وتتواصل النفحات ...
للجميع [frame="1 80"]أهدي هذه النفحات من الزمن الجميل وأخص على وجه الخصوص .. إبن جيلي العزيز سعادة السفير.. والباشا..والخال..والعزيزة آمال (وهي إستثناء..لمجرد إعتزازها بذاك الزمن) *******[/frame]
الخرتوم .. بالليل ..!!!
* في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي .. أي قبل أن يري النور الكثيرون منكم.. كنا شبابا نضج حيوية وتفاؤل وطموح مثلكم الآن!.. أي والله العظيم!.. قد لا يصّدق حفيدي أبراهومة هذا الكلام، لكنها الحقيقة، كانت الخرطوم العاصمة قبلة أنظار كل الدول العربية والإفريقية، اجتماعيا وثقافيا ومن حيث المظهر الحضاري، كانت عاصمة نموذجية مقارنة برصيفاتها من العواصم الأخر حيث لم تظهر وقتها في عواصم الدول العربية الشقيقة حتى تلك اللحظة العمارات السوامق الشاهقة والشوارع المتشعبة المعبدة والكباري الطائرة التي تدهش أبناء اليوم في كل من جده والرياض ودبي والشارقة والدوحة وغيرهم.. وفي الواقع كانت الطفرة الحضارية في تلك الدول رهينة ببداية (ثورة النفط) وكانت حركة النشاط الفكري والثقافي والاجتماعي تعم الخرطوم العاصمة منذ الصباح الباكر وحتى صبيحة اليوم التالي وكنا لا نختلف كثيرا عن عاصمة الدول العربية آنذاك (القاهرة)! وكانت مقولة رائجة يات بتداولها الناس بأن ... ( بيروت تطبع والقاهرة توزع والخرطوم تقـرأ)، أي والله عرف الشاب السوداني من جيل ذاك العصر بشغفه الشديد بالتعرف على الثقافات ونهمه المفرط لنهل العلم والمعرفة .. وتأكيدا لذلك إبان فترة تواجدي بدولة ليبيا .. سمعت العقيد معمر القذافي يقول لشعبه بالحرف الواحد .. لماذا لا تكونوا مثل السودانيين؟ السوداني لو في جيبه نص دينار وهو جائع .. يفضل يشتري جريدة ويظل جائع .. وهي حكمة صينية قديمة اتبعها السودانيون تقول :-
( لا خير في امرئ ملأ وعاء بطنه.. ورأسه خالي)!.
* كان هذا هو نهج آباءكم ومن سبقوكم في ذاك العصر.. وتركوا بصمات مشرفة في ذهن كل أشقائنا العرب والأفارقة بأن السوداني متعلم،مثقف ثقافة شاملة،أمين، نزيه، ود بلد الخ، المثير في الأمر أن أدوات وروافد تلك الثقافة الشاملة.. كانت عقيمة بمعنى الكلمة مقارنة بما يتوفر لشباب اليوم من معينات ليزرية وإللاكترونية وإنترنت وشبكات عنكبوتية وخلافه، كنا نهرع يوميا لمحطة الخرطوم الوسطى لشراء الكتب والصحف والمجلات عربية وإنجليزية وفرنسية! فتعرفنا وقتها على الديلي ميرور والديلي تيليغراف والواشنطن بوست والأوبزيرفر والبرافدا ..والتايمز اللندنية والهيرالد تريبيون، هذا بجانب الصحف والمجلات العربية أمثال روز اليوسف وصباح الخير والعربي وآخر ساعة والمصّـور وغيرهم كثر.. وكنا نقرأ روائع الأدب العالمي مثل .. العجوز والبحر..قصة مدينتين.. الأم لمكسيم جوركي..قصة الحي الغربي والبؤساء ليو تولستوي، كوخ العم سام وعشرين ألف فرسخ تحت الماء..امرأتان.. آنا كارنيا والحرب والسلام وزخم من الروايات العالمية المثيرة المكتوبة بأيدي فطاحل الرواة والقصاصين العالميين، وكانت الثقافة السينمائية هي السائدة .. فأجمل ما في الأمر أن شباب ذاك الزمن الجميل كانوا يتبارون في نهل العلم والمعرفة والأجمل من كل ذلك أننا كنا نقرأ الرواية بالعربية ثم الإنجليزية وأحيانا الفرنسية ثم نشاهدها بعد ذلك فيلما سينمائيا أو على خشبة المسرح بعض الأحيان.
* كانت السينما مصدر ثقافة لا تقل عن الجامعة فتعرفنا على تاريخ أمريكا من خلال أفلام الكاوبوي! منها فيلم شين بطولة الآن لأد وسرقة القطار بطولة كيرك دوغلاس وحدث ذات مرة في الغرب.. والنجم الساطع .. بطولة مغني الروك أند رول الشهير الفيس بريسلي.. وظهرت عدة أسماء ممثلين اشتهروا بتقديم أفلام واقعية ووثائقية منهم بيرت لانكستر وأودي مورفي وجاري كوبر وأستيف أوستن وجاك بالانس وغيرهم، كذلك شهدنا عدة أفلام متنوعة مشوقة تحكي عن نضال الهنود الحمر والزنوج الأمريكان وحربهم من أجل الحرية .. كذلك على صعيد ألمانيا شهدنا أفلاما تحكي عن أهوال النازية والجستابو والبوند ستاج وتاريخ العهد الهتلري بألمانيا .. منها مثلا فيلم يحمل عنوان ( 7 أيام من يونيو)، وحتى من الأدب الفرنسي شهدنا أفلاما تحكي عن ثورة الباستيل وتجسد بطولة جان دارك وتفاصيل الحياة الفرنسية في عهد الملوك وصراع السلطة بين الشعب من جهة والكنيسة من جهة والملكية الفردية من جهة أخرى .. أذكر منها الفيلم التحفة الشهير (توماس بيكيت) وهو تجسيد أمين لعهد ملكية هنري الثاني .. وتجسيد للرواية الشهيرة (شرف الله!!).
* كانت الخرطوم العاصمة ذاك الوقت في طفرة حضارية تحسدنا عليها الدول العربية والإفريقية المجاورة كانت حركة السوق ونشاط المواطنين بمختلف أرجاء العاصمة تمتد حتى الساعات الأولي من فجر اليوم التالي، أسوة بالقاهرة وبيروت وكانت الشوارع نظيفة والنفايات يتم جمعها في عربات مخصصة لهذا الغرض عبر أكياس بلاستيكية تصرفها البلدية للمنازل والمحلات،(بدون مقابل!) أتسمعني يا والي؟؟.. وكانت شوارع الإسفلت يتم غسلها بالماء عند الواحدة صباحا كل يوم.. كان حي الخرطوم (2) وما جاوره من أرقى الأحياء وكنا نتحرج نحن أولاد بري من الذهاب إلى تلك المناطق بجلابية أو شبشب، حتى لا نتعرض للسخرية من سكان تلك الأحياء الراقية، كانت شبكة المواصلات الحكومية لكل أنحاء العاصمة المتفرقة تعمل حتى بعد منتصف الليل وكان السائق والكمساري يلبسان زيا خاصا! وكان الراكب يستلم تذكرة مقابل ما يدفعه من أجر للكمساري! وكان هناك رتل من التاكسي، تلك كانت الخرطوم.. فكيف هي خرطومكم اليوم في الألفية الثالثة وواليها بدرجة بروفيسور أسمه المتعافي؟؟؟.. متعه الله بالصحة والعافية.
* واقعة حدثت في الستينات من القرن الماضي وأنا صبي غض أي والله العظيم!.. كنت أركب الباص من بري للخرطوم وفي الطريق عرج السائق على مضخة ( جكسا)! لتعبئة الوقود .. فهرع إليه شرطي مرور كان في طرف الشارع وعمل له مخالفة لمجرد دخول المضخة والركاب على متن الباص! دفع السائق المسكين غرامة وقدرها (جنيه أطرش) .. وكيف لا يكون الجنيه اطرشا لو علمتم بأنه كان يساوي آنذاك (3) دولارات ؟؟؟
* كانت هذه فاتحة مذكراتي لكم .. وسنعاود قريبا التواصل عبر مقارنة منطقية لواقع حال الوطن والمواطن السوداني ما قبل النفط .. وما بعده!.. أو ما قبل الإنقاذ وما بعده!.. فأبقوا مع عمكم أبو أماني .. ولو تطلب الأمر زيارتكم له في مكان ما لا ترضوه له أو لكم أو لأحد منكم! في حال لو كانت الديموقراطية مجرد أسم على غير مسمى.. في هذا الوطن الذي عزّ على المنقذين إنقاذه حتى الآن .. أعانهم الله..!!.. والله من وراء القصد! ولنا عودا قريبا إنشاء الله ،،،
التعديل الأخير تم بواسطة أبو أماني ; 01-01-2015 الساعة 11:58 AM.
|