تاج السر الملك كاتب سوداني وفنان تشكيلي يعيش في الولايات المتحدة الامريكية..
بكل فخر اقدمه لقراء سودانيات..ولكتابها لنرحب به بيننا..
يستخدم تاج السر الملك اللغة العربية والعامية معا.. ينقل عوالم موغلة في المحلية
ويرصد تجارب انسانية باهرة وكأني به يلتقطها بآلة تصوير او يرسمها..
في غربة بعيدة لم تبهت صورة بلاده الناصعة في داخله..تخرج ذكرياته
البعيدة مغسولة بماء النيل..
او يتحدث عن حياته الجديدة في المهجر وعن حال اهل بلاده هناك
في محاولة للتاقلم مع الوضع الجديد في المهجر بعيدا عن النيل...
اول ما ساقدمه هنا هو قصته ماء. لا ادري التفاصيل الدقيقة فيها
نقلتني الى طفولة بعيدة واشجتني.. منظر الرجل يعبر خط السكة الحديد رافعا دراجته
وجلبابه رايته مئات المرات او يزيد حيث اتيت من مدينة بها رآسة السكة الحديد
واخته الصغيرة "طيرة المغارب" التي لا تجد مكان تنام فيه صور تاج السر
خوفها.. هذا الخوف الذي صرنا نعصره بين جوانحنا منذ ان تشتتنا في جهات المعمورة
الاربعة..
وانا انوم وين وانا انوم وين؟
الماء
لم ندر كم لبثنا فى مرقدنا , حتى رشقتنا الشمس بالحمأ ، أهمت علينا بضوء كالعظم اليقق فى بياضه و صلابة الحجارة الصغيرة المدببة فى بأسها. بعثت أخى بالدنانير فعاد خائبا و ابلغنى ان لا أحد يود بيعنا خبزا بالدنانير ..نظرت فى جوف الماء ، رايت وجهينا و قد استطالت منا اللحى ، و مادت السنون فى عبثها الجهم ، رأيت اختنا الصغرى ، امى تناديها ب ( طيرة المغارب)، كانت كلما ادرك الاصيل ذيول الظلمة ( تزازى ) بين العناقريب المصفوفة فى الحوش تصيح بصوت ينبجس من داخل البكاء و الخوف و الرثاء و الوحشة و العطف و بعض حسرة، تردد بلا انقطاع ( انا انوم وين..انا انوم وين!!!)..
يمطر الصيف فى جبروت الغضب حرته ، يعود ابى معا و الرهاب يمتطيان العجلة الرالى السوداء، و عندما يصل الى خطوط السكة الحديد ، يحمل العجلة بيده اليمنى عاليا، يقفز بها القضبان واحدا تلو الآخر بصبر واناة و مناداة هائمة فى يأس بليغ ، يعض على اطراف جلبابه بأسنانه خشية ان يتسخ بزيت المكن السائح فوق حطب ( الفلنكات) و ( الأسطبة) المتناثرة، ممتلئا بزهو اليوم الذى مضى مثل كائن يصطرع فى بطن غول خرافى..
( صديق) كنا نناديه بما لا يحب ( صديق هرار الديك) ، يتوسل بالحجارة و فحم ( الرجوع) ، على غلبتنا و تارة بالضحك ، و لكننا نعود الى مقاذفة كرة الشراب فى العصر ..(عبد الله ) فراش المدرسة ، كانوا يظنونه ( بعاتى) ، قيل انه مات فى ( البلد) ، و تخلق هنا هاربا من دين او بعض خطيئة ، ثم انه يعود ليتخلق فى (حجى) جدتى فى الليالى المقمرة ، بيد ان ( غلبونا) ينتصر عليه دائما بمكر ( بطحانى ) مؤسس كالعقيدة فى حكاياها ، او هكذا ودت جدتى هزيمته بعزم قبائلى...
قفل اخى بالدنانير جائعا ، قال بأن لا أحد يعرفه ، سالته عن المنازل و الطرقات ، قال انكرته و انكرها ، و قال كأنما القوم بدلوا تبديلا ، قلت له كم تظن لبثنا ؟؟ تجاهلنى متعمدا و هو يجيب هاتفه المعلق فى خاصرته ، متحدثا الى فراغ مظلم مبتئس حزين ، فراغ موغل فى فراغ ، فراغ يحمل رائحة الرهاب و الأغنيات التى ما انطفأت جذوة الحنين فيها و لم يتبدل طعم الماء فى ثناياها ، ظل الماء كما عهدناه ، يجىء من لا حيث و لا ندرى الى اى حيث يمضى!!! و لكنه ظل رقراقا ، صافيا ، يشهدنا على ما فى جوفه ، الطحالب و الزجاج و سقط المدينة ، فى احشاءه رقد ( كمال) . نصب الصيوان امام وجه الماء الرقراق، ثلاثة ايام ، ( قلع) كمال فيها طافيا مثل جذع شجرة منهكة ، تخاذلنا فى برودة الصبح الى بيوتنا ، و سجى ( كمال) على شفة الماء ، و النسوة قاتلن الجزع بدمع رقراق ، و تصالحن مع الماء فى زواج ( آسيا) ، و فركن جلد اخى بالطمى فى زمن الحصباء ، و حينما اصابتنى الحصباء ، كنت بعيدا عن الماء ، و كنت اقرب ما اكون الى ماء الحمض الذى لا ينى يهمى رذاذا على ( نيويورك) ،رقراقا لا كما الماء الذى عهدته ، و لكن الطمى ترك ضفة النهر و هبط ضيفا على القلوب ، فما اثمرت و لا أعشبت ،و ما اخضر فيها درب!!! ثم هبط الغبار الأبيض على ( نيويورك) ، فتحول وجه المدينة الى قناع راقص ( منسترلسى) كئيب.
اسند اخى ظهره الى جدار الكهف ، متأملا متأملا بنات افكاره ، يحبلن سفاحا ، و يلدن صبية و صبايا ، كم تمنينا ان تطال ايدينا رقاب هؤلاء الزناة ، شهدهم اخى يسبحون فى الماء مع ( سحاحير) ناوة ، ( عبد الله) الفراش يرتعد فرقا عند ذكر ( ناوة) ، و سحاحيرها الذين يجرون خلفهم اذنابا مثل الخطاطيف ، كان عبد الله يخفى ذيله ، لم نره الا قادما من مكان ، أو جالسا ، لا يوليك الأدبار حتى ان اضطر لذلك ، يعد ( مطارق) الحناء فى يوم الجلد ، فى وفاء و تلذذ ، كأنما يعد السياط للبيع ، او للعرض فى متحف الفنون ، يسيل الماء اللزج حال شلخها ، و تربد عيون ( عبد الله) بالدم .
أغفت امى ، و عينها اليسرى تتراعش بصحو متواتر ، و أخلدت اختنا الأخرى الى نوم كالأغشاء ، نامت ( طيرة المغارب) دون ان تدرى اين استقر بها المضجع، و تواصل بكاءها حتى تسرب الى احلامها ( انا انوم وين) ، احلام مائية ،رقراقة ، لم تدر اختى كم من الزمان لبث الماء فى حلمها ، سد ابى المنافذ على بنات افكارها ، وظل مرابضا فى حراستهن حتى اشتعال الصباح بحريق الشمس على الجباه ، و الماء اطلق النار على جيش النجومى ، كم لبثوا بالعطش و التمر النىء ؟؟؟حصنت البقعة نفسها من الماء فأتاها من عل ، اطلقت عليه النار من الطوابى فسكن ، عاد و التف و انطوى فى خناق (كسلا) و ( اروما) و القرى الذاكرة ، اغفلت القلوب عن الذكر ، فأنسفح الموج عن الهواء ، و همى على القوم المعتصمين بحمى الميدان و المسجد ، اللاجئين يحلمون بخير الأمبراطورية، فقاتلهم الماء دون الأمانى ، و صدهم عطشى عن اللحاق بالخبز و الميسرة و زج بهم وراء حوائط ( ليمان طرة) البيضاء ، لا ندرى كم لبثوا ، ام هل لا يزالون هناك, ام أنهم سكنوا الى (بنى النضير ) ، قرب طبرية؟؟
كم لبثنا فى مرقدنا..دهر من الشمس!!
تاج السر الملك