علاقات الرق في المجتمع السوداني - النشاة - السمات - الاضمحلال -
محمد ابراهيم نقد
اقتباس:
علاقات الرق في المجتمع السوداني - النشاة - السمات - الاضمحلال -
محمد ابراهيم نقد
الطبعة الاولي
الناشر: دار الثقافة الجديدة - القاهرة
تاريخ النشر: 1995م
* علاقات الرق واحدة من الممارسات المُشينة التي وقعت في هذا العالم ، ولاتزال مُخَلَّفاتها تُسمم علاقات الكثير من البشر، وقد كان لبلادنا نصيبها غير القليل من هذه المُخَلَّفات ، إذ وُجِدّت علاقات الرق والاسترقاق ، كما سنقرأ في هذا الكتاب ، في كأفة أرجاء السودان ، ليطال العار المُسترَقين ومُلاك الرقيق على حد سواء ، ولاسبيل لنا اليوم ، نحن أحفادهما ، سوى التحديق في نار هذه الحقيقة ومواجهتها حتى نَصْرَع (مُخلفات الماضي في العنجهية وفي مركب النقص ، في المباهاة بالحسب وفي الحقد والانتقام المؤجل ، في النسيان المُخدِر المُريح والذاكرة القلقة الواخزة ، في الاستعلاء وفي الاحتقار المكتوم ، في الوقار المنافق وفي الاستهتار الصّلِف ، في الثقة الزائفة وفي الشك المرتاب) كما يقول محمد إبراهيم نقد (1930م - 2012م) الذي يرى أو يفترض إن علاقات الرق مع علاقات الأرض/ الفكر الصوفي والطرق الصوفية / الكيانات الإثنية والتكوينات الإجتماعية ونسق المعتقدات للقبائل النيلية وعلاقة النسق بمعتقد التوحيد ، يراها هي المؤسسات أو العوامل الأربعة المُهمة التي ساهمت في سودان 1500م - 1900م عصر التَشكُل والتكوين ، وقد جَمَعَ الكتاب مُجمل الوثائق المتوفرة والمتعلقة بعلاقات الرق في المجتمع السوداني، منذ ممالك السودان المسيحية مروراً بسلطنات الفونج ودارفور ثم فترة المهدية وحكم المستعمرين الإنجليز، مع تعليق المؤلف الفاحص على هذه الوثائق، وإذا غابت فترة حكم التركية من الكتاب، بالرغم من أنها الفترة التي تُمثل ذروة نشاط تجارة الرقيق التي كانت في السودان، فذلك لأن أكثر وثائق هذه الفترة مُحتجزة في مصر ويُمنع الإطلاع عليها، رغم أنها وثائق تتعلق بوقائع وقعت في السودان، كما يقول المؤلف الذي يتساءل ساخراً عن أسباب هذا المنع: أهو أمني؟ أم هو سياسي؟ أم للصيانة والجرد السنوي! وقد اشتمل الكتاب على أكثر من مائة وثيقة، جاءت عقب تعليق/بحث المؤلف، لتحتل أكثر من نصف الكتاب .
|
اقتباس:
الطبعة الثانية 2003م
طبعة دار عزة للنشر والطباعة
اختار السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني ، الراحل محمد إبراهيم نُقُدْ ، الذهاب إلى مناطق وعرة وشديدة الخطورة ، عندما أطلق الطبعة الأولى من كتابه الموسوم بـ "علاقات الرقّ في المجتمع السوداني : النشأة - السمات - الاضمحلال"، العام 1995م ، حينها كان يعيش متخفياً عن الأنظار، خشية اعتقاله من قبل السلطات الأمنية لحكومة الرئيس عمر البشير؛ حيث طالت فترة اختفائه لتبلغ 12 عاماً (1993 م – 2005م) ، وكان هذا الكتاب من أهم إنجازاته خلالها .
صدرت الطبعة الأولى من الكتاب العام 1995م ، في (444) صفحة من القطع المتوسط ، عن دار الثقافة الجديدة بمصر، تلتها طبعة أخرى (2003م)، عن دار عزة للتوزيع والنشر، واعتمد نُقُدْ على 39 مرجعاً ومصدراً ، باللغتين ؛ العربية والإنجليزية ، من أجل أن يكون التوثيق لهذه الظاهرة ، التي وسمت الهوية السودانية في ذلك السياق الاجتماعي الراهن ، بالكثير من الأغلال والأعباء ، دقيقاً وشاملاً ، ومرفقاً بتحليل عملي وتعليقات ربما ستساعد الدراسين والباحثين في علم الاجتماع والسياسة في تفسير الكثير من الظواهر الماثلة .
تقنين الرقّ وانشارهـ
رغم أنّ الكتاب تضمن تغطية ظاهرة الرقّ في السودان ، خلال حقب تاريخية طويلة ، منذ مملكة مروي التاريخية (80 قبل الميلاد – 350 ميلادية)، لكنّها لم تكن موثقة بشكل دقيق ، إنما استعرضها استعراضاً عاماً ، في ظلّ شحّ المعلومات المتوفرة عنها ، فيما اعتمد الكتاب على حقبة الاستعمار التركي (1821م - 1885م)، التي بلغت فيها تجارة الرقيق في السودان ذروتها ؛ بحيث ما تزال جراحها غائرة .
وقد نوّهـ نُقُد لذلك في الصفحات الأولى من الكتاب ؛ إذ قال في صفحة 10: "ما من بحث يستقيم على عوده ، وتستقرّ أركانه ، عن علاقات الرق والاسترقاق في المجتمع السوداني ، إن لم يتخذ من عهد التركية محوراً له ، فهي الذروة ، التي دفع محمد علي باشا تلك المؤسسة نحوها ، ولا تتضح الصورة على السفح من الجانبين ، إلّا بتسلق واعتلاء القمة".
لكنّ الكتاب يلفت أيضاً إلى الكثير من الوثائق وكتب التاريخ التي أشارت مباشرة إلى أنّ علاقات الرقّ كانت معروفة كمنظومة اجتماعية اقتصادية ، قبل الاستعمار التركي للسودان ؛ حيث إنّ ما أسماهـ "العصر الوسيط"، عصر (ممالك النوبة) المسيحية ، وحتى اضمحلالها تدريجياً عقب دخول العرب السودان عن طريق جنوب مصر عبر "عبدالله بن أبي سرح" ، الذي وقّع مع ملوك النوبة ما عُرف باتفاقية (البقط)؛ التي تقضي بأن تدفع النوبة رقيقاً (سنوياً) للحاكم العربي ، ورأى الكاتب أنّ ذلك أوّل تقنين لتجارة الرقّ في السودان ، وأشار إلى رواية منسوبة للبحتري يقول فيها : "إنّ المهدي ، أمير المؤمنين ، أمر بإلزام النوبة في كلّ عام ثلاثمئة رأس وستين رأساً وزرافة ، على أن يعطوا قمحاً وخلاً وخمراً وثياباً وفرشاً أو قيمته".
الحقبة السنارية (الفونج)
بشيء من التفصيل الحذر، يستعرض الكتاب علاقات الرقّ في المجتمع السوداني ، إبان مملكة الفونج ، ففي صفحة 27 ، يكشف أنّ الوثيقة اليتيمة التي تعالج علاقات الرقّ والاسترقاق في مجتمع الفونج ، يعود تاريخها إلى عام 1754م ، مأخوذة من مجموعة وثائق الشيخ خوجلي التي ظهرت للمرة الأولى بعد مرور قرابة 280 عاماً على تأسيس المملكة ، وبعد عام واحد من صدور كتاب "الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان" ، لمحمد النور ودّ ضيف الله ، وبعد ثلاثة عقود من أول وثيقة عثر عليها حتى الآن ، صادرة عن سلاطين الفونج العام 1724م ، وفق أبي سليم وسبولدينق (مؤرخان سوداني وإنجليزي)، في آخر إصدار لهما بعنوان "وثائق من سلطنة سنار" الصادر في 1992م .
’’رفض كثيرون من قادة العمل السياسي في السودان محاولات البريطانيين لإلغاء الرقّ وبينهم عبدالرحمن المهدي‘‘
تقول وثيقة الشيخ خوجلي : "أصدر الفقيه فتواهـ وحكمه فيما احتكم إليه فيه أخوه طه ، الذي كان يملك أمَة بالشراكة مع آخرين ، فحبلت منه ، فاستنكر الشركاء فعلته ، ورفضوا عرضه عليهم التسوية بدفع قيمتها ، فأشار عليهم الفقيه بقبول العرض ، فامتنعوا ، فاستدعى العلماء ، واستندوا إلى مذهب الإمام مالك في مختصر الخليل ، وقضوا بأن يدفع طه للشركاء قيمة الأَمَة (الجارية) في يوم حبلها ، دون قيمة جنينها ، ويتملك الأَمَة ، ووثق ذلك بشهود وقّعوا على الوثيقة".
هذه الوثيقة تشي بأنّ ثمة تقنيناً للرقّ كان سائداً خلال حقب مختلفة من تاريخ السودان ، قبل مجيء الأتراك إلى البلاد .
فضلاً عن ذلك ؛ فقد أشار ود ضيف الله ، في كتاب "الطبقات"، إلى أنّ الشيخ إدريس ود الأرباب (المقيم بشرق النيل – قرب العاصمة الخرطوم)، كان يستقبل مريدهـ من شرق السودان ، الشيخ محمد ود فايد ، فيجلب الأخير له العسل والقماش والرقيق" ، وأنّ الشيخ حسن ود حسونة كان يملك 500 عبد و120 فرخة ، أي أمة ، كما أورد ود ضيف الله أنّ الشيخ حمد النحلان (وهو جد د.حسن الترابي) خاطب أحدهم عندما أراد قتله بقوله : (أتقتلني يا عبد كازقيل؟)، وفسّر محقق الطبقات ، البروفيسور يوسف فضل ، ذلك بقوله : "كازقيل موضع في كُردفان ، يقطنه عبيد لا سادة لهم ، وهم أحط درجة في نظر رصفائهم المملوكين لسادة".
أسواق ومؤانئ وفحص
وصف الرحالة الألماني ، فرانسيسكان ثيودوركرمب ، الذي زار السودان بين عامي 1700م و1702م ، بحسب نُقُد ، أنّ الرقّ استشرى في مملكة الفونج ، حتى صار أحد أهم أعمدة الاقتصاد والجيش .
يكشف الكاتب أنّ الوثيقة اليتيمة التي تعالج علاقات الرقّ والاسترقاق في مجتمع الفونج يعود تاريخها إلى العام 1754م
ويؤكد الرحالة الألماني ، كرمب ، ذلك في وصفه لسنار عاصمة مملكة الفونج ، إذ كتب : "وعلى المرء أن يعلم أنّ سنار تكاد تكون أعظم مدينة تجارية في إفريقيا قاطبة ؛ حيث يستمر توافد القوافل من القاهرة ودنقلا والنوبة والهند والبحر الأحمر وبرنو وفزان وممالك أخرى ؛ حيث يباع الرقيق الذكور والإناث ، من كلّ الأعمار ، كما تباع الأبقار ، ويُساق كلّ يوم ما بين 200 إلى 300 منهم للنخاسة ، أما الجواري فإنّ التجار الأتراك ، وبمقتضى شرعهم ، يقضون منهن وطرهم وشهواتهم ، ثم يبيعونهنّ في بلدان أخرى ، كمصر والهند ، وتظل الصبايا دون سن الثانية عشر عاريات كما ولدتهن أمهاتهن ، وتستر خرق بالية الأجزاء السفلية وعورات الكبيرات ، ويتم فحصهنّ فحصاً دقيقاً أثناء علميتي البيع والشراء ، فيفحص الفم والأسنان وسائر الجسد"، وحدّد الرحالة الألماني أسعار العبيد والإماء بحسب ألوانهم وأحجامهم وأعمارهم.
|
حسب وثيقة خوجلي فإن ثمة تقنيناً للرقّ كان سائداً في السودان قبل مجيء الأتراك
اقتباس:
رفض محاولات الاستعمار لإلغاء الرقّ!
لكنّ أهم ما وثّقه هذا الكتاب القيّم ؛ رفض كثيرين من قادة العمل السياسي في السودان لمحاولات البريطانيين لإلغاء الرقّ ، وبينهم عبدالرحمن المهدي ، جدّ رئيس الوزراء الأسبق ، الصادق المهدي ، وابن محمد أحمد المهدي الذي حرّر السودان من الحكم التركي ، وعلي الميرغني والد محمد عثمان الميرغني ، رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الحالي ، والشريف يوسف الهندي ، أحد أبرز القادة السياسيين والدينيين في السودان خلال حقبة الاستعمار البريطاني ، وما بعدهـ ، وقد وثّق الكتاب لذلك عبر وثيقة لمذكرة رفعها ثلاثتهم ، في 6 آذار (مارس) 1952م ، إلى مدير المخابرات البريطاني ، يعترضون فيها على قانون إلغاء الرقّ ، ويقولون : "نرى أنّه من واجبنا أن نشير إليكم برأينا في موضوع الرقّ في السودان ، بأمل أن توليه الحكومة عنايتها"، وقد ذكر الزعماء الثلاثة الكبار في مذكرتهم بالنص : "بما أنّ هؤلاء الأرقاء ليسوا عبيداً بالمعنى الذي يفهمه القانون الدولي ، فلم تعد هناك حاجة إلى إعطائهم ورقة الحرية ، إلّا إذا كانت هناك حاجة إلى إعطائها لملّاك الأرض الذين يعملون لهم ، وإنه لمن مصلحة كلّ الأطراف المعنية ، الحكومة وملّاك الأرض والأرقاء ، أن يبقى الأرقاء للعمل في الزراعة".
|