اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هيثم علي الشفيع 
هل عُدتِ -ياوهاد- لهذه الشوارع قريباً؟؟؟
هل لاحظتِ كيف أنها صارت أقصر مما كانت عليه قديمأً؟؟؟
يقولون:
إن السبب هو حجم الخطوة ، التي كانت لأقدامنا ونحن-بعد- أطفال واستحالت لأقدام راشدين ، لكنني لا أظن ذلك....
|
لم أفعل يا هيثم.. فأظنها ذات آخر وداع لم تقل لنا (الى لقاء).
لكن عرفت عنها أنها صارت أنيسة للخواء, شاخت.. ليس بفعل الزمن, بل بفعل وهن النفوس وتغلغل الشرور المُصدّرة والعلل.
ولكم يضحكني القول عن (الراشدين).. راشدين مين يا عم !!!
السجانة الابتدائية, بشقيها للبنين والبنات..
الحائط اللبن القصير المتآكل غير مُستوي الطول ولا السُمك... فإما انه إرتفع على مراحل لم تعتني للمقاييس, او ان المطر يتسلى بكشط لحائه عنه كل عام في غيرما محبة بالضرورة لكنها الإلفة لا غير..
غير ان مراقبة الأطفال تكفي عناء البحث عن سبب, فالحائط لهم كما أحدهم وسطهم.. يقاسمهم اللهو واللعب و(الشيطنة), يتقافزون عليه ومنه وعبره, ينحتون هيروغليفيتهم الخاصة بهم عليه, يعبثون بالروث المنغرس فيه ويجتهدون في إحصاء أكبر قدر يفوزون به, وهو بوابتهم التي يعترفون بها برغم المدخل الفاغر فمه بلا باب.
أطفال كانوا قبيل دق الأجراس يستفتحون صباحهم بإكتناز الحسنات, وتلك لا تعني غير إنجاز المراسيل وقضاء الحوائج, قبل ان يدخلوا في ثيابهم (الجلابية والطاقية للأولاد, والفستان الأخضر للبنات غير انك نادراً ما تلمح ذا اللون وسط الفساتين المزركشة رغم أنف بؤسها, بيد أنه يحضر بكثافة حال مرور قافلة موجهين ومفتشين إداريين على المدرسة وذاك حدث يحتاج لمرة واحدة بالسنة لا غير ليكون) ولهم ان يحشروا أقدامهم الصغيرة فيما يشاءون من نعال, فالمدرسة تعلم ألا مجال للحذاء المغلق والجورب الأبيض.. لا مجال للمطالبة بنظافة بيِّنة وتمشيط شعر.. لا مجال إلا لحضور وإنتباه وقلم وكراسة, وقليل من الرفاهيات: كتبٌ مهترئة وفصول مطّلعة على كل شئ بلا تحفُّظ وسبورة أسمنتية تملؤها الثقوب كما لو انها صدّت رصاص (خرطوش) ما.
أطفال يجرون للحاق بفصولهم في سعادة مستفزة برغم حمولهم: (البنبر) الذي بأوزانهم على الرأس و(المخلاية) ذات الكراسات المطوية أوراقها والمدهنة صفحاتها.. يجرون وهم يمسحون بظاهر كفوفهم الناحلة على أفواههم بقايا شاي الصباح وزيت (اللقيمات) والسمسم*, مسحٌ يحركها تلقائياً من الأفواه الى الخدود فيصلون بوجوه مضحكة أثر تداخل الغباش واللمعان. وجوه أضحكتني انا السائحة الصغيرة للمرات الأولى, ثم باتت مرمى أسف وأسى.. فمثلهم ننظر اليهم في شاشات التلفاز ونقولها بلا إنتباه (حلاااتهم !!!) وهم منبوذون عن حلو العيش بالميلاد..
وعندما إختاروا لي بعد سنوات مدرسة (الجنوبية النموذجية للبنات) لأجلس فيها لإمتحان الشهادة الإبتدائية, بدأت أدرك التمايز المجتمعي مع أول تشديد من أمي بضرورة تلميع حذائي قبل الدخول الى حوش المدرسة.
كنت أفوز ببعض أيام متقدمات او متأخرت في العطلة السنوية تمكنني من مراقبة المدرسة.. فالتقويم المدرسي يختلف من مدينة لأخرى داخل الإقليم ببعض أيام..
أيام تكفي لعقد المقارنات بين مدرستي في نيالا (مدرسة اولاد الموظفين وكبارات البلد)**, وهذه المدرسة القدرية التي تصر على وظيفتها بلا مقومات..
مقارنات كانت تكفي لأكره (عاطف) في المنزل المقابل للمدرسة والذي يعمل في جهةٍ ما مسئولة عن تلقي إعانات اليونسيف للمدارس وإعادة توزيعها..
(كمال) الذي كنت أسمع أمي تسأله (اها لقيتهم لي ولا لسه؟) فيرد بذات طريقتها بدونما إشارة الى موضوع السؤال: (باكر بجينا منهم, أصبري يومين وبجيب ليك بس ما بقدر أديك منهم كتير)..
ولاحقاً, موضوع السؤال هو كراسات مدرسية وأقلام رصاص, يبيعها الموظفون لمن يشاؤون ويدفعون أكثر.. و (كمال) يهديها لأمي بلا مقابل فهي بنت الجيران (بس البنات الحلوات ديل يبقو شاطرات دايما كده ويجو الأوايل)..
للآن أمي لا تعرف عن رفضي للكراسات الا أنهم (قصار وورقهم غريب وما بحبهم) والصفة الأخيرة تحسم النقاش فلا شئ يرغمني على التعاطي مع ما لا أحبه..
وحتى إنقطاع إتصالي عن الشارع, ظل منزل (كمال) مقيتاً الى نفسي. ولكم حاولت تذكره الآن فلم أفلح الا في إستحضار الحائط الفخم والعالي ذو الطوبات الحمر المتداخل معها حجر رمادي اللون في تناغم مدروس الأبعاد والمسافات.. ذات الحجر الذي يتكوم أسفل الحائط في الإتجاه الغربي منه مواجهاً للمدرسة وكأنهم يخافون فيضاناً متوهم او يحاكون إنزلاق أطراف جسر. و(كمال) يجلس أمام بابه على كرسيه الحديد المنسوج بالحبال البلاستيكية الزرقاء والبيضاء, يرتدي (العراقي) الابيض ذو النقش بشكل المربعات الصغيرة و(السروال) الأكثر نصاعة و(سفنجته) الخضراء التي كانت تبدو دوماً جديدة ونظيفة تحت أرجله التي ترتفع إحداهما على حافة الكرسي مستنداً عليها بيده, يُنزلها ليرد تحية أحد المارة قبل ان يعاود رفعها في تهذيب كنت أراه متناقضاً مع أخلاقه الوظيفية الجشعة.
وظل (كمال) الرجل الوحيد بالشارع الذي لم يحز على إعجابي ولا نال حظوة توددي, لم يشفع له في ذلك لا وسامة محيّاه ولا (خدرته الناعمة).
____________
* يُضاف السمسم المطحون في شكلٍ أقرب للمعجون الى الشاي, يمنح الجسم طاقة, واللسان لذة, والشفاه لمعاناً ونداوة

.. لا يتوافر بالعادة لكل البيوت لغلائه, لكنه بالضرورة يدخل لكل البيوت عبر المناولات المعتادة عبر الحوائط.
** الرائدات الإبتدائية للبنات سيأتي ذكرها فيما يخصني في (نيالا) من شوارعها.. أرجو انها اليوم لم يخلعوا عليها (فلانة بنت فلان) رضينا عنها او لا.