كانت البداية في خلال التسعينات من القرن الماضي عندما صادفتُ خلال اجازتي السنوية (تيما) من اساتذة الجامعات السودانية بقيادة الدكتور كمال حمد منان وهو من ابناء البركل قد أتوا لدراسة اسباب السرطان في الولاية الشمالية وتحديدا في منطقة منحنى النيل...
كان جل الحديث ينصب حول الاشعاع النووي وتأثير المعالم التأريخية (الآثار) التي تعج بها المنطقة على السكان ثم تمدد الحديث ليخلص الى افادات للبعض عن مواد مشعة تم دفنها في المنطقة خلال سني حكم نميري!...
وخلال ذات الاجازة توفي قريب لي وهو شاب كم بكى عليه اهل البركل وكريمة كما لم يبكوا على أحد من قبله لما اتصف به من خلق نبيل وهمٍّ جميل لخدمة أهله ومنطقته...
عُدت الى مقر عملي في المملكة العربية السعودية حيث أعمل في شركة حراكها في مجال بيع الأجهزة والمواد الكيميائية لكل من ارامكو وسابك على وجه الخصوص...
فما كان مني الاّ جهدت في خلق علاقة تجارية بشركة أمريكية تقوم بصنع أجهزة الكشف عن الاشعاع النووي (دوسيمتر) وتحصلت منهم على جهاز ك(demo unit) أتيت به الى السودان وقمت بعمل مسح للمنطقة التي تمتد من (السويقات) جنوبا الى حدود منطقة الاراك شمالا شرق وغرب النيل...
المعلوم أنه عندما يتعرض الانسان الى اشعاع نووي يتعدى ال(5) ريم في اليوم الواحد ولمدة ثلاثة اسابيع على الاقل فان الذرات المكونة لجزيئات الجسم تبدأ في التايّن مما يؤدي الى دمار متدرج لأنسجة الجسم وذاك هو السرطان الذي نتحدث عنه...
شرعتُ في فحص أجسام الناس والحيوان فلم تتعد قراءة الجهاز الذي أحمله أكثر من ريم واحد فقط ان كان في اجسام الناس أو حتى الحيوانات التي تعيش في هذه المنطقة (الجهاز يعمل على قياس الريمات الممتصة في الجسم الحي)...
وحتى تلك القراءة لم تكن ثابتة على الدوام ...
وقد تم تسجيلها في منطقة تقع بين السويقات وكريمة بجوار جبال الكاسنجر ولا تعدُّ دليلا على وجود اشعاع ناتج عن مواد مطمورة في الارض بقدر ما تنبي باشعاع طبيعي لعناصر يمكن ان تكون موجودة كخام كاليورانيم والراديوم والكربون 40 وغيره من الخامات القابلة للاشعاع وقد تاثرت الحياة المجاورة لها بها ايجابا ...وهي مواد خام يمكن أن تكون ثروة قومية للبلد...
لم يقتصر جهدي على البحث الميداني ذاك انما عززته ببحث ميداني آخر عن أعراض متوقعة للاشعاع على سيماء من يعيشون في المنطقة مثل:
-سرطانات الجلد
-سرطانات الدم
-المياه البيضاء في العيون
-نقص القدرة على الاخصاب (العنّة)
-الاثر الوراثي الذي يظهر في الأجيال المتعاقبة بعد افتراض الاصابة للآباء والأمهات.
وكي اتأكد من ذلك قمت بزيارة كل من مستشفى مروي ومستشفى كريمة ومستشفى الذرة بالخرطوم فوجدت الآتي:
-عدد الاصابات بالسرطانات في المنطقة الممتدة من الحامداب الى منطقة دنقلا شرقا وغربا خلال عشرة اعوام ابتداء من 1990 الى 2000 لاتتعدى الستمائة مصاب تفاصيلهم كالآتي:
أكثر من 79% منهم من الرجال والنساء ممن تفوق اعمارهم الستين
20% من الشباب من الجنسين ممن هم مابين الخامسة عشر والثلاثين
اقل من 1% من الأطفال
والخارطة التفصيلية للاصابات تتلخص في الآتي:
90% من الاصابات هي سرطانات في الأجهزة الداخلية للانسان من معدة ومرئ وامعاء أو في الجهاز الليمفاوي...
9% سرطانات في الدم على اختلاف أنواعه
اقل من 1% سرطانات مختلفة
(يتبع)
|