نسأل الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويتقبله فى الصالحين.
وأحيى بابكر عباس على نباهته ورجوعه الى حيث كنا.
بالعودة للنقاط التى وعدت بالحديث عنها أقول ما يلى:
أهمية النقد فى منتجات الناس الفكرية :
لا أعتقد ان هناك حوجة للحديث عن أهمية النقد للمنتوج الفكرى و الأدبى والثقافى للمجتمعات من هذا المنطلق تناولنا كتاب طبقات ود ضيف الله .
مقدمة:
إنّ هذا الكتاب برغم قِدمه أثّر ولا زال يوثر فى المجتمع والذين يقولون بغير هذا وأن الكتاب صوّر حالة المجتمع فى فترة معينة وليس له وجود أو تأثير فى عصرنا هذا نقول لهم هذا ليس بصحيح لسببين:
الأول : إن الحديث عن الكرامة لا يزال ماثلاً أمامنا واقعاً معاشاً يسيطر على قطاع كبير من الناس و لم ينحسر بعد مرور كل هذه السنين الطويلة على الكتاب!! كما أن الكتاب نفسه لم يندثر ومتوفر بكثرة فى المكتبات السودانية ويحتل مركزاً مرموقاً وله قراءه ويعتبر مرجعاً أساسياً عند عدد مهول من الناس.
الثانى: هناك كتب أقدم من كتاب الطبقات إلا أنها لا تزال ماثلة فى عصرنا هذا بل شكلت النواة الأساسية للمجتمعات من هذه الكتب تلك التى تهتم بالعقائد والفنون والعلوم العامة والتاريخ ولا أعتقد أن هناك مجتمع يعيش بلا إرث أوحضارة يستصحبها معه ويستسقى منها واقعه ومستقبله ولو كانت الشعوب تنقطع عن ماضيها لما كان هناك أسس للعلوم المعاصرة التى بدأت فى عصور قديمة فالطب مثلاً قديم قِدم التاريخ والكيمياء والفيزيا والأحياء والجبر كل هذه العلوم لم تنشأ فى عصرنا هذا بل نشأت وتطورت عبر العصور إلى أن إزدهرت وستزدهر أكثر وأكثر.
هل أضاف كتاب الطبقات قيّمة إيجابية؟
إنّ هذا الكتاب فى رأيى لم يضف نموذجاً فريداً ولا علماً غزيراً يستفاد منه ولم يعكس حتى الصورة الحقيقية للحضارة السودانية بل أضّل المجتمع وقيّده وسار به فى غير الإتجاه الذى يجب ان يسير عليه .
الآثار السالبة للكتاب من وجهة نظرى الخاصة:
•إنّ كتاب الطبقات أصاب المجتمع فى مقتل وعزل قطاع كبير من الناس عن الواقع ومتطلباته حيث أسس للعطالة والكسب المريح ودمر الإقتصاد وأعاق تقدم الدولة !! كل هذا لأنه يشكل مرجعاً عتيداً لكنه لا يضيف غير الخرافات وإلا لكانت هذه الكرامات كفيلة بإصلاح ما لم نستطع إصلاحة طيلة العقود الماضية.
•هناك فئة من الناس إستغلت تأثير الكرامات والخوارق على الناس فأسست لها دوراً ومقامات وزرائب وباشرت التكسب المريح منها! بحجة قضاء الحاجات وكشف الغيبيات ومنح الأولاد وهذه الفئة ساهمت بشكل مباشر على الحرف بالمجتمع فى ترهات غير مرغوب فيها بل جردت العاملين فيها عن وطنيتهم وإهتمامهم بما يهم الناس من قضايا ملحة تتطلب وقفتهم وجهودهم ..
• قنعت فئة من الناس بأن هؤلاء الناس يمنحون الخيرات فزهدوا فى العمل ومكثوا كخدام لهؤلاء الناس وبذلك تعطلت فئة كبيرة فى زرائبهم واصبح شغلها الشاغل كسب رضاء هؤلاء الزعماء كما أنهم زهدوا فى سواهم وأصبحت الدنيا لا تعنيهم فى شئ!! ذلك لأنهم فهموا الزهد فى الحياة بشكل خاطئ وأن رزقهم سيأتيهم دون جهد حتى وُصِف المجتمع السودانى بالكسل والخمول وفى الواقع ظلت هذه التهمة تلاحق السودانيين أينما ذهبوا دون فكاك!!
غرائب:
• إنه من الغريب أن تكون الدولة السودانية زاخرة بكل هذه الإمكانيات الطبيعية وتكون بهذا الفقر والضعف!! بالطبع هناك أطراف أخرى تتحمل من الوزر نصيب لكن إنّ الذى قاد السودان والسودانيين إلى هذا المصير هو ببساطة تأثير كتاب الطبقات الذى وضع اللبنات الأساسية للمجتمع فتأثر بها قطاع كبير من الناس .
• من الغريب ان تكافح الدولة نساء يبعن الشاى والكسرة والأكل من أجل العيش بشرف وتربية الأبناء من عرق الجبين وتترك هؤلاء الذين إمتدت نشاطاتهم إلى الأسواق يضربون الرمل وينجمون ويفرشون العقارب الصفر و عروق المحبة تحت ظل أشجار ما يسمى بالعاصمة الحضارية ودون أن تطالهم ضرائب ولا حتى كشّات.
الإفراط فى الكرامة وإختزال الدين فيها:
إختزل هذا الكتاب الدين الإسلامى فى الكرامات والخوارق والدين بلاشك أوسع من ذلك بكثير وأرفع. إنّ الكرامات التى وردت فى هذا الكتاب تعتبر كرامات من أجل الكرامات فماذا يعنى أن يطير الشيخ القدال بن إبراهيم عبودي بالعنقريب بمجرد أن طلب منه تلاميذه ذلك ولم يكن هناك شيئاً يستدعى ذلك الفعل الخطير أصلاً !! ثم إنّ عملية إحياء الموتى فى منتهى الخطورة بل تفوق الأنبياء فى براعتها ومن المعروف أن عيسى عليه السلام أحيا طيراً بعد أن مات ثم أنه مات فى اليوم التالى بعد إحيائه ولما سأل ربه يا ربى إن الطير الذى أحييته قد مات فى اليوم التالى فقال له الله سبحانه وتعالى إنما أذنا لك بالإحياء ولم نأذن لك بالمعاش وهذا نبى مرسل فكيف فاقوه هؤلاء البارعين نوعاً وكمّاً !! ثم ماذا يعنى أن الأباريق تذهب إلى البحر وتأتى ملئى ؟ ومالكرامة فى أن يجلس الشيخ ولد ام مريوم بوضوء واحد لمدة خمسة عشر يوماً !! ربما يكون مريضاً فمكث أو نحو ذلك !!
إنّ معجزات الأنبياء وكراماتهم جاءت فى عصور كانت تستدعى أن تظهر مثل هذه المعجزات و الكرامات فقد دعى النبى صلى الله عليه وسلم ربه لينزل عليهم الغيث ذلك بعدما أصاب المسلمين عطش شديد فإستجاب له ربه و قد صب قليل من الماء على بئر جاف وطلب من أحد الصحابة النزول إلى قاع البئر وحكها فنبع الماء فشرب المسلمون ثم أن فى حديث جابر أيضاً كان قد أصاب المسلمون الجوع وكان النبى يربط حجرين فى بطنه وهو نبى يمكن أن يسأل الله فيجبه ولكنه لم يفعل حتى جاء جابر يدعوه وقليل من أصحابه للأكل معه فدعى النبى كافة الصحابة الذين كانوا يحرسون الخندق قائلاً إنّ جابر يدعوكم إلى طعام فما أن جاء النبى وبدأ يغرف اللحم من القدر ويضعه فى الخبز حتى تكاثر اللحم وهو لحم عناق أى شاة صغيرة فشبع كل الجيش من هذه الكرامات نفهم أنها أتت لحاجة ملحة أما بسبب وبدون سبب ولأشياء ليست ذات معنى وبهذا الكم الهائل فهذا لا يعدو كونه إستعراض للمة الناس من حوله ولا يوجد سبب آخر.
.
الآثار السالبة لتداول الكرامة فى المجتمع:
إن المنافسة فى الكرامات من أجل كسب المريدين أو إغواء الفئات الضعيفة من المجتمع والإستفادة منها مادياً! ونقولها صراحةً لأن معظم الذين يشتغلون فى الكرامة يأخذون أموالاً من الناس ويستعينون بالجن (راجع فيديوهات الشيخ حامد آدم على اليوتيوب كيف تعلمنا السحر ) .
شكّل السحر مِحوراً أساسياً وخطراً داهماً يهدد المجتمع فبدأت بعض الشرائح ترّوج للسحر والدجل والشعوذة وقد سببت هذه السلوكيات شروخاً كبيرة فى جسم المجتمع وهددت الأسر وإستقرارها كما ظل ضِعاف النفوس يستعينون بهؤلاء السحرة بغية تصفية الحسابات مع خصومهم وقد دخل السحر حتى مجال الحياة الزوجية وراجت فى المجتمع شائعات وحقائق كثيرة تتناول هذا الموضوع وكلكم أدرى بموضوع (الكتابة) وما حوله .
.
أهمية المنامات فى الفكر الصوفى وعلاقتها بالواقع :
من المعلوم أن فكر الكرامات والدجليات مرتبط إرتباطاً وثيقاً بالمنامات التى تعتبر مصدراً أساسياً من مصادر الكرامات و فيها يدّعى بعض هؤلاء الناس رؤية النبى صلى الله عليه وسلم عياناً بياناً وهو ميت بينما لم يذكر لنا حتى الصحابة أنهم إجتمعوا بالنبى بعد مماته !! فأصبح المجتمع مهدد بالسماعيات التى يروج لها أتباع هؤلاء الناس بغية كسب رواد يستفاد منهم مادياً لأن هؤلاء الناس لا نعرف فيهم من يزاول عملاً معلوماً بل يعتمدون بشكل أساسى على الهبات والإعانات وما يطلبونه من الناس مقابل خدمات معروفة يزعمون تقديمها للناس .
إنّ إنغماس الناس فى هذه الأشياء فى هذا العصر المستنير الذى يعيش فيه الناس لا شك أثّر على مجتمعنا وسوف يؤثر إن لم يتوارى و يندثر! وبنظرة شاملة للدول التى تنتشر فيها هذه الممارسات مثل المغرب وموريتانيا والسنغال والسودان والصومال ومصر تجد أن معظم هذه الدول فقيرة تعانى الأمّرين برغم ما بها من إمكانيات وهذا يدل بشكل واضح على أن هذه المناهج أثرت على إقتصاديات هذه الدول سلباً .
أنا فى تصورى أن شباب اليوم مُصِر على التخلص من كل العادات الضارة والسلوكيات غير الإيجابية كما أنه مُصِر على المحافظة على الجيد من التراث والعادات الحميدة وهذا ما كان يستوجب العمل عليه منذ زمن بعيد.
الأخ حاتم .. تحياتي:
أولاً: أنت لم تقدم نقداً للكتاب، أنت قدمت محاكمة فكرية منبنيه على فهم سلفي للدين، لأن النقد هو شُغل على النص ذاته، لا على خارجه، يمكنك أيراد (مجتزأ/ فقرة) من الطبقات، وتحليلها بعد إخضاعها لإحدى النظريات النقديه، المنهجيه.
ثانياً: كتاب الطبقات في حد ذاته (ككتاب)، غير منتشر ولا متداول حتى في أوساط (المثقفين)، كثيرون لم يقرؤه، حتى يخلق هذا الأثر الذي ذكرت، لكن ما ورد في الطبقات من حكايات عن الأولياء والصالحين آن (كتابته)، لا زال مؤثراً وفعالا – هذا صحيح، وبالتالي فإن ما ذُكر في الطبقات (قياساً على هذا التأثير) فهو صحيحا، يعني (ود ضيف الله) ما قطع حاجة من راسو (مش كدا)، ولأن ما ذكره ود ضيف كان صحيحاً لذا ما زال أثره باقياً في حياتنا.
ثالثاً: فيما لو افترض (مُجادلين) إن بن ضيف لم يكتب الطبقات أصلاً، فهل كنت تعتقد إن موضوع الكرامات وزيارة قبور الأولياء والإستنجاد بهم أحياء وميتون، لن يكون له وجود في زمننا هذا؟ لا أظن أن وجود مثل هذه الإعتقادات في راهننا سببها كتاب الطبقات، بل هي موجود كامتداد لفهمنا للإسلام وطريقة تديننا به، ويا سيدي، من ناس غلام بن عابد الركابي، وكل عهد الدولة السنارية، إلى فكرة المهديه و الخاتميه وغيرهما، كان السودان (بل إفريقيا كلها وآسيا، ومسلمو القوقاز)، لا يعرفون السلفية أصلاً، كان الإسلام على هذا النحو (الضيفلابي).
ثالثاً: لم أفهم (الثاني خاصتك)، هل كتب الكيمياء والعلوم والفنون والعقائد التي (ذكرت) انها قبل الطبقات ولا تزال (ماثله) كما قلت، هي كتب كتبها سودانيون مثلاً، وما علاقتها بنقدك للطبقات؟؟ لم أفهم لماذا أوردت هذه الفقره.