عن حزب الأمة الطائفي نحكي ......
(1)
بين مبارك المهدي والصادق المهدي .
بقلم : الخاتم عدلان
[align=center]. اتهامات مبارك للصادق خطيرة لا يمكن للوسط السياسي أن يتغاضي عنها
. لن نفسر صمت الصادق عنها ، إذا اختار أن يصمت ، بأنه نوع من الترفع وعلو المقام.
الخاتم عدلان[/align]
الاتهامات التي ساقها السيد مبارك المهدي ضد الصادق المهدي في صحيفة لصحافة الصادرة يوم 5 مايو الحالي اتهامات خطيرة لا يمكن للوسط السياسي أن يتغاضي عنها، مهما كانت الدوافع ، كما لا يمكن للصادق المهدي أن يسكت عنها إلا إذا اختار أن يستسلم للذبح المعنوي دون مقاومة. وبالطبع سيكون هناك إغراء ضخم للوسط السياسي عامة ، وللصادق المهدي شخصيا، أن يقلل من قيمة الاتهامات بالقدح في شخص من أطلقها، محاولا أن يبرز أن مبارك المهدي لا يقف علي أرضية أخلاقية عالية عندما يتعلق الأمر بالمؤسسية والتعاون مع النظم الشمولية واتهامات الفساد المالي. ولكن هذا ليس هو الموضوع، إذ ان قول الحقيقة لا يتوقف علي الصالحين، بل هو حق مباح لكل شخص مهما كان موقعه ومهما كان موقفه من الحقيقة نفسها.
تتناول رسالة السيد مبارك المهدي قضايا جوهرية تتعلق بالديمقراطية داخل حزب الأمة وهوان المؤسسة الحزبية، واستعلاء الزعيم الطائفي علي قاعدته مستندا إلي السند الأعمي الذي يجده من بعض البسطاء ودكتاتوريته الطليقة، ورفضه لأي نوع من المنافسة مهما كانت درجتها ومهما كان شكلها ، وإهانته لكل ذي رأي مستقل داخل حزبه والتنطكيل به وإجباره علي التوبة والندم وهي ممارسة تذكر بالعصور الوسطي الأوروبية وأساليبه البوكساوية والنميرية عندما يجئ إلي الاجتماعات الحزبية مدعوما بحراسة مسلحة من أبنائه وأزماله، وفساد ذمته المالية بتناول الرشاوي المالية من سلطة يدعي كاذبا أنه يعارضها ، وتصرفه في هذه الأموال غير المعترف بها من قبله بإنفاقها علي نفسه وأسرته واستخدام فتاتها كرشاوي لبعض مريديه وبعض حلفائه الصغار. بل وتصل الإتهامات إلي حد الإهانة التي لا تمحي عندما يتهم مبارك المهدي زعيمه السابق باستجداء رئيس المؤتمر الوطني حتى يدفع له ثمن العودة إلي السودان بعد سياحته القصيرة في القاهرة ، مقابل إعلانه بأن ابتعاده لا ينطوي علي معني سياسي ، مما يجرد الصادق من زينة الكرامة الشخصية.
ويمسك السيد مبارك المهدي عن بعض الأسرار الخطيرة ويهدد بكشف الوثائق الدامغة إمعانا في الإهانة والتخويف، مهددا بالعودة إذا خرج الزعيم عن حدود الأدب !!
نحن لا نريد في هذه المرحلة أن نحكم بصحة أو خطأ كل ما جاء في رسالة مبارك المهدي، ولكننا لن نفسر صمت الصادق المهدي عنها ، إذا اختار أن يصمت ، بأنه نوع من الترفع وعلو المقام ، بل سنفهمه كنوع من العجز عن المرافعة والدفاع وكاعتراف منه بأن ما جاء فيها صحيح كله، وسنتعامل معها علي هذا الأساس حينها. ولكنا نقول الآن أن الاتهامات تبدو علي درجة كبيرة من المصداقية حكما بعدة أشياء.
منها أن السيد مبارك المهدي تحدث عن أشياء كانت محضورة في غالبها من قبل آخرين: مثلا الوثيقة التي قال إن أربعين من قادة الحزب وكوادره وقعوا عليها، التقرير الذي أعده الأستاذ عبد الرحمن نقد الله ورفضه الصادق المهدي بعد أن تحدث عنه هو نفسه كثيرا جدا. وقد غضب نقد الله لهذا الرفض واعتكف، وتحمل بعد ذلك هموما ثقيلة جاءت كلها من تلقاء زعيمه الطاغية الذي يعتقد أ، الديمقراطية هي إعطاء أهوائه الخاصة غطاء التأييد الحزبي الكاذب . ونحن ندعو له بالشفاء العاجل ليواصل نضاله العنيد ، المبدئي والمستقيم، من أجل الديمقراطية الحزبية ومن أجل الديمقراطية السودانية ،ومن أجل الوحدة الوطنية فهو رجل جماع ، تهفو إليه القلوب.
هناك ماضي الصادق المهدي وسيرة أدائه الحزبي ، فقد كان يرفض قرارات حزبه شبه الاجماعية ويستعيض عنها بقرارات شخصية ، مستندا إلي الدعاوي الكهنوتية حول المعرفة الإلهامية التي تحدث عنها في كتابه يسألونك عن المهدية ، ومعتصما بحيل مفضوحة مثل "الإستخارة" التي بررت له إدخال الجبهة الإسلامية إلي الحكم في مواجهة رفض إجماعي من كل قاعدته وقياداته الحزبية ، مثل ها الرجل لا يستبعد منه أن يأتي بما نسبه إليه ابن عمه وحافظ أسراره.
وهناك الوثيقة المنشورة التي تثبت أن الصادق المهدي كان يعلم أمر الإنقلاب، مثله مثل قادة أحزاب معلومة لدينا ، أنه وهو رئيس الوزراء لم يفعل شيئا لمواجهة الإنقلاب وإفشاله، مما يستوجب المحاكمة مع الإنقلابيين أنفسهم. وقد وجهت له هذا السؤال نفسه في أول ندوة عقدها في لندن فلم يستطع أن ينكر علمه بالإنقلاب، ولم يستطع أن ينفي عجزه عن مواجهته ، ربما لأنه لم يكن يعرف هل يقف مع إخوته الأيدلوجيين الذين يريدون أن يطيحوا بحكومته الديمقراطية ، أم مع خصومه العلمانيين المتمسكين بالديمقراطية والراضين عن وجوده هو نفسه رئيسا للوزراء ، مع إضعاف قاعدته السياسية وهو موقف هاملتي نتجت عنه كل هذه المآسي التي لم تصب الصادق المهدي خاصة ، بل أصابت الوطن ككل.
ثم هناك أمر الأموال التي استلمها من السلطة . إن علي الصادق المهدي أن يقول بكل وضوح إما أنه أخذ هذه الأموال بالفعل ، أو لم يأخذها . وإذا كان قد أخذها هل أبلغ عنها حزبه؟ وكيف تصرف فيها ؟ وه التعويضات الخاصة بحزب الأمة مفصولة عن النهب الشامل الذي تعرضت له البلاد ككل من قبل صقور الجبهة الإسلامية الجارحة الجائحة ؟ وهل صحيح أنه استجدي رئيس المؤتمر الوطني المشرف علي عملية النهب الشاملة، ليدفع له تكاليف عودته من سفرته تلك؟
لن نحترم أنفسنا ولا زعماءنا ولا أوطاننا إن مررنا علي مثل هذه الإتهامات مرور اللئام ، لأن تجاهل مثل هذه القضايا مع الحديث عن الديمقراطية والمؤسسية ليس سوي لؤم بعيد الأغوار. ولن ينقذ الصادق من ورطته الحالية ومن حرجه العظيم إلا الصدق والمواجهة . أي لن تنقذه منه إدعاءات الرفعة والتسامي الأخلاقي الزائف ، ولن ينقذه منه اللجوء إلي سوق اتهامات مضادة يمكن أن تدين صاحبه دون تبرئته هو ، ولن تنقذه منه بركاته أو معارفه الإلهامية ، بل لن ينقذه منه حتى المثقفون من أهل الترقيع ، حتى لا نقول الرقعاء ، الين يقفون مع الطائفية والحداثة ، ومع الديمقراطية والدكتاتورية ، ومع اليسار ومع اليمين ، ومع محمود محمد طه وقاتليه ، ومع عبد الخالق والترابي ، ومع الحكومة والمعارضة ، والذين يعتقدون أن الأحزاب ملكيات خاصة ببعض الأسر يفعل فيها زعماؤها بما لديهم من البركات ما يَعِنً لهم من الأفعال ، فهي أحزاب مأمورة بالطغيان الفردي ، وبالفساد المالي ، وبغياب المؤسسية وما علي الناس سوي الصمت وأداء فروض الطاعة والولاء للزعيم الذي أهلته البيولوجيا قبل أن تؤهله الأيدلوجيا .
وأقول أن ما ساقه السيد مبارك المهدي حول محاولات إصلاح حزب الأمة ، وحتى مع مقاومة الصادق المهدي لهذه المحاولات ، مع وجود تيار واسع يدعو للإصلاح ، كان من شأنه أن يقنع مبارك بالتفرغ الكامل لعملية الإصلاح علي أرضية النقد الذاتي لممارساته هو نفسه في العهد الديمقراطي ، وكان شأنه أن ينقل حزب الأمة إلي أفق جديد ، علماني وغير طائفي . ولكن مبارك لم يختر ذلك بل خلط خلطا منكرا بين إصلاح الحزب وبين الإلتحاق بسلطة شمولية القاعدة والتوجهات ، ولا تقبل الحلفاء إلا كتابعين ، ولا تدنو إليهم إلا لتفرق شملهم وتعصف بهم. وهذا أمر يؤسف له ، لأن مقدرات مبارك السياسية المتميزة يعرفها كل من عمل معه . ولكن المقدرة يجب أن تقترن بالحكمة وهو قران لم يتم للأسف الشديد .
الصحافة 7 مايو 2004
|