جالسة كانت على سريرها الحديدي المهترئ .. الذي لا ينفك يصدر تؤهات متذمرة صرير مرتفع كلما ندت منها حركة
خفيفة.. وبأناملها المعروقة كانت تحكم إغلاق فم انفرج مندهشا على جانب قميصها عندما همت بالنزول من الحافلة
في رحلة عودتها إلى البيت فاعترض قماشه الباهت مسمار ناتئ على حافة الكرسي .. بمهارة كانت تستخدم الخيط
الأبيض والإبرة الدقيقة لتفادي ظهور لون الخيط والتقليل من آثار
الندوب على القميص البنفسجي الذي كساه الشحوب من تكرار اللبس والغسيل..
برأسها كانت تدور الآلاف الأفكار مشغولة بالعديد من الأمور .. حزينة ربما .. لا تعرف حقا لكنها كانت كمن
يهيم في عالم رمادي يغمره الضباب وتبدو لها أفكار غير مكتملة الزوايا ثم لا تلبث أن تزول ..فكرت في ما حملته
الريح إليها من حديث النسوة عنها .. بينما كانت تقطع طريقها البيت .. اشتد الضيق في صدرها عندما استرجعت
نبراتهن المتفاوتة بين العطف المهين والتعالي المشين .. يدهشها أنها لا تزال تتأثر بمثل تلك الامور التي اصبحت
تتكرر بشكل روتيني في حياتها .. تسمع نداء والدتها
فتلقى بالقميص وتسرع إلى حيث سرير حديدي متهرئ آخر بدا جليا انه اقل حظا واشد معناه من سريرها
إذ تباعدت قوائمه وتدلت مفاصله فكاد أن يلامس الأرض الترابية من منتصفة وقد اكتظ بما يفوق المأتي كيلو جرام
من اللحم البشري الحي .. كانت أمها تعتليه.. عابسة ساخطة كالعادة ..
أسمعتها بعض الكلمات الجارحة لتي اعتادت تقديمها لها على رأس كل ساعة .. تعرف انها
تفعل ذلك مع الجميع دون استثناء .. خاصة في الأيام التي يسوء فيها مزاجها .. الكل يعرف
في البيت وفي الحي أيضا .. إلا أن ذلك لم يمنع تقليص زيارات الجيران إلى بيتهم تجنبا للسان الحاجة آمنه
وثورتها الغير مأمونة .. وقفت أمام أمها لوهلة .. تناولت جرعتها من الشتائم عن طيب خاطر قبل أن تستخلص
أنها تريد كوب ماء .. فذهبت إلى المزيرة .. وعادت إليها ب(كوز) مملوء بالماء المنعش ..
صوت هاتفها النقال .. ذلك الصوت الحاد الذي يميز الهواتف القديمة الطراز تسرع تلتقط المكالمة بعد أن تحدق في
الرقم المتصل بحيرة إذ لم تتعرف على صاحبه
_أنا أستاذ أبو عبيدة .. زميلك في المدرسة..
_ اعتذر لاتصالي بدون موعد أو إذن.. لقد أخذت رقم هاتفك من أستاذة خيرية .. الموضوع مهم
_لا عليك .. ما الأمر.. عساه خيرا .؟
لم يتردد في التحدث وبإسهاب دون أن ينتظر منها رد أو تعقيب .. ثم أنهى المكالمة على أن تخبره بالرد
عندما يقابلها في المدرسة غدا