جريدة الوطن - الثلاثاء 17 محرم 1430هـ - 13 يناير 2009م
كلام ساكت - أيام النميري «11»
لواء «م» محيى الدين محمد علي
ذكرت سابقاً .. بأن عدد المعتقلين الذين تم التحفظ عليهم .. داخل معسكر ضخم تحت إشراف وإدارة سلاح المدفعية بعطبرة .. كان يتجاوز الثمانمائة معتقل .. معظمهم من موظفي وعمال السكة الحديد .. ومن المعلمين ... وعمال وموظفي المصالح الأخرى .. وقليل من عامة الناس .. وكان لزاماً عليَّ بالتعاون مع أسرة مكتب الأمن والمباحث .. أن أقوم باستجوابهم جميعاً وعمل ملف بكل التفاصيل عن كل معتقل ، ومن ثم تصنيفهم إلى مجموعة أولى .. ثم ثانية .. وأخيرة ثالثة.. وهم الأقل خطورة ... وقد أدينا هذه المهمة .. بكل أخصلاص وتفانٍ ... نبدأ نشاطنا صباحاً .. ويستمر حتى منتصف الليل .. وقد صرعتني الملاريا .. ثلاث مرات .. أثناء هذا العمل الاستثنائي المرهق ... ولكن .. ومع قساوة هذا العمل .. فإنه لم يخلُ البتة .. من لحظات الفرح .. ولحظات الضحك والابتسام .. والمواقف الإنسانية .. فالفرح كان يغشانا جميعاً .. كلما .. صدر كشف من لجنة أمن المديرية .. بإطلاق سراح مجموعة من المعتقلين .. فنحمله على جناح السرعة .. لإدارة المعتقل .. ونحيا تلك اللحظات المؤثرة ..... والرفاق يودعون الرفاق .. ويرتمون في صدور أهلهم وهم يجأرون بالبكاء ودموع الفرح .. ويحتضنون أبناءهم وبناتهم .. ويمشون إلى بيوتهم .. زرافاتٍ ووحدانا .. ولا ينسون أبداً .. أن يخصونا.. بعناق الوداع ... فقد كنا .. لهم أصدقاء .. ناصروهم على محنتهم ولم يظلموهم ..!!
أما الطرائف ولحظات الضحك والابتسام فقد كانت .. هي زادنا .. ودافعنا على العمل.. لأن كل المعتقلين الذين كنا نتعامل معهم صباحاً .. ومساءً ... كانوا من الصفوة المسلحين .. بأفكار اليسار .. وكانوا على درجة من الثقافة والوعي ... ويتميزون بالذكاء ... والسخرية والملحة والطرفة .. وحتى جماعة الميم نون.. فهم على غفلتهم .. أصحاب شخصيات خاصة .. وقدرات وطاقات نادرة .. لا أحسب أن الحزب الشيوعي السوداني .. كان في مقدوره الاستغناء عنها ..!!.. ومن الطرائف التي يحكيها الشيوعيون .. أن .. رفيقاً من جماعة (الميم نون).. لم يكن لديه أي مؤهل تعليمي .. وظل يطالب قيادة الحزب لإرساله في بعثة دراسية .. ويلح على ذلك.. فتم إرساله.. إلى روسيا.. في دورة تدريبية .. حسب قدرته ... ولما عاد إلى السودان .. سألوه عن الشيوعية ومزاياها فقال لهم.. ده موضوع طويل.. لكن باختصار أنحنا هنا في السودان.. واقفين صفوف علشان نلقى لوح ثلج.. لكين في موسكو.. تقوم من نومك تلقى ثلجك راجيك في الشباك.. وما عليك إلا تخرط ساي!!
إن طرائف الرفاق المعتقلين ... التي أضحكونا بها.. أو ضحكوا بها علينا.. لا تحصى ولا تعد.. وبعضها يصعب سرده.. ولكني... أرغب في سرد.. بعض المواقف.. لرجال وجدتهم داخل المعتقل.. أحدهم.. كنت قد تعرفت عليه في جوبا.. والثاني.. عرفته في دنقلا. أما الأخير.. فكان من أبناء.. أرقو وزميل دراسة حتى المرحلة الثانوية .. فلما كنت.. استدعي المعتقلين من معسكر الاعتقال لاستجوابهم وإكمال الإجراءات المطلوبة بشأنهم... شهق الرجل عندما رآني واندفع نحوي يضمني.. ويعانقي، وسرعان ما ربطتُ بين اسمه.. وهيئته وتذكرت.. أيامنا معاً في مدينة جوبا.. فسألته عن سر اعتقاله.. والرجل حسب علمي.. لا علاقة له.. بمايو.. ولا.. بيوليو.. فقال لي.. إن علاقته كانت سيئة جداً بأحد ضباط الشرطة.. فتربص به. ولما تيقين بأنه قد أرسل برقية تهنئة لرجل من الذين عينتهم حركة «19 يوليو».. في منصب حساس ومهم.. استغل الضابط هذا الأمر، وقال باعتقاله.. باعتبار أن البرقية تأييد ودعم للانقلاب الشيوعي.. وأوضح لي الصديق المعتقل.. بأنه أرسل برقية التهنئة بصفة (أخوية).. لأن الرجل كان صديقه. وقد عملا معاً في شبابهما في مجالات أخرى.. وقد سره وأسعده وأثلج صدره.. أن يصل إلى المرتبة العليا التي أختير لها.. وعلشان كد بس أبرقه مهنئاً!!.
وطالبني بالمساعدة لشرح موقفه ورفع الظلم عنه.. وإطلاق سراحه.. وبالفعل رفعت توصية.. إلى لجنة الأمن عبر القنوات طبعاً.. وذكرت بأن برقيته لا تحمل أي بعد سياسي يمكن أن يُحسب عليه.. وقامت اللجنة باستدعائه واستمعت إليه.. وتوقف أحد اعضائها عند جملة (في هذا المنعطف الخطير من تاريخ أمتنا).. وقال له ده شنو؟ فقال المعتقل (دي ثقالة مني ساكت)!!
ضحكت اللجنة.. وأمرت بإطلاق سراحه!!. أما الرجل الذي تعرفت عليه في دنقلا.. فهو نفس الرجل الذي تحدثت عنه من قبل.. صاحب العربة اللاندروفر.. حزب الأمة رمز القوة والذي أكرمنا بخروف وساعدنا على مهمتنا في اعتقال مجموعة من وكلاء الإمام الهادي. وكان لا يعلم بأنه على رأسها.. ولكننا.. اعتقلناه على الورق وأطلقنا سراحه.. وهو لا يعلم برضو.. فأحسنت استقباله وصافحته وأجلسته وأكرمته بكوب شاي.. وسألته عن علاقة وكيل الإمام.. بالشوعية.. فقال لي أنا ما شيوعي.. ولكني أكره النميري من قبال يبقى رئيس.. وهو من أهلنا.. ولما سمعت بالانقلاب.. خرجت بعربتي أهتف ضد النميري .. وقبضوني وأرسلوني إلى عطبرة .. وبعد إكمال الإجراءات أعدته إلى معسكر الاعتقال ، وهو يردد التجي من السماء.. تحملها الواطا..!!
أما زميل الدراسة وابن منطقتي .. فقد كنت أعلم باعتقاله قبل ان أصل إلى عطبرة .. وقد اتصل بي أهله عدة مرات سائلين عن ظروف اعتقاله .. وإمكانية إطلاق سراحه .. فذهبت إليه في المعتقل واستعمت منه حديثاً طريفاً .. فالرجل بالإضافة لمهنته كمحاسب ، فهو خطاط درجة أولى (يسترزق) من فنه .. ووجد فيه الشيوعيون ضالتهم .. فجعلوا كل شعاراتهم ولافتاتهم المكتوبة (حصرياً) على (نصر الدين) .. وكان الرجل إذا خطَّ شعاراً أو لافتة .. مهرها باسمه .. من قبيل الدعاية والإعلان عن فنه ... وحسبت أجهزة الأمن أن مسلكه وإصرارهـ على كتابة اسمه .. مغالاة .. وتطرفاً وتبجحاً بشيوعيته .. ومما زاد الطين بلة وأزم موقفه .. أنه كان يقف في قلب المظاهرات .. ضاحكاً يستمتع بلافتاته الحمراء .. التي غطت الساحة .. واسمه يتراقص في أسفل كل لافتة!!
لم تكن البينات .. ضد .. وكيل الإمام .. وزميل الدراسة .. تمكنني .. من التعجيل بمخاطبة لجنة الأمن لإطلاق سراحهما ، وقد تفهما ذلك .. ولكنني ظللت أزورهما .. بانتظام .. وأقدم لهما المساعدة الممكنة من سجائر وصعوط .. وغيرها .. حتى حل عيد الأضحى المبارك .. فأسرعت بكتابة خطاب لقائد المدفعية موضحاً .. إن إدارة الأمن العام .. تطلب معلومات مهمة جداً عن المعتقلين - وكيل الإمام وزميل الدراسة - وطالبت بأخذهما معي إلى مكاتب الأمن والمباحث .. لإجراء اللازم .. ووافق القائد .. وهو مندهش لإخلاصي في العمل .. قبل صلاة العيد!!.
فاستلمت الرجلين وذهبت للرئاسة (للتمويه) وأنزلت الحرس وجئت بهما إلى منزلي .. حيث .. حضرا معي نحر أضحيتي .. فأكلا منها .. المرارة والشواءات وظلا معي حتى وجبة الغداء .. وأحتسيا من الشربوت المعتق .. ثم اعدتهما إلى معسكر الاعتقال .. قبل غروب الشمس!!
ومن الطرائف ان أحد المعتقلين .. وهو مزارع بسيط .. محدود الفهم . قد تم استغلاله بواسطة بعض الشباب المعادين لمايو .. فدفعوا له بعض المال وطالبوهـ .. أن يطوف بالقرى .. ويذيع على الناس بأن النميري شالوه ... وفعل الرجل .. وكان يردد بأعلى صوت .. أيها المواطنون .. النميري راحت في ستين داهية .. ويضيف الرجل .. أولاد الآبالسة غشوني .. لحد.. ما.. رحت.. أنا ذاتي في ألف داهية!!
لقد ظلت لجنة أمن المديرية.. تحرص كل الحرص على متابعة موقف المعتقلين ومراجعة موقفهم .. والنظر في حالاتهم واطلاق سراح بعضهم .. حتى تقلص عددهم إلى الثلث تقريباً .. فأخرجوا من معسكر الاعتقال .. وتم التحفظ عليهم ... في سجن عطبرة .. والدامر .. وأصبح اتصالنا بهم سهلاً .. وميسراً .. وقد كانت هذه المجموعة المتبقية من المعتقلين من العناصر.. المتشددة .. والتي لا تخفي عداءها للنميري وتأييدها .. لانقلاب هاشم العطا .. وانتماءها .. للحزب الشيوعي .. الجناح الموالي للراحل عبد الخالق محجوب بالتحديد .. وعلى ذلك فقد تجاوزت مدة اعتقالهم .. عاماً كاملاً ... ولما حلت الذكرى الأولى لانقلاب هاشم العطا .. استنفرت قوات الشرطة كلها .. وتحوطت لوقوع أي اضطرابات أمنية .. من قبيل المظاهرات والتخريب وكتابة الشعارت على الجدران ... والمنشورات ..... ولكن شيئاً لم يحدث .. فطابت أنفسنا وشعرنا بالارتياح .. لأن الخطة الأمنية .. قد حققت أهدافها .. ولكن حدث ما لم نكن نتوقعه أو نحسب له حساباً.. إذ استغل الشيوعيون تجاوز ادارة السجن.. وسماحها بدخول الوجبات البلدية.. زي أم رقيقة.. والمفروكات بأنواعها فاستطاعوا أن يدسوا في قاعها مئات النفاخات أو البالونات.. وعند منتصف النهار... نفخوا هذه البالونات.. وعلقوا عليها.. هتافاتهم المعادية للنميري.. والهتاف بحياة الحزب الشيوعي ونضاله.. مكتوبة على أوراق علب السجائر.. والأوراق الأخرى ثم أطلقوها.. لتصعد إلى سماء السجن.. ثم.. تنداح في سماء المدينة مع تيارات الهواء.. لتبلغ كل مكان.. وكان مضحكاً جداً.. أن ينطلق خلفها الرجال.. لقبضها.. وقراءة مضمونها ثم طرشقتها.. وعند سؤالنا للمعتقلين عن هذا.. انكروه جميعاً.. وقالوا.. إنهم لا علم لهم بذلك.. وأن هذه البالونات لم تصعد من السجن أصلاً.. وكان ضباط السجن رجلاً لطيفاً.. فقال لهم طلعت من عندكم ولا ما طلعتش.. تاني مفروكة ما في!!
وبعد هذه الحادثة الطريفة تزايد نشاط الشيوعيين.. وكلما أصبح الصبح طفنا بمدينة عطبرة وشوارعها.. لنجد.. جدرانها وقد ازدحمت بالشعارات المعادية... وأصبح التحري في هذا الأمر.. لنعرف من فعله.. غير مفيد.. فأخذنا نبدأ صباحنا بتوزيع رجالنا وهم يحملون الفرشاة والجير الأبيض.. في جرادل... لطمس معالم الشعارات المعادية المكتوبة على جدران المنازل.. وجلبطتها أو شخبطتها.. وكله على حساب صاحب المنزل المغلوب على أمره.. وليس له في.. (النمير) ولا النفير.!!. وذات يوم دخل السيد الدكتور محي الدين صابر مدينة عطبرة فجراً في سيارة ورأى جماعتنا وهم يطمسون شعاراً يقول.. (لن ترتاح يا سفاح) وكانوا قد بدأوا في عملية الطمس مبتدئين من (الحاء) في نهاية الشعار.. فحسب انهم من الشيوعيين.. وجاء مسرعاً.. والتقى.. مدير الشرطة وقتها العميد.. عصمت معني.. وابتدره قائلاً: موش ممكن اللي بيحصل ده.. الشيوعيون يكتبون على الحيطان في وضح النهار؟! وقام السيد عصمت بشرح الأمر له.. فقهقه.. ضاحكاً.. وقال: صدق اللي قال.. كلام الليل يمحوهـ النهار!!.
ونواصل