(13)
بداية الدعوة :
بعد أن طاف المهدي أغلب أقاليم السودان و رأى بعينيه الواقع و لقى القبول من الشيوخ و الجماهير باعتباره شيخا صالحا و بعضهم رآه وليا ، و بعد لقائه بالخليفة عبد الله زادت قناعته بفكرة المهدية ، ليس المقصود تلك القناعة التي يتم التخطيط لها بوعي إنما غالبا اعتمل في لاوعيه ، محرك تلك التصورات التي أشرنا إليها فيما سبق . في الحقيقة أن تلاميذ و أبناء الشيخ القرشي كان لهم دور كبير في ترسيخ فكرة المهدية في نفس محمد أحمد ، فقد أشاعوا كما ذكر نعوم شقير في كتابه (تاريخ السودان ، مراجعة و تحقيق محمد ابراهيم ابو سليم ص327) أن في كتب طريقتهم نصا أن المهدي منهم و ان الشيخ القرشي أوما بها إلى محمد احمد و لوحوا بذلك في اشعارهم ... القناعة الداخليةكما قلنا يمكن أن تستدعي تجربة الاكستاز أو الوجد الصوفي التي يتبعها الاونيرزم الذي سبق شرحه . ... بعد جولة المهدي في عدة أقاليم في السودان (خاصة أماكن تجذر و رسوخ الصوفية) بدأ في اصدار منشوراته التي ارتجى منها جمع الثوار .... سنطالع اولا عددا من منشورات و مكاتبات المهدية لنطلع على الجانب النظري ثم بعد ذلك سنلقي نظرة على النتائج الواقعية لتلك التنظيرات . لنبدأ بالمنشور الاول (البيان رقم واحد) :منشور مرسل الى صديقه وصهره الشيخ محمد ود البصير- من قبيلة الحلاوين - بتاريخ 4نوفمبر 1880م يقول فيه: "..........لايخفى على عزيز علمكم ان الامر الذى نحن فيه (إدعاء المهدية) لابد من دخول جميع المؤمنين فيه الا من هو خالى من الايمان.وذلك مما ورد فى حقائق غيبية و أوامر الهية و أوامر نبوية اوجبت لنا مهمات صرنا مشغولين بها....." .
ثم اصدر منشورا يعتبر المنشور الرئيسى للدعوة و هو منشور طويل يقول فيه: ".....اعلمنى النبى بانى المهدى المنتظر وخلفنى بالجلوس على كرسيه مرارا بحضرة الخلفاء والاقطاب والخضر وجمع من الاولياء الميتين وبعض الفقراء الذين لا يُعبأ بهم و قلدنى سيفه وأيدنى بالملائكة العشرة الكرام وان يصحبنى عزرائيل دائماً ، ففى ساحة الحرب امامى جيش و فى غيره يكون ورائيا و ان يصحبنى الخضر دايما ويكون امامنا سيد الوجود وخلفاؤه الاربعة والاقطاب الاربعة وستين الف ولى من الاموات." (كتاب الاثار الكاملة للامام المهدي تحقيق بروفيسور محمد ابراهيم ابو سليم .... [لو جاء المهدي في أيامنا هذه لبدت عبارات مثل (الأقطاب الأربعة ... و : ستين ألف ولي من الأموات ..) شيئا غريبا لا يمكن تصديقه و لربما أثارت سخرية البعض ، لكنها كانت مسلمات راسخة في ذلك الزمان .
|