محمد أبو عاقلة .. يا بنية وش الرزاز .. فواصل وطن في البال ..
[align=justify]الشاعر محمد أبو عاقلة من الشعراء الذين يمكن وضعهم في خانة الشعر ذي الخطاب المفتوح على التأويل كما عند قاسم أبو زيد ويحى فضل الله وخطاب حسن أحمد ... وهذا التأويل هو الذي اثار كثير من المغالطات بين كثير من النقاد حول هذا الشعر وما هي دلالة المعنى الذي يشير اليه في القصيدة ..؟ وهنا يمكن التخمين والتوقع فيشبع كل متلقي دواخله بما توصل إليه فيكون الشاعر هنا قد اشرك عقلك في عمله الابداعي وجعلك تشعر بان هذا العمل نابع منك أو مشاركاَ فيه .. وهذا الفهم الراقي يجسده شاعرنا محمد أبو عاقلة في قصيدته يا بنية وش الرزاز ...
فالشعر عند محمد أبو عاقلة هو صفاء الفن المعشعش في دواخله... ذلك إذا خبرنا أن شاعرنا قد تخرج من كلية الفنون ، إذاَ لا غرو أن نجد شاعرنا في كل نصوصه يميل الي التجريد ، ليكشف لنا بعده عن الأغوار السحيقة الكامنة في دواخلنا وهذا يتأتي هنا باختلاف وجهات النظر حول أي نص من نصوصه مثل واسوق الشوق ، و المقصود بالخطاب هناك..؟ هل هو الحبيبة / النفس ( الأنا ) / الوطن .. وهنا في نص يا بينة وش الرزاز ملازمة القلق في الدواخل بمنطق الخوف والطمانينة / الفرح / الحزن من كل ما يحيط في حياتك وتفاصيلها الدقيقة ، وحال الوطن عموماً ...
اذاً شعر محمد أبو عاقلة مشروع ابداعي لم يكتمل بعد ولم يصل لمبتغاه .. وهو بهذا الطرح ذي الفكرة مؤهلاً لذلك ... ولكن كل هذا لا يمنع أن تطرح وجهة نظرك حول القصيدة وما هي دلالات المفردات فيها والي أي طريق تنحو ..؟
يا بنية وش الرزاز ...
نداء وأمل ورجاء ... فيه احساس بالآخر ( البنية / الوطن ) .. وروعة التعبير في ( أحس جواك سكون صخبك ) إذاَ هي تلك القطرات من المطر ( دلالة البشرى والفأل الحسن ) هي القادرة باستنطاقها على اذابة ما يقف بينك وبين الآخر ( على الطين الصبح راجيكِ نقطة ضعف وحل جواي وفيك )
... فقوة الدفق في العطاء المفعّل من قبل الشاعر حوّل النص إلى مسرح مفتوح وأعطى شخوصه كامل الحرية للحركة وليس ثمة من شخوص إلاً هو وخاطر ريد هو في البال ... والذاكرة .. ذاكرة وطن كامل مشبع برزاز مطر العطاء المسكوب من قلب الحبيبة .. فتسود المسرح حالة من الحميمية لا تجد أنت المتابع إلا الغوص فيها وتولي زمام المبادرة لتكون أنت صاحب الفكرة والمدافع عنها ...
الأمل ما فتيء يباشر الشاعر رغم (على الطين الصبح راجيكِ نقطة ضعف ... وحل جواي وفيك ... ومسافة فترت من مشيك ... وإني ألقاك في نهاية كل خطوة ظن وشيك ) كل هذا الصخب الملازم لنفسية الشاعر ساعة ولادة النص ما منع النداء لتلك الرزازات من المطر ( الصب سافل ) بالتواصل والبوح .. وهنا نحسها نسمة تعطر جونا وتحلق به مع فضاءات الأمل كرفيقين ، ونحن فقط على حافة القراءة الأولى لهذا النص الممعن في الروعة ، وبذا يكون الشاعر قد حقق مقصده من حبسنا داخل مفرداته ... ليأتي الأمل هنا كما أراد شاعرنا :
( وإني ألقاك في نهاية كل خطوة ظن وشيك
أو ....
في انتظاري ورا المحطات البتمسح من ملامحنا السفر
جيت وساقتني ابتسامتك
حاجه زي لمح البصر
وجيتك قدر ...
مرهونه بالزاد والمطر
وفرضت اني ألقاك زي مطر
نقط على سافل هواي ...)
و الرجاء للآخر ( البنية / الوطن ) أبدع الشاعر في مزجه مزجاً كأنه قول للحبيبة وبوح للوطن لا ضير طالما أن شاعرنا من قبل هذا في بداية النص كان قد مهد لذلك بحنكة .. فلم نحس بالانزلاق المفاجئ ولا المطبات الهوائية .. ليقول شاعرنا :
( يا بنيه يا وش الرزاز
يابنيه حاريك تبقي لي في الكون ملاذ
تبقى آخر نقطه منك حاجه مني
حاجه زي شتلة حراز
اتخليت دمعي المطر
واتجاهلت موتك مجاز
يالسقيتي وريدي بيك
ويا الرويت شرياني فيك
ما تسفحي المر للدموع )
يندب الشاعرحظه العاثر على طول المشوار في البعد والفقد لها الحبيبة / له الوطن ، ورغم تباعد المسافات فهي لا زالت في ملازمة مع الشاعر وهنا عبرّ الشاعر عن هذا التلازم بتعبير أقل ما يقال أنه رائع إذ يقول : (مافيها غير صوتك يرن لحظه ويقيف ) فكلمة صوتك داخل ( المخلاية ) يجعل الأمر ليس عادياً كما لو قال ( صورتك ) لكان هنا الممكن والمقعول ولما كان الشعر إحداث الدهشة عمد شاعرنا إلى إدهاشنا بصوتها الذي أصبح ( الزوادة لسفر بعيد ) فمن حفظ تفاصيل الصوت هو أقدر ما يكون على استحضار الصورة متى وأنى شاء ...
(هو الباقي فيك كم يا عمر !
كان أملى بيك شتات محب
مخلاية للزول في سفر
مافيها غير صوتك يرن لحظه ويقيف
أنا يا الزمان سبتك وراي ؟
شايلك وراي ؟
انت يالقدامي ووراي
يا المشتته في مداي
رمل الطريق
زمن الحريق )
ولا يفوتك روعة التعبير في مفردة ( حاريك ) وربطها بالمثل الذي يقول ( حاري ولا متعشي ) إذاً هذا هو قمة الاسراف في الأمل المؤكد بمثل شعبي لم يقال اعتباطاً ... مع ملاحظة الامتزاج الكامل فيصعب عليك هنا التفريق بين المخاطب هل هو الوطن أم هي الحبيبة ، ولكل مستنتج عذره فالشعر هنا منبني على التأويل ولكن لا تنسى استصحاب بعض المفردات المساعدة والتي لها المقدرة على رسم خارطة الطريق للفهم الصحيح ...
( يابنيه حاريك تبقي لي في الكون ملاذ
تبقى آخر نقطه منك حاجه مني
حاجه زي شتلة حراز
اتخليت دمعي المطر
واتجاهلت موتك مجاز )
إذاً هو الوطن والرغبة فيه ممطراً غدقاً آمناً ليكون الملاذ والحضن الدافيء .. ويا لروعة الرثاء الخفي في قوله (حاجه زي شتلة حراز ) فالمعروف أن الحراز كشجرة دخلت في عداء مع المطر الذي منّ عليها ذات يوم أنه هو صاحب الفضل في خضرتها ، ولكن عناد الحراز رفض الفكرة وأصر عليها بل ذهب أبعد من ذلك إذ تحدى المطر بانه وإن نزل فإنه لن يتجاوب معه ولن يخضر وكان ذلك شجرة عديمة الحياة في موسم خريف أعطى الخضرة لما جاورها من نبات ( هكذا تقول الميثولوجيا السودانية ) ، فالأمر هنا عند محمد أبو عاقلة رثاء وطن رغم خيراته يخيم البؤس على أهله .. كأنما الأمر أن هذا الوطن قد حرّم هذه الخيرات عليه فأصبح عجز وطن خاوياً كحال الحراز مع المطر ..!!
ذكر المطر دلالة الخير القادم ولكن هنا عند شاعرنا شيء غير ذاك فها هو الشاعر يبكي لحال وطنه / الحبيبة وما وصل إليه وبدلاً من أن يطلب من المطر السقوط والري يسأله فقط أن يفتح مساراته للدموع .. فهذه الدموع النازلة من أجل الوطن لها القدرة على الري والعطاء .. يااااه حباً منقط النظير وصيغة مبالعة فعلية بأن شاعرنا قادراً على العطاء إن أمسك المطر وأدمن في الصدود .. !! فهو يملك الحنين للقادم .. أمل مشروع .. وللفات .. ركام تاريخ من أجل أخذ العبرة ومعالجة الخطأ .. وأمل كبير في طول العمر لينفق كل العمر لينتج فكرة وليمر النور للأجيال مرة .. هكذا حلم شاعرنا .. استقر في الجوف وسكن سكوناَ لا يقبل النسيان أو الزوال ، فهو جذوة كنار المجوس في دواخله تؤجج الصمود وتذهل العنفوان .
( يا مطر أمسح مسارك للدموع
وافتح مسارحك للخطاوي الفي رجوع
أسكت عشان عينين بتبكي
وفي ضلامك ضو شموع
شمعه بتوريك حقيقة اني صحيت الليالي
وانو من نفخة هواك اختفت في الليل ليالي
يا صباحات جوه ليلي
ما فارقن شمعة هواك
ما ميلن ضهريه في حرَك مشي
ما سقت ليك الهم عشان قلبك يلين
أنا عندي ليك كل الحنين
للجاي والفات من عمر
يا سكة صعبه بدون صبر
يالله أدينا الصبر
يالله طوٌل في العمر )
يلاحظ تعدد قافية القصيدة ويدل هذا على توتر الشاعر ساعة ولادة هذا النص .. وتردد الشاعر في اختيار أي بحر لهذه القصيدة وفي أثناء هذا التنازع كأنما بحر الرجز يقفز إليه و يخاطبه بالقول القادم من دواخله : إنك أنت مستفعل الكلمات من بحر الرجز ..
فهذا التوتر المحيط بالشاعر يبرر الانتقال السريع من مقطع لآخر بفكرة جديدة يصعب الربط بينها وبين التي قبلها إلاّ بتركيز شديد ورؤية نقدية هادفة .[/align]
|