٍ . (الطبري ج3 ص170 والبداية والنهاية لابن كثير ج7 ص94 و وفيات الأعيان لابن خلكان ج2 ص455 ، أيضا انظر الإسلام سؤال و جواب) ... أبو بكرة صحابي و أخ لزياد من أمه أما أبوه فهو الحارث بن كلدة لكنه لم يعترف به و ظل عبدا مع العبيد حتى غزوة الطائف حين نادى منادي بأمر النبي (ص) إن من يهرب من الحصن من العبيد و ينضم للمسلمين فهو حر ، و هرب أبو بكرة من العبودية و الشرك للحرية و الإسلام انضم للمسلمين فاعتقه النبي (ص)] ...
توسط المغيرة بين زياد و معاوية و أصلح بينهما ... و لأمر ما خطر لزياد أو لمعاوية أو للمغيرة ، أن يتصل نسب زياد ببني أمية و بأبي سفيان خاصة ، كأنّ أبا سفيان قد (عرف) سمية في بعض زيارته للطائف . يقال إن زياد احتال حتى دس لمعاوية من زعم أن أهل العراق ينسبون زياداً إلى أبي سفيان ، فانتهز معاوية هذه الفرصة و دعا إليه زياداً ثم جمع الناس فشهد الشهود أن أبا سفيان قد (عرف) سمية ، و اكتفى معاوية بذلك فألحق زياداً بأبي سفيان و جعله أخاه ...
كان زياد حريصاً على نسبه الجديد فحين جاءه كتاب من السيدة عائشة فيه (من أم المؤمنين عائشة إلى زياد بن أبي سفيان ...) ... أمر زياد حامل الرسالة ان يقرأها على الناس ليعلم أهل البصرة أن السيدة عائشة قد اعترفت بنسبه ... [مرّ بنا أن الصحابي أبا بكرة أخ لزياد من أمه] و لما عرف أبو بكرة سعي زياد للاستلحاق نهاه عن ذلك ، فلما تم الاستلحاق حلف ألا يكلمه أبدا و لم يكلمه حتى مات و كان يحلف أن سمية لم تكن بغيا و لا عرفت أبا سفيان .. طمع زياد أن يحج و استأذن معاوية فأذن له ، و دخل أبو بكرة على زياد و عنده بعض بنيه فوجه إلى أحدهم حديثه قائلا : إن أباك أحمق و قد فجر في الإسلام ثلاث فجرات ، أولاهن كتمان الشهادة على المغيرة و الله يعلم أنه رأى ما رأينا و الثانية في انتفائه من عُبيد و ادعائه إلى أبي سفيان و أقسم إن أبا سفيان لم يرَ سمية قط و الثالثة أنه يريد الحج و أم حبيبة زوج رسول الله (ص) هناك ، فإن أذنت كما تأذن الأخت لأخيها فأعظم بها من مصيبة و خيانة لرسول الله (ص) و إن هي حجبته فأعظم بها من حجة ...عدل زياد عن الحج ذلك العام و لم يأت الحجاز حتى ماتت أم حبيبة) انتهى ما نقلته عن طه حسين ، و حيث ما ورد ما بين معقوفين [ ] فهو إضافة من عندي للتوضيح .
نعود لقصة زياد مع حجر و أصحابه حيث جرت أحداث كثيرة بينهم انتهت باعتقال زياد لحجر ومعه اثني عشر رجلا من أصحابه ثم كتب كتاباً فيهم إلى معاوية وسيرهم إليه بعد أن جمع شهود و كتب شهادتهم بما يحب . (بعث زياد على أثرهم برجلين آخرين من أصحاب حجر فصاروا أربعة عشر رجلا) . تشفّع جماعة عند معاوية في ستة فوهبهم لهم و قتل الثمانية الباقين و ذلك في منطقة (مرج عذراء ـ عدرا حاليا ، قرب دمشق) ، فكانت تلك من المآسي التي لا ينساها التاريخ ...
في مايو 2013 قامت جبهة النصرة أيام سطوتها ، بنبش قبر حجر بن عدي لأن الشيعة تعظمه و دفنوه في مكان مجهول .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-05-2020, 12:14 PM   #[10]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(8)
استمر معاوية في الحكم حتى 60 هجرية و في عهده استمرت الغزوات فحاول فتح القسطنطينية لكن حصونها المنيعة صدت جيوشه . في عهده فتح صقلية و جزر في البحر المتوسط و استمرت الحروب و الفتوحات شرقا و غربا . اهتمامي منصب على الأحداث الداخلية و يمكن لمن يريد متابعة أمر الفتوحات البحث عنها في مظانها . كان معاوية داهية من دهاة العرب و كان رجل سياسة . حين خرج عمر بن الخطاب إلى الشأم قابله معاوية في موكب مهيب ، فقال له عمر: يا معاوية ، تروح في موكب و تغدو في مثله.... قال: يا أمير المؤمنين ، إن العدو بها قريب منا ، و لهم عيون و جواسيس ، فأردت يا أمير المؤمنين أن يروا للإسلام عزًا ، فقال له عمر: إن هذا لكيد رجل لبيب ، أو خدعة رجل أريب ... كذلك يروي عنه الطبري حكاية تبين مقدار دهائه و فراسته . روي في الجزء الخامس في أحداث سنة ستين (أن عمرو ابن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر، فقال لهم عمرو: انظروا: إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلموا عليه بالخلافة ، فإنه أعظم لكم في عينه ، وصغّروه ما استطعتم . فلما قدموا عليه قال معاوية لحجابه : إني كأني أعرف ابن النابغة و قد صغر أمري عند القوم ، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها ، فلا يبلغني رجل منهم إلا و قد همته نفسه بالتلف. فكان أول من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له ابن الخياط ، فدخل و قد تعتع ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، فتتابع القوم على ذلك ، فلما خرجوا قال لهم عمرو: لعنكم الله! نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة ، فسلمتم عليه بالنبوة .) انتهى . مات معاوية و تولى ابنه يزيد الخلافة و بولاية يزيد سيبدأ فصل جديد من تاريخ الأمويين . كان والي معاوية على المدينة حتى وفاته ابن أخيه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان . كان معاوية حين أخذ البيعة ليزيد قد بايعه الناس إلا خمسة و هم كما ذكر الطبري (بايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن علي وابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عباس) كان هَمْ يزيد حين بويع بالخلافة بعد موت أبيه هو أمر هؤلاء الخمسة . فكتب إلى الوليد كما روى الطبري (:بسم الله الرحمن الرحيم ، من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة ، أما بعد فإن معاوية كان عبدًا من عباد الله ، أكرمه الله و استخلفه ، و خوله ، و مكن له ، فعاش بقدر، و مات بأجل ، فرحمه الله ، فقد عاش محمودًا ، ومات برًا تقيًا ، والسلام .... و كتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة : أما بعد ، فخذ حسينًا و عبد الله بن عمر و عبد الله بن الزبير بالبيعة أخذًا شديدًا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا ، و السلام.) انتهى . كان الوليد بن عتبة رجل عافية (يكره العنف و القتل) ، لذا فقد أزعجه كتاب يزيد فلجأ إلى مروان بن الحكم يستشيره و قد كان أميرا على المدينة مرتين ، فقد ولاه معاوية ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ، و مروان من زعماء البيت الأموي و سيتولى الخلافة بعد معاوية الثاني حين اضطرب أمر بني أمية ليصبح الخليفة الأموي الرابع . نصح مروان الوليد أن يبعث إليهم و يدعوهم إلى البيعة و الدخول في الطاعة ، فإن فعلوا قبل منهم ، و إن أبوا يضرب أعناقهم أما ابن عمر فقد قال عنه مروان (فإني لا أراه يرى القتال ، و لا يحب أن يولى على الناس ، إلا أن يدفع إليه هذا الأمر.) .. بعث الوليد للحسين و نعى له معاوية ، و دعاه إلى البيعة ، (فقال حسين : إنا لله وإنا إليه راجعون ، و رحم الله معاوية ، و عظم لك الأجر، أما ما سألتني من البيعة فإن مثلي لا يعطي بيعته سرًا، و لا أراك تجتزيء بها مني سرًا دون أن نظهرها على رؤوس الناس علانية ، قال: أجل ، قال : فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرًا واحدًا ، فقال له الوليد - وكان يحب العافية ـ : فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس ، فقال له مروان: و الله لئن فارقك الساعة و لم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدًا حتى تكثر القتلى بينكم و بينه ، احبس الرجل ، و لا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه ، فوثب عند ذلك الحسين ، فقال: يا ابن الزرقاء ، أنت تقتلني أم هو ، كذبت و الله و أثمت ) الطبري ، الجزء الخامس ...
لم يبايع الحسين و لا عبد الله بن الزبير و تسلل كل واحد منهم بطريق قاصدا مكة حتى استقر بهما المقام هناك ، أما عبد الله بن عمر و عبد الله بن عباس بايعا الوليد فيمن بايع . بعد ذلك تختلف الروايات اختلافات غير جوهرية فيما جرى من أحداث ، فالواقدي (130 ــ 207 هـ) في (التاريخ و المغازي) ، و هو من أقدم المؤرخين يأتي في الترتيب بعد ابن إسحاق ، يروي روايات عن ذلك (اغلب روايات الطبري في تاريخه تأخذ روايات الواقدي في الحسبان و معه روايات كاتبه ابن سعد صاحب الطبقات (168 ــ 230 هـ)) و يمكن أن نستخلص منها أن يزيد بعد مبايعته بالخلافة و خبر الحسين و عبد الله بن الزبير ، قرر أن يرغمهما على البيعة . عزل يزيد الوليد بن عتبة من إمارة المدينة (غالبا لما رآه من تراخيه) و ولى عمرو بن سعيد بن العاص . قام عمرو بن سعيد بتولية شرطته لعمرو بن الزبير، كان يعلم ما بينه وبين أخيه عبد الله بن الزبير من البغضاء ، فأرسل عمرو بن الزبير إلى نفر من أهل المدينة ممن كان هواه مع عبد الله بن الزبير فضربهم ضربًا شديدًا ، من الأربعين إلى الخمسين إلى الستين سوطا ، وفر بعضهم إلى مكة . قرر عمرو بن سعيد أن يجرد جيشا لتأديب العصاة في مكة حسب أمر خليفته يزيد ، و ذلك ان الحارث بن خالد المخزومي كان على الصلاة في مكة ، فمنعه ابن الزبير، فكتب يزيد إلى عمرو بن سعيد ، أن ابعث جيشًا إلى ابن الزبير . يروي الطبري ـ الجزء الخامس (قال عمرو بن سعيد لعمرو بن الزبير: من رجلٌ نوجه إلى أخيك؟ قال: لا توجه إليه رجلًا أبدًا أنكأ له مني ... وتوجه معه أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة ... فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال : لا تغز مكة، واتق الله ، و لا تحل حرمة البيت ، و خلوا ابن الزبير فقد كبر، هذا له بضعٌ وستون سنةً ... فقال عمرو بن الزبير: و الله لنقاتلنه و لنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم ، فقال مروان: والله إن ذلك ليسوءني..) انتهى . هزم عبد الله بن الزبير جيش يزيد و أسر أخاه و اقتص منه في جلده لمن جلد بالمدينة .
كان أهل العراق و خاصة أهل الكوفة ، قد ادركوا بعد فوات الأوان الفرق بين أيام الخليفة علي بن أبي طالب و بين عهد معاوية و كانوا أشد الناس كراهية للحكم الأموي لما عانوه من معاوية ، خاصة بعد موت المغيرة و ولاية زياد . فلما مات معاوية و انعقدت البيعة ليزيد جال بخاطر الكثيرين منهم العصيان و بأن أفضل من يستحق الخلافة هو الحسين بن علي .
ستبدأ بولاية يزيد واحدة من أخطر أحداث التاريخ الإسلامي ألا و هي مأساة كربلاء التي سينقسم المسلمون بعدها قسمين ، الشيعة و السنة . صحيح أن الانقسام بدأ منذ مقتل الخليفة عثمان ، لكنه لم يتجذر بتلك الصورة التي برز بها بعد كربلاء . عندما خرج الحسين إلى مكة، أتاه جماعة من أهل الكوفة و قالوا له : إنا قد حبسنا أنفسنا عليك ، و لسنا نحضر الجمعة مع الوالي ، فاقدم علينا . و كان النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة (و كان النعمان رجل عافية مثله مثل الوليد بن عتبة) ، فبعث الحسين إلى مسلم بن عقيل بن أبي طالب ابن عمه فقال له : سر إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إليّ ، فإن كان حقًا خرجنا إليهم . فخرج مسلم إلى الكوفة . فلما تحدث أهل الكوفة بمقدمه ذهبوا إليه و بايعه منهم اثنا عشر ألفًا. بلغ الخبر الوالي النعمان بن بشير لكنه كما سبق ذكره ، كان ممن يحبون العافية فلم يقم بعمل عنيف مع مسلم بن عقيل و اتباعه .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-05-2020, 04:25 PM   #[11]
imported_عبدالله الشقليني
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

سرد رقيم نضيض ولكنه حال كل تاريخ يزورنه بالقداسة.
شكرا أيها الأكرم زين



التوقيع: من هُنا يبدأ العالم الجميل
imported_عبدالله الشقليني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-05-2020, 10:07 PM   #[12]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالله الشقليني مشاهدة المشاركة
سرد رقيم نضيض ولكنه حال كل تاريخ يزورنه بالقداسة.
شكرا أيها الأكرم زين
الأديب الشاعر الفنان تحية لك و اسعد الله أوقاتك .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-05-2020, 01:19 PM   #[13]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(9)
وصلت الأخبار ليزيد فكتب لعبيد الله ابن زياد بن أبيه (و كان واليا على البصرة من زمن معاوية) أنه قد ولاه الكوفة مع البصرة ، وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده . كان يزيد يبغض عبيد الله بن زياد و ينوي خلعه لكن اضطرته السياسة أن يوليه . كان عبيد الله بن زياد طاغية مثل أبيه ، فكما كان أبوه يقتل بالظن و الشبهة كان هو كذلك و من شابه أباه فما ظلم .
يروي ابن جرير الطبري و ابن كثير أن عبيد الله بن زياد دخل الكوفة متثلمًا ، و كان لا يمر على مجلس من مجالسهم فيسلم إلا قالوا : عليك السلام يا ابن بنت رسول الله - وهم يظنون أنه الحسين بن علي رضي الله عنه - حتى نزل القصر ، و يواصل الطبري في أحداث سنة ستين و كذلك ابن كثير ناقلا عنه و عن غيره (دعا عبيد الله مولىً له فأعطاه ثلاثة آلاف ، و قال له: اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يبايع له أهل الكوفة فأعلمه أنك رجل من أهل حمص جئت لهذا الأمر ، و هذا مالٌ تدفعه إليه ليتقوى . فلم يزل يتلطف و يرفق به حتى دل على شيخ من أهل الكوفة يلي البيعة ، فلقيه فأخبره ، فقال له الشيخ : لقد سرني لقاؤك إياي ، و قد ساءني ، فأما ما سرني من ذلك فما هداك الله له ، و أما ما ساءني فإن أمرنا لم يستحكم بعد . فأدخله إليه ، فأخذ منه المال وبايعه ، و رجع إلى عبيد الله فأخبره.) انتهى . الشيخ الذي أعطاه مولى عبيد الله المال هو هانئ بن عروة ، عرف مسلم بن عقيل قدوم عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فكتب إلى الحسين بن علي رضي الله عنه يخبره ببيعة اثني عشر ألفًا من أهل الكوفة ، و يأمره بالقدوم . (قال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة : ما لي أرى هانىء بن عروة لم يأتني فيمن أتاني! قال : فخرج إليه محمد بن الأشعث في ناس من قومه وهو على باب داره ، فقالوا : إن الأمير قد ذكرك واستبطأك ، فانطلق إليه ، فلم يزالوا به حتى ركب معهم وسار حتى دخل على عبيد الله وعنده شريح القاضي ، فلما نظر إليه قال لشريح : أتتك بحائنٍ رجلاه ، فلما سلم عليه قال : يا هانىء ، أين مسلم ؟ قال : ما أدري ، فأمر عبيد الله مولاه صاحب الدراهم فخرج إليه ، فلما رآه قطع به ، فقال: أصلح الله الأمير! والله ما دعوته إلى منزلي ولكنه جاء فطرح نفسه علي ، قال: ائتني به ، قال : و الله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه ، قال : أدنوه إلي ، فأدني فضربه على حاجبه فشجه ، قال : و أهوى هانىء إلى سيف شرطي ليسله ، فدفع عن ذلك ، و قال : قد أحل الله دمك ، فأمر به فحبس في جانب القصر.) الطبري الجزء 5 . وصل خبر حبس هانئ بن عروة لمسلم بن عقيل فجمع من مؤيديه ما يقول المؤرخون أنهم أربعة ألف و سار بهم لقصر عبيد الله . كان عبيد الله داهية مثل أبيه فاستطاع أن يخذّل عن مسلم و ذلك باستمالته وجوه القوم ، و عندما وصل مسلم بجماعته لقصر عبيد الله بن زياد أخذ كل من وجهاء القوم يحذر جماعته ، فانصرف الناس عن مسلم متسللين ، و عندما وجد نفسه وحيدا اضطر ان ينسحب و يبحث عن مكان يختبئ فيه . خبأته امرأة من أهل الكوفة حين علمت من هو ، كان ابنها مولى لمحمد بن الأشعث صاحب عبيد الله بن زياد (و لابن الأشعث هذا قصة ، فسيخرج على الحجاج أميره في عهد عبد الملك بن مروان و يحاربه بجيش ضخم و تكون فتنة يقول عنها أهل السنة من أعظم الفتن) .. أخبر الابن مولاه فقبضت عليه جماعة عبيد الله بن زياد بعد أن قاتلهم ، قبضوا عليه بعد أن أعطوه الأمان و أخذوه لقصر عبيد الله . في قصر بن زياد جرت بينهما مساجلات و أقسم له ابن زياد ليقتلنه شر قتلة . صعدوا به أعلى القصر و ضربوا عنقه و اتبعوا جسده رأسه و في رواية أنهم ألقوه من فوق القصر فتكسرت عظامه و مات . بعدها اقتفى ابن زياد أثر كل من ناصر مسلم بن عقيل و فضرب عنقه . أرسل عبيد الله رأس مسلم و هانئ بن عروة ليزيد مع كتاب يخبره خبر ما حدث . كان مسلم بن عقيل قد كتب إلى الحسين قبل أن يقتل : (أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله ، إن جمع أهل الكوفة معك ، فاقبل حين تقرأ كتابي ، و السلام عليك ). سيُطوى عام ستين للهجرة و يطل عام 61 الذي في العاشر من محرمه ستكون موقعة كربلاء . ستكون كربلاء البداية في سلسلة من المعارك ، فبعد سنتين ستثور المدينة على يزيد كما سيأتي تفصيل ذلك ، و تكون معركة الحرة ، و سيثور عبد الله بن الزبير و يستولى على الحجاز و سيثور من يُعرفون في التاريخ بالتوابين بعد خمسة سنوات من كربلاء (سيكون قتل عبيد الله بن زياد بن أبيه على أيديهم) .
حين وصل خطاب مسلم بن عقيل للحسين تهيأ للخروج للكوفة (لم يكن يعلم بخبر تفرق أصحابه و قتل مسلم) . عندما علم عبد الله بن عباس بخبر خروجه ذهب إليه و نصحه بعدم الخروج . ففي رواية ابن كثير و الطبري (أن حسينًا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال: يا ابن عم، إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ قال: إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى ، فقال له ابن عباس: فإني أعيذك بالله من ذلك ، أخبرني رحمك الله! أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم ، و ضبطوا بلادهم، و نفوا عدوهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم ، و إن كانوا إنما دعوك إليهم و أميرهم عليهم قاهر لهم ، و عماله تجبي بلادهم ، فإنهم إنما دعوك إلى الحرب و القتال ، ولا آمن عليك أن يغروك و يكذبوك، و يخالفوك و يخذلوك، و أن يستنفروا إليك فيكونوا أشد الناس عليك ، فقال له حسين: وإني أستخير الله وأنظر ما يكون .) انتهى . و نصحه عبد الله بن الزبير بعدم الخروج ، و كرر ابن عباس نصحه له بعدم الخروج لكنه كان قد اتخذ قراره . خرج الحسين و معه أهله ، إخوانه من أبيه و أبناء الحسن أخيه و بني عمومته و معهم نساؤهم . في الطريق عرف بمقتل مسلم بن عقيل و هانئ بن عروة حيث مروا بمورد ماء فسأل أصحاب الحسين أعرابيا عن خبر الكوفة فقال لهم (والله لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ورأيتهما يجران بأرجلهما في السوق.) فكلمه أصحابه بذلك فلم يرجع . كم كان عدد الذين صحبوا الحسين من الرجال و النساء ؟ تتفاوت تقديرات المؤرخين ، فالمسعودي يقدر عددهم بخمسمائة فارس و 100 راجل و هي رواية شاذة و ربما كان هذا العدد قبل أن يبلغهم مقتل مسلم و هانئ ، فحين بلغهم الخبر ، خيّر الحسين من معه بين الرجوع و الذهاب معه فرجع البعض . أما الطبري: في الجزء 5 فيروي (و كان أصحابه خمسة و أربعين فارسا و مائة راجل) ، و يروي الطبري في نفس المكان رواية عن آخر يقول (و إني لأنظر إليهم ، و إنهم لقريب من مائة رجل ..) و في رواية أخرى (كان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا)... بفحص هذه الروايات يبدو أن عدد المقاتلين مع الحسين حوالي مائة من فارس لراجل . بلغ خبر مسير الحسين عبيد الله بن زياد فاستعد له ، فبعث الحصين ابن تميم التميمي - وكان على شرطه - فأمره أن ينزل القادسية ، و أرسل الحصين الحر بن يزيد في ألف من القادسية ، لملاقاة الحسين و منعه من دخول الكوفة . التقى الحر بالحسين و منعه من المسير في اتجاه الكوفة و كان قد بلغ مكانا يسمى شراف يبعد من الكوفة حوالي 5 كيلومترات و نصف الكيلو متر . يقول المؤرخون إن الحسين تياسر عن الطريق ، إذ حال بينه و بين الكوفة فاتجه شمالا و أصبحت الكوفة عن يمينه ، سار مسافة طويلة (تبعد كربلاء أكثر من سبعين كيلومتر شمالا بالطريق المرصوف) . كان الحسين يسير في ناحية و الحر في الناحية الأخرى يحول بينه و بين الكوفة . لم يكن الحر يريد قتالا و قد قال للحسين فيما قال ما معناه (إنك إن قدمت فأنت مقتول) و هو قول من يرى قلة جماعة الحسين و كثرة جيشه و يعلم أنه لا بد آتيه المدد من ابن زياد و كان قد سبق أن قال للحسين إنه لن يقاتله و ينتظر كتابا من عبيد الله بن زياد . و لم يلبث ان جاءه كتاب عبيد الله ابن زياد أن يجعجع بالحسين ( أي يضيق عليه و لا يرفق به) و ألا ينزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، و أمر عبيد الله بن زياد رسوله أن يلزم الحر و لا يفارقه حتى يعلمه بخبر إنفاذ نصح بعض أصحاب الحسين له أن يقاتل القوم قبل أن يأتيهم مدد فقال لهم الحسين: ما كنت لأبدأهم بالقتال فلما كان غد ذلك اليوم إذ قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2020, 10:34 AM   #[14]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(10)
عند وصوله بعث عمر بن سعد إلى الحسين يسأله عن الذي جاء به . فأجابه الحسين: كتب إلي أهل مصركم هذا أن اقدم، فأما إذ كرهوني فأنا انصرف عنهم ، فأرسل عمر إلى عبيد الله بن زياد برد الحسين هذا ، فكتب عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد (أما بعد ، فقد بلغني كتابك ، و فهمت ما ذكرت ، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو و جميع أصحابه ، فإذا فعل ذلك رأيْنا رأيَنا، و السلام.) فلما أتى عمر بن سعد الكتاب، قال : قد حسبت ألا يقبل ابن زياد العافية . أرسل عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد ( أما بعد ، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، و لا يذوقوا منه قطرة ، كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان.) و ذلك قبل قتل الحسين بثلاث ليال . روى الطبري في المصدر السابق ذكره (قال : و نازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي – و عداده في بجيلة - فقال: يا حسين، ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء ، و الله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشًا ، فقال حسين: اللهم اقتله عطشًا ، و لا تغفر له أبدًا .)
اجتمع الحسين مع عمر بن سعد بن أبي وقاص و قال له : (اختاروا مني خصالًا ثلاثًا : إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، و إما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه ، و إما أن تسيروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم ، فأكون رجلًا من أهله ، لي ما لهم وعلي ما عليهم.) . فكتب عمر ابن سعد إلى عبيد الله بن زياد بما ذكره الحسين . تقول الروايات أنه قبل بشروط الحسين في البداية ، لكن قام إليه شمر بن ذي الجوشن (و هو الذي تقول أغلب الروايات إنه من قتل الحسين و قطع رأسه) فنصح عبيد الله ألا يقبل بأقل من أن ينزلوا على حكمه . أرسل عبيد الله إلى سعد كتابا بذلك و ألا يقبل من الحسين غيره فإن أبى فليقاتله و قال لشمر بن ذي الجوشن إن أبى سعد فقاتلهم، فأنت أمير الناس، وثب عليه فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه. و أورد الطبري رواية راويه أبي مخنف أن عبيد الله بن زياد كتب إلى عمر بن سعد: (أما بعد ، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه و لا لتطاوله ، و لا لتمنيه السلامة و البقاء ، و لا لتقعد له عندي شافعًا.. انظر، فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم و استسلموا، فابعث بهم إلي سلمًا ، و إن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم و تمثل بهم ، فإنهم لذلك مستحقون ، فإن قُتل حسين فأوطئ الخيل صدره و ظهره ، فإنه عاق مشاق ، قاطع ظلوم ، و ليس دهري في هذا أن يضر بعد الموت شيئًا ، و لكن علي قول لو قد قتلته فعلت هذا به . إن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع ، و إن أبيت فاعتزل عملنا و جندنا، و خل بين شمر بن ذي الجوشن و بين العسكر ، فإنا قد أمرناه بأمرنا ، و السلام.) و هو خطاب قاس خال من الرحمة .
كان مع شمر بن ذي الجوشن من يسمى عبد الله بن أبي المحل و كان أبناء علي بن أبي طالب العباس وعبد الله وجعفرًا وعثمان قد ولدهم من أم البنين ابنة حزام و هي عمة عبد الله بن أبي المحل و كانوا قد جاءوا مع أخيهم الحسين ، فطلب عبد الله من عبيد الله بن زياد أن يعطيه كتاب أمان لهم إن انضموا إليهم فأعطاه ، لكن حين عرض عليهم ذلك الأمان رفضوه و قرروا البقاء مع أخيهم الحسين . زحف عمر بن سعد بن أبي وقاص على الحسين عصر ذلك اليوم التاسع من محرم فاستمهلهم الحسين إلى الغد ليرى رأيه فأمهلوه . لم يكن الحسين ليرضى بذلك الشرط المذل من ابن زياد و هو أن ينزل على حكمه أي يسير إليه أسيرا و هو لا يراه كفؤا له بل و لا قريب من ذلك ، لكن أراد أن يرتب أمره و أمر أهله .
جاء يوم الجمعة العاشر من محرم 61 هجرية و هو يوم المعركة التي سيُقتل فيها الحسين و بنيه و أبناء أخيه و بني عمومته و لن يبقى حيا إلا ابنه علي الذي لُقّب بزين العابدين . دارت معركة غير متكافئة بين حوالي أربعة ألف رجل من جند عبيد الله بن زياد و بين أقل من مائة رجل هم جماعة الحسين ، قُتل جماعة الحسين عن آخرهم و كان آخر من قُتل هو الحسين فقد كانوا يفدونه و يموتون من دونه .
كان جماعة عمر بن سعد يدورون من حوله و يتقي بعضهم ببعض و كل واحد يحب أن لو قتله غيره . يروي الطبري ( نادى شمر في الناس: ويحكم ، ماذا تنظرون بالرجل ، اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم . فحُمِل عليه من كل جانب ، فضربت كفه اليسرى ضربةً ، ضربها زرعة بن شريك التميمي ، و ضرب على عاتقه ، ثم انصرفوا و هو ينوء و يكبو ، وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع ، ثم قال لخولي بن يزيد الأصبحي: احتز رأسه ، فأراد أن يفعل ، فضعف فأرعد ، فقال له سنان بن أنس : فت الله عضديك ، و أبان يديك ، فنزل إليه فذبحه واحتز رأسه ، ثم دفع إلى خولي بن يزيد ، وقد ضرب قبل ذلك بالسيوف ... ثم إن عمر بن سعد نادى في أصحابه: من ينتدب للحسين و يوطئه فرسه؟ فانتدب عشرة: منهم إسحاق بن حيوة الحضرمي، وهو الذي سلب قميص الحسين - فبرص بعد - وأحبش بن مرثد بن علقمة ابن سلامة الحضرمي، فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره... ) انتهى . أخذ عمر بن سعد رؤوس القتلى و ساق النساء و معهن الصبي يومذاك علي بن الحسين ، إلى الكوفة لعبيد الله بن زياد و من الكوفة إلى دمشق ليزيد بن معاوية ، اختاروا طريقا طويلا لدمشق . حين وضعوا رأس الحسين بين يدي يزيد كان لديه قضيب فأخذ ينكت به بين شفتي الحسين فكره القوم منه ذلك و كان قد قسا في معاملة النساء لكنه عدل عن ذلك و ردهن إلى الحجاز معززات مكرمات .
يدّعي بعض الرواة أن يزيد لم يكن راضيا و لكن لا يذكر التاريخ لنا أنه لام أحدا أو عزل عبيد الله أو قال أو تصرف أي تصرف يدل على عدم رضائه عما حدث . الحقيقة أن يزيد لم يكن يصلح للأمر فقد عُرف عنه قبل توليه اللهو .
كانت مقتلة كربلاء واحدة من الصفحات المأساوية في التاريخ الإسلامي و قد أرخت لظهور الشيعة كحزب سياسي استمر حتى يومنا هذا ، حتى أنهم لا زالوا يحيون عاشوراء (ذكرى مقتل سيدنا الحسين في العاشر من محرم 61 هـ) و أربعينية الحسين بعد كل تلك المدة التي انقضت ، بحزن و نواح و إيذاء لأجسادهم . ستكون مقتلة كربلاء مادة خصبة لكتاب السيرة و للشيعة بالذات ، سيكتبون تفاصيل التفاصيل عما جرى في كربلاء و في سبي النساء و بينهن حفيدات النبي (ص) و سيؤلف البعض على لسان من شهد الواقعة خطباً و أشعاراً . لا زلت أذكر إنني في طفولتي كنت أقرأ لوالدي و جماعة من أصحابه من كتيب أصفر ، قصة كربلاء ، و كان فيه محاورة بين يزيد و علي بن الحسين و كان والدي و من معه يبكون كأن الحادثة قد حدثت حينها و ظل والدي رحمه الله يردد دائما بعد ما يشرب ماءً بعد عطش (لعن الله من قتل الحسين و أبناءه عطشانين) . كربلاء تدعوك لأن تعجب أن يقتل ابن سعد بن أبي وقاص (أحد العشرة المبشرين بالجنة و الذي اعتزل الفتنة) أن يقتل الحسين سبط نبيه (ص) ، لكنها السياسة .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 08-05-2020, 02:13 PM   #[15]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(11)
ستكون لمقتلة كربلاء و خاصة مقتل الحسين عواقب لم يحسبها يزيد و لا عبيد الله بن زياد . سيعم السخط أماكن كثيرة . كان عبد الله بن الزبير يأخذ البيعة سرا و لكنه بعد مقتل الحسين خلع يزيد و جاهر ببيعته ، و في اليمامة أرض معارك الردة ثار نجدة بن عامر الحنفي و تبنى مذهب الخوارج . أما المدينة فستجري فيها كارثة موقعة الحرة .
كان يزيد قد عزل عمرو بن سعيد من ولاية المدينة و أعاد ابن عمه الوليد بن عتبة أميرا عليها . مرة أخرى عزل الوليد (بمكيدة من عبد الله بن الزبير) و ولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان . لأمر ما بعث الوالي الجديد إلى يزيد وفدًا من أهل المدينة من أشراف أهل المدينة ، فقدموا على يزيد ، فأكرمهم، وأحسن إليهم ، و منحهم الجوائز . لكن الوفد لما رجع عاب يزيد و شتمه ، و كما روى الطبري و ابن كثير أنهم قالوا : (إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين ، يشرب الخمر ، و يعزف بالطنابير ، و يضرب عنده القيان ، و يلعب بالكلاب ، و يسامر الخراب و الفتيان ، و إنا نشهدكم أنا قد خلعناه ، فتابعهم الناس .)
بلغت الأخبار يزيد فبعث النعمان بن بشير الأنصاري ليعظ أهل المدينة و يحذرهم من خلع الطاعة و الفتنة لكنهم لم يستجيبوا له . بايع أهل المدينة عبد الله بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد بن معاوية ، يروي الطبري في الجزء الخامس (وثبوا على عثمان ابن محمد بن أبي سفيان ومن بالمدينة من بني أمية ومواليهم ومن رأى رأيهم من قريش، فكانوا نحوًا من ألف رجل، فخرجوا بجماعتهم حتى نزلوا دار مروان بن الحكم، فحاصرهم الناس فيها حصارًا ضعيفًا....كتب مروان كتابًا إلى يزيد بن معاوية يخبره بالحصار، فكلّف يزيد مسلم بن عقبة المري "و كان شيخا كبيرا في السن" فخرج لأهل المدينة في أثني عشر ألف من المقاتلين ، و أمره يزيد أن يخلفه حصين بن نمير السكوني إذا أصيب وقال له كما روى المؤرخون و نكتفي برواية الطبري في الجزء الخامس (: ادع القوم ثلاثًا ، فإن هم أجابوك و إلا فقاتلهم ، فإذا أظهرت عليهم فأبحها ثلاثًا ، فما فيها من مالٍ أو رقةٍ أو سلاح أو طعام فهو للجند ، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس ، و انظر علي بن الحسين ، فاكفف عنه ، و استوص به خيرًا ..... و أقبل مسلم بن عقبة بالجيش حتى إذا بلغ أهل المدينة إقباله وثبوا على من معهم من بني أمية ، فحصروهم في دار مروان ، و قالوا: و الله لا نكف عنكم حتى نستنزلكم و نضرب أعناقكم ، أو تعطونا عهد الله و ميثاقه لا تبغونا غائلةً ، و لا تدلوا لنا على عورة ، و لا تظاهروا علينا عدوًا ، فنكف عنكم و نخرجكم عنا، فأعطوهم عهد الله و ميثاقه لا نبغيكم غائلةً ، و لا ندل لكم على عورة ، فأخرجوهم من المدينة ، فخرجت بنو أمية بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة بوادي القرى... و لما قدمت بنو أمية على مسلم بن عقبة بوادي القرى دعا بعمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فقال له : أخبرني خبر ما وراءك ، و أشر علي ، قال: لا أستطيع أن أخبرك ، أخذ علينا العهود و المواثيق ألا ندل على عورة ، و لا نظاهر عدوًا، فانتهره ثم قال: والله لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك ، و ايم الله لا أقيلها قرشيًا بعدك . فخرج بما لقي من عنده إلى أصحابه ، فقال مروان بن الحكم لابنه عبد الملك : ادخل قبلي لعله يجترىء بك عني ، فدخل عليه عبد الملك ، فقال : هات ما عندك ، أخبرني خبر الناس، و كيف ترى؟ فقال له: نعم أرى أن تسير بمن معك ، فتنكب هذا الطريق إلى المدينة ، حتى إذا انتهيت إلى أدنى نخل بها نزلت ، فاستظل الناس في ظله ، وأكلوا من صقره ، حتى إذا كان الليل أذكيت الحرس الليل كله عقبًا بين أهل العسكر ، حتى إذا أصبحت صليت بالناس الغداة ، ثم مضيت بهم و تركت المدينة ذات اليسار ، ثم أدرت بالمدينة حتى تأتيهم من قبل الحرة مشرقًا ، ثم تستقبل القوم ، فإذا استقبلتهم و قد أشرقت عليهم و طلعت الشمس طلعت بين أكتاف أصحابك ، فلا تؤذيهم ، و تقع في وجوههم فيؤذيهم حرها، و يصيبهم أذاها ، و يرون ما دمتم مشرقين من ائتلاق بيضكم وحرابكم ، و أسنة رماحكم و سيوفكم و دروعكم و سواعدكم ما لا ترونه أنتم لشيء من سلاحهم ما داموا مغربين ، ثم قاتلهم و استعن بالله عليهم ، فإن الله ناصرك ، إذ خالفوا الإمام ، و خرجوا من الجماعة . فقال له مسلم : لله أبوك ، أي امرئ ولد إذ ولدك ...) انتهى ما أورده الطبري الجزء الخامس أحداث سنة 63 هـ . أوردت هذا الاستشهاد المطول عن الطبري لعلاقته بإثنين من خلفاء بني أمية ، مروان بن الحكم و ابنه عبد الملك و كيف أن عبد الملك اضطر للحنث بقسمه و خفر عهده لأهل المدينة ، و كيف لا يفعل و سيف مسلم مسلول لجز رقبة من لا يجيبه بعد قسمه لابن عثمان بن عفان أن يقتل من لا يجيبه . فعل مسلمة بن عقبة ما نصحه به عبد الملك و أمهل أهل المدينة ثلاث أيام و بعدها كانت معركة الحرة و كما روى ابن كثير في الجزء 6 (وكانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين) ، و ذلك باختلاف يوم واحد عن الطبري الذي يقول إنها كانت لليلتين بقيتا من ذي الحجة . حسب وصية يزيد استباح مسلم المدينة ثلاث أيام و كان الجند يفعلون ما يريدون . نقرأ خبر استباحة مدينة الرسول في مصادر متعددة ، نبدأ بالطبري : (وأباح مسلم المدينة ثلاثًا يقتلون الناس ويأخذون الأموال ، فأفزع ذلك من كان بها من الصحابة ...) و نقرأ : افتُضَّت في تلك المعركة ، بعد أن أباح مسلم بن عقبة المري المدينة ، ألفُ عذراء ، و ولدت ألف امرأة من غير زوج ، راجع (تذكرة الخواص لسبط بن الجوزي(شيعي) : 259، سير أعلام النبلاء للذهبي ج3/ 323، امتاع الأسماع للمقريزي ج12/246، تاريخ الإسلام للذهبي ج5/ 26، عمدة القاري للعيني ج17 / 221، البداية والنهاية لابن كثير ج8/ 241 ) ... أما القتل و ما أدراك ما القتل ، ذكر ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة ج1/ 185) أنه (قُتِل في تلك الواقعة سبعون صحابياً من صحابة الرسول (ص) . حتى لم يبق بعد واقعة الحرة بدريّ) انتهى . روى ابن كثير في البداية والنهاية ج6/ 262 (وقال عبد الله بن وهب: عن الإمام مالك، قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن، حسبت أنه قال: وكان فيهم ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ وذلك في خلافة يزيد. ) أما اليعقوبي "و هو مؤرخ شيعي" روى في تاريخ اليعقوبي ج3/ 250 : (قتل من قريش و من المهاجرين و من الأنصار سبعمائة ، أما من سائر الناس فقُتِل عشرة آلاف بين رجلٍ ، و امرأةٍ، و حرٍّ، و عبدٍ من الموالي و عموم الناس ، حتى قال بعض المؤرِّخين : كأن لم يبق في المدينة رجل .).... جاء في الاستعاب لابن عبدالله ج3/ 1431 و أيضا في أسد الغابة لابن الأثير ج3/ 147 أنَّه: (بعد أن هُزِمَ جيش المدينة، قُتِل كثيرٌ من أهل المدينة صبراً) أي قتلوا الأسرى . روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج1/ 240 أنَّ مسلم بن عقبة المري بعث إلى يزيد يخبره : (سلام إلى يزيد، سلام عليك يا أمير المؤمنين، ما صلَّيتُ الظهر إلا في مسجدهم بعد القتل الذريع ، و الإنهاب العظيم ، و اتَّبعنا مُدبرهم و أجهزنا على جريحهم ، و أنهبناهم ثلاثاً كما قال أمير المؤمنين ..) و يبقى من خبر موقعة الحر ما يستحق ان يُروى فيما يلي من أيام إن كان في العمر بقية .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 08:46 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.