|
:: كــاتب نشــط::
|
الترابى : حرب الفتاوى.....
كمال الجزولى
لست متيقنا تماما من الفرق بين(مجمع الفقه الأسلامى)و(الرابطةالشرعيةللدعاة والعلماء),بل اقر بأننى لم اجد فى نفسى دافعا للوقوف على هذا الفرق,فضلا عن اننى اكاد اجزم,ولطول عشرة المسلمينفى بلادنا مع هذه المسميات,متعددة الأسماء متحدة الجوهر,بأن هذا الفرق لم يشغل,ولو للحظة,احدا ممن اطلع مؤخرا على البيانين الصادرين عن هذين الكيانين,بقدر ما اهمهم دخول (المخاشـنة)بين د.الترابى وحوارييه السابقين عمق اللحم الحى.
فرغم ما لهذه المخاشنة من سوابق,الا انها تتجاوز هذه المرة,بالنظر لمجمل الظروف المحيطة,كل خطوط (استواء) الذهن الشمولى المؤسسة,اقتراضا,على خبراته القبلية,حيث يسعى الكيانان,فيما يبدو,لأنتاج ذات الملهاة المأساوية التى افضت لأعدام الشهيد محمود محمد طه عام 19985 ,دع الأعتداء على الشيوعيين عام 1965 ,وتكفير جماهير الأنصار عام 1970,واهدار دماء كتاب وصحفيين وسياسيين وقضاة ومحامين مقابل عشرة مليون جنيه (للرأس الواحد)فى مايو عام 2003 , وتحريض السلطة على احزاب وتنظيمات طلابية,وعلى كل معتنقى الديموقراطية والأشتراكية والموالين للنصارى,على حد الفتوى,فى يونيو عام 2003,وما سبق هاتين الواقعتين من تصاعد لثقافة العنف خلال تسعينات القرن المنصرم,مما تمخض عن الأغتيالات الشهيرة للمصلين فى مساجد الجرافة ومدنى وانصار السنة بأمدرمان,فضلا عن اغتيال الفنان خوجلى عثمان ومحاولة اغتيال الفنان عبدالقادر سالم,وذلك بعد زهاء القرن من فتوى (مجلس العلماء) التى كانت قد باركت ,بذات الرؤية التكفيرية,تنكيل الأدارة الأستعمارية بالشيخ على ودعبدالكريم,حتى لقد لاحظ باحث بريطانى ان (المجلس)منح ذلك التنكيل السياسى بعده الشرعى.(تيم نبلوك:صراع السلطة والثروة فى السودان,1990م).
بيان المجمع يحوم حثيثاحول (تكفير)بعض آراء (الشيخ),بوصفها,على حد تعبير فتواه,تصادم نصوص القرآن والسنة,فصاحبها بالتالى,يدخل فى زمرة من تنطبقع عليهم الآية الكريمة : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيرا. داعيا اياه الى التوبة الى الله تعالى من القول عليه بغير علم,وتضليل جماهير المسلمين,وموجبا على السلطة التعامل معه بما يقضى الحق ويوقف الشر والضرر (الصحافة,20/4/2006).اما فتوى (الرابطة)فتنصب ,صراحة على تكفير (الشيخ)لذات الأراء,ومطالبة رئيس الجمهورية بمحاكمته,اسوة كما قالت ,بما فعل نميرى مع محمود محمد طه,لأنه كافر مرتديجب ان ..يعلن توبته على الملأ مفصلة,ويتبرأ عن كل ما صدر منه امام طائفة من اهل العلم بحكم قوله تعالى (الا الذين تابوا واصلحوا وبينوا),كما طالب بالحجر عليه وعلى كتبه ومقابلاته(السودانى,23/4/2006).
لقد سبق (التخاشـن)هؤلاء (الأخوة الأعداء) ان لامس حواش (الخطر),بصورة او بأخرى ,وفى اكثر من مناسبة . فقد عمد كلاهما,مثلا الى (تكفير)بعضهما البعض من خلال صراعهما(الدنيوى)على اسلاب السلطة فى عقابيل (مفاصلة رمضان)الشهيرة,حيث اعتبر الترابى,حينها,ان ابعاده عن الحكم ليس سوى..محاولة لأبعاد كلمة الأسلام واصل الدين (الشارع السياسى 31/2/2000)وآزره على الحاج ,احد اقرب معاونيه,واصفا ذلك الأجراء بأنه..يمثل تمريرا لفصل الدين عن الدولة(الصحافة 21/2/2000)ثم مالبث الترابى ان هب ,على خلفية حديث منسوب الى نائب رئيس الجمهورية وقتها ,حول امكانية القبول (بفصل الدين عن الدولة)من خلال التفاوض مع الحركة الشعبية آنذاك,واصفا اياه انه كفر ببعض الكتاب وايمان ببعضه(الصحافة 21/2/2000).وذلك بالرغم من رأى الترابى القديم فى (التكفير),والنشور ضمن حوار محمد الهاشمى الحامدى معه,والذى استغرق كتابا بأكمله,حيث وصف نزعات (التكفير)بأنها..(امراض تصيب المسلمين كما اصابت قبلهم اهل الكتاب), ووصف (التكفيريين)بأنهماما حفظوا الدين تقاليد ميتة,او يريدون ان يسكتوا هذا التدين الجديد الذى يؤذى مصالحهم,او يخدمون الغرب بضرب المسلم بأخيه ,لكنه استبعد ان يكونوا.." قوة ذات وزن تستحق ان نفرط طاقتنا المحدودة..العناية بهم وبترهاتهم ,دعهم يتحدثوا حديثهم(حسن الترابى:آراؤه واجتهاداته فى الفكر والسياسة,1996).
ولم يكد ينقضى عام على ذلك حتى ابرم حزب الترابى نفسه مع الحركة الشعبية,بجنيف فى 19/2/2001 مذكرة تفاهم نادى فيها بعقد اجتماعى جديد لا يسمح بالتمييز بين (المواطنين)على اساس (الدين) او غيره.ومع اننا حمدنا للترابى وقتها,اقراره الضمنى بأن (السياسة) طحن (دنيوى)محض,تدور رحاه بين البشر على الأرض, لا فى السماء,الا اننا لاحظنا انه لم يتكبد عبء التأسيس المقنع لتغيير الفقه القديم الذى كان اجترحه بنفسه ضمن اطروحته عن (التدين بالسياسة)و(توبة الدولة الى الدين)والتى تشكل الركيزة الأساسية لمشروع (التمكين) السلطوى الذى ما انفكت حركات الأسلام السياسى تجد فى طلبه,على كلا حالى وحدتها وشقاقها. فقد نحت المذكرة الى جعل (المواطنة)هى المرجعية.وهو منحى يقطع مع صـمديات طرح الرجل السابق لمشروع (الدولة الدينية)المفارق للأسلام,نصاومثالا.والمطابق,بلا سند او طائل ,يين (الوحدانية)و(التوحيد)كمفهومين دينيين وبنهما كمفهومين سياسيين (راجع الترابى:خواطر فى الفقه السياسى,ص130 وهو الأمر الذى لا مندوحة من تبيينه فيما ان (الوحدانية)هى صفة الله سبحانه وتعالى,وحقيقته العرفانية القائمة فى ذات وجوده المطلق, وان (التوحيد) هو فعل التسليم من العباد بهذه الحقيقة,فأن مدار الأختلاف فيهما محكوم بمعايير (الأيمان والكفر)(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)اما(السياسة) فهى تدبير العقل البشرى للمكان والمعاش والتساكن وسائر (امور)الدنيا,حيث تتنوع الرؤى,وتتناظر المدارك ,ومدار الأختلاف فيها محكوم بمعايير (الصواب والخطأ),وهذا هو رأى الأمام الغزالى والكثيرين غيره.ولو كان الأمر بخلاف ذلك لما اختلف الصحابة بالقطع حول اختيار الخليفة الأول يوم السقيفة,ولما كان النبى(ص) قد تركه دون بيان ,وهو الذى تلا فى حجة الوداع "اليوم اكملت لكم دينكم". ولما توفى تاركا امور الدنيا لمدارك الناس فى الحديث الشريف "ما امرتكم بشيئ من دينكم فخذوه,اما ما كان من امر دنياكم فأنتم ادرى به"ولما اختلف على وعائشة وهما متيقنان من انهما انما يختلفان فى امور دنيوية وصفتها عائشة بأنها من سنخ ما يكون بين المرأة واحمائها,ولما اختلف الناس ,وفيهم صحابة مبشرون بالجنة ,مع عثمان الى حد قتله.وتلك,فحسب,بعض امثلة لأسياف المسلمين قد سلت حول (الدولة),لا (الدين).
|