منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-04-2011, 02:32 AM   #[1]
وهاد ابراهيم محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية وهاد ابراهيم محمد
 
افتراضي هنا, إستضافتني الحياة.. شارع بيتنا.

واسعة وضيقة, طويلة وقصيرة, ضاجّة وساكنة, ظليلة ومكشوفة, ممهدة وطبيعية,

قديمة وحديثة..
شوارع.. محض شوارع إستضافتنا.. فكنَّاها على رحابتها بالآدميين العابرين

والحيوات الباقيات فيها منذ الأزل, الى حين زوال.
قاسمها الأوحد.. مطرزةٌ جنباتها بأبواب البيوت.. وفضاء يعجُّ بالحياة.
ما بين رمل, حجر, أسفلت, وبقاياه..
ما بين حر يشابه تمام الإستواء, وبرد يغازله المطر..
ما بين ضجيج يحيد بك عن جادة الإحتمال, وسكون يكِلُكَ الى معزوفات الروح..
ما بين شارع يسحبك اليه, وشارع يسحبك اليك..
حقيقةٌ وحيدة كانت تطلُّ برأسها ما وجدت الى إنتعاشها سبيلاً..
(هنا نستضيفُ الحياة).



وهاد ابراهيم محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 02:39 AM   #[2]
وهاد ابراهيم محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية وهاد ابراهيم محمد
 
افتراضي

(الديكة) أول من يشم رائحة الصباح.. فيرفعون عقيرتهم بصياحٍ متواصل قبل ان
يتقافزوا فوق الجدران القصيرة والمتهالكة غالباً, يبحثون عن ثقوبهم التي يخبرونها جيداً وتفضي بهم الى الخارج..

والخارج هنا لا يعني غير الشارع الترابي الممتد على إستواء..
لم أكن أعرف عن بدايته من إتجاه الجنوب لكن أمي عندما كانت تسلكه في طريقها الى مدرسة
(التيمانات المتوسطة)*, يغيِّبها تماماً فيه بدون ان تختار لها إنعطافاً ذات يمين او شمال..

ليمتد مستقيماً بين البيوت العريقة والعجوزة التي تُشكِّل (حي برنجية) عابراً (مربوع) بيوت الـ(زغاوة)
ذات الجدران المطلية بالأسمنت والمدهونة باللون الرمادي الباهت والمحدِّثة عن نعيم قاطنيها الذي تدعمه
(البكاسي واللاندروفرات) التي تتناثر بين أبوابها,
ويبدو أن الشارع ينتهي الى حيث ينام جدي الآن بصحبة رفاقه في تلك المقابر التي تجاور ذات المدرسة.

وفي إتجاه الشمال يمتد ما شاء الله له, ماراً بـ(اشلاق السجانة) ومدرسته الإبتدائية,
قبل ان يوقف إمتداده ذاك الباب الحديدي الأبيض الكبير المغروس في عمودين ضخمين
من الطوب الأحمر شاهقي الإرتفاع, أطول قليلاً من الجدران التي يلتحمان بها والتي تماثلهما علواً
وهيبة, فيما يعرف بـ (حوش فضل موسى), فلا يكون أمامه – أي الشارع- غير إلقاء التحية
والإنعطاف قليلاً ناحية الغرب قبل ان يواصل شمالاً غائصاً في رملٍ كثيف,
حتى يوقفه حائط هائل يسيّج (سجن الفاشر).







_________________
* حيث عملت في السنة التي قضيناها والأسرة برفقتي وانا أجتاز إمتحانات الشهادة الإبتدائية.



التعديل الأخير تم بواسطة وهاد ابراهيم محمد ; 17-04-2011 الساعة 03:16 AM.
وهاد ابراهيم محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 02:43 AM   #[3]
وهاد ابراهيم محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية وهاد ابراهيم محمد
 
افتراضي

حينما يحين أوان إستيقاظنا على رائحة اللبن (المقنن) والرغيف المحمّص على أطراف الـ (كانون),
ونبدأ إزعاجنا الراتب بين جنبات البيت قبل ان ننقله للشارع, يكون الإمتداد الأبيض للرمل نظيفاً
وغير ملفت للنظر لعاديته التي ثبتّتها أصوات (المقشاشات) التي تترك أثرها الناعم
بفعل ضرباتها الخفيفة على وجه الأرض, كل صباح..
تلك كانت مهمة جدتي الأولى بعد صلاتها فرض فجرها, وكذا جدّات كل البيوت على
تفاوت مقامات الأزواج والأبناء, الجدّات اللائي لا ينزعن عنهن واجب الإعتناء ببيوتهن أبداً..
والشارع هناك نصف البيت, الشارع هناك فردٌ أصيل في الأسرة,

بيد أنه لا يحتاج سريراً لينام.



التعديل الأخير تم بواسطة وهاد ابراهيم محمد ; 17-04-2011 الساعة 03:14 AM.
وهاد ابراهيم محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 03:00 AM   #[4]
وهاد ابراهيم محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية وهاد ابراهيم محمد
 
افتراضي

(فرن ود الضَي) البلدي الذي يقاسمنا ذات الحوش ببابه المنفصل, كان سبباً وجيهاً للزحام
الصباحي أمام منزل جدي..

الزحام الذي قوامه نساء وأطفال..
نساء في كامل نشاطهن, بشوشات الوجوه, نديّات الأجساد, حلوات الألسنة, وهن يوزعن
التحايا والسؤال التلقائي والراتب (كيف أصبحتو؟), وتفوح منهن رائحة زيت السمسم والـ (الودك) المُحلّى بالقرنفل..
يحملن أرغفتهن ويعرِّجن الى الدكان المُلحق بذات دار جدي, لبعض السكر والحليب المجفف والشاي..

والنساء هناك يقمن الى حاجاتهن بأنفسهن, وان طلبن معونةٍ ما, فالصغار لها..
الصغار الذين يبحثون عن طريقهم ما بين الواقفين يزيحون أطراف الثياب ويمرقون بين الأقدام,
يرفعون قاماتهم الصغيرة ويمدون برؤوسهم بصعوبة فوق دكة الفرن
قبل ان ينسلوا جارين ويدٌ هنا او هناك توقفهم ( هَي بت كلتوم أمك أصبحت كيف؟)..
(ود حاج الطيب سلمي لي أبوك).. وأقدامهم الصغيرة الحافية غالباً تعدو بهم في غيرما
إهتمام الا بالرغيفات و وقيتي الشاي وربما ربع رطل السكر ان كان صباحاً كريم.






يتبع.



التعديل الأخير تم بواسطة وهاد ابراهيم محمد ; 21-04-2011 الساعة 03:09 PM.
وهاد ابراهيم محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 05:20 AM   #[5]
النور يوسف محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية النور يوسف محمد
 
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

تطول الدروب وتقصر ..
وترسم على عمرنا من سحرها وشماً ..
وشماً من لحمٍ ودم ..
تنفخ فى أجسادنا روحاً لا يدنسها التراب ...
ولا يبليها الزمن ....

وهاد ...
مالك تكتبين على حواف الكى بورد ..
أم أنه .................... يتبع !!



التعديل الأخير تم بواسطة النور يوسف محمد ; 17-04-2011 الساعة 05:24 AM.
النور يوسف محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 06:11 AM   #[6]
سجمان
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

وظلت

وظللت أشتهى المثول بين
ظهراني تلك الرياحين العطرة
من السطور بيد أني لا أجيد
حديث الفاتنات من السحب..
ولا أحتمل الهطول ولكي لا يفوتني
أوان المطر خَرَجْتُ بين الحبيبات (التشكيل ما فارق)
لاصطفى قطرة توازي اشتهائي من الملكوت
والسحر العميم..



التعديل الأخير تم بواسطة سجمان ; 18-04-2011 الساعة 01:10 PM.
التوقيع: حليق الكف..
سجمان غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 08:25 AM   #[7]
معتصم الطاهر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية معتصم الطاهر
 
افتراضي

الشوارع

قيمة عندما تضج الحروف أعلى من ضجيجها ..

الطريق .. قيمة و حكاية و أبواب تفتح على حكايا و تغلق على دفء و سكن ..وأسرار و .. كتابات تعرف مخابئ الأدب



التوقيع:
أنــــا صف الحبايب فيك ..
و كـــــــــــل العاشقين خلفي
معتصم الطاهر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 18-04-2011, 01:11 PM   #[8]
سجمان
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سجمان مشاهدة المشاركة
وظلت

.
هكذا أردتها حتى لا أثقل عليها بالحروف..

"فظلتم تفكهون"



التوقيع: حليق الكف..
سجمان غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 09:48 AM   #[9]
وهاد ابراهيم محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية وهاد ابراهيم محمد
 
افتراضي

لا صوت يعلو على صوت الشارع..
وصوت الشارع يأتيك في مكانك داخل الغرف المصطفة تبحث شبابيكها عن من يلقي التحية,
فلا ترتد خائبة أبداً.. (أبو فاطنة كيف أصبحتا؟).. وعلى جدي (ابو فاطنة) ان يرد التحية
العابرة لشباك غرفته الملوكية مميزاً لصاحبها مهما تداخل معها من أصوات..
فحين أشك أنه (عم إمام) يفاجئني برده (ود شطة كيفنك.. ان شاءالله الوالد أصبح طيب)..
وحين أظنها (حاجة حوا) يرد (فاطنة عبدالمجيد أصبحتي عافية؟.. ضيفانك علّهم طيبين)
ويوماً سلّمت عليه إحداهن بصوتها الحاد المرتفع, عرفتها وإنتظرت رده وانا ضاحكة, ولم يخيب ظني
وهو يرد بصوتٍ خفيض (الله يعافيك) قبل ان يتمتم لنفسه (شوف المشوطنة دي بالله)..
والمشوطنة في قاموسه لم تكن الا جارته في الـ(ناصية) المقابلة, (مريم بركة)
الشهيرة بـ (مريستها) وصراخها المجنون ما بعد منتصف الليل في وجه زبونٍ
زيّن له حظه العاثر غنيمةٍ ما بمغازلتها.






وهاد ابراهيم محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 09:53 AM   #[10]
وهاد ابراهيم محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية وهاد ابراهيم محمد
 
افتراضي

والصوت الجهوري الذي يوزع التحايا متوقفاً قليلاً أمام شجرة (أم سويقو)
لابد ان يكون (حاج أسد) بحماره الريافي ابيض اللون.
وهنا وجب ان أعاود الخروج للشارع والإستمتاع بالمنظر السلطاني للرجل في عليائهِ فوق الحمار الفتِيّ والعالي,
الذي يتزين ظهره بالسجادة الزرقاء المخملية..
و(حاج أسد) أحد الأعيان الـ(زغاوة) الموسرين بطبيعة الحال, يتقاسم و(آل تيمان)
بعض الحي والشارع فيما يشبه القلعة الخاصة بعشيرتهم, المشتهرة نسائها بثيابهن الفخيمة والغالية
بألوانها المميزة والحارة مع إختلاف فصول السنة,
والمشتهر رجالها بـ(المراكيب) النمر الفخمة والعصي الأبنوسية الطويلة, ولا مجال لإفتخارٍ بجلبابٍ
ناصع البياض, فتلك شيمة كل الرجال هناك.
ولابد ان أوان مرور (حاج أسد) سيصادف طلعة جارنا (حاج النعمة) في مروره الصباحي
الراتب نحو السوق, وهذا الأخير ببنيته الضعيفة وقامته القصيرة يكاد يكون صبياً لولا بعض خائنات الزمن
التي تركت بشعره بعض شيب, وبكتفيه بعض إنكفاء, ولولاهما لنافس كثير من الشباب بمحيّاه الصبوح الباسم دوماً.
يقفان يتجاذبان حديثاً محوره سوق المحاصيل التي يبدو ان الأول يتاجر فيها جيداً
حصيلة مزارعه المنتشرة بإتجاه (قولو), والثاني يُضارب فيها بالسوق الكبير.
حديثٌ تتخلله بعض الضحكات الجادّات, وانا التي كنت أحسب الضحك ضحك وحسب..
قبل أن يخبرني الرجلان, و(أم أم تس) و(مريم بركة) و(بُشرى) المجنونة, ان للضحك مدارس,
كلٌ منها يستحق اللحاق بصفه مُراقباً على أسوأ تقدير.



يتبع.



التعديل الأخير تم بواسطة وهاد ابراهيم محمد ; 17-04-2011 الساعة 09:57 AM.
وهاد ابراهيم محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 10:45 AM   #[11]
وهاد ابراهيم محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية وهاد ابراهيم محمد
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة النور يوسف محمد
بسم الله الرحمن الرحيم

تطول الدروب وتقصر ..
وترسم على عمرنا من سحرها وشماً ..
وشماً من لحمٍ ودم ..
تنفخ فى أجسادنا روحاً لا يدنسها التراب ...
ولا يبليها الزمن ....



تفعلها يا نورنا.. تفعلها وجيداً جداً



قليلاً وستداهمك أصوات (الباغات) البلاستك التي تُضرَب بالعصي في إعلانٍ
مُزعج ان بائع ماء يمر بالشارع, مصاحباً حماره الرمادي الذي لا يستجيب الا لصوت صاحبه
مهما كنا نفعل به نحن الفتيات الصغيرات اللائي تأخذن الحياة هناك وكأنها رحلة في متحفٍ مفتوح,
في عطلاتنا السنوية القاصدين فيها بيت جدي..
(أررر) تتابع بغير تناغم متداخلة مع ضربات العصي, والحمار يمشي بتأني لا يفسّره الحمل الثقيل لـ(الخُرُج)
المدهون بالقطران على ظهره, بقدر ما يفسره السماح بإلتقاط صيحات طالبي المياه من داخل البيوت..
صبيةٌ بأجساد ناحلة لكنها تنضح بقوتها, يرتدون أبسط ما يسترهم عن حر الشمس,
والسُترة في مفهوم أهل تلك البلاد يعني تغطية عموم الجسد, ولو على إستحياء,
ويدسون أرجلهم في أحذية بلاستيكية مغلقة أو صنادل مصنوعة من بقايا إطارات السيارات تختلف أشكالها
ويتوحد مسماها في (تموت تخلي)..
(حاووويششش).. ويتوقف الحمار, وتتبادل اليدان الصغيرتان فعلاً متناغماً
وهي تُفرغ ماء الـ(خُرُج) عبر الخرطوم الجانبي المسدودة فتحته بقطعة فلين ملفوفة بعديد من أكياس
تُدغم في الفتحة فيعييها حبس الماء فيظل يتقاطر على طول الطريق,
وبذلك يكون محظوظ جداً من يسكن قريباً من الـ(دونكي),
ولم نكن.



وهاد ابراهيم محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 11:18 AM   #[12]
وهاد ابراهيم محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية وهاد ابراهيم محمد
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سجمان
وظلت أشتهى المثول بين
ظهراني تلك الرياحين العطرة
من السطور بيد أني لا أجيد
حديث الفاتنات من السحب..
ولا أحتمل الهطول ولكي لا يفوتني
أوان المطر خَرَجْتُ بين الحبيبات (التشكيل ما فارق)
لاصطفى قطرة توازي اشتهائي من الملكوت
والسحر العميم..


وكثيرة هي الغيمات التي تسقي... قليلة هي الأرض التي تُروى يا سجمان الما سجمان.
فهاك مزيد..!



(كان ما لقيتو خُرُج, شوفو لينا دينكاوي)..
وهذا الـ(دينكاوي) كان كالمبعوث فينا لبيع الماء ليس إلا, يمشي بطيئاً في خطواتٍ واثقات وواسعات تناسب طوله الفارع..
يضع على كتفيه عصى غليظة تقارب تلك (الشِعبة) التي تسند (الراكوبة),
يُعلِّق على طرفيها سلاسل حديدية متينة وطويلة تنتهي بصفيحتين ممتلئتين بالماء..
ولثقةٍ ما فيما يفعل لم يكن ينادي على بضاعته, ولا يضرب حتى على صفائحه, يمشي وحسب, ومن يحتاجه يناديه..
وفي غير همهماته عند الحساب لن تسمع له صوتاً إلا وهو يدندن في البعيد.
ينسحب في هدوء يتراقص حوله جلبابه الملوّن الزاهي ما بين أزرق وأخضر وبرتقالي و(سمني)
تتفاوت حدة اللون ربما بقدر البهجة في صاحبها, وقبل ان يصبح شائعاً
إرتداء الجلباب الملون لم يكن غيرهم الدينكا هناك من يفعلها..
لم ألمحهم في مكانٍ إلا والعصي والصفائح برفقتهم, قليلٌ عددهم, قليلٌ كلامهم,
وحينما يفعلون تدهشني أسنانهم البيضاء في حالك سواد وجوههم, وبرغم
رسوخ فكرة المُرسَل الأبيض في رأسي الصغير, لم أخلع عنهم صفة الإبتعاث برسالة الإرواء,
فهم يختفون سريعاً, ولن تلمحهم أبداً ما بعد غروب الشمس إلا في الصباح الجديد,
يحملون الماء ويدندنون لأنفسهم, ويبادلونني نظراتي الفضولية بإبتساماتٍ برّاقة.







التعديل الأخير تم بواسطة وهاد ابراهيم محمد ; 18-04-2011 الساعة 02:39 PM. سبب آخر: تعديل (ظلت) في إقتباس سجمان.. تخفيفاً للحروف, او كما يريد
وهاد ابراهيم محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 11:58 AM   #[13]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وهاد ابراهيم محمد مشاهدة المشاركة
[SIZE=4][COLOR=DarkRed]


(أررر) تتابع بغير تناغم متداخلة مع ضربات العصي, والحمار يمشي بتأني لا يفسّره الحمل الثقيل لـ(الخُرُج)
المدهون بالقطران على ظهره, بقدر ما يفسره السماح بإلتقاط صيحات طالبي المياه من داخل البيوت..
صبيةٌ بأجساد ناحلة لكنها تنضح بقوتها, يرتدون أبسط ما يسترهم عن حر الشمس,
والسُترة في مفهوم أهل تلك البلاد يعني تغطية عموم الجسد, ولو على إستحياء,
ويدسون أرجلهم في أحذية بلاستيكية مغلقة أو صنادل مصنوعة من بقايا إطارات السيارات تختلف أشكالها
ويتوحد مسماها في (تموت تخلي)..
(حاووويششش).. ويتوقف الحمار, وتتبادل اليدان الصغيرتان فعلاً متناغماً
وهي تُفرغ ماء الـ(خُرُج) عبر الخرطوم الجانبي المسدودة فتحته بقطعة فلين ملفوفة بعديد من أكياس
تُدغم في الفتحة فيعييها حبس الماء فيظل يتقاطر على طول الطريق,
وبذلك يكون محظوظ جداً من يسكن قريباً من الـ(دونكي),
ولم نكن.
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وهاد ابراهيم محمد مشاهدة المشاركة


يضع على كتفيه عصى غليظة تقارب تلك (الشِعبة) التي تسند (الراكوبة),
[/FONT]
يُعلِّق على طرفيها سلاسل حديدية متينة وطويلة تنتهي بصفيحتين ممتلئتين بالماء..


سلام يا وهاد،

و هنا رأيت بعض مراحل الصِبا!
مثل هذا الوصف الدقيق يقودني هناك . .
موية البحر حيث كنّا نجلبها بالأخراج تماماً كما وصفتِ:
اقتباس:
تُدغم في الفتحة فيعييها حبس الماء فيظل يتقاطر على طول الطريق,
و يا لتلك الفلّينة حين تفلت وينبجس الماء من الخُرج، فلا تستطيع الأصابع الصغيرة له حبساً. عندها قد "يتغاتت" الحمار حين يشعربإنشغالك عنه فيتحرّك . . تحاول أن تلاحقه بخطوات متعثّرة وأصبعك ما زال على الفتحة، فتنزلق السفنجة من قدمك بفعل خليط التُراب وقطرات الماء.

و موية البير بعد نشلها بالدلو وصبّها في الصفيحتين.
لإثبات أنّنا قد بلغنا من القوّة مبلغاً، كنّا نصر على حمل الجوز على الأكتاف، تماماً كما يفعل ذلك الدينكاوي ذو الأسنان ناصعة البياض. موية البير، نسبة لبعض ملوحة فيها، كانت تُستخدم للأغراض الأخرى غير الشُرب. أمّا موية البحر، فكانت للشُرب فقط ويُحظر إستخدامها ما دون ذلك، لأنّها "ما جابوها بالهينة".

كتابتك عن الشوارع تضج بالحياة و الوصف الدقيق وتحفّز الذكريات.

كل التحيّة.



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 05:09 PM   #[14]
وهاد ابراهيم محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية وهاد ابراهيم محمد
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة معتصم الطاهر
الشوارع
قيمة عندما تضج الحروف أعلى من ضجيجها ..
الطريق .. قيمة و حكاية و أبواب تفتح على حكايا و تغلق على دفء و سكن ..وأسرار و .. كتابات تعرف مخابئ الأدب
هي تلك يا سيدي يا الطاهر معتصم..
وحكمة لا يهم من يُعطيها, لكنها تُمنح بسخاء.





(يا ود الحرام.. والله كان لحقتك الا نقطعا راسك ده يا ود الكب)...
ولم يعد الأمر مُستغرباً.. فـ(مريم بِركة) تقوم بتأديب أبنائها بطريقتها الخاصة, ولا غبار عليها, فهي لم تنطق بكذب..
لم يعرف لها أحد زوجٌ مُقيمٌ لديها بصفةٍ دائمة, فمعظم من تقوم بتقديمهم بأنهم أزواجٌ لها يظهرون لأيامٍ معدودة ثم يغيبون.. أيام تكفي لإخراجها باروكتها القديمة ذات الشعرات القصيرات المنتشرات في كل الإتجاهات كيفما إتفق, قبل ان تضعها على ركبتها لتغرقها بالماء وزيت الطعام وتسرِّح شعراتها بالفرشاة القديمة.. أيامٌ تكفي لأن تُحرك كيس الحناء على قدميها بأشكال أبعد ما تكون عن النقش, ولأن تغرق إبطيها بـ(خُمرة) يضيع أجمل طيبها في عرقها الذي يكفي قليل صراخ لينزَّ منها غزيراً يلفحك على وجهك مع حرارة النهار وكأنه من (أزيار المريسة) التي تنتظر زبائنها بصبرٍ جميل, ولأن تغسل ثوبيها التركوازي والبرتقالي الحائل الى لون المستردة وتنشرهما على طول (الحوش) القصبي الذي يسوِّر بيتها, ولأن ترتكب في حقنا الجرم الأكبر عندما تتعهد شفتيها الكبيرتين الممتلئتين بحمرة شفاه أظنها بعهدتها منذ عشرات السنين, لتخرج الينا في هيئةٍ لا تستطيع النظر اليها قبل ان تستعيذ بالشيطان في سرك ثلاث مرات أو يزيد.
و(مريم بِركة) سيدة في بدايات الثلاثينات من عمرها عندما لمحتها لأول مرة ,ونحن نهبط من على السيارة التايوتا المكشوفة, مندسّة بين نسوة الحي اللائي تهافتن لمقاسمة جدتي إحتضاننا والإحتفال بمقدمنا.. صرخت فينا بصوتها الجهور –وتلك طبيعة صوتها بدون قصدها الصراخ- (بنات هدِّية).. وهي تمد يديها مفتوحتين على وسعهما, إنكمشت خلف أمي قبل ان تحثني جدتي لمد يدي محيية..
قليلاً وكنت أستغل إنشغال الجميع لأطل على بيتها ذو السور المتهالك والمتهاوي بعضه, في دونما حوجة الى باب..
جميلة في قوامها المربوع بتثنياته الصارخة, شعرها قصير جداً إن لم تسعفه بـ(السلّة) في (مُشاطٍ) ناعم ينسدل على كتفيها, يظهر كثيرٌ من جسدها في فستانها مكشوف الصدر والذراعين في غيرما قصدٍ لتعري, ففي تلك البلاد يحق للمرأة لبس الفساتين المكشوفة بدون ان يفكِّر رجلٌ ما في أنها تعرضُ عرضاً او تمتهنُ الإغراء, ويكفي الثوب الملفوف على الأجساد ليكون ستراً كاملاً حتى وان جاء على الهيئة التي يُرتدى بها هناك, مرتفعاً الى ما فوق نصف الساق, ومرمياً بإهمال على الصدر, ولا يهم ان إستقر جلّه بالكتف تاركاً للصدر النافر حرية تنسُّم الهواء..
و(مريم) في فستانها ذاك يمكنها في نوبة هياج الوقوف في منتصف الشارع لتكيل السباب الى أحدهم, في إستدعاء صارخ لدمغها بوصف (مطلوقة), وذاك آخر ما يسترعي إنتباهها..
(دي أبو لي أبكر.. ) والتحديد هنا جد مهم, فهي تُقر بأن أبنائها الخمسة ينفرد كل منهم بأبٍ مُستقل, وفي بعض حالات سباحتها خارج وعيها تعترف بأنها لم تتزوج من أحد وان المتحدث عنه لا يزيد عن (يومتا نام معاي زي شهر.. اها ساعة قبّل معا سفنجات حاج زكريا.. فرفرا جبرين في بطني) وتعقبها بضحكة مجلجلة وكأنها تُغيظ جليساتها بقدرتها مضاجعة من تشاء ساعة تشاء, والكل يعرف عن أنها تمكِّن فقط من يروق لها, من نفسها, بلا مقابل مادي ولا إلتزام ببقاء, وأن زبائنها ليس لهم الا (مريستها) والأنس وحلو السهر..







وهاد ابراهيم محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2011, 05:19 PM   #[15]
وهاد ابراهيم محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية وهاد ابراهيم محمد
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بله محمد الفاضل
لا فرق بين ما تكتبينه
والرواية
إلا شعرة
أنكِ تعنونين هذا العمل بخصوصية
تحوله إلى ذكريات مسرودة

أترقب
لا أظنني أجيد الرواية يا بله.. ولا أظنني أجيد الركض بعيداً عن حلبة سباق الذكريات هذا مع قليلٍ من مراوغة الكلمات..
وأخالني ما توفقت في العنوان, أرهقني جداً فتركته بعواهنه, فلربما كان صائباً
على غفلةٍ مني..
فقط.. ترقبني.. فهذا ما يحفزني للمزيد.
و.. شكراً جداً يا بله أنك بالجوار.. فذاك يعني لي الكثير بحق.






تداهمها سيارات الشرطة بليل, تُريق مشروبها وتكسِّر أزيارها, قبل أن يرفعونها بينهم, الشئ الذي يحتاج مجهود أكثر من ثلاث رجال ليقدروا عليها, وصوت صراخها يشق الليل وسكونه بسكينةٍ حادٍ نصلها ولمعانها.. (أولاد الحرام ما تخافو الله في مَرَة.. الله يلعناكم يا خول اولاد الكب.. يا..) وتجتهد أمي لكيلا نستيقظ ونسمع سبابها البذيئ, ولم تعرف أني كنت أسمع وغالباً بغير فهم لمعظم ما يُقال, حتى سألت خالتي يوماً عن معنى (أولاد شراميط) فصفعتني وجرتني لأمي التي نفحتني صفعةً أخرى وتعنيفاً مغلّظاً إستمر لعدة دقائق وعيناي تتنقلان بينهما في غير وعيٍ للجرم الذي إرتكبته, وعندما لم أخرج من كل ذلك الا بدموعي وخدٍ متورم, فهمت أنها شيئ مما لا يمكن السؤال عنه.
حتى إذا ما أطلقوا سراحها عادت لبيتها بإحساس عظمةٍ متناهية, وتفرغت لإعادة تجهيز شرابها من جديد.. وللغرابة, يشكل جنود الإحتياطي المركزي و(إشلاق) السجانة حضور دائم لديها, ثم يرتدون زيهم العسكري لينفذوا فيها أمر الإعتقال وكأنهم عن فعلها أغراب.


كان جدي يرفض دخول (المشوطنة ست المريسة) داره وهو المتصوف التجانيّ القويم, بينما جدتي لا تستطيع منعها وهي جارتها التي تعاملها بلطف ولا تُخطئ في حقها بكلمة او فعل, ونحن نسعد بقدومها لما تمنحنا إياه من متعة متابعة أحاديثها الشهرزادية عن ضيوفها الذين يخرجون منها في ميقات السَحر يترنحون, فارغةٌ جيوبهم, وألبابهم, إلا من عظيم نشوة.
يوم أتت تحمل في يدها (بستلة أم جنقر) لأمي إمعاناً في الإحتفاء بها, إنتظرت أمي حتى خرجت ودلقتها رغم توسلاتي ان تترك لي شيئاً منها, وهي ترفض بحجة (لا دي حرام ما بتتشرب) ولم أفهم ما الحرام فيها وجدتي تصنع مثلها بالبيت, فتسللت الى دارها, وشربت عندها حتى إرتويت, وعدت مزهوة بإنتصاري.
(مريم بِركة) أحد أهم معالم ذاك الشارع الطويل, لا يحل محلها (حاج دكين) ولا (فاطنة أم أحمد) ولا (شيخ ضيف الله ابو فاطنة) نفسه, ولا زلت أذكر يوم ظلت تطارد ذلك اللص الذي على جهالةٍ إختار بيتها ليسرقه, ليُفاجأ بها كل الحي تطارده عبر البيوت, تقفز على الحوائط وتعتلي الأسطح في خفةٍ شديدة وإصرار بالغ للحاق به. عبرت خمس من البيوت قبل أن تطبق عليه وتجلس على صدره شاهرة سكينها متوعدة بقطعها عضوه الذكري ليفقد صفة الرجولة التي تخوله السطو على بيوت الناس.
عندما حملت حاجياتها ذات صباح وأعلنت رحيلها الى منزلٍ آخر, كان مناسباً جداً أن تُزرف الدموع لوداعها, وهي التي دخلت كل البيوت ناشرة ضحكاتها المجلجلة وصوتها العالي وطِيب قلبها وفاء نفسها, وسبابها غير المعلوم أسباب إنطلاقه في السماء.
وعندما رتبت القادمة الجديدة للبيت حاجياتها وأعلنت عن بضاعتها صاح جدي (البيت ده الله ما يفتح عليهو بود حلال كلو كلو.. من ست مريسة لي ست مريسة؟ زي المدفون فيهو شطان؟) وضحك الكل, ولا زالوا, ووحدها ضحكات (مريم بِركة) غابت بطعمها الخاص, والجرئ.









وهاد ابراهيم محمد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 08:17 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.