منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > نــــــوافــــــــــــــذ

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-10-2009, 11:04 AM   #[1]
imported_علي حاج علي
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_علي حاج علي
 
افتراضي محاولات في قراءة نص (ايمان) للاديب معاوية محمد نور

[align=justify]ايمان
قصة قصيرة
لـ معاوية محمد نور

- نعم اعرفه، اليس هو ذلك الشاب الكث الشعر، النحيل الجسم، الطويل الانف، الذي يعنى بهندامه ويضع طربوشه قريبا من حاجبيه، وهو جالس دائما في تلك الزاوية، ينظر بامعان للاعبي الطاولة فاتحا فاه طيلة الوقت يلتهم حديث المتكلمين والمتحدثين التهاما من غير مضغ؟
- لقد مات يا سيدي بعد ان اعتراه مس من الجنون لم يطل امده لانه ترك الاكل الا لماما، وصار هائما على وجهه في الشوارع والطرقات العامة، لا يثنيه حر ولا برد من ذلك.
- واي سبب ادى به الى الجنون فالموت، فلقد شاهدته منذ زمن ليس بالبعيد يلعب الطاولة وبدا مبتهجا وهو على خير ما يكون انسان.
- لقد كان جلال افندي عبد الكريم ايها الاخ، شابا سمح الخلق طيب الخاطر، كله نعومة واطمئنان وطيبة قلب، يستمع بشغف لاحاديث المتكلمين حوله في المكتب والترام والمنتديات العامة، ثم ياخذ بعض هذه الاراء التي تروق عنده، وهو اكثر مايكون تاثرا اذا كان صاحب الحديث شديد العارصة قوي الحجة، قوي الشخصية يتكلم بكل حزم وتاكيد، ياخذ هذه الاراء فيعيدها على صحبه وكانما هي له والحديث من بنات افكاره لشدة ما يتعصب لها ويذود عنها. واذكر انه كان في وقت من الاوقات كثير التلفظ بهذه الجملة وقد سمعها من جلال الدين اقندي (( ان الراسماليين عندنا هم راس كل بلية في هذا الضعف الاقتصادي، وهم الدود الذي ينخر في عظام هذه الامة))!
كما انني اذكر انه قد ترك هذه الجملة في وقت من الاوقات ومسك اخرى سمعت انه سمعها من نور الدين افندي عن اغانينا القومية (( انني لا انكر على اغانينا بعض الحلاوة المخنثة والميلودية الباكية الشاكية، ولكنها طنبورة هزيلة واغان مملة لا تضرب على اوتار النفس الشاعرة، وانما وترها واحد هزيل لا يحث على الجد ولا يدعو الى النشاط والحياة الهنيئة)). وانت تراه وتسمعه يقول هذا الكلام بكل كبرياء ذهني واقتناع وعظمة!.
وجلس في يوم من الايام مع جماعة من بينهم حسين افندي حسني الذي كان يطلب العلم في القاهرة، فاراد صاحبنا ان يظهر علمه ولوذعيته، فادار الحديث لذلك الغرض خاصة حتى اذا ما جاء الحديث عن الاغاني السودانية قال قولته هذه في شي من الاقتناع والفهم المصطنع، وراح يدخن سيجارته بعد ان اتم حديثه وينظر في الفضاء بكل ادعاء في التفكير والتامل كما يفعل ((خير الله الماوردي)) بالضبط. واخيرا نطق حسين افندي حسني وقال بعد ان تكلم عن عبقرية الامم والاغاني القومية المختلفة: (( وان الذين يقلدون الافرنج في كل شي ويحاولون ان يلبسونا ثوبا لم تخط لاجسامنا ليشطون ويهرفون بما لا يعرفون، فكيف يريدوننا على ان نستبدل شعورنا الشرقي البسيط بالشعور الغربي، والاغاني شعور وهي شعورنا. زد على ذلك ان من يعلم حالة هذا الشعب وتاريخه يعرف تمام المعرفة لم كانت اغانينا على هذه الوتيرة الباكية، وان السايكولوجي الاجتماعي ليقرر صحة ما اذهب اليه. وخير لنا ان نحاول تحسين اغانينا على هذا النسق من ان ننقد روحها وعنصرها فان روحها لهو روحنا وعنصرها لهو عنصرنا، وعبث محاولة تغيير الروح والعنصر))! فاعجبت هذه الجملة صاحبنا جلال افندي وحفظها لساعتها بعد ان اقتنع بصحتها وترك قولته القديمة في الاغاني. وهذه ولا شك تظهر له اكثر عمقا وعلما ولوذعية من الاولى. ولقد كان قوي الذاكرة، ويكفيه ان يسمع مثل هذه الجملة مرة واحدة فيلتهمها التهاما ويحفظها عن ظهر قلب، ولو انه في بعض الاحيان ينسى كلمة او كلمتين فيتغير المعنى المطلوب تماما. وصار منذ ذلك اليوم يردد هذه الجملة في المكتب والبيت والمنتدى، وهكذا كان صاحبنا-رحمه الله- شديد التاثر يصدق كل ما يقال امامه بحزم وصوت مرتفع. وكان في حفظه كعدسة ((الفوتوغرافيا)) يلتقط الافكار لاول وهلة ويرددها كانها من بنات افكاره من غير ان يشعر باقل غضاضة او فقر ذهني. ومع كل هذا فقد كانت الناس تحبه وتستظرفه لما فطر عليه من مراحة الطبع والدعابة والخفة. وهو اذا ذهب الى مكتبه وكلم بعض اخوانه في المكتب عن المسائل العامة فلم يابهوا له، بادرهم بهذه الجملة التي سمعها من ((الباشكاتب)) على افندي رحمه الله: ((ان حياة الموظف عندنا لهي حياة سخيفة. وما اشبهكم بالالات الميكانيكية تؤدي واجبها الالي ثم يشيع فيها الصدا فتبلى وتتحطم)) كما انه كان كثير التقليد لرؤسائه يقلدهم في نبرات اصواتهم وفي مشيتهم ويلتقط الكلمات الانجليزية من رئيسه الانجليزي. والويل في ذلك اليوم لراكبي الترام، فانه يزعجهم بمثل هذه الكلمات بمناسبة وغير مناسبة. واذكر انه كان يستعمل هذه الكلمات وقد التقطها حديثا
(Tremendous, extraordinary, absolutely)
ولقد كان يرتاد بيوت الرقص الوطني بين حين واخر فياتي مسلوب العقل والوجدان معا، ويقرر لك بكل حزم ان ((فلانة)) هذه ارقص بنت في السودان، وان تلك البنت اجمل بنات العالم طرا. ولا يمر اسبوع من هذا التاريخ الا وياتيك باسماء اخرى هي اجمل البنات وارقصهن، وهو في كل ذلك محكوم ((بالمودة)) وما يقوله صحبه ورفقاؤه فهو قل ان يكون لنفسه رايا حتى في الطعام والملبس، ياكل ما يقول بعض اخوانه انه اجود الاطعمة ويلبس ما يلبس زيد وعمرو.
وحصل يوما ان اجتمع بهاشم عرفات في المنتدى الذي يجلس فيه عصر كل يوم هو وصحبه، وكان هاشم عرفات هذا شابا كثير الاطلاع، كثير الشك الفلسفي لايؤمن بالاقاويل ولا يستطيب الجزم في شيء، وهنا ابتدات صفحة جديدة من تاريخ بطلنا جلال افندي عبد الكريم اذ كل ما اتى بجملة من جمله المحفوظة، ساله هاشم عن صحة ما يقول وعن ادلته وبراهينه، وينتهي بان يشككه في قوله ويسخف له هذا الراي ويفند ذلك. وصار كل ما رايا ساله هاشم (هل انت متاكد) حتى جعله يرتج في اجوبته ويشك كثيرا او صار لا يقتنع بالقول الذي يقوله الصحاب ولكن لا بد ان يراه عمليا حتى يصدقه. وقبل ان يتفرقوا قال له هاشم ((يا سي جلال افندي ابق من فضلك ما تصدقش كل حاجة، ان هذا العالم كله رياء وكذب وتدجيل)). فتركت هذه الكلمات اثرها في ذهن جلال افندي وهو يودع صحبه في تلك الليلة!
وحصل ان كان يوما جالسا مع بعض الصحاب وفيهم من كان يدرس الكيمياء فقال له هذا الكيميائي: ((اتدرون ان الماء من الهواء))؟.
- ((لا، لا اصدق)).
- يا عجبا: انه امتزاج الهيدروجين بالاكسوجين في نسب معلومة.
- ((كلام فارغ)) برزت من جلال وتبعها منه ايضا. ((هل انت متاكد))؟
- ((كتاكدي من وجودك هنا))..
واشترط الصحاب ان يذهبوا الى اقرب معمل في الخرطوم ليروا هذه العملية، ولكنه لسوء الحظ او لحسنه، مهما حاول صاحبنا الكيميائي في التحضير فقد فشلت كل مجهوداته، واخيرا صاح به جلال افندي: ((الم اقل لك كلام فارغ))
- واي كلام فارغ تعني؟ ان المواد لسوء الحظ ليست جيدة وهذا كل ما في الامر: وقد عملت انا هذه العملية مئيات المرات، وهي حقيقة ثابتة كوجودي ووجودك)) واطلعه على عدة كتب فيها هذه الحقيقة، فكان جواب جلال افندي.
- ((اتظنني مغفلا لهذه الدرجة؟ ان هذا العالم كله رياء وكذب وتدجيل)) وقفل راجعا.
وجلس يوما مع بعض صحبه وكان بينهم جاد الله العربي، وهو فتي مرموق الجانب. معروف بسعة الاطلاع والفهم فقال لهم ((هل تدرون انه سوف يحصل كسوف جزئي للشمس في الغد)). ((هل انت متاكد))؟ قالها صاحبنا الذي كان يؤمن قبل بكل شيء.
- ا انت عبيط. اقول لك ان في الغد سوف يحصل كسوف جزئي للشمس فتسالني هل انت متاكد!، ان هذه الاشياء يقررها العلم، والعلم صادق لا يداجي ولا يكذب، ويمكننا ان نعرف الدقيقة والثانية التي سوف يحصل فيها الكسوف. ووافقه الجميع على هذا الكلام ونظروا شزرا الى جلال افندي. وراح صاحبنا يلعن هذا الراي وقد نسى شكه ((ان في الغد سوف يحصل كسوف جزئي للشمس!)). وظهرت الشمس غدا اشد ما تكون لمعانا وضياءا فلا كسوف ولاخسوف، وكلما تقدم النهار لم تنكسف الشمس ازداد شك صاحبنا وقلقه وصار يقول لنفسه ((اقول لهم هل انتم متاكدون فيقولون يا للعبيط، اينا الان العبيط انا ام هم))؟.
وبعد هذه الحادثة رجع فقابل ((هاشم عرفات)) الرجل الذي جعله اول مرة يشك في حياته وقص عليه قصة الكسوف المزعوم، وكيف انه شك في حديثهم فما كان منهم الا ان ضحكوا منه، فقال له هاشم افندي: ((اسمع يا اخي ان الاشياء لا تحصل حسب قوانين معلومة ولكنها تحصل كل يوم في حالات كثيرة متعددة، واساس هذا العالم انما هو التغير والتحول فعبثا نحاول استنتاج القوانين العامة التي تحكم الاشياء، وقد يظهر لنا في كثير من الاحيان اننا قد نجحنا في ضبط القوانين ومعرفة الاشياء، ولكن هذا وهم خادع. فالحياة لا يحدها قانون او سابقة وهي دائمة التحول والتجديد، وهي مستبدة وقاهرة، وربما تحصل بعض الاشياء عدة مرات، ولكن ليس معنى هذا انها سوف تحصل دائما. فاي قوانين واحكام ثابتة يمكن ان يصدرها الانسان والحال كما وصفنا؟)). فالتهم صاحبنا هذا الحديث وتاثر منه واعجب به كثيرا، وزادت نزعته الشكية من ذلك الحين كثيرا.
وكان صالح افندي عثمان، المشهور بنكاته والاعيبه في الاندية والمجتمعات في ليلة من الليالي يقوم ببعض الالعاب، فجاء الى مسالة كوب الماء الذي اذا ما ملئت واقفل فمها بورقة قوية او خشبة مستديرة او ما اليها ثم جعل سافلها عاليها لم يندفق الماء للضغط الذي داخلها. فقاطعه جلال افندي عبد الكريم وانكر عليه حديثه وقال له دونك التجربة، فجربها صالح افندي عثمان بوضعه ((لكوب)) الماء وهو مقلوب فوق راسه فلم يصبه اذى، ولكن جلال افندي لم يقتنع اذا لم يجرب العملية بنفسه، فقام وملا الكوب ماء ووضع الغطاء وادارها فوق راسه، ولكنها سالت فوق راسه وابتل هندامه، وضحك الجمع ساخرين هازئين، فما كان منه الا ان تناول طربوشه وقفل راجعا الى بيته لا يلوي على شي وهو حانق مغضب اكثر ما يكون شكا وحنقا على الحياة وما يقبله الناس كانه حق لا ياتيه الباطل من خلفه او امامه. ومن ذلك الحين اضطرب كيانه العصبي وصار يهيم على وجهه ويرد على كل من يساله او يكلمه بجملة ((هل انت متاكد)) ولا ياكل ولا يشرب الا نادرا، فزاد جسمه نحولا، واخيرا لزم فراشه لمدة اسبوع فارق بعدها هذا العالم، وقد كان يوم موته يوما عاصفا ماطرا، تقلع سحبه ويتجمع غمامه ويصبح الجو ادكن غابرا لمدة ساعة، ثم تشرق الشمس ويشع الضياء، وفجاة تتجمع السحب مرة اخرى ويغبر الجو كانما يريد ان يهطل المطر ثم لا يهطل. وقد بلغني ان اخر ما نطق به وهو على فراش الموت بعد ان ساله اهله ان يتشهد مرات ويقول ((لا اله الا الله اشهد ان محمدا رسول الله)) ان فتح عينه وقال لهم ((هل انتم متاكدون)) ثم اغمض عينيه وراح في سبات عميق، وهكذا مات جلال افندي شاكا في كل شي بعد ان كان مؤمنا بكل شيء![/align]



التوقيع: كل ما كنا نغنيه على شاطي النيل تغيب
وانطوى في الموج منسيا
حطاما في المرافي او طعاما للطحالب
في انزلاق الصمت للقاع
وفي صمت المسافات القصية

غناء العزلة - الصادق الرضي
www.alialimo.jeeran.com
ربما لا يعمل الرابط لان جهة ما قامت بتعطيلها
أرجو المساعدة من ذوي الخبرة في إعادتها
imported_علي حاج علي غير متصل  
قديم 08-10-2009, 11:06 AM   #[2]
imported_علي حاج علي
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_علي حاج علي
 
افتراضي

[align=justify]قراءة نقدية لنص....
(ايمان) لكاتب معاوية محمد نور
في هذه القصة القصيرة ( ايمان) استطاع الكاتب ان يعرض لنا فكرة او محاولة توضيح ما يعرف بالشك الفلسفي العلمي (الشك العلمي) ولان العلم لا يؤمن بالمسلمات بل هو يعتمد على التجريب لاستخلاص النظريات. قام الكاتب بمناقشة هذه الفكرة في قصته القصيرة (ايمان) ولعل في اطلاقه لهذا الاسم دلائل تشعرنا مدى تاثر الكاتب بالنواحي الادبية الخالصة او تمسكه بالمنهج المتبع في العلوم الاجتماعية وهذا ما سنتعرض اليه لاحقا بعد قراءتنا النقدية للقصة.

(لقد مات يا سيدي بعد ان اعتراه مس من الجنون لم يطل امده لانه ترك الاكل الا لماما...) بهذا المدخل المثير والجاذب بدات القصة (بالموت) وفكرة الموت تعني النهاية الانسانية (علميا) وبذكر الموت لابد لنا كمتلقين ان نعرف الاسباب التي ادت الى هذه النهاية الماساوية. لكن الكاتب لم يترك بطله للموت فقط بل قبل ان يموت تركه هائما على وجهه، انظر:

(واعتراه مس من الجنون لم يطل امده لانه ترك الاكل الا لماما...) فالمجنون عند العقلاء لا يتصرف بكامل وعيه، بالرغم من ان هناك مقولة (الجنون فنون).
وكانت قمة العذاب لتلك الحياة التي عاشها بطل القصة بعد ان كان مثالا يحتزى به.. انظر:

(لقد كان جلال افندي عبد الكريم ايها الاخ، شابا سمح الخلق طيب الخاطر كله نعومة واطمئنان وطيبة قلب...) اذن البطل حتى الان كامل الصفات الطبيعية الانسانية في معاملاته مع المحيط من حوله.

دعنا نقف عند كلمة (اطمئنان) لتي اسقطها الكاتب في مقدمة تعريفه لنا لشخصية (جلال افندي) فالاطمئنان كلمة واسعة على ما نعتقد والشخص المتمتع بها (أي الاطمئنان) لا يمكن باي حال من الاحوال ان يتعرض لهذه النهاية الماساوية (الجنون والموت) فانت تصل الى مرحلة الاطمئنان بعد ان تمر بمرحلة عدم الاطمئنان ان جاز لنا التعبير. مثلا قد تصل الى مرحلة الاطمئنان فكريا او دينيا او علميا او عمليا... والاطمئنان مربوط بالاستقرار وهذه الاخيرة تعني المقدرة على التكيف مع كل الاوضاع واستيعاب كل ما هو جديد والقدرة على التفكير والتحليل... الخ.

اذن فالاطمئنان والاستقرار يخفيان بالتاكيد خلفهما شخصية قوية لا مثل ما اراد الكاتب ان يصل اليه، انظر:

(يستمع بشغف لاحاديث المتكلمين حوله في المكتب والترام والمنتديات العامة، ثم ياخذ بعض هذه الاراء التي تروق عنده وهو اكثر ما يكون تاثرا اذا كان صاحب الحديث شديد العارصة قوي الحجة قوي الشخصية يتكلم بكل حزم وتاكيد، ياخذ هذه الاراء فيعيده على صحبه كانما هي له والحديث من بنات افكاره لشدة ما يتعصب لها ويذود عنها...) اذا الشخصية متناقضة فهي مطمئنة كما ذكر الكاتب وفي نفس الوقت تتاثر بغيرها وكانها لا تحقق ذاتها. فهي تاخذ اراء الاخرين وتنسبها لنفسها وشخصية (جلال افندي) التي رسمها او خلقها لنا الكاتب تعيش قمة التناقض فجلال افندي لاي شي اذا كان ياخذ راي الاخرين ويتاثر بالاشخاص من حوله وفوق هذا كله ينسب ما ليس من بنات افكاره لنفسه. فالكاتب من ناحية يخبرنا ان (جلال افندي) مطمئن؟؟ لاي شي؟ هل هو مطمئن لحاله او لنفسه او لوضعه او لفكره؟ اين ثقافته الممتدة وسط كل هذا الاطمئنان الذي يعيشه؟ اين هي ذاته ونفسه من هذا الاطمئنان؟ لماذا ياخذ من الاخرين مادام باستطاعته ان يعطي؟.

وفي راينا (جلال افندي) عند هذه النقطة (قد مات اجتماعيا) ولا يمكن ان نبني أي اسباب اخرى لموته غير هذا التناقض الذي خلق فيه، فهو قاتل نفسه.

لكن الكاتب يصر على مؤاصلة القصة ليقدم لنا تبريره لموت (جلال افندي) وقبل موته جنونه، وفي تطور القصة البنائي التي انتهت بموت (جلال افندي) يناقش الكاتب مواضيع هامة لا يمكن باي حال من الاحوال ان يكون (جلال افندي) بشخصيته المتناقضة المحور فيها او الاداة التي من خلالها يحاول الكاتب ان يوصل فكرته.

(جلال افندي) بين العلم والادب او بين الفن والحقيقة. في تطور درامي ينتقل (جلال افندي) من الاكتفاء بترديد ما يقوله الاخرين الى الشك في كل شي من غير وعي. انظر:

(واذكر انه كان في وقت من الاوقات كثير التلفظ بهذه الجملة وقد سمعها من جلال الدين افندي.. ان الراسماليين عندنا هم راس كل بلية في هذا الضعف الاقتصادي وهم الدود الذي ينخر في عظام الامة..)

بدا الشك ينتاب البطل عندما التقي مع (هاشم عرفات)... انظر:

(وهاشم عرفات كان شابا كثير الاطلاع كثير الشك الفلسفي لايؤمن بالاقاويل ولا يستطيب الجزم في أي شي...) اذن التقى البطل بمن سوف يوصله الى الجنون ومن ثم الموت!! والسؤال لماذا لم يحدث لـ (هاشم عرفات) ما حدث لبطلنا (جلال افندي) المغلوب على امره؟

بالرغم من ان بطلنا تمتع بالطمانئنة التي وصفها لنا الكاتب!! اذن انتقل البطل من ترديد المقولات الادبية والاجتماعية والسياسية الى الشك الفلسفي. ودائما الشك مربوط مع العلوم الطبيعية التي لا تؤمن بالمسلمات الا بعد تجربتها وادخالها المعمل. فنحن لا ننكر الشك الفلسفي في حد ذاته ولكن نتعجب في ان يوصل هذا الشك البطل الى الموت بدلا من الحياة؟!!

والان دعنا نرجع الى الحوار الخلفي او الحوار المستتر داخل القصة وهذا الحوار المستتر نجده ماثلا امامنا في المقولات التي كان يردده البطل بعد ان يسمعها من غيره. (الراسماليين عندنا هم راس كل بلية....) من غير المعقول ان يقوم البطل بترديد هذه المقولة بطريقة اعتباطية هكذا كما اطلقها لنا الكاتب وخصوصا انه وصفه لنا في البداية بالطمانيئنة. البطل باعتباره فرد في المجتمع لا بد له ان يكون له راي في وضع اقتصادي متعثر وان يكون له وجهة نظر محددة في سبب الازمة الاقتصادية. عرفنا بان (جلال افندي) ينتمي الى طبقة الموظفين وهي بالضرورة لها اطلاعها ومعرفتها بالامور العامة وامكانية المقدرة في تحديد اسباب الازمات، هل سال البطل نفسه لماذا لا يكفيه راتبه حتى نهاية الشهر؟ وهل سال نفسه عن سبب ارتفاع الاسعار؟ ومن يقف ورائه؟ وهل القى نظرة في السوق وقارن بين المعروض والمطلوب؟ هل سال نفسه لماذا تزداد هو ومن في طبقته فقرا واخرون يسيرون نحو الثراء الفاحش؟ وهل وهل...... اذا سال (جلال افندي) نفسه هذه الاسئلة (انطلاقا من طمانئنته) نعتقد بانه كان سوف يخرج باجابات واضحة تجاه الازمة الاقتصادية، وربما كان هو فعلا من يقول تلك المقولة عن الراسماليين، الا ان (جلال افندي) يكتفي بان يردد خلف غيره ما يقولون من غير وعي.

لكن اراد الكاتب لجلال افندي بان يكون هكذا ممهدا لنا دخوله الى مرحلة ا لشك الفلسفي التي توصله الى مرحلة الجنون والموت. والسؤال ماذا يريد الكاتب ان يقول في نهاية القصة. فهو زرع الشك داخل البطل حتى اوصله الى الجنون والموت، وساق دفة القصة وحوارها الى ما يريد... انظر:

(وحصل ان كان جالسا مع بعض الصحاب وفيهم من كان يدرس الكيمياء فقال هذا الكيميائي:

- اتدرون ان الماء من الهواء؟!

- لا لا اصدق.

- يا عجبا انه امتزاج الهيدروجين والاكسجين في نسبة معلومة.

- كلام فارغ برزت من جلال افندي وتبعها منه ايضا. هل انت متاكد؟

- كتاكدي من وجودك امامي.

واشترط الصحاب ان يذهبوا الى اقرب معمل في الخرطوم ليروا هذه العملية ولكنه لسوء الحظ، او لحسنه مهما حاول صاحبنا الكيميائي في التحضير فقد فشلت كل مجهوداته واخيرا صاح به جلال افندي.

- الم اقل لك كلام فارغ)

ارتكب الكاتب هنا حماقة نراها واضحة في استخفافه بمرحلة التجربة في العلوم الطبيعية وبالرغم من قوله (لسوء الحظ، او لحسنه) الا انه كان يريد سوء الحظ، حتى يقول لنا ان التجربة قد تفشل.

كلنا نعرف ان الماء من الهواء وكلنا يعرف ان H2O تعني لنا الماء وهي ذرتين هيدروجين وذرة اوكسجين. حقيقة علمية ثابتة توصل اليها العلماء بالبحث والتحليل والتجربة المعملية وهي ما زالت ثابتة كنظرية علمية حتى الان. اذن اراد الكاتب ان يطور فترة الشك الفلسفي لدى البطل حتى يوصله الى مرحلة الجنون ومن ثم الموت. وكما قلنا سابقا ان البطل ضعيف جدا ليحاول الكاتب ان يوصل عن طريقه فكرته او انه أي البطل مغلوب على امره من قبل الكاتب. فالكاتب له رويته الواضحة تجاه العلمية او المنهج العلمي ومحاولة بعض العلماء لادخاله في العلوم الاجتماعية وبالذات الادبية والكاتب كان من اشد المعارضين (للمدرسة الواقعية) التي تنادي بذلك.

وخلال هذه القصة حاول ان يعرض لنا ان العلوم الطبيعية قد توصل الى الجنون والموت ومن الطبيعي ان تمر قبل ذلك بمرحلة الشك الفلسفي، نعم هذا ما اراده الكاتب بموت (جلال افندي) ولا كن نقول له ان (هاشم عرفات) مازال بخير وعائش ويفكر جيدا ولم يمت.

ولنا عودة مع (ايمان) في قراءات اخرى.[/align]



التوقيع: كل ما كنا نغنيه على شاطي النيل تغيب
وانطوى في الموج منسيا
حطاما في المرافي او طعاما للطحالب
في انزلاق الصمت للقاع
وفي صمت المسافات القصية

غناء العزلة - الصادق الرضي
www.alialimo.jeeran.com
ربما لا يعمل الرابط لان جهة ما قامت بتعطيلها
أرجو المساعدة من ذوي الخبرة في إعادتها
imported_علي حاج علي غير متصل  
 

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 10:10 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.