اكشن (9) لقاء
بعض جنون الحب
وقف أمام المرآة في غرفته الواسعة والمليئة بصور ملهمته بكل المقاسات والألوان , وقف يتأمل هيئته ويضع آخر اللمسات على شعرهـ ثم يتضمخ بعطره المحبب الذي تعود أن يستعمله فقط عندما يكون على موعد معها.
خرج صاحبنا ودار حول نفسه امام إخوانه وأمه كي يتأكد من أناقته بسماع تعليقاتهم عندما يرونه متأنقاً كعادتهم دائماً وقد تأكد له ذلك عندما أصرت أمه على أن تبخره بذلك البخور العطر وهي تردد ( الله يحفظك ياولدي من كل عين حاسدة ماتعاين ليك .... و و و و الخ الدعوات المعروفة ) والتي تعود عليها, ثم طبع قبلة على جبينها وخرج.
وصل الى بيت صديقه أحمد وطرق الباب ودخل فوجدها قد إستعدت وتأنقت وكانت كالملاك في شكل إنسان فأخذ يردد في سره دعاء تعلمه من أبيه كان يقرأه كلما يقابلها كي يحصنها به كي لاتصيبها عين أو حسد وكان يخاف عليها حتى من نفسه.
خرج الإثنان ذلك اليوم الى أحد الكازينوهات المطلة على النيل وجلسوا على نفس المنضدة التي يجلسون عليها دائماً حتى أن عمال وجرسونات ذلك الكازينو قد تعودوا عليهم لدرجة أن صارت شبه صداقة معهم حيث يستقبلوهم بكل بشاشة وترحيب ويحجزون لهم تلك الطاولة تحديدا وكان موقعها على الركن الداخلي للكازينو وتطل على النيل مباشرة.
أتى - ناصر - وهو أحد العاملين بذلك المكان وسلم عليهم بابتسامة جميلة وذهب ثم عاد بعد قليل يحمل عصير البرتقال الذي تعودوا أن يطلبوه في كل مرة وثم وضع على الطاولة أمام صاحبنا أربعة أو خمسة من الأوراق البيضاء مع قلم حبر جاف وقد كان صاحبنا يطلب هذه الأشياء من - ناصر - في كل مرة يأتي فيها الى هنا فتعود هو على هذا الطلب وصار يحضره مع العصير في كل مرة دون تذكير .
وفي كل مرة في نهاية الجلسة كان صاحبنا يملأ هذه الأوراق شعراً ونثراً وأحياناً تشاركه ملهمته الكتابة وقد نجد في هذه الأوراق كل مادار في جلستهم من كلمات حب وغزل وهيام وشعر وحتى إختلافاتهم في رأي أو أي مواضيع أخرى نجدها مكتوبة في هذه الاوراق آخر الموعد ويحملها معه الى البيت ليدونها في دفتر كبير يطلق عليه إسم - كل الأشواق -.
تبادل صاحبنا وملهمته حبا لايوصف كان كلما نظر اليها وجدها احسن صورة من ذي قبل , وكان كلما خرج معها في موعد يحس بان كل الدنيا تنظر اليها هي تحديداً وكان هذا الشعور يولد بداخله رغبة في إخفاء حبيبته عن جميع الأعين وكان ذلك يفرحها ويجعلها تزهو وكأنها هي الوحيدة مالكة هذه الدنيا وأسعد إنسانة في الكون.
وكانت تخاف عليه حتى من اعز صديقاتها وكانت عندما تسمع انه مرتبط بحفل أو موعد تسجيل أو أي شيء يبعده عنها حتى ولو لدقائق معدودة كانت لاتطيق ذلك وتبدي ضيقها وشعورها بالغيرة حتى من أمه.
إنتهى ذلك الموعد وحانت ساعة الرحيل وقد قاربت الساعة ان تعلن العاشرة مساءً وفجأة انقطعت الكهرباء وصارت السماء ترسل شلالات متواصلة من المطر الغزير فهرعوا مع عدد كبير من رواد ذلك الكازينو الى غرفة كبيرة داخله يستعملها العمال لتخذين المواد التي يستهلكونها في عملهم , وكانت أصوات الرعد تصم الآذان وهي الخوف الأول لتلك الملهمة فكانت كلما تسمع هدير الرعد تتمسك بصاحبنا أكثر حتى صارت تحتضنه تماماً ويحتضنها هو بكل قوة .
ظلوا على هذا الوضع طويلاً حتى تمنى صاحبنا أن لايتوقف المطر وان يظل يهطل هكذا الى إسبوع من الآن وتمنى أيضاً أن يزداد هذا الرعد هديراً ويعلو فوق كل صوت وكانوا في وضعهم هذا يتناجون وكأنهم وحدهم في هذا العالم فكان صاحبنا يقول لها ( احبك شديد خالص خالص وياريت لو نموت في الوضع دا)
فترد هي قائلة بصوت مرتعش : (ياريت والله وعارف هسه لو متنا كدا بنكون حققنا وعدنا وحبينا بعض لحد الموت مش كدا؟؟)
فيضمها الى صدره أكثر وبقيا على هذا الحال حتى خفت حدة المطر وبدأ الجميع في الخروج وكانوا أول الخارجين فشاهدوا الشوارع والطرقات مليئة بالمياه وكأنها بحر حتى الإسفلت والبيوت المطله على الشوارع لافرق بين مجرى أو شارع او طريق جانبي فملامح جميع الطرقات صارت مستوية بالماء وكأنها رصفت جميعا بطبقة من الطين .
كان صاحبنا وملهمته هم الوحيدون الذين يستمتعون بهذا الجو ويعتبرونه واحدة من مغامراتهم الكثيرة التي عاشوها سوياً فشكلت لهم رصيد من الذكريات لايمكن تجاهله , أخذو يسيرون تحت رذاذ المطر وهم في طريقهم الى موقف المواصلات يضحكون ويمرحون ويقفون هنا ليشتروا ساندويتشاً ويذهبون هناك ليشاهدوا سيارة داعب الماء محركها فتعطلت , حتى وصلوا الى الموقف وإستغلوا الحافلة وعندما وصلوا الى مقصدهم ونزلوا وجد صاحبنا أن الشارع المؤدي الى منزل ملهمته مليء بالماء كالبحر والمنزل يبعد عن بداية الشارع نحو أربعة منازل ولمح أبناء الحي يجاهدون في تصريف الماء من منازلهم وكانوا متجمعين سوياً يدخلون هذا البيت ويساعدون اهله ثم يدخلون البيت الذي يليه في تكاتف ومروءة قل ان تجدها إلا في هذا السودان العظيم .
هنا إحتار صاحبنا كيف يوصل ملهمته الى بيتها مع كل هذا الماء الذي يصل الى أعلى ركبة الشخص البالغ ومع وجود كل هؤلاء الشباب في الشارع ومن المستحيل عليها أن تسير وهي مسبلة تنورتها الطويلة هذه والتي تصل الى أدنى كعبيها وأيضاً لن يرضى هو أن ترفعها ولو قليلاً في وجود كل هذه الأعين الراصدة حتى لايتبين ماتخفيه من قوامها العاجي الذي يبدو كمنحوتة إلهية لأحد الملائكة فقال لها مداعباً : (الليلة إلا تجيبي ليك مركب عشان تصلي بيتكم)
فقالت له ضاحكة: (وإنت قاعد تعمل شنو؟ ان شاءالله تشيلني زاتو .. انا غايتو الموية دي مابخشها)
وهنا وبحركة سريعة قام صاحبنا دون تردد بحملها بين يديه كالطفل الصغير وتقدم بها وسط دهشة أبناء الحي وتصفيق بعضهم وصيحات البعض الأخروكانوا جميعهم يعرفون صاحبنا جيداً ويعرفون قصة هذا الحب الذي لم يشهدوا مثلها إلا في المسلسلات والأفلام ,
أما هي فقد بلغ بها الحياء مبلغاً فدست وجهها في صدره حتى أوصلها الى باب بيتها ودلف الى الداخل وأنزلها أمام أمها.
وقد حكت له فيما بعد عن هذا الموقف وقالت انها كانت تشعر وكأنها عروس في ليلة زفافها يحملها زوجها بين يديه أما اخوها احمد وأمها فقد اطلقوا عليهم منذ ذلك اليوم لقب - المجانين –
نعم فقد تجاوزا الحد الفاصل....
بين العشق ..... والجنون..
ولكنه ... جنون لذيذ
جـنـون الــحـــــب.
--- يتبع ----
|