تراتيـــــل الجزيــــرة المتوسطــــة
غزو الثعابين .... حرائق اللعنة!!
مازالت الكوابيس تتقاذفك يا ولد رجاء بنت ست الدور في كل مرة تسلم جسدك فيها للفراش .. ماذا ستفعل ببحيرة العرق التي تغوص فيها وتحتل فراشك كل يوم؟ ، الأيام التي لا تقضيها القامشلية في شقتك تغدو كوابيسها أعتى ولها أسنان بلون الدم ورائحة كرائحة البارود وطلعة ثعابين ميتة متعفنة ، نفس الثعابين التي تراها تتسلل بحمق عبر ثقب مفتاح باب غرفتك واحدا تلو الآخر غير عابئة بنظراتك التي تجمع بين الهلع وغشاوة العرق!
، هل مازال داخل كابوسه ؟
قام متثاقلا وهو يصطدم بكل ما يمر به متحاشياً الثعابين ، واتجه للحمام وتعرى من ملابسه بنفس التثاقل ، وقف هنيهة ليتأمل جسده العاري في المرآة ،، هل مازال داخل كابوسه ؟ هذا الجسد سيفنى ولاشك ، ويصبح مسرحاً للديدان ، لا ليس للديدان بل للثعابين ، فالديدان لن تكفي لمضغ هذا الجسد الذي ورث من ذنوب أسلافه ومرارات سيوفهم وبنادقهم التي كانت ريشة لرسم تاريخ سيتواتر لينتهي في جسده هو ويحملّه ما يستحقه و لكنه لا يطيقه !! ،
هل مازال داخل كابوسه ؟
أين أنت يا قامشلية .؟ كنت ستمرين براحة يدك على هذا الشعر الخشن لتهدئة الثعابين التي أسمع فحيحها ينتقل من الغرفة إلى الصالة ! وضع جثته تحت الدش واختار طائعاً خيار الماء البارد في ذاك الشتاء الصقيعي الجاف ، الماء يمتهن كل ذرة جلد في جسده ، ومع إغماض عينيه يتخيل تقافز ذرات الماء الثلجية من خلية لأخرى ويقتنص الفرص ليملأ صدره برائحة الكلور المنبعثة منها ليطرد شيئاً من رائحة البارود ، البارود الذي خطط التاريخ وأتت الأقلام لتكتبه مجمّلا بالمحسنات البديعية والكذب ،،
هل مازال داخل كابوسه ؟
هذه الشراكة بين السيف والقلم تبدو غريبة وما يدعو للسخرية أن جُلّ المسرحيات التي تعرض على مسرح الحياة هي ابن شرعي لهما!!
"لن أقضي هذه الليلة وحدي فرجفة القلب أقوى من احتمالي ، سأنزل للشارع لأفجّر نفسي تحت عمود انارة يبكي ارغامه على العطاء في هذا الزمن البليد" ، ارتدي ملابسك يا ولد رجاء واخرج للشارع لتخرج أحشائك وقصصك وأغنياتك على الجادات ونواصي المدينة التي آمنت بالايديولوجيا .
"المعطف التركي يثقل كاهلي ، ولكني سأخرج !! "
خطواتي الثقيلة تقطع شوارع حي "القابون" في هذه الساعة التي ينشط فيها المخبرون وحرّاس امير المؤمنين لن تعدم يا ولد رجاء فردا من أفراد البوليس السياسي يطلب منك ابراز هويتك وتتمنى أن تتبول في فمه ليعرف هويتك الحقيقية ، البرد رفيق هذه البلاد وعشيقها السرّي ينازل معطفك التركي ، لماذا لم تقرع باب مدام كوهار التي تعودت على جنونك بدلا عن تسليم خصيتيك لسيّاف البرد ؟ خطواتك نحو حي الروضة تبدو مجنونة وطريقا للمقصلة ، ،
هل مازال داخل كابوسه ؟
مخبر البوليس السياسي اكتفى بسيجارة ونظرة لئمية وابتسامة صفراء وتعليق لا معنى له لتحذيرك من تدخين السجائر الأمريكية التي تباع في السوق السوداء قبل أن يسمح لك بالذوبان في الشارع ، أين أنت يا قامشلية ؟؟ لماذا تُثْقِلُ بلادنا حالات الطوارئ المختلفة وتركل أحذية العسكر مؤخراتها ؟ تركت القوم هناك في ارضي الملعونة يرصفون الشوارع بالعربات المموهة باللون الكاكي ويقيمون الحواجز ويفرضون على بني جلدتي حظر التجول وحظر التفكير وحظر التنفس!!
، هل مازال داخل كابوسه ؟
يفتشون فيها كل شيء ابتداءً من الجيوب وانتهاءً بالنوايا والمؤخرات التي قد تدس فيها قنبلة أو ميكروفيلم يحوي أسرار دهس الحسين تحت حوافر الخيل!!
الحسين يا صغيرتي تركنا متسبباً بتواتر العترة ...
الحسين يا صغيرتي فعلها وذهب ...
فضاجعنا الدنيا بعده ورزقنا بالخيبات !! وكنت أن أجملها على الاطلاق ، جدك السلجوقي الذي غرس ساريته في صرة الملك كان خيبة كالملك تماما ولكنه أنجبك لتحضري الاغنيات التي أرجفت اضلعي لهذه الدنيا البكّاءة الجبانة ...
نعم جبانة فهي لم تتحمل ذنب موت الحسين تحت حوافر الخيل والخيبات !!
حي الروضة يبين خلف الدائرة الملعونة والتقدم مشياً الآن لا يصنف الا انتحارا سريعا ، أين سيارات الأجرة اللعينة ...؟
أٌلقي بنفسي على كرسي السيارة الخلفي ولا رغبة لي في ثرثرة سائق مثقل بالديون و أقساط العربة :
_ زقاق القبابجية بالمرجة اذا بتريد ...
و أسلمت نفسي لأفكار تغتالني كل مساء ، ترى أمازال صديقي وليد ضمرة يغني في الأرض الملعونة التي تركتها خلفي أغنيات تحكي عن عالم جديد بعيد عن سطوة التابوهات البليدة؟ أين أنت ياصديقي لتراني الآن هائماً على النواصي التاريخية هارباً من الثعابين الميتة بشقتي وهارباً منك ؟ الأرض الملعونة لا يعنيها كثيرا موت الحسين ولا عربدة يزيد وشعره الركيك ، آه يا قامشلية لقد تركتهم جميعاً خلفي بأغنياتهم ورقصاتهم لآلهة الحصاد وقفشاتهم وهم يجابهون آلة الحاكمين الجدد بأمر الله .
، هل مازال داخل كابوسه ؟
هل مازالت الأرض تدور في وطننا يا صديقي؟ وسوزان أمازلت تنتظرني في الزقاق خلف (الطابونة) العتيقة لأختلس منها قبلة تحكي عنها لصديقاتها ؟ هل مازال ود الزبير يمارس عموديته ويرتدي جلباب أي حكومة تأتي ويلعن كل حكومة تذهب؟ أمازالت أغنياتك تشق بكورة الليل أم صادرها ورثة الله؟ وجدتنا بت المنى أمازالت تدخن وتسب دين كل من لا يعجبها ؟؟
_ المرجة سيدي تفضل ...
تباً لك ايها السائق الملعون وشكرا لك اذ ارجعتني من سديم الأثير الذي كنت به ، خطواتي تتواصل بالزقاق العتيق ومآذن المسجد الأموي تبدو وهي تمد تكبيرات الصلوات المستقبلية نحوي ، وصوت فيروز يأتي من مكان بهذا الزقاق الأحمق ، المقهى يناديني والصوت كذلك فأجلس لأستمع وأغني أغنيات فيروز علّها تهدئ فورة الجنان المسحوب على الزجاج المكسّر ، قم يا ولد رجاء بنت ست الدور واذهب لخمّارة توفيق واسكر .. اسكر ... اسكر ...
الخطوات تتواصل لا يقطعها الا صوت النادل ينبهني أني لم ادفع ونظرة الريبة تعلو وجهه الصدئ .. الخمّارة هي المكان الأنسب في غيابك يا قامشلية ، المشروب الحارق يطفئ ناري الداخلية ويبعث صديقي وليد وجدّتي بنت المنى وود الزبير الضلالي في دمائي بشكل محتمل ويجعل البكاء ممكناً !! آه يا توفيق تركت الثعابين تجوس في شقتي ... وثعابين تجوس في وطني ... وثعابين اخرى تمص دمي سأحرقها بالسائل المؤلم ، جميع من هم هنا أنهكتهم اللعنة ، تبوّل يا ولد رجاء بنت ست الدور لتشرب المزيد وتعبئ شرايينك الصبيّة بمزيد من الخمر والأمنيات ولا تنس ان تغني وترقص في باحة الخمّارة الدمشقية ولا تخف فلن تغضب أحداً لن يراك أحد أنت غير موجود وغناؤك لك وحدك ورقصك الأفريقي الساخن لك وحدك وخيبة موت الحسين لهم هم فابتسم وارقص!!
الخمر تدوّر راسك متآمرة مع المقاطع التي تغنيها :
"اليوم نرفع راية استقلالنا ...
ويسطّر التاريخ مولد شعبنا"
أنت لم تولد بعد يا ولد رجاء بنت ست الدور ! ويحك ! الخمر تحملك لروضة غناء لا تنسيك
(قطاع) التمور في أرضك الملعونة ، كيف الخروج من دائرة الخمر لدائرة الموت الدائمة؟ ارقص رقصك الأفريقي ولا تهتم فانهم لا يرونك الا كما يرى قارئ الجريدة بالمقهى النادل ذو الوجه الصدئ ! وابتسم حين ترى سائق سيارة الأجرة يرتشف (بوظته) بين الرواد فجميعنا أصابتتنا اللعنة ، أنت أصابتك لعنة الزبير باشا والجنود المدججين بقهرك والسائق ملعون بلعنة ابن أبي سفيان ودولته التي ربطت سرّته بطعم السائل الحارق!
، هل مازال داخل كابوسه ؟
ها قد شربت وغنيت ورقصت ولعنت جدّتك وقهرك وصديقك فكيف الرجوع لشقتك المجاسة بالثعابين التي ولا بد قد توالدت وأنجبت حيّات أشد فتكا و ضراوة وخبثاً فكيف الرجوع لفراشك ودوامة العرق ان لم تكن القامشلية التي تحميك بحضنها العميق وهدهداتها الكردية – التي لا تفهمها- موجودة ؟
الخطوات ذاتها نحو الهاتف العمومي ، وصوت العملة المعدنية وهي تُبْتلع و أصابعك المخمورة وهي تطلب رقمها ، صوت الصافرة الذي يعني النجدة كل ذلك بدى بديعاً وفاتناً..
_ مرحبا..
_ رولا.... اني أحترق باللعنة -*وصوت جدّتي !
_ نص ساعة وبكون عندك
_ الساعة 1 الصبح!!
_ الك جاية لو بتحرق الدني!!
أقفلت وأنا أغالب ابتسامتي الطفولية المتآمرة باسم الحب ، سأذهب وانتظر هطولها على جدب سديمي الفضائي الذي لم يعرف الماء ، سيارة الأجرة الآن تبدو مبهجة وحي القابون الذي تنهب العجلات الطريق نحوه لم يعد كئيباً ، حتى أن سائق سيارة الأجرة هذا لم يعد لعيناً! ولكني لم أكن بكامل الثقة لأقامر بحظي حد الصعود للشقة ومواجهة الثعابين التي ولا بد قد تناسلت لتنجب الخيبات وثعابين ستقتل فيّ الخمر الباخوسية التي زرعتها في خلاياي ، سأنتظرها على ناصية الشارع لنصعد سويّا ولتمت تلك الثعابين كمداً أو فلتتوارى الى كتب التاريخ التي أتت منها ...
أدخن ، وأدفع عصير اللفافة مصحوبا بالبرد لرئتي ، أدخن وأطرد من داخلي كل اللعنات ، وأغني أغنيات تختلف وأتلفح بغرامها وانتظارها ، تعالي يا قامشلية وضميني لتكسبي أعصابي ترياقاً مؤقتاً ضد البرد والذكريات وعصف الأفكار...
تطلين من العطفة كهستيا آلهة الموقد التي تنازلت لديونيسيوس والهواء يتلاعب بخصلاتك الكستنائية التي تحمل سرّ الوجود ، تضعين يديك داخل جيوب معطفك الكشميري وتجدّين الخطى نحوي تسبقك ابتسامتك و يتلقفني حضنك ليأخذني بعيداً عن دوّامة اليتم :
_ حبيبي رائحتك كزجاجة فودكا
_ كذلك صوتي وأحشائي!
أتأبط ذراعها نحو وكر الثعابين أحمل طمأنينة الدنيا وصورة الزبير باشا تذبل في مخيلتي باضطراد
_ الثعابين الميتة تجوس شقتي يا رولا و أوراقي العتيقة لم تعد كذلك!!
تدلف قبلي وتضئ نورا سمجاً تبدو من خلفه الصالة تحتضن أوراقي وزجاجة الويسكي ومنفضدة السجائر وطقم الجلوس ذو اللون البنّي ..
لا ثعابين ...
لا خيبات ...
مرحى !! سأكمل زجاجة الويسكي وأتقافز بين نهديك يا قامشلية وأضيء ما انطفأ من جسدي!
لم تعد داخل كابوسك يا ولد رجاء بنت ست الدور...