حــلاة المــوت كــان في بــابكــر
[align=justify][align=center]وا شوقي عليك أحمد عظيم الشان
قنديل المدينة الهاشمي العدنان[/align]
ذاب حاج الماحي حبّاً في المصطفى عليه الصلاة والسلام، وكذلك فعلت المحبة بالأستاذ بابكر الرفاعي، فقد أتى المدينة يغذ السير ويحدوه شوق عظيم. رغم أنّها لم تكن الزيارّة الأولى ، فقد سبقتها العشرات، إلاّ أنّ الشوق كان مختلفاً هذه المرّة، كان شوق من لا يريد فراقاً بعد لقاء. حاول الزيارة كثيراً خلال شهر رمضان من العام الماضي، إلا أن الله، ولحكمة يعلمها وحده، لم ييسّر له ذلك (وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت).
وحتى يحين موعد زيارته في شهر رمضان الحالي، كان بابكر متلهّفاً وكثير الترداد لـ (أنا ماشي أجاور) ... وقد صدق.
إستقبلته يثرب في مطلع رمضان كما تستقبل الطيبين (المدينة بلد طيب، لا يمكث فيها إلا طيب)، تحدوه وتلوح له حللاً نورانية تشع من الروضة الشريفة (القبّة التلوح أنوارا) تجاورها أنجماً تتلألأ في البقيع، فكانت غاية مناه ومبلغ دعواته أن يتشرّف بصحبة الأنوار الربانيّة وأن يُحشر في زمرتها.
وقد قارب رمضان على منتصفه، صلّى بابكر العشاء ولم تمنعه سنواته التي تجاوزت الخامسة والستين عن إكمال التراويح بركعاتها العشرين. عاد بعدها إلى البيت لينشد قسطاً من الراحة قبل التهجّد وصلاة الفجر التي عاد ليؤديها جوار حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام، وبعد الصلاة وقف في حضرته وسلّم مردّداً الصلاة على النبي.
عند الرجوع وهو ما زال ممسكاً بمسبحته متمتماً بأذكاره الصباحية، نادى إبنه، محمد، ليدلك له جسمه فهو يحس بقليل إرهاق. وبينما يمتثل الإبن البار لأوامر أبيه، إستقبل بابكر القبلة وهو ما زال يتمتم بالأذكار ويردّد (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) بين هذه الأجواء المعطّرة بذكر الله وتلك الحضرة المشهودة، فاضت الروح، ليس بحشرجة، بل كمن تتغشّاه سِنةٌ من النوم. غُسِل جسده الطاهر وصُلّي عليه في حضرة المصطفى. شيّعته أمّة من المسلمين مختلفة الوجوه والسحنات، وكان الكل يردّد (مبروك .. لا تحزنوا عليه فهذا رجلٌ صالح)، دُفِن مع أنجماً تتلألأ، فقد إستجاب الله الدعاء.
وَقْعْ الخبر على الأهل والمعارف كان كبيراً، فقد كان بابكر أوصلهم لرحمه، أبرّهم بأهله، أغزرهم علماً، أسمحهم وجهاً، أوفاهم لمعارفه ولطلاّبه. لم يُشاهده أحد في حالة غضب قط، سلاحه علمه وإبتسامة طفولية تنير وجهه وقلوب محدثيه وتذيب الصخر. ما زلت أذكر قول أحدهم (الما بيحب بابكر الرفاعي، حقّو يراجع نفسو).
نذر جلّ وقته لصلة الرحم، تراه حاملاً عصاه وهو يجوب العاصمة المثلثة يزور كل من يمتّ له بصلة قرابة أو صداقة أو دراسة. يسافر إلى ود حامد ليكون همزة الرحم بين عكودابنا هناك وبين من هم في القرير. يزور القرير فيدخلها بيتاً بيتاً.ً يلجأ إليه أخوانه وأخواته وأبناؤهم في كل صغيرة وكبيرة، فيجدون عنده الحكمة والموعظة الحسنة، فقد كان بابكر (نُـقُـلـتي العائلة).
ألا رحم الله الخال بابكر، الأخ الأكبر لزميلنا في سودانيات الأستاذ علي الرفاعي، وأسكنه فسيح جنّاته مع الصديقين والشهداء.
لا نزكّي على الله أحداً، ولكنّا نحسبه من الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، كيف لا نحسبه كذلك وبين وقوفه في حضرة المصطفى و وقوفه بين يدي ربّه، أذكار وشهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله.[/align]
|