هذا الأمر يقودنا إلى صفوة أخرى تتولى قيادة الأحزاب السياسية وينبغي بالتالي أن تكون ممثلة لكل شرائح المجتمع السوداني...لقد فشلت هذه الصفوة فشلا ذريعا في إدارة الأزمة السودانية التي وجد الشعب نفسه فيها منذ أن دخل السودان حيز الدول المستقلة...
لم تستطع إدارة البلاد بصورة تمنع المغامرين من عسكر وسياسيين منفلتين من العبث بمقدرات شعب السودان...وقد كان حالها في الإنتخابات الأخيرة مثيرا للسخرية والرثاء معا...
أحزاب اعمارها تفوق اكبر قادة الحركة الشعبية عمرا، ترهن أمرها لهذا الكيان الوليد الذي أتى للسياسة عن طريق البندقية لا عن طريق العمل السياسي المضني والدؤوب ولم تتجاوز خبرة منتسبيه في العمل السياسي الخمس سنوات، قضوها في عراك مع شريكهم في الحكم نزلا فيها معا إلى مستوى الصغائر, رغم ذلك وضعت تلك الاحزاب كل بيضها في سلة الحركة الشعبية وتنازلت لها عن كل شيء ووافقت على كل ما طلبته وهي تعلم أنهم مجموعة من المخاتلين ذوي الأجندة المزدوجة الذين هم على استعداد لبيع كل شيء ليكون أحدهم رئيسا او وزيرا لدولة لن تكن في احسن الأحوال افضل من تيمور الشرقية...
بشهادة قيادات المؤتمر الوطني كان ياسر عرمان يشكل تهديدا حقيقيا لإنتخاب البشير رئيسا للجمهورية... نوقشت هذه المسألة على أعلى مستويات الحزب وتوصل القوم إلى ضرورة سحبه من سباق الرئاسة بكل السبل المتاحة حتى لا يذهب المقترعون إلى دورة ثانية لا يمكن التكهن بنتائجها وتكلفتها الباهظة...
في المقابل كان ياسر سيضع الحركة الشعبية امام استحقاق لم تكن ترغب فيه، ألا وهو التصويت لصالح وحدة السودان في حال فوزه بالرئاسة، لذا لم تقف كثيرا امام طلب المؤتمر الوطني بسحبه من السباق ولم تجد تبريرا لذلك سوى التزوير المحتمل للإنتخابات...ليس كل الانتخابات بل انتخابات الرئاسة فقط!!
أحزاب جوبا انتظرت حتى الاسبوع الأخير قبل الانتخابات لتحدد موقفها من المشاركة او عدمها، ويا له من تبرير بئيس ذلك الذي ساقه المقاطعون والمشاركون...فإذا تركنا جانبا المبالغ التي دفعت ثمنا للإنسحاب وتلك التي دفعت للمشاركة، وكلها من الأمور التي من السهل اثباتها ودحض تبريراتها، فإن الأمر يبدو في مجمله لعب عيال لا علاقة له بالعمل السياسي الناضج...
المؤتمر الوطني استغل كامل جهاز الدولة ومواردها المالية في إدارة حملته الانتحابية على كافة المستويات، وذلك وحده يكفي لجعل تلك الإنتخابات غير نزيهة وفقا للمعايير الإنتخابية الدولية وحتى المحلية...
كان القوم يعلمون تماما أنها مباراة غير متكافئة، "برشلونة وهلال كادوقلي"، إذن ما الذي حدا بهم لقبول نزال محسومة نتائجه؟ هل هو لإكتساب الخبرة؟ بالطبع لن تكون هناك خبرة يكتسبونها لأن المباراة القادمة لن تكون قبل خمسة اعوام، كما لم تعودنا هذه الاحزاب على الاستفادة من تجاربها...
هناك خلل سياسي لا بد من اصلاحه، وتخطي الاطر التقليدية لاحزاب الطوائف أمر ممكن...حدث ذلك مع الزعيم الأزهري ومع الحزب الجمهوري السوداني والحزب الشيوعي وحركة الأخوان المسلمين بل حتى مع الصادق المهدي عندما فصل السياسة عن الإمامة لخدمة اجندته الشخصية، إذن ما الذي يمنع من العمل على تخطي هذه الكيانات المكبلة لحركة الشعب السوداني بقيود لم تعد تتماشى مع العصر؟
|