سبعة .. وبعد ما تزالين !
[align=center]سبعة .. وبعد ما تزالين ! [/align][align=center][/align]
ها هي سبعة سنوات سيدتي ...
وأنا لم أبارح بعد مكمني ...
على شط السور القديم ...
بمقبرة أسموها (ود قيامة ) ...
ها هي سيدتي سبعة من العجاف ...
مرت أمام عيناي كراحلة أبدها السفر ...
ها هي .. سيدتي الراحلة !؟
وقدماي برأس الوهم ما تزال عاشقة ...
رسمته مخيلتي ...
بقبر تائه العلامة ...
بقبر بشرق سور (قيامه) ...
وعيناي دامعة ...
باكية تستعيد رحيل ذكراك ...
يلتمع على جانبيها طيفك الفضي ...
والحق أقول سيدتي ...
أنها منذ سبع وهي بقبة الحداد ...
بطين قبة (قيامة) مصير ...
كأنما هي اللحظة للمأساة ميلاد ...
سيل الأحزان ...
فغدا كل الجمال قبح عندي ...
والألحان كأنما تراتيل المواجع ...
منذ سبع ...
كل عيون حواء رماد ...
جل فتنة الأجساد خواء ...
سواك سيدتي ...
سوى ذكرى عيناك ...
سوى ذكرى جسدك البض ...
وأنا ألاعبك عصر تحت ظل النخيلات ...
أنت دون الكل سيدتي الراحلة ...
أنت وحدك ...
رغم الرحيل ...
رغم الفناء ...
رغم سفر الأبد ...
فما تزالين عندي أميرة ...
سيدة قلبي ...
أجمل حواء ...
أشرق من وجه الشمس بسيناء ...
وألمع من قمر بصحراء (بيوضة) سلطان ...
فها أنا سيدتي الراحلة ...
أقف بقبر موتهم بـ (قيامة) ...
وقلبي يستعيد المأساة ...
رحيلك الفاجع ...
وكأنه لم يغادر ظلال الأمس ...
او كأنه منذ لحيظات ...
أتذكر ذاك الصباح ...
ونسوة من الحي بأخبار يتضاحكن ...
يتسامرن .. يتناجين !
عن قريب لنا للعرس رحيل ...
سيحملنا خارج الديار ...
وأنت تخبريني بعدها الرحيل ...
وقلبي مقبوض الكف كأنما ...
ليل يدلهم سواد لقادم ما يراه ...
و القلب رافض أستلب البقاء ...
فقلت إنه آخر لقاء قبل الرحيل ...
و القلب مازال نابضاً بسواد القدوم ...
مكفهر لبعض همس بسوء لقاء ...
وتمنّعتي علي حتى قبلة المساء ...
ووعدك أنني بمهدها حال عودتك البهاء ...
فأنتهى القدر بيننا لقاء ...
وأنت ...
ضاحكة بأعذب ضحكة ...
تخبرين قبل الوداع أنها بضع أوهام ...
ورافقتك جنوب الديار ...
وكفي تحضن كفك عشقاُ ...
وكأنما .. محلقان بسماء ما !
بعشقينا تحكي النبضات ولا شئ سوى النبضات ...
سردنا أنجم الثريا ...
حكينا لغادة الجوزاء ...
وعلمت عشتار القطب فقهاً ...
كيف أذوب بعينيك حباً وأشتهاء ...
كيف أغدو عندما تهمسين ولهاً ...
وكيف شروقي ومصطبحا بسمتك حلماً ...
فيخبرني عشتار عجباً ...
أنه أرسل فقهنا للمحبين سلواء ...
وأعلنت ساعتي موعد العودة شمالاً ...
وخطواتنا كانت ومازالت ترسم العشق ...
و الرياح خلفنا ...
كصديق يحمي عشقنا ...
تمحو حب آثار قدمينا ...
تخاف أن يفتضح أمرنا ...
يفرحها عشقنا سيدتي ...
لأنه عندها أصدق عشقاً من عذراء ...
ولكني خلسة عاودت الكر جنوباً ...
عانقت النخيل بحثاً ...
متوجسة نفسي خيفة ...
وهالني ما وجدت ...
أبكاني ما وجدت ...
فلم تمحو الريح بعض آثارنا ...
عرفت أنها كانت تبكي رحيلك ...
وأنا غائب عنها بعينيك هائم ...
تائه بين خصلات شعرك ...
مثلي المسكينة ...
أبكي لفرط عشقي بك سيدتي ...
وتبكي لعلمها رحيلك ...
ولم تسهر ...
غمض جفنها بحزن الرحيل ...
تركت بعض آثارنا ...
كي تعاودها ذكرى همسات عشقنا ...
وعدنا ...
و الروح تلاوح ظنون نبضات الريح ...
و القلب منتشي أنه ليس آخر لقاء ...
عدنا والصباح رفيق يحمل إلينا شذاك ...
وبكاء الريح مازال همساً بدواخلي ...
وروحي ...
وروحي تصر أنها آخر تلاويحك ...
آخر إبتساماتك ...
و القلب خدره العشق بأنها تلاويح اللقاء ...
وخفت الأرجل ...
كنتم آخر الدواب رحيل ...
ومضى يوم ...
وثاني ...
وثالث ورابع ...
وخامس همسات الريح إزدادت بكاء ...
وسادس تململ القلب ...
وهاج البعض الحي ...
وماج الجوار والبعيد ...
إضطراب .. إضطراب !
كأنما لحيظة من عمري أبحثها هناء ...
عندما يضطرب قلبي رعشاً رؤاك ...
والريح ما تزال بدمعها بكاء ...
حدثوني .. ويا ليتهم لك يفعلوا !
حدثوني فاجعة عصماء ...
وأرتفع الصراخ ...
كسيف تحت الشمس مضاء ...
أرتجت الديار عويل ...
كخيل بأرض معركة عراء ...
لم يصل مسير العرس .. يقولون !
خمس من الدواب مسير ...
غاب آخرها عن دنيا الوصول ...
أرتحل الجميع بحثاً ببطون الصحراء ...
غابوا في مهد البيداء ...
وعاد الجمع بعد عشرون جياع ...
حفاة ...
بلا إرتواء ...
يؤكدون ...
إنهم أموات بلا شك ...
عطشى بدنيا البرزخ بقاء ...
لم يعثروا ...
لم يعثروا ...
لم يعثروا حتى على أشلاء ...
سبعة من النسوة ...
وأربعة من الرجال إصطحاب ...
وأنت سيدتي بينهم الصبية العذراء ...
يافعة ...
فاتنة ...
ومحياك للرجال يفني كالنجلاء ...
عاد الجميع خالي الوفاض ...
عثروا على الدابة ببطن البيداء ...
غرب النهر لظهرها قريب ...
عثروا على الدابة ...
وأختفى راكبوها ...
وجمالة بدرب (الأربعين) مسير ...
يحكون عن قطيع لذئاب يزور ...
زارهم ...
ويا للصدفة ...
يا للعجب ...
قالوا : أن القطيع أستلب إثنى عشر !
غابت النوق بطون القطيع الجوفاء ...
هكذا قال الجمالة ...
وقررت أنا المسير ...
لا بجنح الليل .. بل صباح مضاء !
وبدرب البحث أخبرت الأقرباء ...
علم الأخوان أن الريح دليلي ...
و الكل واهب روحه لقلبي ...
وقلب يهتف : ما أجمل الأصدقاء !
وتحرك الركب ...
دليلنا همسات الريح ...
وبخامس ليالينا وقمر بنا فرح ...
وبهدهدات الريح بدأ الخلان إغفاء ...
وغاب العقل عن الجمع بمهد الصحراء ...
ما عدا عيناي سيدتي ...
أبت إلا أن تسامر القمر ...
وما بين الصحو والمنام ...
او خيال ...
او وهم أرسلته الأحلام ...
وجدتك فوق رأسي ...
همستي ...
تحدثت شفتاك أنك خلف التلة ...
خلف الرمال ...
و تبعتك قدماي ...
و النيل بدأ على بضعة أميال ...
وأستمع بكاء الريح ذكرانا ...
رمقت عيناي ألم ...
وجع ...
لا إحتمال للظياته ...
رمقت عيناي بقايا عظم فناء ...
همستي بأذناي أنه القبر ...
ها هنا دفنكم الجمالة ...
وأفقهم درب الأربعين إختلاء ...
صاحبوا الأجساد بعد أخوة الموت ...
وأتي الصباح ...
غازلتنا الشمس موعد الصحو ...
وجريت خلف التلة و الجل يرمقني الدهشاء ...
ها هو النيل صدق رؤياي ...
و العظم عياناً بياناً من بين رمل القفراء ...
وأعلنت لأخوتي : هاهنا نهاية المسير !
وفي يومنا العشرون عانقتنا الديار ...
تواصلت الأحزان ...
والجميع يرمقنا حزنا خلو الوفاض ...
وعلى بقايا ضوء القمر ...
وبسور رفات (قيامة) ...
إحتفرت أناملي قبراً ...
وعندما دفنته ...
وغيب الثرى عظم كنت أحمله ...
كنت بجانبي تبتسمين ...
بوجهك الجميل ...
بعينيك الفاتنتين ...
بشفتيك الراجفتين همساً ...
عانقتيني ...
وكأنما أحسست بشفتيك .. تقبليني !
وهمساً ...
قلت : أنه الوعد ما قبل الوداع بيوم العصفاء !
وهاأنذا سيدتي و الدمع صديق عيناي ...
بعامي السابع أعود ...
أتحسس الشرق بسور رفات (قيامة) ...
لألتقيك كما ألتقيك كل عام ...
فعشقك مازال حياً قبل وبعد الفناء ...
[align=left]محمد عثمان باعـــــــــو
دنقلا – 7/5/2009م[/align]
|