ياصديقي، لايخدعنك اليسار ولاقحت، فمنهم الجاهل بدين الله ومنهم الرافض له...
سيقولون لك بأن الدين علاقة شخصية بينك وربك، يسعون بذلك إلى حصر الاسلام في بضع شعائر تعبدية، ويسعون إلى سجنه في الخلاوى والمساجد لتخلو لهم سوح الحكم نزعا له وفصلا عن الدولة، والغاية من ذلك جعل الاقتصاد والسياسة والأخلاق مرهونة بمناهج ماركس ولينين وميشيل عفلق ومحمود محمد طه، ولعلمانية لايرضاها الله ولارسوله، وتناسوا - ومنهم من لايعلم- أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ظل يدعو أهل مكة للاسلام طوال أحد عشر عاما ونصف وما كان في الاسلام صلاة، ولاصيام، ولازكاة، ولاحج. فالصلاة لم تفرض إلا قبيل هجرة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بعام ونصف، والصوم لم يفرض إلا بعد الهجرة الشريفة بعامين، والحج لم يفرض إلا بعد الهجرة بتسع اعوام...
ياصديقي إن الاسلام دين توحيد، والتوحيد لايقتصر على قول لا إله إلا الله فقط؛ انما منهج يوجب على المسلم اخضاع كل حراك حياته بل ومماته لله:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} الأنعام 162، 163.
ياصديقي لايجرمنا شنآن نتاج خلاف سياسي بأن لانغضب لديننا عندما تنتهك محارم الله، وحري بالغضب أن يصل مداه عندما ترفض قحت (القحط) واليسار الاعتراف بالاسلام كمصدر للتشريع في وثيقتهم الدستورية الشوهاء وفي اتفاقهم الاطاري المجلوب...
اعتادوا القول (نحن مسلمون بالفطرة)، وان (الدين محفوظ)، لعمري إنه الفهم الخاطيء منهم لمعنى حفظ الله للدين، يتحججون بهذه الآية الكريمة وهم مخطئون: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر9.
ومنهم من يتحجج كذلك بقول عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنا رب الابل، وللكعبة رب يحميها).
وللرد على ذلك فإن آية سورة الحجر الكريمة تتحدث عن كلام الله وقرآنه الكريم، وفيها عهد من الله ووعد بحفظ (القرآن) عن التحريف مقارنة بكتب سبقته طالها التحريف، وليس هناك حفظ تلقائي أو (ميكانيكي) للاسلام أو ماقبله من أديان دون أن يحرك أهله ساكنا، فحفظ الدين لايكون بالتقاعس و(ربّيع اليدين)، وإلا لما خرج الصحابة والتابعون للضرب في الأرض سعيا لنشر دين الله في الآفاق، ولولا ذلك لما وصلنا الإسلام في السودان، ولبقينا على وثنية أجدادنا وبعض من نصرانية وبعض تثليث وكثير من الإشراك بالله...
ياصديقي إن حفظ الدين يكون بدفع الله الناس بعضهم بعضا حيث قال ربنا جل في علاه:
{...وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} البقرة 251.
يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله في تفسير هذه الآية:
(الدفع هو الرد عن المراد، فإذا كان المراد للناس أن يوجد شر، فإن الله يدفعه. إذن فالله يدفع ولكن بأيدي خلقه).
أما قول عبدالمطلب الذي يحتج به البعض، فإن عبدالمطلب لم يقل ماقال ثم انزوى دون فعل شيء تاركا البيت، إنما فعل كل مافي وسعه كما روت أمنا عائشة رضي الله عنها:
أورد الزمخشري في الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل في سورة الفيل:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: ان أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليه فجهره وكان رجلا جسيما وسيما، وقيل: هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال، فلما ذكر حاجته قال: سقطت من عيني، جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وعصمتكم وشرفكم في قديم الدهر فألهاك عنه ذود أخذلك، فقال: أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه، ثم رجع وأتى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول:
لا هم إن المرء يمنع أهله
فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم
أبدا محالك
إن كنت تاركهم وكعبتنا
فأمر ما بدا لك
يا رب لا أرجو لهم سواك
يا رب فامنع منهم حماك
والتفت وهو يدعو فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال: والله إنها لطير غريبة ما هي ببحرية ولا تهامية، وفيه أن أهل مكة قد احتووا على أموالهم وجمع عبد المطلب من جواهرهم وذهبهم الجور وكان سبب يساره.
إنتهى ايراد الزمخشري.
وبذلك فإن عبدالمطلب لم يتقاعس وهو يرى بيت الله مهدد، إنما فعل مافي وسعه.
حكى لي زميل دراسة في الجامعة من الفلبين، وهو من الطلبة الدارسين في معهد اللغة العربية للناطقين بغيرها في جامعة أم القرى قال:
كان الشعب الفلبيني في غالبه على ملة الإسلام، وعندما تم احتلال الفلبين شرع المحتل في إصدار قوانين تبيح التفسخ والانحلال، وكان تبرير الآباء منا أن (الدين في القلوب)، ثم بدأ المحتل في تغيير المناهج التعليمية، وظل الآباء على قولهم، وقالوا بأنهم لن يناهضوا المحتل ويحاربوه طالما لم يمنعهم الصلاة، فكان المحتل يشيد بعض المساجد، ويدفع للبعض المال للسفر لأداء فريضة الحج (بخبث وذكاء)!.
قال لي زميلي بأن المنتهي والمآل كان نشأة أجيال جديدة كلها متنصرة، عدا ارخبيل ميندناو الذي استعصم فيه أهله بدينهم، ورفضوا كل مساس به، وناهضوا المحتل وحاربوه.
ياصديقي، لاينبغي لمسلم أن يرضى بالدنية في دينه، وان تبين للمسلم أن قرارا بعينه فيه مجانبة لدين الله، ويشتمل على رفض لأمر جاء من الله؛ يحرم عليه السكوت على ذلك، فإن الواجب الرفض والمدافعة طالما اجمع من هم أكثر دراية بفقه الدين منا بخطل القرار ومجانبته لدين الله، وإلا فإن عقاب الله سيطال الأمة بأسرها كما قال ربنا:
{وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} الكهف
بالله عليكم أليس في الذي نتعرض له في السودان من احتلال للبيوت وقتل واغتصاب وتهجير ونزوح علاقة بهذه الآية الكريمة؟!
لقد رضينا بما فعله قيادات قحط من رفض لدين الله ليكون مصدرا للتشريع، واعترض ناطقهم الرسمي حتى على البسملة!
وقال الله تعالى:
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ، أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ، وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} الأعراف
ياصديقي، لا ألوم شيوعيا أو بعثيا أو عضوا في حزب الدقير وخالد سلك، ولا تابعا لمحمود محمد طه إن قالوا أو فعلوا ذلك، فإن مناهج أحزابهم مؤسسة على رفض دين الله، ولكن مابال بعضنا ينساق لذلك وهو لايقبل أصلا بالشيوعية ولافكر البعث ولاكل هذه المناهج التافهة في قرارة نفسه؟!
إن الغضب عندما تنتهك محارم الله واجب، ونحن بدءا ومنتهى لم نخلق إلا لعبادة الله، إنسا كنا أو جنا كما قال ربنا جل في علاه:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات 5
ياصديقي، لقد غضب لله ولرسوله حليم الأمة أبوبكر الصديق رضي الله عنه عندما رد على موفد قريش عروة بن مسعود في صلح الحديبية (جاهرا في وجهه بالسوء)، فنزل في ذلك قول ربنا جل في علاه:
{لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} النساء 148.
قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد: وفي قول الصديق لعروة (امصص بظر اللات) دليل على جواز التصريح باسم العورة إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال. انتهى.
وهذا دليل بأن لاتكون للغضبة لأجل دين الله وفي سبيله حدود.
ياصديقي، كل مسلم منا معني بتطبيق الدين في واقع الحياة، ومن أقام الدين في نفسه يكون قد أعان على إقامة الإسلام في الأرض، والشريعة فيها واجبات عينية وواجبات كفائية، فالواجبات العينية تلزم كل مسلم إقامتها كالشعائر التعبدية، لكنها ليست كل الدين، إذ هناك من الدين ما وكل به الحاكم، والدليل أن الله لم يعلن حربه على العباد في تفريط على صلاة أو صيام أو حج، انما كان غضبه تعالى لأجل أمر اقتصادي/مالي بحت وهو الربا:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} البقرة
والواجبات الكفائية لا بد أن تقوم بها الأمة بأجمعها، بحيث إذا أخلت بها أثم جميع أفرادها، والأمر هنا يحتاج إلى حكومة تقضي بما شرعه الله في أمر الربا، تنشئ البنوك التي تطبق مراد الله في المال والاقتصاد، وتنشئ الوزارات التي تعنى بذلك وكذلك بالزكاة جمعا وحسابات وشرطة وفقهاء يعنون بمصارفها وغير ذلك.
اللهم أنصر جيش السودان نصرا عاجلا مؤزرا، وارفع البلاء، وارحم الشهداء، واكتب العوض.
اللهم ولِّ علينا خيارنا، واحفظ السودان من جهل بعض أبنائه ومن كيد الأعداء، انك ياربي ولي ذلك والقادر عليه.
[email protected]