بروفسور عبدالرحمن عبيد ...أمدرماني من نسخة وحيدة
بروفسور عبدالرحمن عبيد ...أمدرماني من نسخة وحيدة
سمعت اليوم خبر مغادرة البروفسور عبدالرحمن عبيد عبدالنور. قبل عدة سنين كتبت, ان البروفسور عبدالرحمن عبيد عبدالنور هو الشخص الذي تمنيت وانا طفل ان اكون مثله. ولكن ليس ادراك المنى بالتمني .عبدالرحمن كان شخصا لا مثيل له.
ونحن في المدرسة الوسطى كان ياتي في الإجازة من الجامعة الامريكية في بيروت. ويقوم بتدريسنا. كان منظره ومخبره يسر الانسان. ونحن اطفال امدرمان لم تكن تتنفع معنا الخيزرانة او الكرباج. ولكن ما ان يلج باب الفصل الاستاذ عبدالرحمن حتى يصاب كل الفصل بنوع من النشوة. كان على عكس المدرسين يلج الفصل وعلى شفتيه ابتسامة كبيرة او نصف ضحكة. كنا نفرح بطلته وكانها يوم قز صاري المولد, الذي كان ياتي على ظهر كارو ويغرز في ميدان الخليفة في اليوم الاول من ربيع الاول .
لم يحدث ابدا ن احتد عبدالرحمن مع طالب او عمد الى جلد انسان. كان موهوبا كمدرس وكانما خلق لمهنة التدريس. كان يتمتع بطول البال ويكتفي بالرد على غلطاتنا الشنيعة بالضحك والمزاح. وكان يسند يديه الاثنين على طاولة المدرس واصبعه متدلية لتحت ويضحك. ويهتز جسمه القوي. كان عريض المنكبين وسيما. يحمل لون اغلب السودانيين.. الاخدر الرويان. ولم يحدث ان طالبنا بإلانتباه كنا نكون مشدودين منذ دخوله الفصل الى خروجه. ونتمنى ان لا تخلص الحصة. لقد ورث مقدرة بابكر بدري وعبيد عبدالنور في التدريس. كنت اتمنى من الله ان اكبر واصير مثل ابن عمتي. وسيما انيقا محبوبا من الآخرين لا احتد ابدا ولا يسمع او يرى مني الاخرون ما يغضبهم. هكذا كان عبدالرحمن رحمة الله عليه.
عبدالرحمن هو ابن المربي عبيد عبدالنور. والاستاذ عبيد عبد النورهو اول من قال هنا امدرمان في الاذاعة السودانية. وكان معه في تلك الفترة في الاذاعة الاستاذ محمد فريد اخ اللواء والوزير طلعت فريد, وصالح عبدالقادر من فريق ابوروف وهو احد الخمسة الذين اسسوا جمعية الاتحاد ثم اللواء الابيض في العشرينات.
عبيد عبدالنور وشقيقه حسن عبدالنور والذي كان قاضيا. ارتبطوا برفاعة. ولم تنقطع صلتهم برفاعة حتى بعد انتقالهم الى امدرمان. وعبيد عبدالنور هو الذي قال مخاطبا زعماء السودان قائلا
يا رجال البلد الامين
السكات ده بصح لا متين
ثم قال مخاطبا البلد
انت غالية هم رخصوك
وانت سمحة وهم وسخوك
وهو من قال وما صار شعارا للمرأة
يام ضفاير قودي الرسن
واهتفي فليحيا الوطن
نحن ابناء امدرمان نفتخر بامهاتنا وحبوباتنا وكثيرا ما اقول عن نفسي انني ود امينة بت زينب بت الحرم . عند سماع خبر ذهاب البروفسور عبدالرحمن تذكرت امهاته امنة بت الحسنى بت شيقوق. وبت شيقوق اتت من النيل الازرق وهي من اسرة شيقوق المشهورة. واخوة جدتي الحسنى هم بابكر ويوسف وموسى وسعيد وعبدالكريم وخضر بدرى .
تذكرت امدرمان ومنزل الاستاذ عبيد عبدالنور في فريق السوق في بداية شارع العناقريب والعم عبيد عبد النور وعربيته المورس الخضراء والبنطلون والحمالات. وكان دائما يقود سيارته بنفسه وهو صديق وزميل الزعيم الازهري في الجامعة الامريكية في بيروت وكان معارضا للحكم العسكري. ولهذا منع دفنه في مدارس بيت الامانة التي اسسها ولكن بعد استلام الازهري للسلطة في الديمقراطية الثانية نقلت رفاته الى مدارس بيت الامانة. شقيق عبدالرحمن الاكبر كان يوسف عبيد الذي مات نتيجة اهمال الاطباء وهو في ريعان شبابه وكان فاكهة ابناء امدرمان لطيفا حلوا . وبعد وفاته بفترة طويلة كان اترابه محمد بدري وابراهيم مجزوب مالك ومختار كاكوم وكمال ابراهيم بدرى يتحدثون عنه وكانه لا يزال موجودا بيننا. الشقيق الآخر كان العميد احمد عبيد الذي بدأ حياته كضابط في البوليس ثم استقال بعد وفاة والده وصار عميدا لمدارس بيت الامانة . ويذكره طلابه وافراد اسرتنا بانه كان بمثابة الاخ الاكبر وكان لاعب كورة جيد ومحبا للرياضة ويجمع الكبار من ابناء الحي والاسرة لماتشات كرة قدم التي كانت تتسم بالبهجة والمناكفات كاروع ايام امدرمان.
ذكر لي المهندس عيدالدين حسن عبدالنور انه عندما ذهب للجامعة الامريكية في بيروت وهو في التاسعة عشر ان عبدالرحمن فاجأه بزيارة غير متوقعة في الصباح. وكان عزالدين قد شرب في الليل كعادة السودانيين عندما يذهبون خارج السودان وكان خائفا من ان ابن عمه الكبير سيثور عندما يشتم رائحة الخمر . الا ان عبدالرحمن ضحك وقال له على كل حال بقيت راجل. ونصحه بطريقته اللطيفة ان يتجنب الخمر .
شقيق عزالدين حسن عبدالنور كان محافظ البحر الاحمر وقديما كانت اكبر وظائف في السودان هي محافظ الجزيرة ومدير عام السكة حديد ومحافظ البحر الاحمر. واثنين من اوائل محافظى الجزيره كانوا مكى عباس والصادق بدرى والاثنين من رفاعه . .
لا اذكر ابدا ان اي انسان تطرق للبروفسور عبدالرحمن بنقد او ذكره اي بشر بسوء . كان ذكر اسمه يقرن دا ئما ب ..(.يا سلام .).. كان له تواضع العلماء وحياء رجال الطرق الصوفية . وبهاء وكرم شيوخ البادية الأصيلين. اي وقت تقابله يحسك بانك انت الشخص المهم وان مشاهدتك بمثابة نعمة من الله .
يذكر تلاميذه وطلبته ويتفقد اخبارهم .. واذا كان هنالك بشر في السودان وهو عنوان للتواضع والبساطة فهو البروفسور عبدالرحمن . ذهبت لزيارته مع العم محمد بدري طيب الله ثراه بسبب خدمة لشخص وقال له محمد بدري ونحن منصفين ....سامع يا ولد..... وكان وقتها بروفسور في كلية العلوم ... فقال طبعا يا خال اقدر ما انفذ طلباتك..
اخر مرة ذهبت الى منزله كان يتحدث مع كريمته اللتي كانت في حوالي السابعة عشر من عمرها وتحمل بعض ملامحه الجميلة . وكان يناقشها ويتحدث معها حديث الند وكان هذا اسلوبه مع كل الناس .
لم يحدث ابدا في كل حياتي ان رايت البروفسور غاضبا او عابسا او متضايقا . كانت البسمة قد خلقت لشفايفه. وعندما لا يكون مبتسما يكون بسبب قهقهته وضحكته الجميلة..
الدكتور بابكر احمد العبيد وشقيقه عمر وعزالدين كانوا يتحدثون عادة بوله واعجاب عن خالهم عبدالرحمن ولا يذكرون اسمه ابدا بدون ان يسبقوه ب خالي عبدالرحمن وكانهم يريدون ان يؤكدوا ذلك الشرف وبما ان والدهم المناضل والانصاري الصميم كان يسكن في سنار فلقد كانوا يتواجدون مع جدهم عبيد عبدالنور في فريق السوق.
والدتهم عرفة هي شقيقة دكتور عبدالرحمن الاكبر وشقيقتها حد الزين زوجة صالح العبيد ووالدة رجل الاعمال الفاتح العبيد وآخرين. ومنزلهم في حي الملازمين بالقرب منزل السيد الصادق ..
الرجل الرائع عبدالرحمن عبيد كان امدرمانيا عظيما اتت جذوره من رفاعة التي انجبت خيرة رجال السودان. وكانت قبل امدرمان البلد اللتي تكونت فيها شخصية الوسط واتحدت فيها اللغة السودانية المعروفة اليوم . وليس قريبا ان يكون نتاج هذا التلاقح رجالا ونساءا في روعة عبدالرحمن عبيد.
هذا رجل لقد تمنيت بصدق منذ طفولتي ان اكون مثله. ولكن بروفسور عبدالرحمن كان فريدا.. كان ببساطة ...فلته
لقد قدمت الكثير وستظل سيرتك دائما رائعة...فأنت الرجل الذي لا عيب فيه ...
التحية,,,
شوقي,,,
|