الحكاية رقم 30
________
قصة من قبيلة البانتو
سيليكانا والنهر الاله..
أعاد حكيها: أى جى بريل
فى قديم الزمان..
كانت سليكانه بنت طيبة الخلق، تساعد الآخرين لذا أحبها هؤلاء الذين كانت
تعطف عليهم، فأهدوها عقودا وسلاسل من أعمال الخرز والسكسك، عقود جميلة
ملونة يتزين بها عادة أهالى "البانتو"ويحسنون صنعها. وبالطبع فقد حسدتها
الصبيات فى عمرها غير موقنين أنها قد نالتها جزاءا وعرفانها لما تفعل
للآخرين.
كان على فتيات البانتو فى الماضى، وحتى اليوم، أن يذهبن الى النهر قبل
الغروب لجلب الماء فى الجرار، قبل الغروب وليس بعده حتى لا تغدر بهن
أرواح النهر الشريرة، كما يقال.وبالرغم من ان الجرار التى تحملها الفتيات ثقيلة
تزن الواحده منها أربعين رطلا بعد الملء، لكن الفتيات يقمن بهذا الواجب
فرحات سعيدات، لأنهن يجدن الوقت للثرثرة والنميمة، وليتفاخرن بمقتنياتهن من
ملبس أو زينة فى حضرة بعضهن البعض.
وفى عصر أحد الأيام كانت سليكانا فى طريقها الى النهر، عندما طلبت منها
الأم العجوز "سيليكا" المساعدة، فى شئون المنزل. كانت مقعدة وغالبا ما
كانت سيليكانا تساعدها. وبعد أن انجزت المهام التى طلبت منها، أهدتها المرأة
المسنه عقدا مصنوعا من شعر ذيل الفيل قائلة: "هيا خذيه، فأنا لا أستطيع
لبسه الآن بعد أن هرمت، سيكون جميلا عليك، اشكرك على جميل صنعك،
والآن اذهبى الى النهر قبل أن يدركك المغيب." حملت سليكانا جرتها فوق
رأسها وانطلقت الى النهر سعيدة وممتنة. وهناك كانت كل البنات فى انتظارها
وعلى وجوههن ابتسامة، لاحظت ان كل البنات لم يكن متزينات بزينتهن كما هو
المعتاد.
قالت البنت القائدة للركب: "تأخرت يا سليكانا، فقد انتهينا لتونا من اجراء احد
الطقوس، لقد قدمنا القرابين لألهنا النهر، بأن أعطيناه كل ما نملك من زينة، انها
عادة قديمة نسينا أن نتبعها من وقت طويل.""أنا واثقة من أنك تودين أن
تقومى بنفس ما قمنا به، حتى لا يغدر بك النهر ويجرك الى منيتك اذا تأخرت
مرة أخرى."
كانت سيليكان تعلم أن هذا الطقس يجرى كل عام، لكنها لم تسمع بأن الفتيات
هن الذين ينظمن هذا الطقس لوحدهن. على العكس، كان عمدة القرية هو الذى
يعلن عن هذا الاحتفال ويشارك فيه كل الناس، والقرابين المقدمة هى عبارة عن
ماشية وليس زينة البنات. لكنها لم تكن تتوانى من اسعاد الاله النهر بأى ثمن،
وبيقين تام أخرجت عقدها الطويل، ومشبك صدرها، وأقراطها الجميلة وأسورتها ثم
ألقت بها للنهر واحدة اثر الأخرى، وهى تدعو وتصلى ليباركها النهر. ومن
عمق صلواتها سمعت أصواتا من ضحك الفتيات المجلجلة خلفها، وعندما التفتت
نحوهن، رأتهن وكل واحدة قد وضعت عليها كامل زينتها وقد أخذنها من
المخبأ. وعلى الفور أدركت الخدعة التى حبكتها الفتيات ضدها من أجل أن
تفقد كل زينتها وتشفى غليل الحسد الذى يأكلهن من حسن خلقها وجمال
صورتها وندرة حليها، ما يفعله كل الحاسدين ليطفئوا نار الحقد بداخلهم. يقول
الرجال الحكماء ان الحسد احساس بغيض وضار ولكنه حقيقى، ووهو معروف
فى كل البلاد وليس هو وقف على بلاد البانتو فى أفريقيا وحدها. لكن لو
أدركت البنات مغبة الأمر الذى قمن به لما أقدمن عليه.
وانخرطت سيليكانا فى بكاء مرير، حزينة أنها بغفلة وهبت كل زينتها النادرة من
أجل لاشىء، وللأبد. فلا أحد يجرؤ على الغوص الى أعماق ذلك النهر.
وسمعت أصوات البنات وهن يتحدثن منتصرات: هذه البنت الغبية صدقت انها
يمكن أن تقذف بحليها هكذا للنهر؟" "هذا ما فعلته" "ياللغباء!" وبدون أن
يتوقفن من الضحك، وضعن جرارهن على رؤوسهن واتجهن نحو القرية تاركات
سيليكانا المسكينة وحيدة وباكية قرب النهر.
"ايها النهر، ايها النهر ارجع لى مصاغى وحليى التى اعطيتك بلاسبب."
وظلت تبكى وتلح على النهر فى الدعاء. وفجأة سمعت صوتا غريبا يأتيها من
طرف النهر:" تعالى يا صغيرتى الى هنا، اتبعينى."تبعت سيليكان الصوت
حتى وصلت الى منحنى بالنهر، جيث شكل التيار دوائر خطرة. سمعت الصوت
يقول لها:" لا تتبعى التيار حيث الدوائر فقد تغرقين." قالت له سيليكانا:
"ارجوك ايها النهر ان تعيد لى عقودى فقد خدعتنى نديداتى." ورددتها ثلاثة
مرات. وسمعت هذه المرة الصوت من مكان قريب للنبع الدائر:"تعالى هنا يا
صغيرتى، انزلى الى العمق وسأعطيك مقتنياتك." تقدمت سيليكانا الى حيث النبع
وهى تصارع الموج وتحاول أن يكون رأسها خارج الماء، وبمجرد أن وصل
الماء الى ركبتيها، جرها النهر الى عمقه الأخير وغرقت فى الماء. وبعد مرور
وقت طويل جدا، لمست أقدامها قاع النهر، ورأت امامها نورا باهرا. وكما فى
الماء لا يستطيع المرء المشى بسرعه، وصلت بعد زمن الى بوابة لكهف
باطنى. رأت داخل الكهف آلاف من الحجارة الكريمة اللامعة، حتى أن الكهف
كله كان مضاءا بها. وبعد أن صارت قادرة على رؤية ما أمامها، رأت
امرأة تمشى على رجل واحدة، أو لعل الرجل هى ذيل سمكة، تأتى نحوها.
واحتوتها امراة النهر برفق مستخدمة مرفق يدها الوحيدة أيضا. وقادتها الى
غرفة ثانية حيث حضرت لها طعاما شهيا قائلة: " كلى يا صغيرتى فسأجازيك
على قربانك الغالى."
كان الطعام جيدا وعندما فرغت سيليكانا منه، قالت لها امرأة النهر:" الآن
يجب عليك غسل الاطباق والآوانى وتنظيف الغرفة جيدا، سأغيب أنا قليلا ثم
أعود." فقامت سيليكانا بالعمل على أكمل وجه، غسلت الاوانى ووضعتها على
الرفوف ونظفت ارضية الغرفة وشدت الفراش. وبمجرد من انتهائها من ذلك
عادت امرأة النهر الى الغرفة. قالت لها: "تعالى معى سأعطيك جواهرا
كثيرة."
قادت امرأة النهر سيليكان الى غرفة المجوهرات وأعطتها الحرية فى اختيار ما
يعجبها. فاشارت سيليكانا الى أحجار متألقة وثمينة، وجواهر وماس، ملونة بألوان
قزح قزح، باهية وبراقة. وفى غمضة عين، غرزتها امرأة النهر على الجدار
فتحولت الى عقود وأقراط وأسورة ومشابك أهدتها لها و ألبستها أجمل الملابس
من الفراء والجلد والحرير. وفجأة سمعن صوتا ضخما كصوت الاصطدام على
سطح النهر. فهرعت المرأة النهرية وقالت لسيليكانا: اسرعى يا صغيرتى، هذا
هو "كوينا" ملك النهر مقبلا. سيأكلك ان رأك هنا. وجذبت سيليكانا خارج
الباب حتى عاليا حتى السطح. وهى خارجة مع المراة النهرية، لمحت سيليكانا
كوينا الملك، كان تمساحا شرسا، ولكن لحسن حظها وقبل أن يلمحها هو، كانت
سليكانا قد أخرجت رأسها الى سطح النهر. وعلى الفور سبحت سيليكانا الى
الشاطىء، لقد كانت معجزة ان يتركها كوينا تخرج سالمة.
وسارت سيليكانا فى طريقها الى القرية، فصادفت أختها فى الطريق. دهشت
الاخت وقالت لسيليكانا:" اين كنت يا سيليكانا؟ كل الناس يقولون انك غرقت
فى النهر وفارقت الحياة. هاأنت تعودين وتبدين كالاميرة، ما كل هذه الملابس
الفاخرة والحلى الغالية؟"
فحكت لها سيلكانا قصتها وهما تعودان الى المنزل. ومنذ ذلك اليوم لم تعد
للناس حكاية أخرى غير حكاية سليكانا وثروتها الفاخرة.
أما قائدة البنات فقد زاد حسدها، وقررت الذهاب الى النبع النهرى والعودة بثروة
مماثلة. وفعلا دخلت البنات الى نفس الطريق وقابلت المرأة النهرية. تماما كما
فعلت مع سيليكانا، حضرت لها طعاما شهيا وبعد أن أكلته طلبت منها نظافة
الغرفة الى حين عودتها. عندما اختفت امرأة النهر، قالت البنت لنفسها: وهل
جئت هنا لكى اقوم بهذه الأعمال الوضيعة، لن ألمس شىء وسأنتظر حتى
عودتها وآخذ منها المجوهرات والملابس الغالية ,اعود الى القرية، أنا أستحق
هذه الآشياء وسأبدو عليها أجمل من سيليكانا." وعندما عادت المرأة ووجدت
ان الغرفة ما زالت قذرة والأوانى ملطخة بالطعام، خرجت مرة أخرى وتركت
البنت لوحدها. وبعد قليل سمعت صوت اصطدام عظيم على سطح النهر.
يمكنك أن تتخيل من كان هناك، وماذا حدث بعد.
غابت البنت اللئيمة قائدة الفتيات الى الأبد من القرية وصارت سيليكانا هى القائدة
الطيبة المحبوبة.