اكشن (4)
ألجمت المفاجاة صاحبنا
وقف بباب (الديوان) يتأمل في هذا الحدث الفريد من نوعه غير مصدق لما يرى من جلوس ذلك المعلم المسيحي بل الكافر لا بل النصراني ولم يستطيع تحديد نعت معين في ذهنه بسبب عدم وجود ديانة يعتنقها هذا الجالس جوار والده لكي يصفه بها فقد اخبره بأنه لم يقتنع بكل الاديان رغم علمه واطلاعه بل وحفظه القرآن كاملا ففضل البقاء هكذا الى ان يشاءالله امرا كان مفعولا.
طالت وقفة صاحبنا وحيرته الى ان جاءه صوت الشيخ هادئا : ياولد تعال سلم على استاذك .
هنا انتبه صاحبنا واستعاد توازنه وبعد ان أومأ برأسه تلك الايمائة آمراً (الحيران) بالجلوس , تقدم هو راسما ابتسامة باهتة ومد يده الى المعلم بالسلام وتمتم بعبارات مبهمة لم يسمعها سواه الا ان المعلم فهم انها عبارات ترحيب به فرد عليه بأحسن منها وسأله عن أحوال دروسه وكيف يراجع واجباته مبديا اهتمامه بحال صاحبنا الذي كان يرد على معلمه وهو غير مستوعب للأمر حتى هذه اللحظة, فقد دارت في رأسه الصغير عدة تساؤلات بل عدة مخاوف من أن هذا المعلم قد أتى اليوم ليكمل باقي تلك المشكلة التي يحسبها صاحبنا قد حسمت ولكن مجيئه اليوم يؤكد انها لم تحسم بعد بل يؤكد حسب اعتقاده انه قد تم فصله من المدرسة واكبر دليل على هذا هو مجيء المعلم بنفسه الى البيت ليسلم الشيخ خطاب الفصل .
لكن ألم يكن هو موجودا بالمدرسة اليوم حتى نهاية اليوم الدراسي؟؟
اذن لماذا لم يتم تسليمه هو هذا الخطاب ولماذا لم يبلغه السيد الناظر بالأمر؟؟؟
تساؤلات كثيرة وكبيرة دارت في مخيلة صاحبنا فالتفت بشكل لا ارادي الى شيخ بشير الجالس خلفه وكانه يتاكد من وجوده فأبتسم شيخ بشير وابتسم صاحبنا والتفت ناحية ابيه وكأنه يعلن تعيين شيخ بشير كمحامي يدافع عنه لدى ابيه اذا تطلب الأمر.
وهنا قطع حبل افكار صاحبنا صوت أحد (الحيران) وهو يؤذن لصلاة العشاء فتقدم ليتوضأ ثم قام للصلاة خلف ابيه واصطف الجميع فالتفت صاحبنا ليرى معلمه فوجده يتقدم خارجا ويخرج من جيبه علبة سجائره الروثمان وولاعة ذهبية فتابعه بنظره الى ان اختفى خارج الديوان .
بعد انقضاء صلاة العشاء عاد المعلم مرة أخرى ولكن هذه المرة لم يجلس قرب الشيخ في الديوان بل وقف في منتصفه وكانه في انتظار أمر أو شخص ما , وهنا التفت الشيخ الذي كان يتمتم لشيخ بشير الجاثي قربه ببعض العبارات التي اجتهد صاحبنا ولم يستطيع سماعها فرأى المعلم وابتسم له وقاده ممسكا بيده الى داخل المنزل والى أين ؟؟ الى داخل (الخلوة) الخاصة بالشيخ وتبعه شيخ بشير واغلقوا بابها عليهم جميعا , فأسرع صاحبنا الى أمه ( أم الفقراء) وجلس يحكي لها كل ماحدث بالديوان فوجدها غير مستغربة من الأمر وكانت قد تعودت على أمور أكثر غرابة من هذه فهدأت من روع صاحبنا ووعدته بمعرفة الأمر من ابيه الشيخ وأنه لادخل له في الموضوع رغم عدم معرفتها به.
تكررت زيارات المعلم الى منزل الشيخ حتى وصلت خمسة زيارات في خمسة أسابيع حيث كان المعلم يحضر كل أحد من كل أسبوع ويجلس مع الشيخ وشيخ بشير داخل (الخلوة) بعد صلاة العشاء وحتى وقت متاخر او حتى يغط صاحبنا في نوم عميق استعدادا ليوم دراسي حافل ينوي في كل مرة ان يسأل معلمه عن سبب زياراته المتكررة الى والده ولا يستطيع الى أن اتى يوم اعلن فيه الشيخ عن دعوته لعدد من الشيوخ الكبار والمعروفين ومجموعة من الاصدقاء والاهل بمناسبة إقامة (ليلية*) يوم الجمعة القادم.
مرت الأيام سراعا وأتى يوم الجمعة الموعود وكانت أم الفقراء تعد لصاحبنا ثيابه المخصصة لمثل هذه المناسبات وهي عبارة عن جلابية بيضاء ناصعة يميزها جيب أمامي باللون الأخضر مع طاقية خضراء اللون وعصاة صغيرة من الخيزران و(مركوب*) صغير أبيض اللون.
البست ام الفقراء ابنها ثيابه وعطرته بذلك البخور المخصص لمثل هذه المناسبات واعطته عصاته وقدمته وهي تدعو له : الله يعلي مراتبك ياولدي ويعليك فوق المابيك ويحرسك من الحسد والعين ويكبرك واشوفك زي ابواتك ناس (التبروقة*) البجردو(الألفية*) .
تقدم صاحبنا خارج البيت الى الفناء أو الميدان الذي يواجه منزلهم وكانت الساعة قد قاربت التاسعة مساءً وجلس بجانب ابيه بعد ان ألقى التحية على (الحيران) وأومأ لهم برأسه علامة الجلوس وجلس هو على المقعد الأيمن المخصص لإبن الشيخ بصفته الخليفة المرتقب وجال بناظريه على الحضور فوجد مجموعة من الشيوخ المعروفين فقام وحياهم ثم جلس مرة اخرى وكان يؤدي دوره بمسؤلية كبيرة أكبر حتى من عمره الحقيقي وثم التفت يتمعن الحاضرين وفجأة وقف الشيخ فوقف معه كل الحضور ايذانا ببداية (الليلية) وفي الكلمة الافتتاحية قام الشيخ بمناداة شيخ بشير فأتى ومعه شخص يرتدي جلبابا ابيض اللون حافي القدمين حليق شعر الرأس ووقف ذلك الشخص منحنيا أمام الشيخ احتراما له فوضع الشيخ يده اليمنى على رأس ذلك الشخص وامسك بيده ليقف مستقيما وكان ذلك الشخص هو (مايكل اغاستينو) المعلم بتلك المدرسة التابعة للكنيسة.
وجم صاحبنا وتخيل نفسه وهو نائم وان هذا الذي يحدث ماهو إلا حلم من الاحلام المحيرة والتي لاتفسير لها واخذ يتسائل ويسأل نفسه وغاب عن الحضور بتوهانه عنهم مع افكاره للحظات طويلة والشيخ يلقي كلمته و(الحيران) يكبرون ويهللون ويصيحون ويهمهمون وصاحبنا لايسمع شيئا من كل شيء الى ان انتبه فجأة للصمت المخيم حوله والعيون المشرئبة نحو الشيخ فالتفت شطر ابيه ولمح ذلك المعلم غارقا في دموعه وهو يردد
( أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) صلى الله عليه وسلم معلنا دخوله الى الدين الاسلامي الحنيف.
-- -----------
هنا تنتهي لمحات المرحلة الأولى من حياة صاحبنا و تليها الدهشة
*الليلية ---- احتفال ديني متبع لدى الطرق الصوفية يقام ليلا في مناسبات معينة يتم فيه قراءة الاذكار والانشاد والمدائح النبوية تذبح فيه الذبائح ويوزع فيه الطعام.
*المركوب ---- حذاء شعبي سوداني يصنع من جلد الماعز , الابقار , الأغنام والزواحف وأغلاهـ ثمنا الذي يصنع من جلد الحيوانات المتوحشة
*التبروقة ---- مُصلاية أو سجادة تصنع من سعف النخيل وتكون دائرية الشكل
*الألفية ---- هي مسبحة أو سبحة تصنع من نواة ثمار اللالوب وتسمى أيضا اللالوبة وتمتاز بعدد حباتها البالغ ألف حبة بالتمام والكمال وتستعمل في تكرار أو جرد أو تسبيح الأذكار بأعداد كبيرة تصل أحيانا الى سبعين ألفا أو مائة وعشرين ألفا أوأكثر أو أقل.
|