منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 15-06-2011, 09:31 PM   #[1]
imported_أسعد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي كم تبلغ المسافة بين واقعنا وأحلامنا؟

كم تبلغ المسافة بين واقعنا وأحلامنا؟
والإجابة عندي هي تقريباً تبلغ حوالي ثلاثة (مثقف مبدع) على وزن متر مربع
فنحن ولله الحمد لا ينقصنا شيء إلى شوية وعي (على قول دريد لحام في مسرحية كأسك يا وطن "الله وكيلك يا أبي ما ناقصنا شيء غير شوية كرامة")
المهم ما علينا خلينا نرجع إلى الثلاثة مثقفين مبدعين المطلوب تواجدهم لدمج الواقع بالحلم
أقول اننا نحتاج إلى "مفكر عظيم" كما د.زكي نجيب محمود
ثم نحتاج كاتب عظيم كما بلال فضل
ثم نحتاج شاعر عظيم كما هشام الجخ
فهؤلاء العظماء على اختلاف اساليبهم وطرائقهم ولكن غايتهم كانت واحدة وهي تحريك الساكن والتمرد على القديم من أجل التغيير
فلا يمكن تطلب تغييراً في بركة ساكنة!! أو أن تتذمر وتشتكي من كثرة الفطريات التي تغطي سطح البركة الساكنة
ولا يمكن أن تنشد تبديلاً في غرفة مغلقة!! أو تتذمر من خيوط العنكبوت التي تغطي الغرفة

وشيء ثاني جمع بين هذا الثلاثي وهو الابداع الحقيقي الذي يهب النصوص أرواحا تتلبس قارئها وتلزمهم الانصياع لمعانيها
د.زكي نجيب محمود ومنذ قرن أو نحو ذلك آتت معظم كتاباته وأفكاره تنشد تغييراً على المستوى الاجتماعي (النظام الأسري) قبل أن يكون على المستوى السياسي ورفض الدكتاتورية الأبوية والتي بطبيعة الحال تنتج لنا دكتاتورية سياسية ، فالوضع السياسي انعكاس للوضع الاجتماعي وأن كلمة (الحرية) يجب أن تطبق في النظام الاجتماعي قبل النظام السياسي فالانسان الذي يخشى قول رأيه في مجتمعه بطبيعة الحال سيخشى قوله في نظامه السياسي )

أما بلال فضل فهو يعتبر رائد من رواد الثورة المصرية الأخيرة فكتابته لأكثر من عقد من الزمان كانت تبث روح التمرد في روح الشباب ، وريادته للثورة ليست لوقوفه ضد نظام مبارك فحسب ، ولكن ريادته نابعة من قدراته الابداعية على جذب الشباب من أجل القراءة والإطلاع على مقالاته وكتبه والتي تحتوي بداخلها أرواحاً في شكل نصوص

أما هشام الجخ فهو رب الشعر الذي نفخ فيه من روحه فأعاده مرة أخرى في أحسن تقويم ، والكل يعلم قصائد هشام الجخ المتمردة

إذا يا سادة يا كرام التغيير لا يأتي خبط لزق نتيجة لجوع أو ظلم أو قتل ، التغيير الحقيقي يأتي بوعي ثقافي غاضب يحرض الشارع ويجهزه ليوم الثورة ، كما هو حدث في التاريخ القديم في الثورة الفرنسية ، فالثورة الفرنسية الجوع كان شرارتها ولكن الوعي كان وقودها مع الفضل والشكر لروسو وفولتير ومنتيسكييه وفلوبيير وغيرهم

لذلك يا سادة يا كرام يجب علينا أن ندعو الله أن يبعث فينا من يحررنا فكرياً واخلاقياً وأدبياً قبل أن نحرر جسدياً ، على عكس ثوراتنا القديمة والتي كان فيها العضل يسبق العقل ،إذا نجد غضب الشارع يندلع ويحرر البلاد ومن ثم يأتي المثقفين لكي يوثقوا لهذا الثورة العظيمة ،وما أن يمر عام أو ثلاث فتنتهي الثورة الجماهيرية بثورة ديكتاتورية جديدة ، وبعد أن ينفض غبار التجبر من ثوب الوطن فيتم افتراشه مرة أخرى على أعتاب البوابة العسكرية
ثورة العضل قصيرة النفس على عكس ثورة العقل ذات اللياقة طويلة الأجل وما الثورة الفرنسية عنا ببعيد

شوية استدراك نحن والحمد لله عندنا المفكر العظيم وهو محسن خالد (وإن كنت أرى حالياً بدينا نفقد أثره نتيجه لابتلاعه من قبل أمنا الغول الكوشرثيا)
وشهادتي لمحسن خالد موش تحييز نتيجة لمعرفتي به سايبرياً ولكن نظراً لكتابته العظيمة الماجدة (القديمة)
والتي سأبدا ببعض من كتاباته في افتتاحيه هذا البوست ، كتابة محرضة ومحركة لكل ما هو ساكن ، ومن ثم سأعقبها ببعض الكتابات الواردين أعلاه وبعض الكتابات لبعض الكتاب الداعيين للتمرد على الافكار القديمة والتي تعتبر قيود مكبلة تحول دون حركتنا وتحولنا إلى بركة ساكنة
فعلى عكس ديدن السادة المثقفين النص نص والذين يستمدون ثقافتهم من الثقافة العربية القديمة والتي تقوم على الاهتمام بصناعة الكلمة وتذويق المعنى وترك الفكرة(وهنا حديث عظيم للمفكر د/نجيب زكي محمود حول الثقافة العربية واهتمامها بصناعة الكلمة أكثر من صناعة الفكرة وسيتم انزالها في هذا البوست)



imported_أسعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-06-2011, 09:38 PM   #[2]
imported_أسعد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

[mtohg=#ffffff]http://www.sudaneseonline.com/uploadpic10/May/MK-pro1.jpg[/mtohg]

جحيم الإكسسوار
أنانيا صفر في الثقافة السودانية (2)

"الليل يسوقني نحو أبديته
ولكني ألمح النجوم
تمد ألقها الخالد
وترقّش انحناءات الموج
وأطراف الجزر
كالأشجار أُبَدِّل أنفاسي
ضد الليل، ولا أنكسر
وكمياه الوادي
أعوي على الصخور الداكنة
وفي المنحدر
ويجوع قلبي كغابة في الظلام
الليل يطلق اشتهاءها للحياة"
(رواية إحداثيات الإنسان 2000م، محسن خالد)

المُفَكِّر يجازف، يستشهد بداخل نصوصه ولا يتحنّن. لأنه يعرف أنّ واجبه الرئيس هنا أن يطغى على الضعف والظلام، يستكبر على السقوط، يراوغ الجرح وينتزع الشفاء. فالأفكار مميتة كعهد مسيرة الإنسان بها. والنصوص الفكرية هي جبّانة المسيحية بوجه من أهم وجوهها. أمَّا الفكر الإنساني وفكرة العدالة نفساهما، فيبدوان وحشيين على نحو ضروري. فلسقوط تفاهة التفكير، وتهافت العاطفة، لا بُدَّ من سقوط المغفرة عن أدمغتنا، فالمغفرة حين البحث عن الحق "عمى". علماً بأنّ المغفرة التي هي التسامح في رصد الأشياء وتعريفها، ما هي بالحب، الحب لا يجامل. وإيجازه أنّه الدور المنوط بنا القيام به للعثور على الحقيقة.
نعم، الأفكار مميتة سواءٌ باختبار الأسطورة لها، وسقوط إيكاروس، حين خذله ما غَزَل به أجنحة طيرانه من شمع. أو سواءٌ باختبار الواقع لها، وسقوط ابن فرناس، لأنَّ نسيج أفكاره هنا خذلته مظلَّة بدائية.
فالأفكار مميتة مدى الأزمان كُلِّها، وفي كل الأحوال. إن على صعيد المعرفة البحتة والتجريب، وإن في اصطراعها المُلْهَم مع الفضاء. والفضاء رحمُ أفكارنا، وهو أنثى مميتة بدورها كأنثى النحل. لا تسمح باغتصابها وذوق عسيلتها دون رَقَبَة مُسَلَّمة إليها. ولا طريق آخر معنا... ولا للفعل منّا نحو الأمام سوى الغرز الاستشهادي. الطعن الأخير من سيف أخير. لضمان أن تَقِرَّ نطفةُ فعلٍ ينالنا بعده الموت، برحم المستقبل. معبّئةً له، بالسلالات المُحَرَّرة عن أمراض ذواتنا البدائية، وعلل العقل والقدرات، وأقنعة التخبئ في الظلال عن الضوء.
الاغتصاب الاغتصاب.. اعتلاء الفكرة للفراغ. وما يمكن الاستدلال عليه بالمُحَدِّد الإقليدي، ننسبه من عندنا لإقليدس، فبمجرد قولنا إنَّ للمثلث ثلاثة أضلاع، أو هذا مربع، وهذه دائرة، وتسميات كهذه... فقد شرعنا في اغتصاب الفراغ، ودق أوتاد خيامنا ليعسكر فكرنا فيه.
والأفكار مميتة على صعيد الذات، بوصفها وحشة الساري وحده، في قطعة خلاء. وكذلك مميتة على صعيد المجتمع. فالمجتمع يقف كحليف أبدي للفراغ ضد الإلهام، وللأكاديميا ضد القفز والاستبصار والرؤيا، وضد كلّ ما هو نبي.
فلو قال الوجوديون: "الآخرون هم الجحيم". فلا بُدَّ للملهم والمُفَكِّر أن يخرجا على تلك الدُّجْنَة المتخازلة والباحثة عن العزاء والشفقة، ليقولا: الآخرون هم العدم، إن لم يكونوا الحق، والإلهام، والنبي. فالجاهل متسلطٌ بطبعه، ومستبدٌ بقصوره، وليس بوسعك العيش معه بميزاتك كلّها في كومونة واحدة.
والسبق، والريادة، والفتح، أفعالٌ لا بُدّ لها من بريّة وخلاء تقع عليها. فلا مناص من "جاهزية" الغزاة إن شئتَ، ولا مناص من احتياطات الظَّفَر، لأجل استيلاد هذا الجديد نفسه. قبل مقاتلة النمطي والشائخ الهَرِم. المحفوظ تاريخياً. والمشرعن بفعل التخزين فقط وليس الاختبار. والمصطرع مع الجديد حِمْيَةً وذوداً عن تلك المخازن.
إلهامُنا هو قَدَرُنا، وقطعاً لن يمضي بنا في حيواتٍ ما أُنزل لبني إسرائيل مثلها من مائدة. بل هو على الدوام يسير بصاحبه نحو "سمو" الصليب وترقياته، نحو "حركة" دواليب المحرقة، ونحو "انفكاك" من أوتاد القطيع وثباً فوق أوتاد الخوازيق.
فالإلهام بأوجز حكمة له، أن لا تتفق مع أحد على تعريفٍ للجنون. وبذلك تستبدل عقلك وكل شيء بالإلهام. إن اتفقوا جميعاً.. على نظرياتهم الجماعية فالزم إلهامك. الذي هو عقلك، كما انكتب قَدَرُك. ولا تهتم، أبداً لا تهتم إن وقعت في دائرة توصيفهم للجنون، ما دمتَ تُريدُ إلهامك. فما ابنُ فرناس سوى إلهامه؟ وما قيمتُه لدى ذويه ومعاصريه غير مجنون؟ يا زول تطير فوووق في السماء مع الباز والشاهين، أأنت مجنون؟ "لا حول ولا قوة إلا بالله"، شِدُّوا الحبال فوق النار، خلوهوا يفطر قيود. فالمجموع لن يسكت على الإلهام، ويدِّخر الطبز لكل بصيرة نبي. إلا أنّ طبيعة الإلهام هي "المروق" القسري نحو الأمام، بالطاقة الدافعة للتجاوز. الجسم إن لم يحتوِ على طاقة دافعة أكثر من الأجسام التي تقف معه في الحِذْية، لن يتجاوز. والمجموع دائماً يُريد حذيته غير ناقصة ولا طايوق أو كراع، لذلك سيشرع في طبخ المكائد فوراً.
فالمفكّر والملهم هو من لا يطلبه الوجود أية حذية مع أحد أو شيء، ما دام حَيَّاً.
والحِذْية مصطلح عسكري، يعني عدم خروج أي جندي، من جيشنا هذا، عن محاذاته لباقي الجند. أوّل شيء عليه أن يحاذي "ذهنياً". وذلك بموافقته على المفاهيم العسكرية دون اختبارٍ لها. والتي تتشّعب كلها وترتبط بمفهوم الحذية الملموس هذا نفسه. وبإقراره على أنّه يُكافئ ويُطابق "الآخر" جاره. الذي ربما يكون غبياً، أو مُنْبَت الموهبة، أو به أي نوع آخر من العِلَل القدراتية. ثم يحاذي الآخر "بدنياً" وذلك بصلب الجسد كي لا يُنْتِئ عيناً أو ضلعاً من أمامٍ أو وراء خارجه؛ يجفِّف بدنه لدى أي تعريجة أو التفافة منه. أي يرمي نفسه في قالب جاره، وجاره ينضرب طوبةً تطابقه.
وهذا بإيجاز تعريف (العقل والجسد) عند العسكر. وباستدخال مفاهيم النُّفرة القطيعية والروح المعنوية الواحدة على هذا التعريف، يتّسع ليكون (العقل والجسد والروح). ومع صدى جلالات المارش الواحدة يتم التلاشي المحكم، وتنبهم تلك الجماعة بتمامها في بهيمة متوحّدة وعمياء.
واحدة الفكرة الحذية، واحدة الروح المستلبة، واحدة اللغة الجلالة، واحدة الحركة الصفا انتباه.
والمُلْهَم والمُفَكِّر هما الحاضران أبداً، مُفْرَدَيْن، ضَارِييْن، وحَيدَيْن، كئيبَيْن تحت حصار هذه العزلات كلّها كآبة الله الحزين. كي يتسليا بالخلق والابتداع والتجريب. إلهامك أن لا ترى الأرض كلّها جماعتك أو منزلك، ولا السماء قُبَّعتك. والملهم أبداً وتدٌ منتصبٌ في الفراغ، لينغرز فيه، يغزوه، يغتصبه، يروضه، فهو سَارٍ لمهتدين به.
ومسيرة الفكر الإنساني خَلَقَها "الإلهام" وحده. وليس الأكاديميا ببحوثها ومطاولاتها البيروقراطية التي لا تُحد. فهي من عمل المثابرين المحدودين، ذوي القدرات المتواضعة. وما هي بعَمَلٍ للأنبياء. والإلهام أندرُ وغالٍ، به تنامت هذه المسيرة وتَحَرَّكت بفوضى. لأنّ الإلهام فوضوي، يطالُ مداه بقفزة واحدة وليس شمشمةً للدرب ككلاب البوليس. فالتدقيق والاستتباع والمحاصصة والملاججة تصبح بذلك من أنشطة العقل الدنيا، المحلحلة والمُفَكِّكة لما هو كائن وموجود لا أكثر. أمَّا حركة الفكرة نفسها واستيلادها، ووجودها الذي لن ينقطع تناميه في مستقبل الإنسان، فهو حدوسٌ بحتة ورؤى ونبوءات. فما الذي يجعل رجلاً مثل نيوتن يصحو باكراً وبدلاً عن شراب قهوته يقول بدون مناسبة "لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه"؟ يُلقيها إلقاءً كما يفعل أبو تمّام بكلماته. وليس كما يعافر الباحث أو الأكاديمي بأدواتهما. فهما يترصدان ويدققان ويلاححان ليتم لهما إما الاستنباط أو الاستقراء بأحسن الجوائز. أمّا الخلق فشرارة في الدماغ. تطير بصاحبها وبالبشرية جمعاء إلى الأمام كما حدث مع جابر بن حيّان ونيوتن ولويز باسكال وإنشتاين. وهي أُعطية. مِمَّن؟ وكيف؟ لا علم لنا إن لم نؤمن بالبارا أكوان، ومن "الله" إن كنّا مؤمنين ونعتبر الميتافيزيكس.
فلنعتبر الإلهام إذن، ولنحبّه. ولنحبّ أفكارنا لتحبّنا. فهي حين تحبّنا تدانينا، وبذا كيفما نشتهيها؛ تسبقنا لتكون لنا أشْيَكَ من أُمنياتنا.
ولا تهتم بهم، أبداً لا تهتم، أنت كثيرٌ بحريتك، ومتنوعٌ بوحدتك. تدّفئ قدميك الخائضتين في وحل الثلج، أو تُرطّبهما في رمضاء الرمل.. لا مبالاتُك الشخصية، ثقتك في إلهامك. بالتمام والصلابة يتعهّدك اعتدادك النبي. فالاعتداد بالنفس قميص الأنبياء الزائف، ما يخلعونه لمناظريهم الأكملين حين يلتقونهم. وما يرتدونه كي ينجزوا رؤاهم وحسب. فما أوعر الدرب وما آذى الجهلاء الذين يملؤونه. وهل هناك غرورٌ أكثر من شُرب سُقراط للسُمِّ بنفسه؟ كلا، وما رأيتُ في الوجود مغروراً كسقراط قط. ولكن ماذا عن نَقَلَة الأحرزة اللفظية، الحَفَظَة، التابعين، البررة لريح فساء القطيع.
فالإلهام وإن كان أُعطية، إلا أنَّ طريقه الحق يقع في باب الاختيار ولا يقع للناس في اليانصيب. إذن فالمتأخّر كلّه ستصيح أعماقه: أين يكون غدي، إني أعرف هذه اللحظة وقوانينها! وأين بالغد يكون "مقامي"، وكيف هو قانون الغد؟ ليُجاب: لا مقام لك غداً، إن لم تكن من أهل المقام. وقانون المستقبل متروكٌ لما يُفصح عنه فلا تخف. وما مَثَلُ ما يُطلقون عليه الغرور، إلا كمثل أن تسير القافلة في الصحراء، فيسأل أحدهم الركب: بلغ منا العطش الهَلَكة، أتدرون موضعاً لبئرٍ هنا؟ فيجيب رجلٌ: "أنا لا أعرف شيئاً من هذه الطريق". ويُجيب آخر: "أنا أعرف مكان البئر، اتبعوني". فما الغرور هنا؟ وما التواضع؟ إنها المعرفة والجهل، أن تعرف فتكون الساري، وأن تجهل فتتّبع في سُكات. أو لم يقل سليمان النبي: "يا أيها الناس عُلِّمنا منطق الطير، وأُوتينا من كل شيء"؟
فما الغرور إلا كلمة في وجه المعرفة والحوار المُخْتَبِر للأشياء. والغرور كلمة "دينية" فقط، وراجت بنصوص الدين لا بغيرها. وما من تعريف "علمي" لها بتاتاً. هي كلمة يستخدمها الجهلاء المعتدون بتسلُّط جهلهم، من يودّون أن يقطعوا درب النبي والساري. أو كما قال العبّادي في مسرحيته على لسان شيخ العرب، الذي يُريد قطع طريق طه المتّجه نحو شندي، كي يأخذ منه حبيبته غصباً، يقول شيخ العرب مهدِّداً لطه: "من هادا الغرور يا ولدي أولى رجوعك". يُريد أن يأخذ ابنة عمه ريّا بالقوة، ومع ذلك يصف خطيبها بالمغرور، كمن يُريد أن يئد فكرتك أو يأخذها. ليأتيه الرد من فتى نبي، ولن يمنح حبيبته وفكرته: "شيخ العرب.. جََرَّبتَ لَحْسَة كوعك؟". والأفكار حبيباتنا المذخورات للوحشة كلّها، ولليتم كلّه، ودَمُنا منذور للخلاء. لأن نلج الفراغ مستبسلين نحو الأمام، صرعى أفكارنا، فالأفكار مميتة على نحو مأزولٍ ومأبود.
وكلّ ما يهم الملهم والمفكّر أن يفتحا مزاليج الرؤية من الداخل. أن يصعدا بالفكرة فوق دَرَج المغفرة، وبالعدالة فوق نياصة الحنان. وباللغة فوق بواكير التعبير والمصطلح، نحو استبطان العقل والحدوس والحوادث. فهما يُريدان اللغة عندما تعلو فوق مستوياتها المفهومة بالاتفاق والمصطلح، نحو مستوياتها المدركة بالمشاركة الجُوَّانية فحسب، من قِبَل المتلقي. أي حين تنتقل اللغة من الدلالة والقواميس إلى تجربة إلهام مشترك بين خيالٍ صانعٍ، وآخر متلقٍ. وهذه باختصار وظيفة الشاعر والشعر الحقَّان. وطريقتهما المُثلى والوحيدة نحو رصد الذات وشريكتها الأخرى. ليصبح الشعر الحقيقي بذلك لا يتلقّاه سوى شاعر، والتصوير الحقيقي لا يتلقاه سوى مصوِّر، وكذلك الموسيقى وحتى منتهى الأشياء. فما أشدُّ القسوة والغرور في التصريح بذلك! ولكن هو التفكير بلا مواربة ودون مغفرة. لأجل الحقيقة الخالية من الدعاية الإنسانية. فالسُّم مادة كيميائية لا تَفْرُق من ناحية تعريفها المعملي والجزييء عن الحلو مر مثلاً، وخصائصهما معاً مخبرية وتكوينية بحتة. وهذا هو التعريف الفكري الصحيح والضابط للأشياء. أمَّا أن يُعَرَّف السم بكونه المادة القاتلة للإنسان، والحلومر مادة منعشة لخياشيم نَفْس الإنسان. فهذا محض دعاية إنسانية منتفعة وقائمة ضد حقيقة المعرفة. والدعاية المنتفعة أيضاً مقجوجٌ شَرَكُها على صعيد اللغة:
فالوردة لها شذى
وأب عفنة له فساء
إنهم يخونون هنا الطبيعة والكيمياء واللغة معاً. فالروائح علمٌ وضربٌ من الكيمياء، ولها وظائف غاية في الدقة والكمال، ولم تُخلق ليرضى عنها الإنسان أو يحتقرها.
هذا الإنسان لا يستطيع أن يكون الشاعر ولا المُفَكِّر، وكل ما بوسعه أن يخونهما معاً. لماذا لا يستقيل وينتسب إلى الدغل إذن إن رغب في التحلل من جحيم الإكسسوار الذي يحول بينه وبين تحقيق ذلك؟
لماذا لا يستقيل عن الأنثروبولجي لصالح تَفَرُّده؟ وعن حِكْرة الصحفاء والسخفاء والوعاظ لرؤياه وما يجب أن يكون عليه دربه وطريقته في الوجود!؟ لماذا لا يتمثّل إلهامه هاهنا والآن؟
فكل تلك الفنون التي بوسعها خدمة الأنثروبولجي من غير باب "الصدفة"، هي فنون فاشلة مهما خدمت الأنثروبولجيا. ومهما فَرِح الأنثروبولجيون بتقاطعاتها المشجِّعة لهم على التعميم. ودغم الروح في أختها دون احتراز. أمَّا الأخلاق بقلب الفنون، من جهة العمل الفني نفسه. فهي لن تزيد على دعامة فنيّة إنْ من باب التكنيك المستخدم، أو في حيّز الإطار العام الذي يصادق عليه الفنّان. بوعي مِلْكِه أو فوق وعي مِلْكِه. وبدخولنا مرة ثانية لنفس حَيِّز الفكرة لاستقطاع قليلٍ من الاعتبار لما هو متفرِّج بالخارج. أي ليس من جهة العمل الفني، بل من جهة "النقد". وهو الشريك "العاقل" و"الموازي" والمقسوم بين الفنّان نفسه، وبين الآخر الواقف معه على "رؤى مشتركة". فبداخل كل فنّان "ناقد" يساعده في ترقية أعماله ونقدها، قبل أن تقع عليها عين الآخر. أي الآلية "الواعية" والمنفصلة عن لحظة الإلهام والحدوس بداخله. كي تسمح باستيلاد هذا "الناقد" الجُوَّاني بمسافة كافية من الانفصال. فلا يقع في عمى يعيقه عن رؤية معايب فنّه، أو عن التطور مستقبلاً. ربما يتوهّم الناس، أنّ أول وعي منفصل بالأعمال تقوم به ذائقة الغرباء. وهذا خطأ. فالفنّان وهو يصنع.. غَيْرُهُ وهو يراجع صناعته بعد انتهائه تواً، أو بعد "زيارته" لعمله بعد عام مثلاً. فـ"المبتدع" بذلك عليه أن لا يساوم سوى نقطته الأبعد، التي تساجل الفراغ لا المجتمع، وتغزو الرائد لا النمطي، المتمثّلة إلهامها لا التعارفات. والعاقلة بذاتها دون شهادات أي قومسيارية ما. والمستدركة على نفسها بآليتها وحدها أو بآلية من يشاركها الرؤى بالضرورة، وفقط.
أنا إلهامي، ولا مساومات معي. وبذا فاعتبروني مستقيلاً عن إقطاعيتكم وتعارفات ضيعتكم البرجوازية هذه، إني منتسبٌ إلى الدغل. عشيرتي الدغل.. ريحه تملأ أنفي وحفيف أشجاره ينوِّم أذني في فراديس مبتدعاته، فراديس أن أكون إلهامي:
الليل جاك ومن دُهَم الحَجَر لا تزاول
يا أب دوماً علي وترك مسيرو جداول
تلت الليل علي الببره ما بتقاول
بوطّيك حيّة الشق والأنيس العاول



imported_أسعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-06-2011, 09:38 PM   #[3]
imported_سارة
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_سارة
 
افتراضي

قول واحد حضور شبه موافق على كلامك الفوق دا



التوقيع: [frame="7 80"]تــجـــاربنا بـالـحيـــاة تــألـــمنـا.... ولــكنــها بــلا شــك تــعلــمنـا
لك الرحمة ياخالد ولنا صبرا جميلا[/frame]
imported_سارة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-06-2011, 09:42 PM   #[4]
imported_أسعد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

أول المفكرين السودانيين ولا أقول آخرهم
إذ لا يمكن فكر بهذا المستوى يكون عاقراً في انجاب مفكرين آخرين

ينصر دين أبو حلتك يا محسن ياخ
أرجع ياخ من بئر التاريخ البلعتك مننا دي
عيالك في انتظارك
اسي عليكم الله محسن دا فرقو شنو من الأبو الترك أولاده للجوع وذهب يبحث في جثث اجداده



imported_أسعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-06-2011, 09:45 PM   #[5]
imported_أسعد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

لماذا لا نخلق ؟ ....(1)

د.زكي نجيب محمود

لست أعرف للحياة معنى إلا أنها قدرة الكائن الحي على الخلق والإبداع ، هذه الشجرة كائن حي لأنها تخلق من التراب غصونا وأوراقا وزهورا وثمارا، وهذا الطائر الكائن حي لأنه يخلق مما يشبه العدم بيضا تخرج منه الأفراخ، والإنسان حي بقدر ما هو مبدع خلاق، والأمة تسري فيها الحياة بمقدار ما هي قادرة على الخلق والإبداع.
قال صاحبي: هذا كلام مكرور معاد. ماذا يجدي أن تقول القول فلا تأتينا في القول بجديد؟
قلت: معذرة يا صاحبي، فلكم لقيت من الناس من يضطرك اضطرارا أن تقسم له أغلظ الأيمان أن الحشائش خضر وأن السماء زرقاء! لكم لقيت من الناس في هذا البلد الأمين من يحزنه أن يقال عن الإنسان إنه خالق مبتكر قوي غلاب، بقدر ما يفرحه أن يقال له عنه إنه ضعيف عاجز مسكين! إن من الناس من أصابهم الله في أنفسهم بالعقم والجمود، ونظرو إلى الدنيا من حولهم بمناظير نفوسهم، فلم يروا فيها إلا ضعفا وعجزا وعقما وجمودا، قل لهم: إن الإنسان مسستطيع ذات يوم أن يغزو الكون بعلمه، وأن يستخرج أسرار الطبيعة من بطونها ليسخرها تسخيرا، يعبسوا لك ويقطبون الجبين، وقل لهم: إن هذا الإنسان مخلوق ضعيف متهافت هزيل ضئيل، يصفقوا لك إعجابا وتعظيما إنهم يرحبون بما يَحُدُّ من قدرة الإنسان، وتتهلل بالبشر أساريرهم إن قيل إن سلطان القدر فوق كل سلطان، إن سادت طبقة من الناس على طبقة فهذا حكم القدر، وإن هبطت أثمان السلع في السوق فهذا حكم القدر، أو أرتفعت الأثمان فهذا حكم القدر، وإن تفشى البؤس والمرض والفقر والجوع فهذا أيضاً حكم القدر، وسأنسى كثيرا جدا مما قرأت، ولكن مهما أنسيت فلن أنسى أبد الدهر مقالا قرأته لأديب فاضل جليل فنزل على نفسي نزول الصواعق، وكان قد زاد من حسرتي أنه مقال جميل! قرأت مقالا ينهي فيه الأديب الجليل الفاضل ابنه أن يحزن لمنظر بائس جائع يجمع الفتات من ثنايا القمامة والروث والطين، قائلا لابنه: يا بني لا يجمل بك أن تحزن فهذا حكم القدر، وإن في حكم القدر لحكمة تخفى عن الأبصار! ثم قرأت للاديب الفاضل نفسه مقالا يعرض فيه على قرائه بعض ما وصل إليه العلماء في الغرب، فأشاع في كلامه تهكما على العلماء ومجهودهم، لأنهم في رأيه يخبطون رؤوسهم في جدر صماء! إننا لا ننقد العلماء لأننا نعرف أين يخطئون وكيف يَصْلُون، لكننا ننقدهم لأنهم يخلقون ونحن لا نحب الخالقين! ننقدهم لأنهم قادرون ونحن لا نحب القادرين، ننقدهم لأنم لم يستسلموا للعجز ونحن إنما نحب العاجزين!
نحن لا نخلق جديدا، ولا نريد أن نخلق جديدا، بل يسيء إلينا أن نسمع عن إنسان أو عن أمة إنها تحاول أن تخلق جديدا، لكن الحياة معناها القدرة على خلق الجديد، والإنسان حي بمقدار ما هو مبدع خلاق، والأمة تسري فيها الحياة بمقدار ما هي قادرة على الخلق والإبداع، ألا يأخذك يا صاحبي الهم والغم والحزن أن تتلفت فلا ترى إلا جدبا ونضوبا وعقما وجمودا؟ إننا لا نكاد نخلق شيئاً واحدا جديداً في العلم أو الأدب أو الفلسفة أو الفن نتقدم به بين يدي الله يوم الحساب، فنقيم الدليل على أن الحياة التي هيئت لنا أسبابها لم تذهب أباديد.
لا نكاد نخلق شيئا واحدا جديداً في العلم، وأعيذك يا صاحبي أن تخدع فتمزج بين العلماء وطلبة العلم، فالفرق بعيد بعد ما بين الأرض والسماء، بين عالم ينتج الرأي الجديد وبين رجل يحفظ ويفهم ما أنتجه العالم من رأي جديد، علماؤنا تلاميذ كبار، والفرق بينهم وبين التلاميذ الصغار هو أن هؤلاء الصغار لا يزالون يحفظون ما درسوه، وأما أولئك الكبار فقد أنستهم مشاغل الزمن ما حفظوه، الفرق بعيد بعد ما بين السماء والأرض بين الرياضي وطالب الرياضة، وقد يكون طالب الرياضة طفلا قصير السراويل، وقد يكون رجلا له لحية وشارب، الفرق بعيد بين فيثاغورس حين أقام البرهان على نظريته في الهندسة وبين التلميذ – صغيراً كان أو كبيرا – يحفظ هذا البرهان، هذا التلميذ وفيثاغورس قد يتساويان في العلم بهذه النظرية وبرهانها، ومع ذلك ففيثاغورس رياضي لأنه خلق البرهان خلقا من العدم. أو ما يشبه العدم، والتلميذ تلميذ لا أ:ثر ولا أقل لأنه لم يزد على أن حفظ وفهم، فإن زعم لك زاعم بعد اليوم أن بيننا العلماء والرياضيين، فاسأل: ماذا خلقوا من جديد في العلم أو الرياضة، ولا تسأل ماذا حفظوا، وإن كان للحُفَّاظ عند الله أجر وثواب!
ونحن لا نكاد نخلق شيئاً جديدا في الأدب، وإني أعيذك مرة أخرى أن يخدعك الترقيم الأسود على الصفحات البيض، أعيذك أن تخدع بما يقوله أدباؤنا عن أنفسهم وما يتقارضونه فيما بينهم من حمد وثناء، وأجعل مقياسك شيئاً واحدا إن أردت الهداية والسداد، وهو الخلق والإبداع، سل أدبائنا: كم "شخصية" خلقها الأدب المصري كله من أول الزمان إلى يومنا هذا، بحيث أضاف بخلقها إلى مخلوقات الله إنسانا جديدا يشيع ذكره بين الناس أضعاف ما يشيع ذكر سائر الناس، ولست أريد أن أزيد من يأسك أيها القاريء الكريم، وإلا لذكرت لك حقيقة مروعة ستهولك وتشيع الحسرة في نفسك، وهي أن من أدباء الغرب من خلق وحده ستين "شخصية" أو سبعين!! أديبنا –مثل العالم عندنا والرياضي- تلميذ كبير، مقالته تختلف عن موضوع الإنشاء يكتبه التلميذ الصغير في الكم لا في الكيف، تختلف في الدرجة لا في النوع ، فالأديب محصوله من الأفكار أعظم من محصول التلميذ الصغير، وثروته من الألفاظ أغزر، فإذا قيل للتلميذ الصغير – مثلا- اكتب موضوعاً في "وجوب العناية بالأطفال" ، ثم قيل للأديب الكبير أكتب مقالا في هذا الموضوع ، جاءنا الأول في موضوعه الإنشائي بفكرة واحدة وجاءنا الثاني في مقالته بعشرة أفكار أو عشرين ، وربما أخطأ التلميذ الصغير في النحو و استعمال الكلمات عشر مرات ، وأخطأ الأديب الكبير مرة واحدة، فالفرق – كما ترى- بين التلميذ والأديب فرق عددي لا فرق في نوع المكتوب، أما أن يكتب أديبنا شيئا من نوع آخر فليس ذلك في مقدوره، لسبب بسيط، وهو إنه عاجز عن الخلق، وليس في استطاعته أن يبدع وأن يبتكر، ستقول:وماذا تريد من الأديب أن يصنع سوى أن يكتب أفكاراً كثيرة في لغة جميلة لكي يجيء ما كتبه مقالة أدبية ممتازة؟ وليس لي جواب عن سؤالك إلا أن أشير عليك بقراءة المقالة الأدبية عند أبطالها "مونتيني" و "أدِسُنْ" و "لام" وغيرهم لتعلم في يقين أن الأدب المصري كله لا يكاد يحتوي على مقالة أدبية واحدة من الطراز الممتاز، ولست أريد أن أزيد من يأسك ، وإلا لذكرت لك حقيقة مروعة ستهولك وتشيع الحسرة في نفسك ، وهي أن الأديب المصري لا يكاد يعرف إلا المقالة وسيلة للتعبير، على حين أن المقالة في الآداب الغربية لا تكاد تكفي وحدها أن تنشيء أديباً.
لقد حدث مرة أني كنت أمثل بلادنا في مؤتمر ثقافي جمع عشرات من ممثلي الدول الأخرى، وأريد منا أ، يكتب كل قائمة تحتوي على عشرة كتب أدبية من إنتاج بلده مما يصح أن يترجم إلى سائر اللغات فيكون أدباً عالمياً، لأنهم رأوا في ذلك وسيلة لتوثيق العرى بين الأمم، فانتبذت في المساء ركناً أفكر وأفكر ثم أفكر ، لعلي مهتد إلى شعرة كتب أقدمها للعالم نموذجا لأدبنا، مما يصح أن يكون أدباً عالمياً، فلم أجد ، وإني أتحدى قارئاً يزعم عني الخطأ والضلال أن يذكرني بما قد نسيت من روائعنا الأدبية التي يجوز لنا أن نتقدم بها إلى العالم فخورين! ولست أريد أن أزيد من يأسك أيها القاريء الكريم، وإلا لذكرت لك حقيقة مروعة ستهولك وتشيع الحسرة في نفسك، وهي أن الرجل من انجلترا أو فرنسا –مثلا- لو سئل هذا السؤال لاغمض عينيه، ووضع يده على كاتب واحد من أدباء بلده، في جيل واحد من الزمان، وانتقى للناس عشرة كتب لهذا الكاتب الواحد في هذا الجيل الواحد!!
إننا لا نكاد نخلق من الأدب شيئاً جديداً، هذا ما أزعمه وما أعتقد أن قارئي سيجادل فيه أشد الجدل، لأنه سيجد حوله كتباً تطبع وخطباً تسمع، وسيجد في الصحف أنهاراً بعد أنهار من النثر والنظم، ما هذا كله إن لم يكن أدباً؟ والحق أني أقدر كل التقدير شيئا كثيرا جدا من هذا كله وإن تمنيت على الله شيئاً فهو أن يكثر لنا من أمثاله ليزيل عن أبصارنا غشاوة وعن بصائرنا حجاباً، لكني مع هذا التقدير كله والإعجاب كله لا زلت أزعم – وفي القلب حسرة- أننا لا نكاد نخلق في الأدب شيئاً جديداً، قد يكتب لك الأديب المصري، فإذا الذي يكتبه رأيٌ في علم الاجتماع يبسطه، أو في علم النفس يشرحه، أو قطعة من التاريخ يرويها، أو مذهب في السياسة يريد له الذيوع والشيوع، قد يكتب لك الأديب المصري عن المتنبي ليقول لك إنه شاعر عظيم، أو يترجم لك عن شكسبير ليقول إنه شاعر أعظم، وهذا كله نافع جداً ومفيداً جداً، ونتمنى على الله أن يزيد لنا منه، لكنه رغم نفعه وفائدته شيء والخلق الأدبي شيء آخر.
كلا ، ولم نخلق شيئاً واحداً جديداً في الفلسفة، وإني أعيذك مرة ثالثة أن تخدع بما يزعمه لك "تلاميذ" الفلسفة عن أنفسهم ، فأقسم لك بالله غير حانث أنني ضحكت وقهقهت حتى استلقيت في مقعدي حين قرأت ذات يوم لأستاذ جليل تعلم الفلسفة ويعلمها ، يقول في مجرى كلامه :"نحن الفلاسفة ..."! وقل مثل هذا في الفن وما شئت من نواحي الفكر.
أعود فأقول إن الإنسان حي بمقدار ما هو مبدع خلاق – والأمة تسري فيها الحياة بمقدار ما هي قادرة على الخلق والإبداع، ثم أعود فأزعم أننا لا نكاد نخلق شيئاً واحداً جديداً في الأدب أو العلم أو الفلسفة أو الفن.
لماذا لا نخلق ولا نبتكر؟ هذا هو السؤال .
والجواب عندي هو أننا لا نخلق ولا نبتكر لأن لنا أخلاق العبيد، والخلق لا يكون إلا بعد سيادة وعزة وطموح، وسأشرح لك هذا الرأي في المقال التالي.



imported_أسعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-06-2011, 09:46 PM   #[6]
imported_أسعد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي


لماذا لا نخلق ؟ ....(2)

د.زكي نجيب محمود
زعمت لك في المقال السابق أننا لا نكاد نخلق شيئا واحدا جديدا في العلم أو الأدب أو الفلسفة أو الفن، وأعذتها نظرات منك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم، حين أعذتك بالله من خديعة الشيطان التي قد توهمك بشبه بين العالم وطالب العلم، بين الأديب وشارح الأفكار، بين الفيلسوف وقاريء الفلسفة، أو بين الفنان ومن يتحدث في الفن وينقده، وزعمت لك أ، الفرق بعيد بعد ما بين السماء والأرض بين الرجل يخلق ما يقوله خلقا من العدم أو ما يشبه العدم، وبينه يفهم ما خلقه سواه ويعيه ، بل يطبقه ويستخدمه أحسن استخدام وتطبيق، فربما رأيت طلابنا في المدارس يتعلمون الطبيعة والكيمياء، والرياضة والأدب، ورأيت الناس في شوارعنا وبيوتنا يستخدمون السيارة والمسرة ولابرق والمذياع، ربما رأيت ذلك كله فصحت لنفسك في إعجاب: أما والله إن منا لعلماء ومعلمين ومتعلمين، أين الفرق – إذاً- بيننا وبين بلاد الغرب التي سارت بذكرها الركبان؟ فأنا أعلم سرعة الوقوع في مثل هذا الخطأ، مثل ذلك أني كنت أتحدث إلى طبيب مصري قديم نابه على شاطي البحر من مدينة "برايتن" في انجلترا.
قال الطبيب الصديق: جئت إلى هذه البلاد (انجلتررا) يحدوني الأمل أني لا شك واجد عند أساطين الطب ما يستثير مني العجب والإعجاب، فإذا بالأساطين لا يكادون يسمعونني في الطب جديدا، أفنحن بعد ذلك مصدقون لما يذيعه المعجبون بهذه البلاد وأصحابها؟
فقلت له : لا تخلط يا صديقي بين الإبداع والتقليد، وحذار أن تمزج بين الابتكار والتكرار، فهؤلاء الناس هم الذين خلقوا لك الطب خلقاً بعد بحث ودراسة وتمحيص، ثم دونوا علمهم في كتاب ثم أرسلوا لك الكتاب وأنت في القاهرة المعزَّية ناعم البال ، فنشطت كما ينشط "الشطار" وحفظت الكتاب عن ظهر قلب من الغلاف إلى الغلاف، فإذا ما جئت اليوم ها هنا وسمعت صاحب الكتاب ومبدع مافيه يتحدث إليك بما يرن في أذنيك رنين المعهود المألوف، فلا يخدعنك ذلك عن الحقيقة الساطعة، وهي أن من بَحَثَ ودَرَسَ ومحص ثم دون نتائج بحثه ودرسه وتمحيصه هو الطبيب العالم، أما أنت فتلميذ "شاطر" حفظ ووعى وطب ما حفظ وما وعى.
فلو فرضنا أن جماعة من الجن تآمرت على ثمار المدينة كلها فمحتها محو بين عشة وضحاها، واستيقظ الناس ذات يوم ليروا أن بلادهم قد خلت من سيارتها وطياراتها وعلومها وآدابها وتصاويرها وتماثيلها، بل لو فرضنا أن جماعة الجن المتآمرة قد أحكمت تدبير المؤامرة فعمدت إلى محو كل أثر لهذه الأشياء من أذهان عارفيها، لو فرضنا ذلك لتوقعنا لانجلترا أو فرنسا –مثلا- أن تنتج السيارة والطيارة من جديد، وأن تخلق علومها وتنشيء آدابها من جديد، وأن ترسم تصاويرها وتنحت تماثيلها من جديد، لأن هذه الأشياء كلها كانت من خلقها وإبداعها، وليس أيسر على الخالق من أن يعيد خلقه سيرته الأولى، أما نحن الذين لم نخلق من هذا كله شيئا، فسيكتب علينا بعد مؤامرة الجن أن ننتظر في خلاء حتى يفرغ أولئك الخالقون من خلقهم وإنتاجهم، فننقل بعض ما خلقوا وما أنتجوا، ثم سرعان ما يأخذنا الغرور فنصيح لأنفسنا هاتفين: الآن قد استوى الماء والخشبة! لقد زال ما بيننا وبين الغرب من فروق!!! لكن الفرق بعيد بعد ما بين السماء والأرض، بين الابتكار والتكرار ، هم في الغرب يخلقون ، وقصارى جهدنا أن ننقل عنهم بعض ما خلقوا، فلماذا لا نخلق ولا نبتكر؟ هذا هو السؤال الذي ألقيته في ختام المقال السابق ورددت عليه في إيجاز بما أراه جوابا صوابا، وهو أننا لا نخلق ولا نبتكر لأن لنا أخلاق العبيد، والخلق إنما يحتاج إلى سيادة وعزة وطموح ، وقد وعدتك أن أفصل القول في هذا الرأي بعض التفصيل.
والرأي عندي هو أننا عبيد في فلسفتنا الأخلاقية، وعبيد في فلسفتنا الاجتماعية، وعبيد في بطانتنا الثقافية.
فنحن عبيد في فلسفتنا الأخلاقية لأن مقياس الفضيلة والرذيلة عندنا هو طاعة سلطة خارجة عن أنفسنا أو عصيانها، فأنت فاضل إن أطعت، فاسق إن عصيت، فلست أنت الذي يشرع لنفسه ما يأخذ وما يدع وما يعمل وما لا يعمل، ويستحيل أن تكون إنسانا حرا إلا إذا كان لك من نفسك مشروع يهديك سواء السبيل، بغض النظر عما تمليه السلطة الخارجة عن نفسك، وبغض النظر عن كل ما يترتب على عملك من ثواب أو عقاب، إذا انت أحسنت إلى الفقير لأنك مأمور أن تحسن إلى الفقير، فأنت في إحسانك عبد يأتمر بأمر سيده، وقد يكون هذا السيد رأس القيلة أو رئيس الحكومة أو قانون الدولة أو أباك أو كائناً ما كان، لكن جوهر الأمبر واحد في جميع الحالات، أما إذا أحسنت إلى الفقير صادرا في ذلك عما تمليه عليك نفسك من واجب يحتمه العقل الخالص ومنطقه، كنت في ذلك سيدا حرا يستهدي نفسه سواء السبيل.
قد يعمل زيد من الناس عملا فاضلا حين ينفذ بعمله هذا أمرا صدر له من سلطة خارجة عن نفسه، وَعَدَتْه ثوابا إن عمله، وتوعدته عقابا إن تركه، وقد يعمل عمروا نفس العمل الفاضل الذي عمله زيد، لا لأنه مأمور بفعله بل لأن منطق عقله يهديه من تلقاء نفسه إلى فعله، أقول قد يتشابه زيد وعمروا كل التشابه فيما يعملان في موقف معين، لكنهما يختلفان في الدافع إلى العمل، فيكون الدافع عند زيد هو تنفيذ الأمر الذي صدر إليه، بينما يكون الدافع عند عمروا وهو الاهتداء بهدى نفسه، فيكون زيد في عمله عبداً، ويكون عمرو في عمله حرا، على الرغم من تشابه ما يعملان.
وأن زعيم لك أننا نحمل في صدورنا أنفس العبيد ، لأن فلسفتنا الأخلاقية كلها قائمة على تنفيذ ما نؤمر به.
ونحن كذلك عبيد في فلسفتنا الاجتماعية، سواء في ذلك الأسرة بصفة خاصة والمجتمع كله بصفة عامة ، فالأسرة عندنا قائمة –من الوجهة النظرية على الأقل- على الاستبداد من صاحب الأمر والطاعة العمياء ممن يعتمدون في حياتهم عليه، فالزوج صاحب الكلمة النافذة على زوجته، وللوالدين كليهما سلطة التحكم في الأبناء، وكثيرا ما قلت ذلك لأصدقائي فأجابوني بإشارات التهكم من وجوههم وأيديهم: تعال فأنظر، تر الزوجة مستبدة طاغية، وتر الأبناء ذوي إرادة نافذة ودلال، لكن تهكم الأصدقاء لا يقنع، لأنني لا أزال أنظر إلى الناس من حولي فألاحظ أن الأسرة المثالية التي يفخر بها سيدها ويتمدح بها الناس ، هي التي يكون للزوج فيها على زوجته كلما لا ترد، ويكون للوالدين فيها حق الأمر الذي يجب على الأبناء أن يصدعوا به، ولا أزال أنظر إلى الناس من حولي فألاحظ أنه بمقدار ما يكون للزوجة من مساواة بزوجها، وللأبناء حق مناقشة الوالدين فيما يرغبون وما لا يرغبون، تكون الأسرة بعيدة عن الكمال في أعين الناس.
مثل هذه الأسرة شبيه بالدولة الاستبدادية على نطاق ضيق، فيها حاكم بأمره طاغية، وشعب يطيع ولا يناقش، فيها راع ورعيته بالمعنى الحرفي لهاتين الكلمتين، أعني أن فيها راعياً وقطيعاً من الخراف، لو كان سيد الأسرة ممن يحبون الصمت في الدار وجب على العيال أن يصمتوا في حضرته، وفي ذلك تضحية واضحة لمصلحة العيال في سبيل مزاج العائل، ولو كانت الأسرة دولة حرة، لفكر الكبير في سبيل مصلحة الصغير بمقدار ما يتوقع من الصغير أن يفكر له في صالحه، الكبير من طبيعته الصمت والصغير من طبيعته الزياط، فبأي حق يكم أصحاب الجيل الحاضر أبناء الجيل المقبل؟ لكنها فلسفة اجتماعية ورثناها في نظام الأسرة وتمسكنا بها، وهي تنطوي – كما قدمت- على بث أخلاق العبيد في نفوس الناشئين.
ونحن عبيد في فلسفتنا الاجتماعية أيضاً بالنسبة للمجتمع كله على وجه العموم، فالمجتمع عندنا قائم على أساس أن الناس درجات، وليس من اليسير على عقولنا أن نفهم ولا أن تسمع أن الناس قد تختلف أعمالهم مع تساويهم في القيمة الإنسانية، فمن يحتل درجة أعلى له الحق – من الوجهة النظرية على الأقل- أن يستبد بمن هو في درجة أدنى، والعكس صحيح، أي أن من يحتل في المجتمع درجة أدنى عليه واجب أن يذل لمن هو أعلى منه، وإنه ليكفيك أن تلقي نظرة خاطفة على تتابع الدرجات بين موظفي الحكومة، وشدة اهتمام الموظفين بها اهتماما يكاد لا يبقى لهم من الوقت لحظة واحدة يأكلون فيها هنيئا ويشربون مريئاً – ولا أقول لحظة واحدة يعملون فيها ما يؤجرون على عمله – يكفيك هذا لترى أساس المجتمع واضعاً منعكساً في نظام الحكومة، والنظر إلى الناس على أنهم درجات منطو على عبودية الطغيان، عبودية لمن يقع فوقك، وطغيان بمن هو دونك في سلم البشر.
ونحن كذلك عبيد في بطانتنا الثقافية، نكره المتشكك ونمقته، ونحب المؤمن المصدق ونقدره، يسودنا ميل شديد إلى الإيمان بصدق ما قاله الأولون، كأنما هؤلاء الأولون ملائكة مقربون، وكأننا أنجاس مناكيد، ولو حللت هذا الموقف تحليلا صحيحا، ألفيته موقف العبد نحو سيده، فأنت تقرأ الكتاب – والكتاب القديم بوجه خاص- فلا ينشط فيك عقل الناقد الذي ينظر إلى الكاتب نظرة الند للند يناقشه الحساب فيما يقول، بل تقف مما تقرؤه موقف المستمع الذي حرم الله عليه أن يتشكك في صدق ما يقال، ومن هذا القيل ميل الناس بصفة عامة إلى تصديق المطبوع، وميل التلاميذ إلى الإيمان بصدق ما يقوله المعلم، هذه وأمثالها عبودية فكرية، ويستحيل أن تكون إنساناً حراً بغير شيء من الفكر المستقل الناقد الحر.
فلئن زعمت لك أننا لا نكاد نخلق شيئاً جديداً في العلم أو الأدب أو الفلسفة أو الفن، ثم زعمت لك أن علة ذلك العجز هو ما نحمله في صدورنا من أنفس العبيد، لأن الْخَلْق لا يكون بغير عزة وطموح، فإنما أردت شيئا كهذا الذي سُقتُه إليك مثلا يوضح ما أريد.



imported_أسعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-06-2011, 09:48 PM   #[7]
imported_أسعد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

أخلاق العبيد

د.زكي نجيب محمود

سأقول وأعيد، ثم أقول وأعيد ، إننا نتخلق بأخلاق العبيد مهما بدا علينا من علائم الحرية وسمات السيادة، سأقول ذلك وأعيده ألف ألف مرة، لعله يطنُّ في الآذان فيرن صداه في الرؤوس، فتقر آثاره في النفوس، ولو كان جزائي من ذلك كله أن أحول رجلاً واحداً، استغفر الله، بل لو كان جزائي من ذلك كله أن أحول نفسي من العبودية إلى الحرية، ومن الذل إلى العزة والسيادة، لعددت ذلك جزاء وافياً شافياً، ولاستقبلت منيتي بعدئذ مطمئناً راضياً.
لقد زعمت لك* أيها القاريء الكريم أننا عيال على العالم المنتج، لا نكاد نخلق شيئاً واحداً جديداً في الأدب أو العلم أو الفلسفة أو الفن، لا أقول اليوم، ولا أقول أمس ، ولكني أقول إننا لم نكد نخلق جديداً من أول الزمان إلى يومنا هذا ، لقد كنت أتحدث منذ أيام إلى إمام من أئمة الأدب في الشرق العربي ، فقال: إن مصر في كذا ألفاً من السنين لم تنجب أديباً عطيما، فرددت عليه في ابتسامة الخجل: بل إن مصر يا سيدي في كذا ألفاً من السنين لم تنجب عظيما، لا في الأدب، ولا في غيره من شتى نواحي الفكر والحياة.
زعمت لك ذلك وعللته بما "نتحى" به من أخلاق العبيد، لأن الخَلْق عندي لا يكون إلا بعد عزة وسيادة وطموح، فلاحظت لك أننا عبيد في فلسفتنا الأخلاقية، لأننا نصدر فيما نفعل عن طاعة لأمر سلطان خارج نفوسنا، ولاحظت لك أننا عبيد في فلسفتنا الاجتماعية، لأننا نقيم نظام الأسرة ونظام المجتمع على أساس من سيد ومسود، ثم لاحظت لك أننا عبيد في بطانتنا الثقافية، لأننا ننصاع في يسر يشبه الانزلاق نحو الإيمان والإعجاب بما قاله الأولون.
ولو كنا عبيداً ناقمين ساخطين على ما نحن فيه، جاهدين ساعين نحو إعزاز النفس وتحريرها، لهان الخطب وخف البلاء، لأن أول مدارج الإصلاح نقمة وسخط على الحاضر، ورغبة في التغيير وسعي نحو تحقيقه، لكن الخطب –فيما أرى- فادح، والبلاء جسيم، لأننا نجد من العبودية مرتعاً خصيباً نسرح فيه ونمرح، مغتبطين أشد الغبطة، راضين أكمل الرضى، وقد عبرت عن ذلك في مقال "الكبش الجريح" إذ عجبت لهذا "الخروف" – وقد وثب عليه الذئب فمزق منه وانتهش- عجبت له كيف استمرأ ضرب المخالب، واستلذ وقع الأنياب، دماؤه تسيل وعلى شفتيه ابتسامة، ويلغ الذئب فيه ويلعق وفي عينيه نظرة استسلام ورضى!
لكن لما زعمت أننا عبيد، عجب فريق مما زعمت، وأخذ كل يتلفت حوله لعله يرى في جاره مصداق ما أقول.... واعجبا! كيف نكون عبيداً وليس في أرجلنا أصفاد ولا في أيدينا أغلال؟ بل كيف نكون عبيداً وقد حفظنا في المدارس أن أمهاتنا قد ولدتنا أحراراً، ولا يجوز لأحد أن يستعبد أحدا؟ ... كلا! أنت أنت العبد لا تتلفت، والأغلال والأصفاد في طوية فؤادك ودخلية نفسك، ولو كانت في يديك أو قدميك، لكان الخطب أيسر، لأن تحطيمها عندئذ يهون، أنت أنت العبد لا تتلفت، فلست تستطيب لنفسك عيشاً بغير سيد إن لم تجده في الأرض ألتمسته في السماء.
لقد رأيت بعيني رأسي – إذ كنت في لندن- وزيراً في الوزارة الانجليزية الحاضرة – مستر نويل بيكر - كان يمثل حكومته في جمعية الأمم المتحدة ، رأيته بعيني رأسي ذات يوم، حين آن أوان الشاي في العصر، ينزل إلى طابق البناء الأسفل ليقف في صف كان بين أفراده صغار الكتبة والخدم! وقف هناك ينتظر دوره ليشتري فنجاناً من الشاي وقطعة من الكعك، وما فكّر هو، ولا فكّر أحد ممن وقفوا أمامه أن تكون له أسبقية بحكم منصبه، فسألت نفسي: هل يمكن أن يحدث ذلك في مصر؟ وأجبت نفسي: أن حدوث ذلك في بلادنا مستحيل لسببين:
الأول – وهو أخف السببين شراً وأقلهما وبالاً، هو أن الوزير المصري لا يرضى لنفسه أن يكون في جمهرة من الناس تضم بين أفرادها عدداً من صغار الكتبة والخدم، لأنه – كغيره من البشر- يريد لنفسه سطوة وسيادة، وهاتان شرطهما "الترفع" و "التعالي" .
الثاني- وهو المأساة الحقيقية التي تمزق النفوس كمدا، لو كان لنا نفوس يمزقها الكمد – الثاني هو أنه حتى لو فرضنا حدوث المستحيل، ففرضنا أن الله قد هيأ لنا الوزير الذي يجد نفسه " رفعة" لا تحتاج إلى "ترفع" و "علواً" لا يعوزه "التعالي" ، فلم يجد مضاضة في الوقوف في صف الكتبة والخدم ساعة العصر، ليأخذ في دوره فنجانه من الشاي، أقول إننا لو فرضنا حدوث هذا المستحيل، لأبَى الناس أنفسهم على الوزير أن يكون مثلهم، وأن يقف معهم على قدم المساواة في شئون حياته الخاصة التي لا يكون فيها وزيرا، لو تنازل الوزير المصري ووقف في الصف مع الكتب والخدم، لأبى عليه ذلك هؤلاء الكتبة والخمدم، وتسابقوا إلى التنحي للوزير الخطير عن مكان الصدارة في الصف، بل لتسابقوا إلى دفع القرش أو القرشين نيابة عنه، بل لتسابقوا إلى حمل فنجانه إلى حيث يطيب للوزير الجلوس.
ولو حدث ذلك وقلت لأحد ممن وقفوا في الصف: هذه منك عبودية وذلة، لدهش من قولك وأخذه العجب ونظر إلى يديه وإلى رجليه، حتى إذا لم يجد بها أغلالا وأصفادا، صاح في وجهك محتجاً غاضباً: واعجبا! كيف أكون عبداً وليس في قدمي أصفاد ولا في يدي أغلال؟ وأعود فأستعير شيئاً مما قلته في مقالة " الكبش الجريح" : "قل في ذلك ما شئت يا "خروف" ، قل إنها وداعة الحملان ، أو قل إنه التواضع ، وإن للتواضع عند الله رفعة الشأن، أو قل إنه كرم النفس، وليس الكرم بغريب على بني القطعان، قل في ذلك ما شئت يا خروف، لكنه عندي علامة لا تخطيء على مافي نفسك من ذل العبيد ، الذي يستمريء ضرب المخالب، ويستلذ وقع الأنياب".
وأحب أن أذكر لك على سبيل الموازنة بالوزير الإنجليزي الذي وقف في صف الكتب والخدم، مصرياً كبيراً – إذا قيس الكبر بدرجات الوظائف، كما تقاس حرارة الماء بالترمومتر- أعرفه حق المعرفة، ويعرفني حق المعرفة كذلك، لقيته بعد غيبتي أعواما، وشاءت الظروف أن نلتقي في ديوان حكومي، فأرادات له أوضاع المجتمع أن يسلم عليّ تسليم الذي لا يعرفني كثيراً أو قليلاً، وأنا لا أتهمه هو، لأني موقن أنه طيب النفس كريم العنصر، إنما أتهم المجتمع بأسره الذي هو عضو فيه، لأن هذا المجتمع – فيما يظهر- هو الذي وسوس له ألا يسلم على الناس أما الناس في شيء من الترحيب، خشية أن يظن الناس أنه أمسى وبات مساوياً للناس!! وعندئذ ابتسمت لنفسي ، أعني أنني ابتسمت ابتسامة أحسها دون أن يراها الناس – وأنا كثير الابتسام لنفس هذه الأيام- ابتسمت لنفسي لما أدركت أن المصري الكبير قد فوّت الغرض على نفسه وهو لا يدري، وإليك البيان:
أراد المصري الكبير أن يكون كبيراً – مع إنه كبير – فاتخذ لغايته سبيلا يعرفها علم النفس ودارسوه، ألا وهي اصطناع القوة ليمتاز من سائر الناس، ولا شك أن من دواعي القوة أن يسلم عليك النسا فلا تأبه للناس! وهذا في ذاته من المصري الكبير جميل جد جميل، لأن هذا هو ما أراده الله لعباده، وليس في وسع مصري كبير أو صغير أن يعصي ما أراده الله لعباده، لكن الذي غاب عن المصري الكبير فلم يدركه، هو أن القوة المنشودة لها سبيلان: إحداهما حقيقة تؤدي إلى القوة بمعناها الصحيح، وأما الأخرى فسبيل زائفة تخدعه وتخدع أمثاله ممن لا يتعمقون الأمور إلى لبابها، وسيلا القوة هما المقدرة والسيطرة، المقدرة هي السبيل التي لا زيف فيها ولا خداع، والسيطرة لذاتها هي السبيل المضللة الخادعة ، وهي مضللة خادعة، لأنها تؤدي بسالكها إلى عكس ما أراد لنفسه، إذ تؤدي به إلى الضعف والعجز، وإنما أراد لنفسه قوة وسلطانا.
والعجيب في هاتين السبيلين، سبيلي القدرة والسيطرة أنهما نقيضان لا يجتمعان، فإن كنت قويا بسبب قدرتك فيستحيل أن تلجأ إلى بسط سيطرتك على الآخرين، وإن كنت راغباً في بسط سيطرتك، فيستحيل أن تكون قادرا ماهرا، وقد يبدو هذا الكلام عجيبا، لكنه فيما أعتقد كلام صواب، فهل تتصور – مثلا- عالماً متبحراً في علمه متملكا نواصيه، يعمل في معمله بغية الوصول إلى نتائج في العلم جديدة، هل تتصور مثل هذا العالم راغبا في بسط نفوذه على الناس؟ لا أظن ذلك، لأنه ليس بحاجة إلى مثل ذلك، فهو يتجه بأمله ومجهوده نحو الطبيعة يريد أن يملك زمامها، لا نحو عباد الله يبتغي إذلال رقابهم، هو لا يريد بغياً ولا طغيانا، لأنه قادر ماهر، مكتف بنفسه، والعكس صحيح، أي أن الإنسان إذا ما شعر بخواء نفسه وعجزها وهي وحدها، التمس القوة عن طريق الآخرين، فبطش وتعسف.
الطاغية في صميم طبيعته عبد يذل للقوة حيث يراها، كما إنه يبطش بالضعف إينما رآه، الضعف عند الإنسان القوي القادر يستثير العطف والإشاف، أما الضعف عند الذي الصاغه الله طاغية بطبعه، فيغري بالاعتداء، وكلما إزدادت الفرية ضعفاً، أزداد الطاغية بطشاً وعسفاً وطغياناً، والعبودية والطغيان وجهان لشيء واحد.
والرأي عندي هو أننا عبيد لأننا طغاة، وطغاة لأننا عبيد. وأما الإنسان الحر القادر المكتفي بنفسه في عزة وكبرياء، فلا هو يطغى بالضعيف، ولا هو يعنو بوجهه ذلا لطاغية.



-- -------------------
* أنظر مقالة لماذا لا نخلق؟ (1)



imported_أسعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-06-2011, 09:55 PM   #[8]
مي هاشم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية مي هاشم
 
افتراضي

غايتو إجابة السؤال : (إييييييييييييييييييييييييييييييييييييييق)




أما بالنسبة للباقي .. داير قراية ممهولة..
موضوع سمح..



التوقيع: [align=center]

الحب والجمال منشآ الكون[/align]
مي هاشم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-06-2011, 07:01 AM   #[9]
imported_طارق صديق كانديك
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_طارق صديق كانديك
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مي هاشم مشاهدة المشاركة
غايتو إجابة السؤال : (إييييييييييييييييييييييييييييييييييييييك)




أما بالنسبة للباقي .. داير قراية ممهولة..
موضوع سمح..

like



التوقيع: الشمس زهرتنا التي انسكبت على جسد الجنوب
وأنت زهرتنا التي انسكبت على أرواحنا
فادفع شراعك صوبنا
كي لا تضيع .. !
وافرد جناحك في قوافلنا
اذا اشتد الصقيع
واحذر بكاء الراكعين الساجدين لديك
إن الله في فرح الجموع



الفيتوري .. !!
imported_طارق صديق كانديك غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-06-2011, 07:24 AM   #[10]
imported_أسعد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سارة مشاهدة المشاركة
قول واحد حضور شبه موافق على كلامك الفوق دا
يا منقا ياخ سيبك من الشبه ووافقي من طرف سااااااي
علي الدين يا سارة لو تضمني لي حفظ السودان بعيداً عن العولمة لمدة تلاتين سنة لي قدام
انا ح اضمن ليك أنو الوضع ح يظل على ما هو عليه طوال التلاتين سنة القادمة
حياتنا اللي نحن عايشنها اسي دي فرقها شنو من حياة التلاتينات والاربعينات في الرزح تحت الاحتلال الثنائي
اللهم إلا باستبدال الحقيبة وجمالها بالاغاني الهابطة وجبجبتها
والتاريخ السوداني اصبح يكرر نفسه فقط في إطارين ديموقراطية ذات فترة وجيزة وحكم عسكري ديكتاتوري ذو فترة طويلة (نو مور نو ليس)
ودا زي ما أسلفنا أنو راجع لنظامنا الاجتماعي واللي اشار ليهو محسن باستعارة (الحذية العسكرية)
أقول ليك حاجة سيبك من الاستشهاد بالسياسة خلينا نستشهد بالابداع الفردي والذي ايضاً تطرق إليه محسن ود.زكي في نصوصهم الواردة اعلاه، ح تلقي اننا السودانيين عاطلين ابداعياً نظرا (للحذية العسكرية) على حد وصف محسن و تخلقنا بأخلاق العبيد على قول د.زكي نجيب محمود
قد يقول قائل إذا كان هذا المجتمع اذا يجب ان يكون حال المثقف انعكاس لوضع المجتمع
حينها حق لنا أن نقول أن المثقف هو من تقع على عاتقه إعادة صناعة وصياغة المجتمع ، ولنا في المثقفين الغربيين خير دليل ، ولكن يا حيف وطني اننا ابتلينا بمثقفين عاطلين ابداعياً في إعادة صياغة نظام اجتماعي صحيح ، وحال مثقفينا شبيه بحال لاعبي كرة القدم في الستينات والسبعينات إذ يشوتون الكورة إلى أعلى ويركضون وراءه وعظمتهم تتم بناء على قدرتهم في الشوت إلى أعلى ،لكن أن يقدموا كرة قدم حلوة ممتعة تجذب الجماهير إليهم وتشد انتباهم وتتنزع الاعجاب من صدورهم فذلك شيء أبعد من حلمنا (بالديموقراطية والحرية) مثقفين أي كلام يا منقا
مثقفيننا ونظرتهم اتجاه وطنهم ومجتمعهم اشبه بنظر الناس وتجمعهم حول من اصابه مرض الملاريا فيتصايحون بعالي الصوت (أدووو كينيين ، شوفوا ليهو راجمات ، ادوهو كلوركين) ولكن واحد فيهم يحاول في صنع عصير برتقال أو أي مادة غذائيه تعينه على مقاومة هذا المرض ومن ثم يحاولون اجتثاث الباعوض من حوله من أجل الحفاظ على صحته وسلامته .
مثقفين شاطرين سياسياً وفاشلين اجتماعياً
ياخ حقو نعمل عطاء استيراد مثقفين ياخ
مثقفينا ديل ح يمعطونا (مكانك سر) لحدي ما تجي تحررنا العولمة وساعتها بنكون مسخ لا حفظنا هويتنا السودانية ولا بقينا خواجات أو ح نكون زي الغراب الحاول يمشي مشية الحمامة

تجي نطلع مظاهرة ونهتف (الشعب يريد اسقاط المثقف) ؟!



imported_أسعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-06-2011, 08:09 AM   #[11]
imported_أسعد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

بت هاشم يا فنانة
منتظر رجعتك (الكضب) بعد القراءة

بس على العموم شكراً على مرورك الذي جعل مرور مولانا ممكناً




يا مولانا شكراً علي الضحكة الصباحية في الايييق والاييييك
غايتو عصرت علي الولية عصرة شديدة



imported_أسعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-06-2011, 08:12 AM   #[12]
imported_أسعد
:: كــاتب نشــط::
 
Thumbs up

رسالة الكاتب
د.زكي نجيب محمود

أقلقتني فكرة لمحتها متضمنة فيما نشرته الصحف منذ قريب عن "الثقافة" ودورها وحدود الواجبات التي ينبغي للدولة والأفراد المثقفين أن يضطلعوا بها في المجال "الثقافي" ، وليست هذه الفكرة التي أقلقتني حديثة العهد بيننا، انها لم تولد أمس ولا أول أمس ، بل ظهرت بكل قوتها منذ بضع سنين، خلاصتها هي أن الحياة الثقافية –حيثما كانت- لابد لها من الالتزام بمجموعة من المباديء العليا التي لا يجوز مناقشتها في حد ذاتها ، وكل الذي يجوز لصناع الثقافة ان ينتجوه ، إنما هو الحركة تحت هذا السقف وفي ظله ، وأما السقف نفسه – أعني تلك المباديء العليا- فلا يجوز اختراقه، ولو أمعنت النظر في هذا التصور، وجدته يعني آخر الأمر أن مبدعي الثقافة هم أناس يحسنون العرض لما ليس من صنعهم، كأنما شأنهم هو شأن عارضي الأزياء، ليست الأزياء نفسها من غزلهم ونسجهم، بل هي ليست أزياءهم من حقهم أن يأخذوها معهم إلى ديارهم بعد فراغهم من عرضها، وإنما المهمة الوحيدة الموكولة لهم هي عرضها على الناس أحسن ما يكون العرض لعل هؤلاء الناس يقبلون على شرائها، وعلى ضوء هذا التصور، يكون الكاتب – مثلا- هو الرجل الموهوب في صياغة الكلمات، فهو يجيد سبكها ويحسن عرضها ، وأما الأفكار نفسها التي يتولى سبكها وعرضها ، فلا يلزم بالضرور أن تكون أفكاره هو معبرة عن وجهة نظره هو ، بل أن "خاماتها" لتهبط عليه ليتولى هو صنعها، كما نعطي القطن الخام والصوف الخام لمصانع الغزل والنسيج لتتولى غزلها ونسجها تمهيداً لبيعها قماشاً جاهزاً في الأسواق.
أقول أن هذه الفكرة أقلقتني ، لا لأنني أتصور كاتباً أو فناناً يمكنه المضي في عمله بغير "سقف" يظله، أي بغير مباديء أوليه يفترض قيامها لتكون هي الهادية له فيما يكتب وما يبدع، فمثل هذا التصور مستحيل على العقل، حتى في البناءات العلمية الخالصة في ميادين الرياضة والعلوم الطبيعية ذاتها، إذ هو مستحيل على الباحث العلمي، كائناً ما كان ميدانه، أن يخطو خطوة واحدة دون أن يكون أمامه نقطة يبدأ منها السير، يسمونها هناك "فروضاً" أو "حقائق مسلماً بها" ، ومن تلك "الفروض" أو "المسلمات| يبدأ الباحث العلمي خطواته على الطريق، ولو زعمنا أن الباحث العلمي يبدأ غير مقيد بما يبدأ به، لكنا كمن يزعم للطائر القدرة على الطيران بلا جناحين.
لم تكن الفكرة التي أقلقتني – إذن- هي القول بأن صناع الثقافة لا بد لهم من مبادئ عليا يلتزمون بها في صناعتهم، تأسيساً على أن كل خطة قومية للثقافة – في مفهوم العصر الذي نعيش فيه- يتحتم عليها أن تدور في إطار النظرية السياسية والاجتماعية السائدة في الأمة المعينة ، لا ، لم تكن فكرة البدء الحتمي من اطار نظري معين هي الفكرة التي أقلقتني، لأن ذلك – كما قلت- هو الطريق الوحيد لكل فكر ، بما في ذلك التفكير العلمي المنهجي نفسه ، بل أن ذلك هو الطريق الوحيد أمام الناس، منذ عرفت هذه الدنيا حياة للجماعات، أسس مشتركة لا بد للأفراد من احترامها، وهي ما يسمونه بالنظام العام، فإذا ما تواضع الناس على "عرف" معين، تحتم على الأفراد مراعاته في سلوكهم العلني، مهما يكن من أمر ما يضمرونه في أنفسهم من رفض لذلك العرف.
ومرة أخرى أقول: انها إذن لم تكن هي الفكرة التي أقلقتني، أن يقال بوجوب التزام الحياة الثقافية لاطار نظري معين، هو الذي ارتضاه الناس أساساً لحياتهم بعضهم مع بعض، لكن الذي أقلقني حقاً هو أن يحدث خلط في الافهام، فلا نفرق بين مستويين من الابداع الثقافي: أحدهما يجعل مهمته التفنن في عرض الاطار النظري المعترف به، والثاني يجعل هدفه تعديل ذلك الاطار ذاته، على أن يكون مفهوماً – بالطبع- أن الهادفين نحو التعديل لا بد لهم من احترام النظام القائم إلى أن يتم تعديله أو تغييره عن طريق الإقناع والاقتناع.
ولست أعرف في ذلك أبلغ مما ورد على لسان سقراط في محاورة "أقريطون" حين جاء إليه وهو في سجنه ينتظر تنفيذ الحكم باعدامه، تلميذه اقريطون يعرض عليه الهرب من السجن بخطة رسمها وأحكم تدبيرها مع آخرين من أتباع سقراط، وهنا اجابه سقراط بخطاب طويل هو من أمسى ما خاطب به أستاذ تلاميذه، في وجوب أن يطيع المواطن قوانين أمته ونظمها، حتى ولو كان من رأيه أن تتغير تلك القوانين والنظم، لأن الطاعة تظل واجبة إلى أن يتم التغير المطلوب بالطريق المشروع، ولقد ساق سقراط خطابه هذا سياقاً جميلاً، إذ تصور أنه إذا ما هرب مع أقريطون، فقد يواجه القانون ويسائله – مع تجسيده للقانون وكأنه شخص متعين يتكلم ويناقش- فيقول القانون المشخص لسقراط شيئاً كهذا، أتظن يا سقراط أن دولة يمكن أن تقوم لها قائمة إذا عصى المواطنون أحكامها؟ إذا كنت قد رأيت وجوب إعدامك، أفيكون من حقك أن تجازيني أعداماً باعدام؟ أتلوذ بالهرب، فلا أنت أطعتني كما قطعت على نفسك عهداً بأن تفعل، ولا أنت أقنعتني بوجوب أن أتغير؟
فالفكرة التي أقلقتني مما لمحته متضمناً في المنشور عن "الثقافة" وتخطيط الدولة لها، هي – كما أسلفت- أن يختلط الأمر في الأذهان فلا نفرق بين كاتب وكاتب أو بين فنان وفنان: فهنالك يقتصر جهد الإبداع فيه على الدوران حول الاطار الاجتماعي والسياسي المفروض، وهو أمر مطلوب وله أهميته القصوى في مجال التعليم والتثقيف، لكننا لا بد أن نفسح المجال كذلك أمام الكاتب أو الفنان الذي يجاوز نشاطه الابداعي هذه الحدود ، ويرى ضرورة التعديل أو التبديل فيما هو قائم، دون أن يكون هذا التعديل أو التبديل حقاً متروكاً للسلطة وحدها، تجربة إذا شاءت ، وتمنع عنه إذا لم تشاء .
ولقد أنتهى الحوار بيني وبين نفسي إلى طرحه سؤالاً من الأساس: ما هو الكاتب؟ لكني ما كدت أطرحه حتى تبين لي أن الأمر أعقد من أن يجاب عليه بجواب بسيط ومختصر ، فأول ما يرد إلى الذهن في هذا الصدد ، هو أن العصور المختلفة لم تتفق على مفهوم واحد للكاتب، فقد خلقت لنا حضارة المصريين الأقدمين صورة للكاتب – في تمثال "الكاتب" المعروف- رجلاً جلس متربعاً على الأرض، ناشراً صحيفة على ركبتيه ، وممسكاً قلمه بيده، ومنصتاً بأذنيه انتظاراً لما يمليه عليه سيده.
ولم يكن "الكاتب" في الثقافة العربية القديمة صاحب رأي، بل كان عاملاً في دواوين الحكم، يكتب الرسائل للرؤساء ، وحتى إذا اشتهر بعضهم بجودة الصياغة الأدبية، فذلك لا ينفي عنهم صفتهم الرئيسية، وهي العمل في الدواوين، بما كان يتميز به ذلك العمل عادة من سطحية يندر لها أن تنشيء عقولاً تأخذ بنصيب في الحركة الفكرية.
قلت لنفسي: انه إذا كان معنى "الكاتب" يتغير بتغير العصور على هذا النحو، أفلا يكون من حقنا أن نسأل عن المعنى الذي يقره عصرنا نحن؟ فمن هو الكاتب في عصرنا؟ وهنا ازدادت المشكلة أمامي تعقيداً، لأنني وجدت المعنى ما يزال يتغير بتغير القائل: فبعض البلاد ذات المذهبيات السياسية المحددة، تشترط مضموناً معيناً في كتابة الكاتب ليكون كاتباً، على حين أن بلاداً أخرى لا يعينها مثل هذا الالزام، وذلك اختلاف متوقع ومعروف، لكن الذي لم اتوقعه ولم أكن أعرفه، هو أني وجدت نوعاً آخر من اختلاف الرأي عما يجعل الكاتب كاتباً، حتى في داخل البلد الواحد من البلاد التي لا تلزم أحداً بمضمون فكري معين، وهو اختلاف رايته بين اتحادات الكاتب من جهة، والكتاب المبدعين أنفسهم من جهة أخرى.
أما اتحادات الكاتب (أو ما يشبهها) فعندما وقعت في حيرة التعريف والتحديد، التمست لنفسها الأمان، فقالت أن الكاتب هو كل من يخط بالقلم!! أو بعبارة أخرى استعملها القائمون على تلك الاتحادات، إن الكاتب هو صانع كأي صانع آخر، وكل ما يميزه عن سواه هو أنه "صانع كلمات" أنه "عامل" وغاية ما في الأمر من فوارق تفصله عن سائر "العمال" أن مادته الخامة التي يشكلها ليست خشباً ولا نحاساً، بل هي كلمات تعلم كيف يصوغها.
قال ذلك بعض اتحادات الكتاب (في ألمانيا الغربية مثلاً، وفي الولايات المتحدة الأمريكية أحياناً) حين وجدوا أن أي شرط يضعونه لتمييز "الكاتب" قد يجد من يعارضه ممن لا يتحقق فيهم هذا الشرط، فإذا أنت ابعدت كل ما يمكن أن يختلف علهي أصحاب الكتابة، وجدت الجانب المشترك الوحيد بينهم جميعاً هو "القلم" فما دمت حامل قلم فأنت كاتب في تعريف تلك الاتحادات، مما يجعلني – حين قرأت هذا- اسال نفسي : ترى أيكون هذا جزءاً من المعنى الذي أرادته الآية القرانية الكريمة حين جاء القسم "القلم" متبوعاً بما يسطره حاملوه؟
لكن الكاتب المبدع الأصيل إذ يتحدث عن نفسه ، لا يتصور أبداً أن أمر صناعته يقف به عند صياغة الكلمات بغض النظر عن مضمونها، بل هو يصر على أنه كاتب أصيل لأنه صاحب فكرة، أي أن أصالته وإبداعه ناشئتان من أنه صاحب رسالة، وهو كاتب لأنه لا يطيق حبس فكرته في رأسه، ولا يكفيه أن يكتب ما يكتبه ليضعه في أدراج مكتبه، إنها رسالة، والرسالة لا بد أن تنشر في الناس، ولهم بعد ذلك أن يقبلوها أو يرفضوها، وذلك معناه أن الكاتب لا يكون كاتباً إلا إذا قرأه قارئون، حتى ولو جاء هؤلاء القارئون في عصور تالية.
لو كانت مهمة الكاتب الأصيل مجرد الدوران في نسق فكري لم يكن من خلقه، لما استحق أن يوصف بالأصالة، فلكي نضمن طريق الابداع لكاتبنا، يجب أن نجعل الأمر واضحاً بأنه من حق صاحب الفكرة أن يعلنها، حتى ولو جاءت على شيء من التعارض مع الاطار الفكري القائم ، على أن الكاتب- إلى جانب الرسالة الفكرية التي يوجهها إلى قرائه- هو كذلك بالطبع "صانع" ، ومادة صناعته هي اللغة، انه فنان تشكيلي بالاضافة على كونه كذلك فناناً تعبيرياً، لانه –إلى جانب دعوته الفكرية- يعني بتشكيل اللفظ كما يعني المصور بتشكيل اللون، وكما يعني سائر العاملين بتشكيل الخشب والمعدن والزجاج وغيرها، وهو كأي صانع ماهر، يتمنى لصناعته أن تدوم دوام الدهر، فدوام البقاء هو من أخص خصاسص الجمال الفني، ان جمال الاهرامات هو في دوامها وصمودها، وهكذا قل في كل صنع جميل.
لكن هذا كله لا يصرفنا عن لب الموضوع إذا ما كان الصانع "كاتباً" فها هنا يقوم شرط جوهري، وهو أن تنصب صناعته على فكرته هو، على رسالته هو، لا علي أفكار الآخرين ورسالتهم، والكاتب الحق هو من يتحدث عن أمته- أو ربما عن الانسانية كلها- في الوقت نفسه الذي يتحدث فيه عن فكرته، وان الكاتب الحق ليستمد قيمته، لا من مقدار كسبه المالي أكثير هو أم قليل، ولا من اتساع جمهوره، أهو شامل للعدد الأكبر أم منحصر في العدد الأصغر، وإنما يستمد قيمته من جوهر فكرته التي يعرضها، ومدى اتصالها بنبض العصر الذي يعيش فيه، أو المستقبل الذي يريد أن يمهد العقول لإقامة بنائه.



imported_أسعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-06-2011, 10:38 AM   #[13]
imported_أسعد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

حديث عن الثقافة والاعلام
د.زكي نجيب محمود

إني لا أحمل أحدا على أن يأخذ بحرف مما أقول، لكنني أقوله لأنني أراه، وأول الرؤية عندي فيما أنا بصدد الحديث فيه الآن، هو أن بين الاعلام والثقافة من الفرق النوعي البعيد ما يعرضنا للخطر إذا نحن جمعناهما في ساحة مشتركة، ووضعناهما تحت عنوان واحد، مما قد يوحي بأنهما شقيقان ينتسبان إلى والد واحد، مع أن العلاقة بينهما هي –على أحسن الفروض- لا تزيد عن العلاقة بين أبناء الخالات، لكل ابن منهم والده المستقل، ولذلك فكل منهم ينتمى إلى اسرة ليست هي أسرة ابن خالته، ولكي أوجز الفرق بين الاعلام والثقافة في بداية حديثي، أقول أن الاعلام يصور لنا الحياة كما يراد لها أن تعاش، واما الثقافة فتصور الحياة كما هي معاشة بالفعل، ولكنها تصورها بعد عجنها وخبزها في أفران الأدب والفن وما يلحق بالأدب والفن من ضروب الصياغة.

والناس – عادة لا يختلفون على معنى "الاعلام"، لان معناه واضح من منطوق اسمه فهو توصيل معلومات إلى الآخرين، رغبة في أن تتكون لديهم وجهة نظر نريد لها أن تتكون، والبراعة هنا مقصورة على طريقة التوصيل: ماذا تكون وأين ومتى وكيف تكون، والبراعة هنا مقصورة علي طريقة التوصيل: ماذا تكون وأين ومتى وكيف تكون؟ لكن خلاف الدنيا والآخرة ينشأ حين نتعرض لمعنى "الثقافة" ، ولست أريد هنا أن أناقش هذا المعنى مناقشة مجردة، لأنني لو فعلت ذلك خسرت قضيتي منذ اللحظة الأولى، وذلك لأن كل من دب على وجه الأرض من أفراد البشر يزعم عندئذ ان له الحق في المشاركة بالرأي، فلا تدري ساعتها كيف تفرق لهم بين الخطأ والصواب، لكنني سأعرض قضيتي بطريقة الأمثلة الجزئية المحسوسة ، التي لا تدع مجالاً فسيحاً للأخذ والرد بغير طائل.

انه مهما اختلفت وجهات النظر في فهم "الثقافة" وما تعنيه،فهناك أرض مشتركة لا ينازع فيها أحد أحداً، ومن هذه الأرض المشتركة أبدأ الحديث : فليس ثمة من يعارض بأن بين الثقافة كاتب القصة وكاتب المسرحية، فلنحصر حديثنا فيهما، ما داما موضع اتفاق بين الجميع: وإذن فسؤالنا بعد هذا التحديد يصبح هكذا : ماذا نريد من كاتب القصة أو كاتب المسرحية؟ أنريد أن يعرض على القراء وقائع وقعت وأحداثاً حدثت كما تفعل الصحف؟ أنريد لأيهما أن يشرح للأمهات كيف يضبطن النسل وكيف يطعمن الأطفال كما يفعل أصحاب التوعية الصحية؟ أنريد لأيهما أن يشرح للمزارعين متى يحسن للبذور أن تبذر وللأرض أن تروى؟ أنطلب من أيهما أن يكتب مقالاً في السياسة الخارجية أو في شئون الاقتصاد؟ ان أحداً لا يجرؤ على القول بأن تلك وأمثالها هي مهمة الأديب، فهذه كلها وسيلتها "الاعلام".

وننتقل خطوة قصيرة إلى الأمام فنسأل: إذا كان من طبيعة رجل الأعلام أن يتلقى من رؤسائه المادة التي يراد منه التدبر في طريقة نشرها، فهل هي كذلك طبيعة الأديب أن يتلقى من الرؤساء قيماً وأفكاراً ليتدبر طريقة صياغتها في قصة أو في مسرحية؟ ولعل هذا الموضع من سياق حديثنا أن يكون مناسباً لتوضيح نقطة في موضوع الثقافة، وأعني بها التفرقة بين صناع الثقافة ومستهلكيها (إذا جازت هذه الكلمة في هذا المعنى) فكاتب القصة وراسم اللوحة وواضع اللحن والموسيقى هم صناع ثقافة، وأما قاريء القصة والناظر إلى اللوحة والمستمع إلى اللحن الموسيقي معزوفاً، فهؤلاء مستهلكون للثقافة، أي أنهم منتفعون بما صنعه الأولون، وحديثنا هنا مقصود به الصناع المبدعون.

ونعيد سؤالنا مرة أخرى وبعبارة أخرى: هل نريد لصناع الثقافة هؤلاء أن تهبط عليهم خامات المضمون الفكري ليتولوا صنعها ، كما نعطي القطن لمصانع الغزل والنسيج لتتولى غزلها ونسجها تمهيداً لبيعها قماشاً جاهزاً في الأسواق؟ أو أن الأصح هو أن تكون الخامة الفكرية نفسها وليدة ملاحظة الأديب لما يدور حوله، ووقع هذا الذي يلاحظه في نفسه؟ إنه إذا قيل: لا بد من توجيه عام حتى في ميادين الخلق الأدبي والفني سألنا بدورنا: من ذا يا ترى "وجه" توفيق الحكيم نحو مضمون "عودة الروح" و "أهل الكهف"؟ ومن الذي "وجه" نجيب محفوظ "ميرامار" و "ثرثرة على النيل"؟ من ذا الذي زوّد محمود حسن اسماعيل بمادة شعره، والذي طلب من صلاح عبدالصبور أن يكتب عن الحلاج؟!

ولكنه سؤال مشروع أن نسأل: من الذي يمد رجال الاعلام بالخطوط الرئيسية التي يجب التزامها في عملهم، أما في مجال الثقافة وصانعيها فليس السؤال وارداً، وهنا نخطو بالقاريء خطوة قصيرة وأخيرة، فنقول أنه إذا كان الأدب والفن محتوماً عليهما بحكم طبيعتهما نفسها أن ينطويا على قيم، كالقيم الخلقية مثلاً، فهل يحق لوزير الثقافة أن يضع سياسة خاصة بالقيم الخلقية التي ينبغي لصناع الثقافة أن يلتزموها في ابداعهم الأدبي والفني؟ وحتى لو زعمنا أن الوزير والكاتب والفنان جميعاً على اتفاق تام في ذلك، بحكم اشتقاقنا لتلك القيم من تراثنا وأسلوب حياتنا، فهل يحق للوزير أن يضع خطة لطرائق التنفيذ، لكي يبين لهم أي تلك الطرائق يليق وأيها لا يليق؟

أنني لا أقول جديدا إذا قلت أن الكاتب –بالمعني الأدبي الخالص لهذه الكلمة- ليس من شأنه أن يقدم أحكاماً عامة على سلوكهم، انه لا يقول لهم: عليكم بهذا الفعل المعين لأنه محمود، واياكم وذلك الفعل لأنه قبيح، لا ، ليس هذا من شأنه ، وانما الذي من شأنه هو أن يحلل المجتمع واخلاقياته تحليلاً أقرب إلى تحليل الكيموي لقطع من المادة في مخابريه، انه يقطتع شريحة من المجتمع ليعرضها على الناس في سلوكها الحقيقي على أرض الواقع، فإذا كانت عينة مريضة فليس من شأنه أن يقدم "روشتة" العلاج، ولكن مهمته الأولى والأخيرة تشريح وتشخيص لما هو كائن بالفعل، فالأحداث في عرض الأديب لها وسبكه أياها، هي التي تنبيء عن نفسها، دون أن ترد في السياق نفسه عبارة ارشادية واحدة، وحسبنا نحن القراء أو المشاهدين أن نخرج بانطباع الساخط الثائر، إذا كان المعروض أمامنا حقيقاً منا بالسخط والثورة.
لا، ليس في وسعنا نحدد للأديب الخلاق طريقة تحليله وعرضه لما تناوله هو بالعرض والتحليل، ومن يدري؟ لعله أن يحقق فضيلة العفة التي نريدها عن طريق العري السافر للأجساد، إذا كان هذا العري مدعاة للتقزز والنفور، وكثيراً ما يحدث ، انه لم يكن فجوراً من رجال الفن حين نحتوا ما نحتوه، أو رسموا ما رسموه من أجساد عارية، ولم يكن فجوراً من أديب مثل د.هـ.لورنس حين كتب ما كتبه من أدب مكشوف ليدعو به الناس إلى حياة طبيعية أرادها لهم من خلقهم بشرا فيهم طبيعة البشر، كلا ولا هو من قبيل الفجور ما يعرض على مسارح أوروبا من صور الانحلال والعبث ، لأن حياة هذا العصر التي تهتكت إذا لم تعرض على هذا النحو فكيف تعرض؟ أنضع المرآة أمام القرد لنرى على صفحتها غادة حسناء؟
انه اذا كان مرادنا رسالة في الأخلاق أو في السياسة، فلماذا نلف وندور في قصة أو مسرحية أو غيرهما من ألوان الفنون؟ لماذا لا نطلب من الباحثين أن يكتبوا لنا تلك الرسائل، معتمدين فيها على مراجع معينة نحددها لهم؟ لقد أراد برناردشو بمسرحياته أن تكون وسيلة للاصلاح الاجتماعي على نموذج الاشتراكية التي كان يؤمن بها، لكنه كان أديباً يعرف أصول الفن الأدبي، فحرص حرص الفنان الموهوب على ألا ترد في سياق المسرحيات نفسها عبارة واحدة تتناول الموضوع المقصود تناولاً مباشراً، لكنه في الوقت نفسه كان حريصاً على توضيح مذهبه، فعمد إلى كتابة مقدماته الطويلة المعروفة، ليقدم بها مسرحياته، شارحاً فيها رسالته الفكرية شرحاً صريحاً بلا حرج.
لقد كان برنارد شو ينظر إلى الأدب والفن نظرة شبيهة بنظرة أفلاطون إليهما من وجه لكنها مختلفة عنها من وجه آخر، فكلاهما يجعل النفع الاجتماعي هو الأصل، وأما الجمال في الأدب والفن فهو وسيلة تؤدي إلى ذلك النفع المقصود لكن الرجلين يختلفان بعد ذلك في أن أفلاطون قد استغنى في "جمهوريته" عن رجال الأدب والفن اتقاء لنزعاتهم الهدامة، اعتقاداً منه بأن النفع الاجتماعي المطلوب يمكن تحقيقه بوسائل أخرى غير وسيلة الأدب والفن، وأما برنارد شو فقد رأى غير ذلك، إذ رأى ضرورة أن يظل الأديب والفنان-وهو نفسه واحد منهما- داخل البناء الاجتماعي ليصلحاه، وكيف يصلحانه؟ يصلحانه بفضح حقيقته كما هي.
أنني أذكر يوماً من أيام شبابي الباكر، حين اصطحبنا أستاذ الرسم إلى أحد المعارض الفنية، وكنت واحداً من جماعة قليلة العدد أظهرت ميلاً نحو الفن، فأراد استاذنا أن يكافئنا بهذه الزيارة إلى متحف الفن المذكور، وهناك وقفنا أمام لوحة لامرأة لطخت وجهها بالأصباغ في غير ذوق، ولونت شعرها بالأصفر الفاقع، الذي يتنافر تنافراً واضحاً مع سواد الكحل في عينها، وعلق الأستاذ على اللوحة قائلاً "ربما كان هذا هو الجمال عند الفنان" فاعترضته بقول" لا أظن ذلك، بل لعله أراد للمشاهد أن يتقزز فينفر من البغايا، لأن هذه هي طريقتهن في التجمل".

ويذكر لنا فيلسوف الفن "كولنجوود" في ترجمة حياته الذاتية، كيف أنه كان وهو طالب يمر خلال احدى الحدائق في لندن، ذهاباً إلى معهده وإياباً إلى منزله، فيرى هناك تمثالاً منصوباً على قائمة متوسطة الارتفاع لرجل غاية في دمامة الوجه وقبح التكوين، ولم يكن كولنجوود الشاب يمر يوماً بذلك التمثال إلا ويحار في أمره: لماذا نحت المثال هذا التمثال في مثل تلك الدمامة كلها؟ وأخيراً طافت برأسه فكرة هي: من ادراك ماذا اراد الفنان بتمثاله ذاك؟ ألا يجوز أن يكون قد قصد به إلى تصوير القبح الناشيء عن اضطراب النسب الصحيحة للاشياء؟ ومن هنا وضع كولنجوود احدى قواعده في عملية النقد الفني، وهي ألا نحكم على العمل إلا على ضوء الغاية التي ارادها صانعه، فيكون ذلك العمل قريباً من الجودة أو بعيداً عنها بمقدار ما استطاع أن يحقق لمبدعه ما أراد أن يقوله للناس.
المصلح الاجتماعي والفنان رجلان مختلفان في الوسائل حتى وان اتحدا في الغايات، فبينما المصلح الاجتماعي يهمه ان تتخذ الوسائل الفعالة المباشرة لمحو الجانب اللاأخلاقي من حياة المجتمع، لتصبح لاصورة المرئية عن الانسان ملائكية في نقائها، ترى الفنان ينتهج سبيلاً آخر، فهو يعطينا المناظير المكبرة لنرى الطبيعة البشرية بكل مقوماتها، فنرى فيها لاطيب إلى جانب الخبيث، ونعلم أن ذلك هو الإنسان ، ولنا بعد ذلك أنننظر في دخائل نفوسنا لنتعهد الطيب بالنماء، ولنتعقب الخبيث بالكبت أو بالتسامي.
ونعود بعد هذا كله إلى التفرقة الجادة بين الثقافة والاعلام، لنقول أن ما يجوز هنا لا يجوز هناك، فصاحب الاعلام هو كبائع سلعة يريد لها الرواج – وسلعته هي أفكار واعتقادات ووجهات نظر بعينها- وعليه أن يدعو على ترويجها بالاعلان، فالاعلام اعلان بكل ما يقتضيه فن الاعلان من وسائل يعرفها المختصون وأما صناع الثقافة فليس هذا شأنهم أنهم أقرب على الرحالة في أرض مجهولة عليه أن يثبت في مذكراته كل المعالم التي تصادفه في الطريق ، فإذا مر بمستنقع نتن ذكره ووصفه بكل ما وسعه من دقة وأمانة.
من حق وزير الاعلام أن يوجه الاعلام، على أن يكون مفهوماً أن ما اصطلحنا على تسميته بوسائل الاعلام، انما هي أيضاً وسائل للثقافة، فوحدانية الوسيلة لا تمنع تعدد الغايات، فاذا كان من حق وزير الاعلام أن يوجه الجانب الاعلامي من تلك الوسائل، فليس من حقه أن يوجه الجانب الثقافي منها بنفس المعنى، إذ تكون مهمته عندئذ تهيئة الفرصة أمام صناع الثقافة ليعرضوا أمام الناس حقيقة حياتهم من ظاهر ومن باطن فيكون هذا العرض الأمين هو أول طريق إلى الاصلاح.



imported_أسعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-06-2011, 11:46 AM   #[14]
imported_مبر محمود
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
كم تبلغ المسافة بين واقعنا وأحلامنا؟
والإجابة عندي هي تقريباً تبلغ حوالي ثلاثة (مثقف مبدع) على وزن متر مربع
فنحن ولله الحمد لا ينقصنا شيء إلى شوية وعي (على قول دريد لحام في مسرحية كأسك يا وطن "الله وكيلك يا أبي ما ناقصنا شيء غير شوية كرامة")
المهم ما علينا خلينا نرجع إلى الثلاثة مثقفين مبدعين المطلوب تواجدهم لدمج الواقع بالحلم

وجدي الأسعد الأسعد
سلام يا وجدي ..
ربما يكون عدم إحتفائي بالمكتبة المصرية هو السبب المباشر في "إنهجامي" حين قدمت وصفتك السحرية لدمج الواقع بالحلم مرتكزة على ثلاث مثقفين مصريين!
فانا يا صديقي للأمانة بالرغم من حبي الكبير لمصر إلا أنه يلزمك الأن بذل جهد كبير لإقناعي بقراءة كتاب مصري ..
تجوالي داخل هذه المكتبة قد ساهم في صناعة هذا الإنطباع السالب عنها. ولم لا؟ فأنا أراها فقيرة خَلقياً، إستهلاكية، ترصد المعرفة وتسوّقها ولكن لا تصنعها أبداً.
وهذه المسألة لكَ أن ترصدها بنفسك فقط لو تتبعت مشروع صديقك د.زكي التنويري، فالدكتور زكي نجيب محفوظ، مميّز وخلاق فيما يتعلق بتبوي المعرفة فقط، ولكنه فيما يتعلق بصناعة المعرفة وخلقها فالمسافة بينه وبين أخرين شاسعة.

المهم هذه مسألة يمكن لنا مناقشتها في خيط منفصل إن قُدر لنا ذلك، ويمكن لنا عبرها أن نناقش بنية العقل الفكري المصري كله، أسوةً بصديقنا الأخر "الجابري" الذي كتب عن بنية العقل الفكري العربي .. ولكني أردت من مشاركتي هذه أن اسأل: بما إنك إنتخبت ثلاثة مثقفين مبدعين "مصريين" لدمج حلمنا السوداني بالواقع، فهذا يعني منطقياً وإستنتاجياً إن "الحلم" المصري الأن "واقعاً" يمشي بين الناس هناك .. فهل هذا صحيح؟

وسأتيك.



imported_مبر محمود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-06-2011, 12:55 PM   #[15]
imported_wageeda
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_wageeda
 
افتراضي

كم تبلغ المسافة بين واقعنا وأحلامنا؟
هل الاحلام هي الاحلام ؟؟
وجدي الاسعد تحيه طيبة

الاخ مبر حياتي
اتفق معك تماما

وقنبوا عافيه



التوقيع:
هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ،
معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)



(نسأل الله لك فراديس الخلود)
imported_wageeda غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 08:16 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.