هاشم النهر ... وأعشاب الثورة ... 1924م
[align=center]جمعية اللواء الأبيض[/align]1
كانت مئذنة جامع أمدرمان الكبير تحوِّم حول دكاكين السوق النائمة على جراح الإنجليز وصبر الأهل المغسول بالشظف ، تسمع وترى التجاني يوسف بشير المنهك جسداً وفكراً وصحبة، يهمس في أذن حاضره الضائع ، أشكُّ فيؤلمني شكي وأبحث عن برد اليقين فيفنى فيه مجهودي ، يقف أمام أبواب المعهد العلمي يتلمّس خطا سنين القرن البطيئة وينادي طفولته في غابة شبابه صعبة الصُفرة والغَبرة:
إنها ثورة الشباب
لم أجد كالشباب يبساً مراعيه ولا كالصـــــبا أقرّ لعيني
يفرح الطين في يديَّ فألهو جاهداً أهدم الحياة وأبني
يهدم ويبني فقط في حقول طفولته ، كانت غابات الشباب ، ذلك العهد ، أعنف شوكاً وأقسى دروباً وأكثر آفاتٍ ، من كلِّ غابات أعوام ماركيز المائة لأنها كانت محاطة بآلاف الأعوام من العزلة والموت ، وحين كان التجاني يكافح جاهداً للسفر لمصر ويناجيها في أشعاره : أملي في الحياة مصرا ، فحيا الله مستودع الثقافة مصرا ، نضّر الله وجهها فهي ما تزداد إلا بعداً عليَّ وعسرا ، كانت مصر تكبل أحلام عرفات محمد عبد الله قبل يديه وتتهمه بقتل "السير لي استاك" – سردار الجيش المصري والحاكم العام للسودان وكان قد أطلق عليه مجهولون عدة طلقات نارية بعد ظهر يوم الأربعاء 19 نوفمبر 1924 وتوفي متأثراً بجراحه مساء الخميس 20 نوفمبر 1924م - وتتوعده بموتٍ وشيك ، وقد ذهب إليها يراهن على مسارحها وفنونها فكادت أن تفتك به سجونها وأن تشلّ يديه وقلمه الحالم بعالٍم سعيد، يغالط به أمل دنقل ، ويكتب التاريخ بعد ذلك أنه نجا من الموت بأعجوبة ، ومضى التجاني يؤسس لمجتمعه الشاعر والمسامع تتحسّس حين اغتياله مقاطع يوسف الصائغ :
يا شاعرْ … مت منفرداً
طوبى للقتلى منفردين أمام ضمائرهـم
لم ينتظروا أن يعطوا أوراق بطولتهم
وشهادات الدفن
.......................
......................
نواصل
|