الصيغة (4)
الماء من الظلام أقدم. الماء لا حَدَّ له.. وهو أقدم من الظلام.. ولا عدد له، وهو أقدم من الأثريين، كنزا ربّا.
(14) أنا أبوكم.. قالت الحياة الثانية. الحيُّ العظيم خلقني. وأنتم، والماء الحيُّ، صرتم بقدرة الحيِّ العظيم.
(15) قالوا: هبنا من ضوئك. هبنا من نورك. هبنا شيئاً مما فيك، ننزل به تحتَ المياه الفاصلة، فنهيئ عالماً لنا ولك.. ننشأُ فيه.. ونقيمُ فيه.. ونهيئُّ فيه أثريين لنا ولك.
والحيُّ سيرضى أنَّ اسمه يُذْكَرُ فيه.. فيقولُ سآتيهم. كنزا ربّا.
ويتلوه الكتاب الُمقَدَّس، التوراة، الأصحاح الأوَّل من سفر التكوين:
(2) وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه.
(6) وقال الله: ليكن جلد في وسط المياه. وليكن فاصلاً بين مياه ومياه.
(7) فعمل الله الجلد، وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد. وكان كذلك.
إذن مبدأ الوحدة لأصل الوجود عند الفيلسوف طاليس (635 "ق.م") الذي يتعيّن لنا، في مقولته الشهيرة {الماءُ أصلُ الأشياء كلّها}، ما هو إلا فكرة مستقاة، أو محتذية، لهذا النبع الديني الأوَّل.
ويأتي القرآن ليؤكِّد على ما سبق من شأن الماء {أوَ لم يرَ الذين كفروا أنَّ السموات والأرض كانتا رتقاً واحداً ففتقناهما، وجعلنا من الماء كلَّ شيء حي، أفلا يؤمنون} الأنبياء، الآية (30).
مدينة الاسم
(مولي: Moli)
الحرف الكبير، المدخل، يمثل دائماً دلالة الفعل الإلهي، "أو" ما ارتبط به الفعل الإلهي على نحو بدئي، أكبر، ومدخل لتأسيس.
والفعل الإلهي من مدخل مدينة هذا الاسم ارتبط بالماء.
(م: M) ماء.
(و: o) وقود كما تقدَّم في مدينة الاسم بور.
(لِ: l) هي اللام المكسورة للخفض: Lower case، ويقع عملها على ما بعدها.
(إِ: I) هي إنسان. ولكن نسبة لوجود لام الخفض التي سبقتها، Lower case، فالصوت (إِ: I) هنا، يعني أخفض منه، أي ما دون الإنسان من مخلوقاتٍ كان أساس خلقها الماء والوقود. هنا لا تُوجد "روح" بهيمة، كما في مدينة الاسم بور مثلاً.
ولأُثبِّت بعض التعليقات على الأصوات الثلاثة، بحسبان أنَّ صوت (و: o) قد تقدَّم التعليق عليه في مدينة الاسم بور. أبدأ بأنَّ الحروف ذاتها، تتكوَّن من دقائق صوتية، ودلالية معاً، مضغوطة كلّها في مفاتيح هي ذاتها، قليلة العدد، وتحتوي على وظائف كثيرة، تتحقَّق بإجراء إبدالات معيّنة. وأقرب شَبه لهذه المسألة هو مقبض التحكُّم في لُعبة البلايستيشن.
فدقائق هذه الحروف، تحتوي الأعلى والأدنى، الأعلى للدلالة على الفعل الإلهي الخالق، أو المتعلّق بجزئية كُبرى معيّنة مثل الماء هنا من البُعد المخلوق. والأدنى من ذات الحرف يأخذ معناه ودلالته مما يُحيط به من أحرف أخرى. ودقائق هذه الحروف تحتوي على الاتجاهات كذلك، شمال جنوب، شرق، غرب، بذات طريقة الأعلى والأدنى Lower وUpper.
فلو نلاحظ أنَّ اسم الفاعل (مُوجِد) يحتوي الصوتين، صوت (مُ:M) والوقود (و: o)، فكل ما هو غير الله محتاج لُمفَعِّل. ومفردة موت، هي أدنى من (مُ:M) الماء. لأنَّ الموت المعروف هذا يصيب الكتلة، وهي في الإنجليزية Mass.
فالماء يمثّل Upper case بالنسبة للموت. لأنَّ الموت يقع على الكتلة، التي تكوَّنت من الماء. لذا فالحياة (الماء) سابقة على الموت. وعالم الأوَّل القديم كان فيه هو وحده ويخلو من الموت. ظهر الموت إذن مع خلق البُعد Dimension. أي أنَّ ميم الماء، سابقة على ميم الموت. فميم الماء حرف كبير، بالنسبة لميم الموت التي هي حرف أصغر منها Lower case.
الميم من Mass الإنجليزية تقابل ميم الماء والموت من العربية.
الدال من آخر (بُعد) العربية، تقابل الدال من أوّل بُعد الإنجليزية Dimension، وكذلك تقابل الدال من أوَّل موت الإنجليزية Death.
وهذه المعادلة كلّها، أنتجها الفم الذي أكل الفاكهة المحرّمة، لذا كلمة موت الإنجليزية Death تنتهي بحروف الفم Mouth وتبدأ بحرف الكتلة بالإنجليزية، ويليه حرف الوقود (و: o)، ومدخلها، الميم، هو مدخل موت بالعربية.
وكلمة فم العربية تنتهي بحرف الماء، أي الكتلة، وميم الموت.
وهذا ما قصدته، من كون أنَّ النظام دقيق، وله قوانين غاية في الكمال والإحكام انبنى من خلالها، ويمكن فهمها، وترتيبها، ولكنها صعبة لدقتها. أي لو سأل أحدهم عن أسباب تبدّل الحروف، فهي موجودة ومتوفّرة، من خلال قوانين رياضية تؤدي لفهم كل شيء حول الوجود، من خلال فهم مدن الأسماء، التي هي أسماء مدن السودان.
وبالمقدور إجراء تتبّع واحد لأي لغةٍ من اللغتين العربية والإنجليزية، كلٌّ على حدة، ولكنني أتتبّع مدن الأسماء من خلال اللغتين لأجل إيضاح قضيّة ثقافة الجذر الأوَّل الذي خرج من السودان. فالكُتْلة العربية، ترتبط بالفعل كَتَلَ وموَّت السوداني، بينما في الإنجليزية ترتبط بميم "ماء" و"موت" مباشرة. وأكتفي بهذا القدر من الإلفات كي لا يتشوَّش التقديم، بمطاردة طبقة ثانية من ظاهر مدينة الاسم. فهي طبقات فوق أخرى، غير منتهية لعامل شسوعها على قدراتنا فحسب، ولكن كل ما عدا الله من موجوداتٍ منتهٍ، إلا هو. واستخدام مصطلح لا نهائي في الرياضيات، حسب نظرية تراميز الأبداد، هو استخدام مجازي فحسب.
فالمفردة التي نراها واحدة، ولها معنى واحد أو معانٍ متعدّدة ومحصورة في القواميس، هذا تصوُّرٌ خاطئ تماماً، وغير صحيح بالمرَّة. فالحرف الواحد فقط، من المفردة الواحدة فقط، هو بالضبط كما شَبَّهته بمقبض تحكُّم لعبة البلايستيشن.
نجد في عموم الأبتيات الفرعونية بشقيها الكوشي والمصري، أنَّ رمز حرف (م: M) هو جارح طائر. وهذا الحرف أحد الحروف التي تَمَيَّزت بثبات كبير على رمزها. فقد يتبدَّل الجارح بآخر، ولكنَّه يبقى في العموم، آخذاً دلالته من جارح طائر في النهاية.
لا أعتقد أنَّ علماء الحضارات يعرفون جارحاً طائراً يبدأ بحرف (م: M)، كما أنَّ التبدُّل الديني الذي واجه الأبتيات يُربك. علاوة على أنَّهم يتعاملون مع اللغة بمفهوم الكلمة الواحدة التي لها معنى، أو مجموعة معانٍ محصورة، كما بيّنتُ أعلاه.
بأي حال، لغة السودان فيها الجارح (منـدوف) بذات مطلع قبائل "منـد"اري. من المؤكّد أنَّ الرمز البدئي كان له علاقة بالماء، بالمنِّ، ولكنه في انحراف الوثنية الأولى، تَحوَّل إلى تسمية هذا الجارح القريبة من الأصل، من المنِّ. وبمرور الزمن، ضاعت تسمية الجارح أيضاً، ولكنّها لم تضع في لغة أصلها، السودان. فهذا الجارح ما يزال موجوداً عند السودانيين وبالاسم نفسه، ومعروف أنَّه أسرع أنواع الجوارح الطائرة.
يقول ود شوراني:
سكران الشريطات وَخَّرِن في الحين
قعد ما بخلي شرفاً في عدلنا يبين
علي دور السحي الفي عصرو مالو وزين
خَوَّى جناحو مَنْدُوُف صافق العردين
ويقول يوسف عبد الله البنا:
بعد ما جَفَّ ماكِل طير بشوفو طَرَابَى
سِمْع الخاوية شاف مَنْدُوُف ونَطَحَ الغابة
الوزين يعوم.. مرات يِمِش ويِتْشَابَى
مرات برة يمرق ويتنفض هبابة
والأصل البدئي ذاته بوسعنا الحصول عليه من خلال تفتيش الرموز السودانية، ولي استشرافات حوله ليست مقصدنا الآن.
وما يُعطي لقولي هذا ثبوتاً، هو ما أورده ابن كثير حول تفسير (ونزّلنا عليكم المنّ والسَّلوى، طه 80) {فالمنّ حلوى كانت تنزل عليهم من السماء، والسلوى طائر يسقط عليهم فيأخذون منه قدر الحاجة إلى الغد، لطفاً من الله ورحمة وإحساناً إليهم}، ابن كثير.
وفي تفسير الكلمتين ذاتيهما، حين ورودهما بسورة البقرة، بعض الروايات تقول إنَّ الطائر المعني يشبه "السماني"، وآخرون يُشَبِّهِوُنَه بـ"الحمام". وعلى أي حال فهذا منطقي، ومفهوم، كما يدعم رؤية أنَّ الجارح مقحم من قبل إحدى الحقب الوثنية الباكرة في السودان. والجارح الطائر يُبادد تماماً، وحرفياً، النسق العام لجوارح الوثنية، التي أرَّخ لها الليركس السوداني، الذي أنجبها كما لم تؤرّخ لها أية ثقافة بشرية أخرى.
إذن الجارح (مندوف) جاءت به الوثنية السودانية كتحريف مُبَكّر للغاية لـ(مَن)، المذكورة في الكتب السماوية (المن، والسلوى). فالوثنية الباكرة قد خلطت بين المن الذي هو حلوى، أو معنى إلهي ما، وبين الطائر سلوى. والتحريف هذا، لا بُدَّ أنَّه تحريفٌ مُبَكِّر للغاية، وإلا لارتبط الطائر الجارح بحرف السين لا الميم.
والملاحظة الأكبر هنا، هي أنَّ الوثنية دائماً تكون تحريفاً لجوهر ما، كما رأينا تحريفها لـبقر، وتور. والملاحظة الثانية، هي أنَّ كل ما حدث في التاريخ القريب، مثل إنزال المن والسلوى على قوم موسى، القريب، كان قد حدث مثله، في التاريخ البعيد، الآدمي. وهذه الرموز الخيّرة، مثل المن والسلوى هي متضمّنة في أوصاف رموز الجنّة، التي أخرج منها آدم. وكذلك الرموز غير الجيّدة هي مرتبطة بآثار الخطيئة والطرد من تلك الجنّة، وبآثار جريمة قابيل.
المعلومة اللافتة، والمهمّة، التي سنحتاج إليها في المستقبل، بخصوص هذه الجوارح، يرد عنها في الويكيبيديا أنَّه يُوجدُ منها ما ينوف على ستين نوعاً، كُلّها تُوجد بداخل نطاق أوراسيا وإفريقيا، أي بداخل قارات قلب الكرة الأرضية الثلاث. فأوراسيا تعني المنطقة الواصلة أوروبا بآسيا. باستثناء نوعين فقط من هذه الطيور، هما الصقور الصلعاء والذهبية، اللذان بوسعنا أن نجدهما في الأمريكتين وأستراليا.
في المجمّعات أدناه، نجد رمز (م: M) المُحَرَّف، على أنَّه الطائر الجارح، من المرويَّة، وشكله في المروية واضح جداً، وكذلك في بعض أبتيات الحقب المصرية الأخرى. مع ملاحظة أن بعض الأبتيات نرى فيها شكل الطائر مختلف كثيراً، وله ما يشبه القرنين، وكذلك هو ممتلئ البدن قليلاً، ويُطابق فعلاً ما شخّصوه، من كونه طائر "البوم".
فالماء إذن، الذي كان أمَّاً أولى، ومنه جاءت "ماما: Mama"، هو أيضاً الكتلة التي كانت تموت، أيَّام الأم التي سبقت آدم، أم بهيمة الإنسان. أمَّا بعد آدم، وعقله الذي أضافوه على تلك البهيمة، ولذلك كان اسمه العقل مضعَّفاً "بابا: Baba"، و"با: Ba" هي العقل، اللُّب، كما تقدّم وكما سيتلو أيضاً، بشرحٍ أوسع حول آدم، حين ورود مدينة اسمه. إلا أنَّ قابيل، اللاحق على آدم والمتحدّر منه، قد قام بسنِّ وابتكار، القتل، كرّة ثانية، وفي عالم البشر هذه المرَّة. مفهوم إذاً أن تحتفظ حتى الأبتيات الأقل نسبة من الوثنية برمز الطائر، خصوصاً البوم، وارتباطه إلى تاريخ اليوم بالشؤم، والموت، والدمار.
ولأنَّ الآدمي نفسه (الرجل Man) كان مَنَّاً من الله على الكون المؤنّث، الإنساني، مما قبله، فقد ارتبط الحرف، ورمزه، وكذلك الصوت بالرجل (Man) أيضاً، لأنَّ الأصل الآدمي الأوّل من أبتية آدم قد ضاع.
ولو قمنا بمتابعة الرمز في أبتية دينية مثل براهمي، التي مَرَّت بنا سابقاً، فسنجد رمز هذه الأبتية فصيحاً للغاية، بمعاني التدين الأولى، وحافظاً لها
وهذا شكل واضح أتمّ الوضوح، لإناء يتلقى المنّ أو الماء، من السماء، ويمد به فراغ (و: O) وقود. لذلك الشكل مُركّب من هذا الشكل القوسي، الذي سيمنع مَنَّ الأعلى، أو ماء مطره ذلكم من التشتُّت، ويحفظه ليكون وقوداً لتلك المخلوقات، ذات الفراغ، المحتاجة إليه، كي تدبَّ على الهُنا. والتأكيد المُضاف إلى ذلك كلّه، هو أنَّ الصوت بكامله يُسمَّى (ما: Ma). وبالأصل، الهمزة "العربية" التي نكتبها في آخر ماء هذه، ليست تابعة للكلمة، كما سيتلو في مدن الأسماء الأخرى. فكل صوت، وحركة، واتجاه، تضعيف للحرف، وكل جزئية من الحرف، لها دلالتها الكاملة، التي تعمل من خلال نظام تبديل Shift بما يُبادد تماماً مقبض التحكُّم في لُعبة البلايستيشن.
وتكرار الحرف مرتين (ماما: Mama) يُضيف هذه الأم "الحواء" إلى الأم القديمة، تاء التأنيث الأولى، كما سيأتي في مدينة توريت.
الحرف المُسند الذي استخدمه العرب قديماً، نجد حرف (م: M) فيه، يشبه حرف الإم اللاتيني هذا ذاته، ولكن قاعدته موصولة فيما يشبه هرمين مقلوبين، هذا هو
وهو الصوت المُتَحَدِّر عن (ما: Ma) والتأكيد على ذلك نجده في أبتية المُسند نفسها، من شق الأرقام فيها. وهذه حُجَّة قوية للغاية، تُثبتُ علاوة على ما نريده منها، ما سبق وذكرته تكراراً من كون الرمز، يُسقط على البدد، جوهرَه أو شكلَه، حتى بداخل أبنية بعيدة عنه، والصوت مما يتبع للشكل، للتجَسُّد لا الجوهر. وهذا المن الإلهي، الذي تمثّل هنا في الدالّة الكُبرى ماء، الكتلة، مرتبط باسم الله (مَنَّان Mannan).
وهو الاسم الأعلى نفسه المُرتبط بمدينة الاسم (منق: Mang) ما جاءت منه تسمية (المنقة) الفاكهة الحلوة.
وشاهد الصوت (ما: Ma) أنَّا نجد الرقم (
مائة) من أبتية الحرف المسند ذاتها، رمزه هو حرف الميم نفسه، لو تغاضينا عن نقاش حواف الرسمين حالياً، من ناحية الاستقامة والميلان.
أمَّا بخصوص الحرف الذي نستخدمه الآن على أنَّه العربي (م)، لديَّ حوله رؤى كثيرة. هو ليس بغيتي الآن، ولكن نلاحظ أنَّ حرف (ي: y) من الخط المُسند، هو رمز آخر يشابه الميم الحالية هذه، مع إضافة إمالة لذيلها تقابلنا في أبتيات أخرى كثيرة، وبأي حال سأفلت هذه الموضوعة إلى حينها. هذا هو الحرف، الذي حين نفهم مغزاه، سنفهم أسباب الخلط والتبدّل الاعتقادي حوله.
ولكن هذا الرمز (م)، الذي نستخدمه الآن، هو أيضاً شديد الوضوح في تمثيل الماء بما يُبادد فكرة (ما: Ma) لدى براهمي، على نحوٍ أفضل منها، وأكثر تعبيراً. فهو يحتوي على الدائرة المُمثّلة للفراغ والوقود، التجويف، كما يحتوي على جذعٍ لها، يأخذ مَنَّ الأعلى، أو ماء مطره ذلكم، ويمنحه إلى الأسفل، عبر الجذع الواصل له بالأرض. أي هو يُبادد شجرة التبلدية تماماً، التي يُحفظ فيها الماء، لأجل الاستفادة منه.
وشاهد شكل الرمز للصوت (ما: Ma) في المقطعية الأناضوليَّة Syllabary of Luwian أدناه
نجد أنَّه هو غصن الجنّة ذاته، الذي تناولته سابقاً، علامة السؤال المتجهة لليمين. وما أوردتُ في شأنه أن رواة ابن كثير، قالوا، إنَّ آدم قد خرج به من شجر الجنّة. والماء هنا، يأتي ليكون سيد العناصر، كما هو موقعه الطبيعي، بوصفه أساساً لحياة الأحياء كلّهم، وكلّها. التي تنقسم في عالم الرموز إلى حيوات دنيا، قوامها الماء وحده، أي لا تحتوي على "أنفس" و"أرواح" و"ألباب"، وحيوات عليا تحتوي على ذلك حسب تكوينها. فبعض البهائم لها روح بهيمة، كما رأينا من مدينة الاسم بور، ولكن ليس لها لب، ولا نفس. وبعضها لها روح أو نفس.. إلخ. والآدمي وحده، من له نفس وروح ولب، ومميزات أخرى سيتلو ذكرها حسب مواضعها من مدن الأسماء.
في سكربت
kharosthi الآسيوية نجد حرف (ما: Ma) أيضاً وعاءً، يُبادد وعاء براهمي، وبوسعه حفظ الماء. مع الالتفات لمدخل مدينة الـ
Khartoum والقائد أريكا Arikan
kharer ومقارنتهما باسم هذه الأبتية الآسيوية.
والتكملة الصوتية لشكل الرمز ذاته، كي يُعطينا التأكيد على (مَن: Man) نعثر عليها في أبتية Aboriginal (أب + أوريجينال)، لأنَّها حفظت لنا صوت الحرف ذاته، مع الشكل الذي تقدَّم
وفي الجيرمانية القديمة، التي تحدّرت منها جذور الكثير من اللغات الأوروبية، نعثر على النتيجة ذاتها، وبدرجة عالية من التأكيد. لأنّ الجريمانية قد حفظت لنا الصوت التعريفي للحرف وهو Mannaz. أمَّا شكل الرمز فهو شكلٌ يحتوي على شكل الحرف المسند الذي تقدّم ذكره، مع ساقين إلى الأسفل. وهو أقرب شكل لجميع أشكال حرف الإم، المعاصرة حالياً، في اللغات الأوروبية المعاصرة.
وهي النتيجة ذاتها في الرومانية القديمة
يكفي هذا القدر من تناول (مَ: M) بدون ألف، هي ليست (ما: Ma) الأخيرة جلبناها لأجل الشرح والإيضاح فحسب، انتبه لهذه النقطة المهمّة للغاية. فالحرف الذي كنا نتابعه هو (مَ: M) فقط.
ودعنا الآن نناقش قليلاً حرف (لِ: l) التالي لحرف (و: o) وقود، من مدينة الاسم (مولي: Moli). والحرف الأخير من مدينة الاسم (إِ: I) إنسان، سنتركه لمدينة الاسم توريت، لأنَّ الإنسان هو النبتة التي أنبتها الله "تَوَّرَها" في توريت.
{والله أنبتكم من الأرض نباتاً}، نوح (17).
ولام (مولي: Moli) هذه، أسمّيها لام الخفض المكسورة (لِ: l) وهي تعادل لنا في اللغة الإنجليزية، الحرف الصغير l) Small)، المختلف عن الحرف الكبير L Capital. فالكبيتل، أو الحرف الكبير دائماً سيعود إلى الفعل الإلهي، كما سيأتي في مدن أسماء أخرى مطلعها ("لَ" اللام المفتوحة) أي المعادل للحرف الكبير، الكبيتل (L). "أو" يعود إلى دالّة كبرى جاء بها الفعل الإلهي، مثل المنّ، والماء، والمان-الرجل.
وستُعطي مدن الأسماء هذه، تفسيراً له معنى ومضامين، لمسألة الحرف الكبير والصغير هذه، كأوَّل مرّة يتم فيها الكشف عن المعنى الحقيقي الكامن وراء فكرة الحروف الصغيرة والكبيرة في لغات مثل الإغريقية والمتحدِّرات عنها من توابع ومتشابهات. أمَّا بالنسبة لطرائق الكتابة التي لا تحتوي على فكرة الحروف الكبيرة والصغيرة "ظاهرياً"، مثل الإسكريبت التي تُدعى بالعربية ونستخدمها الآن، فالفكرة موجودة، لأنَّها أساسية، ولكنّها متضمّنة بداخل نسق البناء الاسمي وبجوهر الكلمات ذاتها. أي بخصوص العربية نجدها من خلال التشكيل. وكذلك من خلال الأصوات ذاتها في اللغات الثانية، التي لا تحتوي على تشكيل.
تسمية عواصم البلدان بـ Capital في اللغة الإنجليزية مأخوذة من مدن الأسماء أيضاً، فـ(Ca) هي الروح. لذا تسمية رأس المال بـ Capital جاءت بوصفها مشروعاً، مُضادَّاً، من إنتاج إبليس كما سيأتي.
لو رجعنا إلى التعريفات التاريخية المتعلّقة بتسبيب حروف كُبرى وصغرى في اللغات اللاتينية مثلاً، سنجد أنَّ التسبيب كلّه في تعريفاتهم يعود إلى الترقيم، بمعنى التظهير والتمايز.. إلخ، مما لا علاقة له مطلقاً بجوهر السبب الحقيقي. ولا تجيب مسألة الترقيم هذه فعلياً، وجوهرياً، عن تسبيب وجود هذه الأحرف الكبيرة والصغيرة. وهذا هو التسبيب أصله وكنهه هنا، في مدن الأسماء. من "الدلالات" و"الطبائع" التي يدلُّ عليها الحرف. ففي حالات الطبائع مثلاً، التي تُفترع بما هو متشابه من حروف، مثل (ت: T) تراب، و(ت: t) تأنيث، كما سيأتي في مدينة الاسم (توريت: Torit) فالتأنيث حرفه أصغر لأنَّه مشتقة من حرف التراب الأكبر منه، فالتراب أصل التأنيث ومردّه، الذي منه خُلق.
ولتحريك هذا التصوُّر ناحية البراهين دعنا نتأمَّل في الحرف المعني (لِ: l) في الأبتية السامرية.
الملاحظ أنَّ الرسم هو لساق بشرية مقوَّسة. بوسعنا ربطها باختلافات الإنسان الأوَّل عن الآدمي الحالي، المقوَّم، المُعَدَّل، والمستقيم. وبوسعنا وضع الصوت Lamed في القاموس الإنجليزي مباشرة، لنجد أنَّه بكل براعة في اختصار الطريق علينا، يعطينا المعنى (أضعف، جعله كسيحاً).
والكُساح في تعريف أهل الطب له هو {مرض ينتج عن نقص فيتامين (د)، والكالسيوم، والفوسفور}، وهذه نقطة من النقاط العظيمة، لحين اكتمال حروفها، فقط لننتبه لكون ("د"، هي دال البُعد، وتعريفاتٍ أخرى ستتلو. و"كا".. مدخل كالسيوم، هي روح، و"فا" هي فكر، ومعانٍ أخرى كما سيأتي) انتبه.
فدقائق هذه الحروف، تحتوي الأعلى والأدنى، للدلالة على الفعل الإلهي الخالق، أو المتعلّق بجزئية معيّنة من البُعد المخلوق. وتحتوي على الاتجاهات كذلك، شمال جنوب، شرق، غرب، بذات طريقة الأعلى والأدنى Lower و Upper.
واللغة الفينيقية تجعلنا نجزم بكون المقصود هو الحرف الأصغر، هذا
لأنَّ الأبجديات تَشَتَّتت في الماضي بحسب المفاهيم الثقافية التي انبنت لدى باكرتها من خلال الموقف الإجمالي، والتفصيلي، للجد الأوّل أو الجماعة الأولى، من عملية الخلق. وما عملي هذا، إلا سعيٌ لأجل استعادة معاني أحرف الأبتيات كلها، على النحو البدئي لها، المتضمّن العلوم، والمعارف الأولى، والتاريخ البشري كلّه.
فالحرف من الأبتية السامرية أعلاه هو الأقرب لحرف (لَ: L) الكبير والحالي، من اللاتينيات، وصوته في السامرية
Lamed. الحروف في السابق كانت تحمل تعريفات صوتية مثل هذا التعريف
Lamed. بوسعك مراجعة الأبتية الإغريقية وغيرها العشرات. وهذه العادة كانت تحفظ التراث الفلسفي والمعرفي المصاحب للأبتية، ولكنها انقرضت منذ زمن بعيد. وأصبح الناس يستخدمون الصوت المطلع من الحرف فحسب. وهذا أحد أسباب ضياع الأبتيات الأولى كلّها، والأبتية الواحدة التي جذرها آدم.
أمّا الإرث المعرفي فقد ضاع قبل ذلك، لأنَّ هذه الأصوات والرموز كانت محفوظة فقط، دون فهم حقيقي لها. والبشرية إلى تاريخ اليوم لا تعرف ما هي هذه الأصوات المصاحبة والغريبة. وهنا سعيٌ من النظريتين لتفسير ما بقي منها من إرث، واستعادة ما ذهب منها، من خلال قراءة وتحليل هذه الرموز.
نلاحظ أنّ الأبتية الفينيقية حفظت الصوت ولكن باختلاف قليل
Lamedh. وتفسيره متوفّر لديَّ ولكنه سيشوّش علينا المادة حالياً، لأنَّه يحتوي أحرفاً لم نبلغها بعد.
بقدر يسير أرجو الانتباه لـ"دال" البُعد في خاتمة الصوت السامري، ولـزاء، الأطياز، وزهرة الحياة الدنيا، في خاتمة الصوت الفينيقي. لأنَّ الديانة الفينيقية كانت وثنية تيرانية، وحرف ألف منها للتور، حسب ظنّهم، والقارّة كلها Asia. فأسماء القارات هذه ذاتها، جاءت من المفاهيم الاعتقادية، للجماعات التي أسّستها باكراً بعد خروجها من أرض منبتها، السودان.
وفي الإغريقية أيضاً نجد فكرة الاستقامة والتقويس ذاتها للساقين، بخصوص لام الخفض، وهنا الشكل لساقين، لا واحدة كما في السامرية والفينيقية.
وها هو شكل الحرف الكبير من الإغريقية يمثّل الاستقامة، والصغير نجده معوَّجاً وكسيحاً، مع ذيل، بما يجعل هذا الحرف الإغريقي شاهداً ممتازاً.
خصوصاً مع احتفاظه بمطلع الصوت التعريفي للحرف وهو
Lambda، حسب معتقدات الجَدّ الأوَّل. ولنلاحظ الشاهد القوي من (لام: Lam) الخفض على (لا: La) عدم الامتثال للأوامر الإلهية، من قبل الثلاثي المعروف، إبليس وحواء وآدم. فالانحطاط أسفل سافلين مَرَّة أخرى. لتكون (لام) الخفض من الجنّة العليا للدنيا، من جنّة اللُّب إلى جنّة الكتلة والماء، الوقود، البهيمة، دال البُعد، دمار، لوم النّفس على الخطيئة.. إلخ من النظام، الكامل، المتقن.