(نادي القتال).. من لبنان إلى اليمامة ..
[aldl]http://s.alriyadh.com/2006/12/05/img/041119.jpg[/aldl]
رجا ساير المطيري
تمر كل (فكرة) بأطوار الحياة التي يمر بها الكائن الحي فهي تولد من رحم الواقع فتنمو وتتطور حتى تصير مذهباً أو تياراً فكرياً متكاملاً له قادته وموجهوه وأتباعه الذين يتقيدون بحدوده ويلتزمون بتصوراته عن الكون والحياة. والتيارات الفكرية مهما اختلفت تشترك في طريقة النمو والنضج والاضمحلال وتشترك كذلك في ضرورة وجود (قادة) موجّهون يمتلكون كاريزما خاصة تجعلهم مركز جذبٍ واستقطابٍ للدهماء من عامة الناس. وهؤلاء القادة يتحولون بمرور الوقت من مجرد (دعاة) نظريين إلى (زعماء) سياسيين حقيقيين تتحكم فيهم الأهواء وتسيطر عليهم رغبة الكسب الشخصي التي تناقض صميم الأفكار التي يدعون لها. فتجدهم في كثير من المواقف يحرّضون (الأتباع) ويجيشونهم ضد كل المخالفين ليس رغبة في إحقاق الحق وتطبيق العدالة إنما نصرة لذواتهم فقط..
وهي لعبة برع في تصويرها الكاتب الفرنسي (جان - بول سارتر) في مسرحية (الأيدي القذرة) ليؤكد (وهم) القيادة وأكذوبة المبادئ التي يروج لها قادة التيارات والأحزاب مهما تنوعت واختلفت، فمجرد وجود حزب فهذا يعني وجود (تجار) يسوّقون لفكرته بغرض التأثير في الأتباع والتحكم بهم - من ثم - لتحقيق المكاسب الخاصة، والأتباع هم دائماً أبطال المشهد وهم من يقع عليهم وطء التنفيذ وهم الضحايا في نهاية الأمر. وقد تكشفت هذه الحقائق لبطل المسرحية بعد لعبة جدلية دخلها مع قادة الحزب توصل في نهايتها إلى أن إخلاصه في تطبيق مبادئ الحزب سيقوده إلى التصادم معهم لسبب بسيط هو أنهم لا يلتزمون حقاً بهذه المبادئ، الأمر الذي جعله يتشكك في فكرة الحزب ويشعر بأنه ضحية وبأنه مجرد (حجر) شطرنج يُنقل من نقطة إلى أخرى بحسب المكسب المتوخى من هذه النقلة في اللعبة الكبرى.. اللعبة القذرة..
ورغم أن بطل المسرحية قد توصل إلى الحقيقة بنفسه فاكتشف قذارة لعبة الأحزاب إلا أن الكثير من الأتباع لا يزالون على غفلتهم يسيرون بتبعية عمياء خلف قادتهم دون أن يعقلوا حقيقة دورهم في هذه اللعبة الكبيرة. ولنا أن ننظر إلى الحالة اللبنانية كي ندرك حجم غفلة هؤلاء وانقيادهم السهل لرغبات الزعيم. فالشعب اللبناني قد انقسم إلى فئات متناحرة تهبط إلى الشارع وتتظاهر لأيام بأمر من القادة دون أن تدرك هدفها الحقيقي من هذا الفعل وذاك.. فما هو الهدف من إسقاط الحكومة مثلاً؟ ولمصلحة من؟ إن أسئلة من هذا النوع لا ترد ذهن (التابع) لأنه تشرب التبعية والتسليم وليس له أن يناقش ويتساءل كما فعل بطل مسرحية (اللعبة القذرة). إن الأتباع هم غالباً من عامة الشعب الذين يجهلون تعقيد الساحة الفكرية والحزبية والسياسية لذلك يتركون عناء التفكير للزعماء ويتفرغون هم للتنفيذ.. إنهم مؤمنون وكفى.. فهذه شخصية (التابع) دائماً.. وقد برزت ملامحها في أحداث كلية اليمامة حين قام (الأتباع) بتكسير محتويات المسرح وضرب الممثلين في تصرف أحمق لو سألتهم عن الغاية منه لما تمكنت من الحصول على إجابة مقنعة لأنهم في الحقيقة لا يعلمون شيئاً سوى أن هذه رغبة القائد فهو يرى ويحرّض ويجيش وهم ينفذون.. هكذا ببساطة..
في الفيلم الرائع (التاريخ الأمريكي إكس - American History X) هناك تصوير بارع لسيطرة الزعيم على أفراده سيطرة مطلقة. فهذا بطل الفيلم، الممثل (إدوارد نورتن)، يرضخ لزعيم حزبه فيقوم بتنفيذ تعليماته بإخلاص شديد. الفيلم يحكي قصة شاب ينتمي إلى تنظيم عنصري فكرته الرئيسية إخراج السود والأقليات اللاتينية والآسيوية من أمريكا لتعود بيضاء نقية لا يسكنها إلا أفراد العرق الآنجلوساكسوني الأطهار، ونتيجة تشربه لمبادئ التنظيم يقوم بتصفية السود في عمليات قتل عبثية ضجت بالدم والإرهاب، ليدخل السجن. وهناك يدرك الحقيقة! ويتعرض لصدمة فكرية جعلته يفيق من غفوته.. أما فيلم (نادي القتال - Fight Club) للممثل (إدوارد نورتن) أيضاً وبمشاركة (براد بيت) فهو يرسم ذات الصورة لكن بإطار داكن وروح سوداء متشائمة، فهنا الذي يفيق من الغفوة ليس (التابع) بل الزعيم نفسه، والمرعب أن (الأتباع) يكملون مسيرة الإرهاب في تجاهل تام لتراجع قائدهم الذي أسس التنظيم ورسم منطلقاته وحدد غاياته. إنهم خاضعون للفكرة ذاتها ومخلصون لها، وهم ملكيون أكثر من الملك. أكثر من الزعيم..
ماذا لو تراجع (أسامة بن لادن) عن مشروعه الثوري فهل سيقبل ذلك أفراد تنظيم القاعدة؟ إنهم سيتجاوزونه ببساطة. بل قد يجعلونه هدفاً لهم فيقومون بتصفيته، وهذا تحديداً ما يقوله فيلم (نادي القتال) بسيناريو مذهل لا يسرد حدثاً طبيعياً إنما يصور الفكرة ويسير معها متأملاً نموها وتقلبها من طور إلى طور.. فالفكرة، فكرة التنظيم، فكرة الإرهاب. هي بطلة الفيلم بلا منازع وما الممثلون إلا قوالب تجسدت فيها تجليات الفكرة.. الفيلم يبدأ مع موظف في شركة تأمين - يؤدي دوره (إدوارد نورتن) - يشعر بتفاهة حياته فيبدأ بالتفكير في طبيعة هذه الحياة ويجد أن (الفرد) الإنسان - هو - ليس سوى رقم في لعبة استهلاكية ضخمة تديرها الشركات متعددة الجنسيات في عصر العولمة. إنه يرى جيلاً كاملاً من البشر يعملون في وظائف يكرهونها من أجل شراء تفاهات لا يحتاجونها حقيقة من سيارات جديدة إلى تلفزيون كبير إلى أزياء فخمة. لقد تربى أفراد هذا الجيل أمام التلفزيون وآمنوا بأنهم سيصبحون حتماً مليونيرات ونجوم سينما ومطربين كباراً .. لكن شيئاً من ذلك لن يحدث.. لأن هذه خدعة كبيرة انطلت على (الفرد) فلم يعد يدرك أبعاد لعبة العولمة التي تتولى كبرها الشركات والتي حددت دور (الفرد) في هذه الحياة حيث لا يطلب منه سوى أن يستهلك فقط وذلك من أجل المحافظة على أسلوب الحياة العصري..
وتحت ضغط هذه الأفكار يكتشف بطل الفيلم الحقيقة فيقرر الثورة على النظام من خلال ابتداع أسلوب جديد في الحياة يمثله (نادي القتال) ولهذا الأسلوب مميزاته الثورية المغرية التي تزيد من شعبية النادي فيصبح له أتباعه من الموظفين والعمال الناقمين على سدنة النظام من الأثرياء ورجال الأعمال. وهنا يجد الموظف - نورتن - نفسه أمام تنظيم متكامل لا ينقصه سوى إطلاق شرارة الثورة. وبالفعل يمنح تعليماته لأتباعه بأن يدمروا كل الشركات التي ترمز إلى النظام العالمي الجديد. لكن الأمور تتطور إلى غير ما يشتهي فيقرر التوقف ويدخل في مواجهة شرسة مع (أتباعه) الذين آمنوا بالفكرة ورفضوا التراجع عن تنفيذها. وعند هذه النقطة تحديداً يرسم الفيلم حدود الصورة المرعبة ويلخص الأزمة ويشرح حجم غفلة الجماهير حين تستسلم فتمنح عقولها لزعيم أو لفكرة دون أن تتأمل هي بنفسها حقيقة ما تفعل وجدوى ما تفعل.