الحزن السفر والوداع ..خربشات علي جدار وجدانياتنا (منقول )
كتب صديقي سامي حمدتو في الفيس بوك هذا الموضوع الذي اعجبتني صياغته وانقله لكم هنا لمزيد من الحوار حول هذا المثلث ...حزن سفر وداع :
جمعت بينى وبين صديقتى فلانه محادثه عن سفر صديقنا فلان وما ان انتهت محادثتنا حتى امسك بتلاليب تفكيرى سوال حول ايهم اكثر تعبير واشد حنيه ( تسافر كيف تخلينا ) ولا ( يامسافر وناسى هواك اروحنا وقلوبنا معاك) وادلهمت تساولات شتى فى سماء تفكيرى حول السفر والوداع وتماهت على جدران ذاكرتى المتهالكه عديد الاغنيات حول السفر الوداع وذاك الحزن المقيم فى شخصياتنا وحاصرتنى خواطرى طيله الايام السابقات فادركت ان لا مناص من شخبطه تزيح عن كاهل الروح شى من حتى.
في مرجعيات الحزن المقيم "فيما أحسب" بالشخصية السودانية، خلفيات عدة بعضها إجتماعى بحت، وللبيئة القاسية دور فى ذلك أيضاً فطقس السودان شديد الحرارة جعل المزاج السودانى متأرجحاً بين الحار و... الحار جداً، والعامل الإقتصادى يتقافز بين هذا وذاك ربما، والحديث حول تعدد الأسباب قد يطول. ولكن قراءة مبسطة لما حمله تراثنا الادبى (شعره ونثره ) المقروء والمسموع تضى لكم بعضا من غور هذا الحزن فى الوجدان السودانى.
فيما يشبهه الاحتفاليه نودع موتانا فى مشهد قل مثيله فى بلاد الله الواسعه فالشخص الذى قد لا يكرم طوال حياته، حتماً سوف يكرم ميتاً وهو محمول. فليمت كل من قاربت منيته بأرض السودان وهو قرير العين، مطمئن البال.
ولكن ما من شى يهز الوجدان حد الوجع مثلما يفعل السفر فرحله الاهات و المعاناه تبدا من لحظات الوداع وابان الغربه وعند العوده كل هذا الالم وافواج المهاجرين تترى على كل منافذ الهروب من بلادى (الله يجازى اللكان السبب) ولكن يُسجل للسودانى كأحد أهم ركائز الإرتباط، رحلة العودة النهائية. حيث تعبر كثير من الجثامين الآلاف الأميال ومهما كانت مشقة العودة وتكاليفها، لتوارى الثرى حيثما وضع الرأس لأول مرة فى شكل من أشكال الإرتباط بالأرض لا تخطئه العين.
الظاهرة الغنائية فى العالم كله تتجه للفرح وتفتح أبوابه المغلقة ـ حتى الفرح بشكله الهستيرى كما يحدث فى الغناء الغربى وبفترات مختلفة من تاريخه ـ إلا اننا حولناه لبكائية لا نهائية. والسفر نفسه فى الغناء أو الشعر تحول بقدرة قادر عندنا مجلبة لما يقارب لطم الخدود وشق الجيوب، مهما كانت أسبابه أو تعددت أنواعه نهائياً أو وداعياً أو حتى قاصداً.
السفر فى وجدان وخيال السودانيين ارتحال يستدعى نزف الحزن..ويستجدى الدمع.ويهتك ستار رهافةالحنين والحنان،السفر الذى لا يعرف شدة معاناته سائر البشر من خلق الله أجمعهم كأهلنا ومعادلة جديدة إستولدها الشاعر فضل الله محمد فى لو تسافر دون رضانا نشقى نحنه الدهر كله، والتى أضاف إليها الفنان محمد الأمين، اللامحدود من الشجن الإنسانى العميق والتى أثرى بها مناطق عديدة أظلمت فيها أرواحنا نتيجة تداخل الحياتى المحض أزمنة وأمكنة، ومحمد احمد عوض هذا الصوت المتدفق شجنا يشدو (تسافر كيف تخلينا لشوقنا وزكرى ماضينا ..) ويرجنى سيد خليفه رجا فى ( يامسافر وناسى هواك اروحنا وقلوبنا معاك) وابوداود يتحكر على باحه الروح شجوا فى (سفرك بكره قالو لو ودعت مالو؟ خبر القومه جاني دموع عينينا سالو اما فؤادي انا) كل ده كوم وفاطمه الحاج تكاد تبكى فى (يا مسافر فراقك لى صعيب. من بعدك حياتى.كيف تطيب...) فتبكى الكثيرين من من هبشهم سوط السفر حزنا وشجوا وحنين.
لاحظو ان كل البكاء والجرسه دى قبل مايحصل السفر جهزوا المناديل وتعالو نشوف لحظات الوداع ..سيد خليفه ينوح فى ( يوم سافر قطارى يوم ودعت حبى ياناس انا دمعى جارى) ( اودع اودع كيييف افارق افارق كيف) ثم يقر بعجزه عندما يقول ( لا لا مابقدر اودعكم افارقكم دموع بتغطى عينى ..) ومحمد مرغنى يغمر الروح شجنا فى (ما قلت في ساعة الوداع إنت النجوم وايدينا ما بتحصلك إنحنا ما درنا الفراق والله ما درنا الفراق البيهو جات فاجاءتنا) ولعل شهادتى فى وردى مجروحه فهو فى راى الواحد الصحيح فى الغناء السودانى وثبيتا لراى شوفوا كيف ملاء حروف الحلنقى فى عصافير الخريف كل هذا الشجو و الحن والجمال (مواكب الهجرة اتلاشت سراع ليه يا عصافير ليه الاسف مين علمك اسف الوداع وعارف ده ما اول سفر لبلاد بعيدة بدون متاع زى ما بتخافى من الرياح بنخاف كمان نحن الضياع) تخيلو كيف يستهلك الحزن هذه الارواح فكل هذا الالم فى مرحله نيه السفر ولحظات الوداع اما تعلق بالسفر نفسه و الغربه والحنين للاهل والوطن فقد تفنن أهل السودان فى نظمه، فخلدوه بما يلامسه فى طبعهم من مناطق شديدة الحساسية وما يبثه فى ذاكرتهم من أخيلة شديدة العمق .
ولعل اغنيه ود الرضى التى يغنيها سرور ( من الاسكلا وحلا ) التى يصف فيها رحلته من الخرطوم وحتى اقاصى كردفان من اقدم الاغانى وصفا للسفر ويماثلها ( ياالسايق الفيات) لابراهيم العبادى وان اضاف لها صوت اللحو بعدا جماليا لا تخطئه عين ولم يرد زكر السفر بالطائره ( على حد علمى) الا فى اغنيه الكاشف (رحله بين طيات السحاب وحدنا انت وانا) ولا اذكر سفرا بالمراكب فى غناءنا ، اما السيد القطار فمد سككه فى كل دهاليز غناء السودانى و ارتبط القطار بحياة السودانيين وشكل وجدان الكثيرين منهم، خاصة أهل الهوى، فهو إما بشارة خير لقدوم حبيب وإما نذير شؤم لرحيله (قطارو حلا يا ناس قطارو حلا خلف لعمري الآلام والمذلة) ومن اغنيات البنات (انا يالقطار دمعى سااال يوم حبيبى ودعنى) (وين الحبيب إنت شلتو جيبو يا القطار و أنا ما دايره السفر لكن بس نفد القدر ) وطبعا ( القطر الشالك انت يتكسر حته حته) والبلابل يقطعن القلوب فى قصيده على محجوب ( قطار الشوق متين ترحل تودينا نزور بلدا حنان اهلها ترسى هناك تراسينا) واجمل مقاطعها (يا قطار الشوق حبيبنا هناك يحسب فى مسافاتك و لو تعرف غلاوة الريد كنت نسيت محطاتك وكان بدرت فى الميعادو كان قللت ساعاتك و كان حنيت على مرة و كان حركت عجلاتك) كذلك تحضرنى رائعه ود القرشى والتى تغنيها عثمان الشفيع ( القطار المر فيهو مر حبيبى بالعلى مامر يالشلت مريودى) وصاب جام غضبه على القطار فى نهايه الاغنيه (يا القطار تدشدش يا الشلت مريودي) ولكنا دعوه ود القرشى استجابت فتدشدشت القطارات والسكه حديد زيها زى كل مرافق الخدمه العامه وخلونا فى موضوعنا .
قد تركت لكم اجمل ماقيل فى السفر فى هذه الخاتمه فحلو رحمك الله ....والله يااخوانا انا لمن عثمان حسين فى قصتنا للمرهف الحس والاحساس حسين بازرعه لمن يقول ( لسعادتك إنت كم ضحيت واتغربت وما خليت طريقة)! لحدى ما يقول (كل طائر مرتحل عبر البحر قاصد الاهل حملتو اشواقي الدفيقة ليك يا الحبيبة وللاهل) بتكون الفينى كملت ..
مصطفى سيد احمد يغنى ( والله نحن مع الطيور المابتعرف ليها خرطه ولا فى ايدا جواز سفر) ولا ( مطارات الوداع ضجت قدامك وراك ) بيرتب فيك ماتجهجه من مشاعر ومن شجن بس لمن اسمع .....
(غريب وحيد في غربتو.. حزنان يكفكف دمعتو..حيران يغالب لوعتو.. يتمنى بس لي أوبتو.. طال بيهو الحنين.. فاض بيهو الشجن) حتى قال: (بالله يا طير قبل ما تشرب تمر على بيت صغير.. من بابو.. من شباكو بيلمع ألف نور.. تلقى الحبيبة بتشتغل منديل حرير.. لحبيب بعيد.. تقيف لديها، وتبوس إيديها وأنقل إليها وفايا ليها وحبي الأكيد.. وكان تعب منك جناح في السرعة زيد.. في بلادنا بترتاح.. ضل الدليب أريح سكن)!
ولو لم يبدع وردي إلا مقدمة أغنية (الود) لكفته ولتوجته ملكاً على ناصية الإبداع في الغناء السوداني إلى الأبد.. وفي تلك الأغنية البديعة صدح الإمبراطور: (أعيش معاك.. لو تعرف دموع البهجة والأفراح.. وأتأسف على الماضي اللي ولى وراح.. على الفرقة الزمانها طويل.. على الصبر اللي عشناهو مع طول الألم والليل)!
الموضوع ده طويييل وانا خلاص غلبنى اتحملو .....يتبع ان كان فى العمر بقيه
|