عبد الكريم عبد العزيز الكابلى....مع حقيبة الفن
عبد الكريم عبد العزيز الكابلى >>>مع حقيبة الفن
رسالة إلى السر قدور
سعدت بسلسلة المقالات الرائعات التي سطرها قلمكم الرشيق في "أساتذة وتلاميذ" عن الفنان الكابلى, ومن حسن الصدف أن يتزامن نشر هذه الحلقات مع وجود الفنان عبد الكريم الكابلى بين ظهرانينا هنا في مسقط والتي ازدانت وتعطرت سماواتها وأمسياتها الدافئات بعبق النغم الجميل وحسن المحاضرة من فناننا الكبير. والحديث عن الكابلى ذو شجون... فهل نتحدث عن الكابلى ابن المثقف الفنان عبد العزيز الكابلى؟ أم عن الكابلى الشاعر؟ أم عن الكابلى المغنى الملحن؟ أم عن الكابلى الأديب الباحث فى التراث الشعبي السوداني؟ لقد غطت معالاتك - أخي السر - كل هذه المجالات ولم تترك شاردة أو واردة إلا ذكرتها فلك الشكر. ما أود إضافته هنا هو جهد المقل وأتمنى أن أتمكن من أن أوفيه حقه فى هذه الكلمات التي تتناول دوره فى أحياء وحفظ ذلك التراث الفني السوداني العظيم المتمثل فى أغنيات حقيبة الفن. اهتم الكابلى منذ وقت مبكر من حياته الفنية بحقيبة الفن ولدي تسجيل نادر له وهو يؤدي رائعة سيد عبد العزيز "بت ملوك النيل" على خشبة المسرح القومي فى أم درمان في الستينات وقد سكب فيها عصارة فنه وأضاف إليها حتى خرجت في صورة جديدة مع احتفاظها بسمات اللحن الأصلي ... ثم سمعناه بعد ذلك يعالج كلمات أبو صلاح فى "وصف الخنتيلة" والتي آثار أداء الكابلى لها "بغر" أحد فناني الحقيبة المعروفين والذي استنكر أن يؤدى الكابلى هذه الأغنية وقال في ذلك (... وما علاقة الكابلى بحقيبة الفن حتى يغنى وصف الخنتيلة بالأوركسترا؟ وإذا كان الكابلى يستطيع أن يؤديها فما المانع من أن أغنى أنا "ضنين الوعد" بالرق والشيالين فى حفل عام ) وقد نفذ الرجل ما قال ويمكنك عزيزي القارئ أن تتخيل بقية القصة! ثم غنى أيضا أغنية "غزال الروض" وهى بلا شك إحدى إبداعات وتجليات الشاعر الفحل صالح عبد السيد أبو صلاح, وغنى الكابلى تلك الأهزوجة الخالدة على مر الأزمان " دمعة الشوق " فأطربنا وأبكانا فى آن واحد ! لقد طربنا للأداء التعبيري الرائع من الكابلى ولكننا بكينا مع مصطفى بطران الذي جعل " صدره مزمارا والدموع شربا له " ... وبكينا أيضا لأننا تحسرنا على قصر عمر الفنان "كرومه". ومن معالجة الكابلى لدمعة الشوق, أخذ كورال معهد الموسيقى والمسرح فى السبعينات أسلوبه حين أدوها بتوزيع الموسيقار الكوري اوشان. وطاف الكابلى فى ساحة الشاعر محمد البشير عتيق العامرة فأختار أن يغنى أجود ما جادت به عبقرية "عتيق" من كلمات, وحنجرة كرومه من الحان... إنها:-
الرشيم الأخضر في الخديد الأنضر هم سبب الأمي
ولم ينس الكابلى أن يدلف إلى حديقة عبد الرحمن الريح الغناء فاقتطف منها إحدى ورودها اليانعات:-
بدر الحسن فاق القبلوا ووراه بين أجياله حايز حسن الكون براه
دام على هجري رافع خبره ومبتداه ضيع عمري ظلما فلتسلم يداه
وكنت قد استمعت إليها من عوض شمبات عندما سجلها منفردا فى الثلاثينات ووجدت من الكابلى تطريبا لا يقل وروعة عن أداء عوض شمبات. واسمعني الصديق الدكتور أحمد طراوه قبل أسبوعين تقريبا تسجيلا للكابلى وهو يشدو برائعة عبد الرحمن الريح الأخرى:-
يا ليل هات لينا صباح يفصح البدر ويخمد المصباح
قالوا أهل الحب فى الزمان الراح نشوة الأشواق أحلى من الراح
لقد تعرف الكابلى مبكرا على الشعراء وفناني الحقيبة واخذ منهم الأشعار والألحان وقد كان صديقا لراوية شعر والحان خليل فرح الشاعر حدباى احمد عبد المطلب "شاعر الجمال" ورأيت الكابلى وهو يجرى لقاء فنيا بث عام 1974 . وفيه يستضيف الشاعر الكبير إبراهيم العبادى وعبيد عبد الرحمن وديمترى البازار. وفى لقاء آخر أجراه الكابلى استضاف الشاعر حدباى الذي انشد بعض قصائد خليل فرح ثم القصيدة الرائعة "ألبى صباها" وهي من كلماته والحان كرومه.
تحدثنا في الحلقة الماضية عن الكابلى وحقيبة الفن ونتحدث اليوم عن العلاقة الفنية الروحية التي تربط الفنان الكابلى بالفنان الخالد خليل فرح. كان الكابلى صديقا حميما لحدباى احمد عبد اللطيف رفيق خليل فرح وراوية أشعاره, وأعتقد أن الكابلى اخذ منه رواية أغنية الموز روى .. قايم سوا .. يا ناس جسمي بالنار انشوا... وهى من أغنيات التركية القديمة. والكابلى شديد الاحتفاء بأشعار وأغنيات خليل فرح فقد غنى له فى وقت مبكر الأغنية الشهيرة "ما هو عارف قدمو المفارق" وكان قد سجلها على اسطوانة الفنان الراحل إبراهيم عبد الجليل وفيها نصل قمة التطريب مع الكابلى في "قدلته حافي حالق بالطريق ألشاقي الترام" ... وغنى الكابلى لخليل فرح أغنية غير مطروقة كثيرا مع إنها من القصائد والألحان الخفيفة لحنا وكلمات وهى أغنية:-
طرفي باكي وحاس ومن قالوا شاكي وحاس
ثم سمعنا الكابلى وهو يتغني "بلسان عربي مبين" "تم دوره الدور" وهى إحدى ورائع خليل فرح فى " الاخوانيات" وقد قيلت فى زراج محمد عثمان منصور, رغم أن المرحوم البروفيسور على المك يضع هذه الأغنية ضمن الأغنيات السياسية فى تحقيقه لديوان خليل فرح. ومناسبة القصيدة أن بعض الشعراء الذين حضروا حفل الزواج انتقدوا خليل فرح وتلفظوا بكلمات استفزازية من ضمنها أن خليلا لا يجيد العربية, حتى غضب الخليل وألف هذه القصيدة وشحنها بألفاظ الفخر والقوة:-
الحسود يتضور ناره ما كله لسانه كله زور مزور
يا قليبي أتحبر قوم وريني كيف الكرام تتصبر
وقال في العريس:-
قام محمد بشير هز فوق تيجانين سل سيفه وكشر
وإذا سمحت لي أخي السر أن أعقب على بعض المعلومات التي وردت في حلقة أساتذة وتلاميذ رقم 4 بتاريخ 200/2/3 العدد (الخميس 2330) أقول أن هنالك خلط في نسبة بعض الأغنيات التي وردت في الحلقة فقد جاء أن "زهر الرياض" من كلمات خليل فرح "وفتق ملأ الظل الوريف" هي لزميل الشاعر وصديقة حدباى, والواقع أن العكس هو الصحيح "فزهر الرياض" من كلمات حدباى "وفتق ملأ الظل الوريف" لخليل فرح. وزهر الرياض قيلت في نفس المناسبة التي قيلت فيها "تم دوره الدور" وهي زواج محمد عثمان منصور الصديق المشترك لحدباى و خليل فرح والأغنية من أغاني العشرينات وقد سجلها الفنان كرومة لشركة "اوديون" عام 1929 حيث رافقه في الكورس حدباى نفسه والفنان عبد العزيز مصطفى بينما شاركهم وهبه فى العزف على آلة "المولديكا" وهي آلة موسيقيه تشبه الأكورديون ويسميها البعض "الأكورديون أبو زراير". وقد أنتج الاسطوانة التاجر محمد داؤد حسين وقام بتوزيعها تجاريا محمود غزت المفتي صاحب المكتبة العصرية بالخرطوم والذي كتبنا عنه في "أساتذة وتلاميذ" قبل أشهر قلائل. يقول حدباى مهنئا العريس:-
يا محمد أبياتي القلال تاج فوق صدورهن وليك هلال
بقدرة الحي ذو الجلال تتهني في بيت الحلال
أما "فتق ملأ الظل الوريف" فقد صاغها خليل فرح في مناسبة زواج صديقه عبد اللطيف محمد أبو بكر في عام 27 أو 1928 وفيها يقول :-
نتمشى مع لطف اللطيف شن زانا من السمحة طيف كفارة ليك يا عبد اللطيف
وقد جارى هذه الأغنية الشاعر إبراهيم العبادى في أغنية :-
تذكارها حرمني الهجود ومسخ علي كل الوجود بى ليمها يا باري جود
لا شك أن إهتمام الفنان عبد الكريم الكابلى بشعر وأغنيات خليل فرح خاصة وشعراء وفناني الجيل الأول والثاني من حقيبة الفن مرده إلى إهتمام والده الأديب عبد العزيز الكابلى بهؤلاء الفنانين والشعراء ولا غرو "فهذا الشبل من ذاك الأسد" كان عبد العزيز الكابلى صديقا حميما للحاج محمد احمد سرور ولإبراهيم عبد الجليل وما حل هذان الفنانان ببورتسودان إلا كانا ضيفين عزيزين في منزل عبد العزيز الكابلى وكان الأخير دائما ما يحكى لأصدقائه ذكرياته مع إبراهيم عبد الجليل ومترنما بأغنية "في الضواحي وطرف المداين" وذكر لي أحد مخضرمي مدينة بورتسودان انه رأى الفنان فضل المولى زنقار لأول مرة عندما دعاه عبد العزيز الكابلى ليغني في بورتسودان.
المخلص د. الحاج س. مصطفى
مسقط / سلطنة عمان
|