شرف و كرامة السودانيين قديماً
قرأت اليوم في صحيفة الراكوبة ، نقلاً عن جريدة الرأي العام ، في حوار مع الشاويش عوض الذي أكمل المئة و ثلاثة سنين من عمره ، و لا يزال حاضر الذاكرة و يتمتع بالصحة . ذكر أنه قد قتل ضابطاً بريطانياً كبيراً في الحرب العالمية الثانية . و القصة التي رواها العم عوض هو أنه شاهد خيمة عرس في بنغازي ليبيا . و كان النساء في العرس ينتحبن لأن الظابط قد انتزع العروس و هن يقومون بعمل الحناء . و اخذ البنت إلى خيمته . هذا بعد ان هدد ذويها بالقتل ، اذا لحقوا به .
و يقول العم الشاويش عوض انه قد قال لأهل العروس : (شفتوا ليكم انجليزي قلع ليه مره سودانية ؟) . و كان الرد أن هذا لا يحدث . فذهب العم الشاويش عوض و وجد الظابط البريطاني يحاول اغتصاب العروس . فأرداه قتيلاً بثلاثة طلقات . و لم يحاكم . لأنه افهمهم انه يدافع عن شرف الفتاة العربية المسلمة . و أن تصرف الضابط لا يمت بأي صلة لتصرف الانجليز . الانجليز الذين أتوا الى السودان كانوا يختارونهم من خريجي اكسفورد و كمبريدج . و لا يستخدمون في السودان أي مسئول خدم في الهند أو المستعمرات الأخرى . و كانوا يحذرون الاداريين الاجليز بالمساس بمعتقدات السودان أو التقرب من النساء السودانيات . و كانوا يقولون ان السوداني يمكن ان يقبل المساس بماله أو ان يحرم من أي شئ . و لكن اي مساس بكرامته يجعله يفضل الموت .
و لقد أورد بابكر بدري في مذكراته المجلد الأول أن الانجليز استباحوا مدينة امدرمان لثلاثة ايام . و لكن لم يمدوا يدهم ابداً الى النساء السودانيات . و شمل هذا الحظر الجنود السودانيين الذين انضموا للجيش الغازي ، و المصريين و الاتراك و بقية افراد الجيش . و يذكر بابكر بدري ان اثنين من الظباط الانجليز قد دخلوا منزلهم و لم يأخذا أي شئ ، غير شمعدانين كنوع من الذكرى لأحتلال امدرمان .
في الحرب العالمية الثانية صارت بلدة وادي سيدنا قاعدة جوية . و كان هنالك عدد كبير جداً من الجنود و الظباط الامريكيين . و احدهم كان الظابط مكنامارا . الذي صار من أشهر وزراء الدفاع في امريكا . و ارتبط اسمه بحرب فيتنام . ثم صار رئيساً للبنك الدولي . و أذكر مظاهرات ضخمة ضده سنة 1970 في كوبنهاجن عندما حضر في زيارة . و في تلك الفترة ( في وادي سيدنا ) عمل العم ادريس الهادي في تلك القاعدة في المنشآت الحديدة و عمل الجملونات . و المسلاة الحديدية في تقاطع شارع العرضة مع شارع الاربعين ، هدية منه لبلدية امدرمان . و هو الذي صنع ابواب القنوات في الجزيرة محلياً بثلث ثمنها ، و وفر العملة الصعبة للدولة . و ربطته صداقة قوية مع مكنامارا لدرجة انه قد وجه دعوة للعم ادريس الهادي لزيارة امريكا . و ادريس الهادي من أوائل طلاب رفاعة . و هو ابن السيدة الفاضلة ست بتول عيسى . من اوائل خريجات مدرسة رفاعة و من اوائل القابلات في السودان . و قد عملت فترة سبعة و ستين سنة اغلبها تطوعاً بدون أجر . و كانت مدرسة في مدرسة القابلات . و قد كرمتها الأمم المتحدة . ادريس الهادي صار صاحب مصانع للحام و الهواء السائل .
حتى في بداية الخمسيات كانت شاحنات الجنود البريطانيين و الامريكان تتنقل بين وادي سيدنا و الخرطوم . و كان عندهم ما يعرف بـ ( دي آر) و هي ديسباتش رايدر . و هذا جندي على موتر سيكل قوي يقوم بتوصيل الجوابات و الأوراق . و في أحد الايام اراد احد الجنود على موتر سيكل ان يتحدث مع فتاة سودانية في منطقة الشهداء . و خرج قليلاً عن الشارع العام . و هنالك مقابر الشهداء بالقرب من مستشفى امدرمان . و مقابر شهداء اخرى في جنوب القلعة و طريق وادي سيدنا . و قام شقيق الفتاة بذبح العسكري . كرد فعل طبيعي في ذلك الزمن . و عرف البريطانيون و الامريكان بأن الحكم باعدام او بفترة طويلة على الشاب السوداني سيعني ان السودان سيثور لتلك الأهانة . و حكم على الشاب بثلاثة سنوات سجن . و لم يقضى كل الفترة في السجن . لقد اوردت هذه الحادثة في كتاب حكاوي امدرمان . و لم أورد اسم الاسرة و اشرت لها بحرف (ح ) . و لكن من الممكن الآن ان اتحدث عن الشاب الذي دافع عن شرف السودانين حسب مفهوم ذلك الزمان . و هو من اسرة حدربي المشهورة في امدرمان . و كان اثنين من ابنائهم زملاء دراستنا .
الشخص الآخر الذي اعتبره بطلاً بالنسبة لي هو النويراوي جركويك . و جركويك اخرج رمحه من ظهر المفتش الانجليزي بعد ان اخترق صدره . و السبب أن المفتش الانجليزي قام بأحتجاز شقيقة جر كويك الجميلة ، عندما اتت الى الباخرة طالبة العلاج . فترصده جركويك و انتقم لشرف شقيقته . و ثار النوير و لم يتمكن الانجليز من السيطرة عليهم فأستعانوا بالطائرات التي كانت تستهدف الابقار . و عندما ماتت الابقار ، عبر جركويك البطل نهر السوباط . و سلم نفسه . و شنق في ملكال . و كان الكبار يخبرونا بأن جركويك مشى بثبات نحو المشنقة . و عندما طلبوا منه ان يوضح عن آخر امنياته . قال انه كان يتمنى ان له ابن حتى يكبر و يحارب الانجليز و يخرجهم من البلاد . و جركويك كان يذكرني بالعم بوث ديو بطل مؤتمر جوبا 1947 . و هو الذي دعا على اخراج الانجليز و وحدة السودان و عدم انفصال الجنوب . و هو من مركز فنقاق ، الزراف غرب النوير .
الدول الآخرى التي تعرضت للأستعمار ، خاصة الاستعمار الفرنسي و الايطالي و البرتغالي ... الخ ، تعرضت نساؤهم لمعاملات سيئة جداً . و سمعنا ان في بعض البلدان في شمال افريقيا ، كان تصدر صافرة قوية فيخرج الرجال حتى يختلي الجنود الفرنسيون بزوجاتهم و بناتهم . و هذه الممارسات مارسها الاوربيين ضد بعضهم البعض . فلقد كان الحكام الانجليز في العصور الوسطى ، يلزمون الاسكتلنديين بتقديم زوجاتهم الى الحاكم الانجليزي قبل ليلة الدخلة لكي يستمتع بها الانجليزي في الاول .
الامريكان كانوا ودودين . و كانوا بسطاء في معاملتهم . و كونوا صداقات مع السودانيين . و لم يكونوا باردين و منظبتين كالانجليز . و كانوا يعطون قطع النقود و الحلوى و اللبان ( شكلت ) للأطفال . و كما اخبرني الدكتور محمد محجوب عثمان رحمة الله عليه ، أن احد زملاء طفولته ، اندفع نحو لوري الامريكان بالقرب من فريق السيد المكي . و اصطدم رأسه بحديد اللوري . و بالرغم من انها لم تكن غلطة السائق إلى ان مسئولين امريكان كبار قد اتوا لزيارة اسرة الطفل و قاموا بزيارته في المستشفى . و عرضوا المساعدة . أو التكفل بأي مصروفات بالرغم من أن العلاج كان مجانياً وقتها . و كانوا رؤسائهم يحذرونهم من استفزاز السودانيين بأي شكل كان . كما كان لا يبتعدون ابداً عن الشوارع الرئيسية في امدرمان . و يحصرون نشاطهم و تحركاتهم فقط في ( الخرطوم عموم ) و بعض مناطق الخرطوم 2 .
لقد كنّا اقوياء . و كانت كرامة السوداني تعني كل شئ . و السوداني يموت قبل ان تهان كرامته .
التحية
ع . س . شوقي بدري .