صادق المودة خالد
لم أقل أو أنادي البتّة بأقتصار الغناء على الفصحى ياخالد ...
لقد قلت:
ولنصوب الى شعراء (كثر) أثروا مكتبتنا وذاكرتنا السماعية بالكثير من الشعر الفصيح (وان جاء بعضه بلهجة لم يخالطها ما ينأى بسمتها عن الفصاحة والقبول)...
نعم ...
العامية السودانية الحالية قد تعافت كثيرا من الكثير من (الأخلاط) والأخطاء اللغوية التي كانت متفشية فيها في بدايات القرن الماضي (فترة ما يسمى بأغاني الحقيبة)...
والكثير من شعر أغاني الحقيبة قد أتى بتلك اللهجة التي لا أخالها ترقى بذوق أو انتقاءات لغوية تصلح من شأن لهجتنا ياخالد...
لقد قلت من قبل بأنني لست (نشاذا) في رأيي هذا ...
صدقني ياخالد لم أجد الى يومي هذا من يرتئي رأيي هذا (في أغاني الحقيبة) الاّ بعض ومضات هنا أوهناك ...مثل الشاعر القامة أسماعيل حسن أو المرحوم فراج الطيب ...ولا أحسب رايهما يتسربل بفكر أو تتغشاه ظلّة...فليتك تأتيني بمن يشاركني رايي هذا ولو في الخاص (أذ لي بعض خربشات أدبية اروم لها طبعا وتوثيقا)

وقد كنت أرغب في سؤالك عن ذاك منذ ردي الأول ...ولكني خشيت مغبة القول (معقول انت براك الصاح والناس دي كللللها غلط؟)

ياخالد كل الشواهد تدلل على مقاربة متسارعة لكل اللهجات العربية الى الفصحى ...يوما بعد يوم...
وذلك نتاج لتأثير وسائط الأعلام المختلفة وأيجاب من زخم التلاقح الفضائي والأسفيري الذي يقارب الناس يوما بعد يوم...
صحيح هناك طغيان لبعض اللهجات مثل المصرية بتأثير الكثافة السكانية والسبق الأعلامي ...ولكن حتى (تلك) فانها ترتقي يوما بعد يوم الى (توافق) عروبي عام ...ولك أن تستمع وتشاهد أفلام اسماعيل ياسين وتقارنها بما يصل آذاننا من لهجة لهم اليوم ...
ومثال آخر وهم أهلنا في المغرب العربي على عمومه ...كيف كانوا قبل عقود وكيف أصبحوا اليوم (وأن كان عليهم السير طويلا أرتقاء الى مقاربة لفصاحة مبتغاة)!
أما نحن ...فلنا فوت كبير في لهجتنا قربا من الفصحى (كما تفضلت) ...مخارجا ومفردات قد وردت في القرآن ثم اندثرت لدى غيرنا وبقيت متداولة في لهجتنا ...مثل أغشى والتلّة والرهد وغير ذلك كثير!...
لكن ما يعيب لهجتنا سابقا -وهي تسير الى المعافاة يوما بعد يوم- هو زخم المفردات غير العربية الالمستصحبة ...ثم الكثير من الاشتقاقات الخاطئة للأفعال والتوصيفات مما يركس برفدنا المسمى بالحقيبة ذاك عن أيما أمكانية لأقحامه في مقاربة أو منافسة مع رفد عربي آخر موازي في محيطنا العربي الكبير...
ولتأكيد حديثي هذا أأتِ ياخالد بأغنية (عازة في هواك) هذه ثم أأتِ بأي أغنية لزيدان أبراهيم أو غيره من أغنياتنا الحديثة المصاغة بلهجتنا الحالية وأعرضها على أيما مستمع أو ناقد عربي وانظر أيهما يكون أقرب الى فهمه أو قبوله ...
لا أقول ذلك غمطا لرفدنا (على أجماله) وأعلاء لرفد الغير ولكني قصدت بالمستمع أو الناقد العربي حسبانه ذي رفد مواز من غناء وشعر عربي...
أما رأيي في أغاني الطمبور واللهجة الشايقية فقد أفردته في خيط أفترعته بعنوان (مروي حضارة تعود من جديد) أليك هو:
http://sudanyat.org/vb/showthread.php?t=9077
ولك أن (تمر) على (محاكمتي) للهجة الشايقية...
وقل لي ياخالد بصدق ألا تجد نفسك تجهد كثيرا وقد أعترضت سمعك الكثير من الالفاظ والمفردات غير العربية في طيات ذاك الغناء الذي أشاركك التصريح بجماله؟!

وان كنت أختلف عنك ياخالد بكوني قد تناصفتني القرية والمدينة ...ثم أني أجيد رطانة أهلنا المحس فلا تفوتني شاردة ولا واردة من (غميس) كلام أهلنا الشايقية

ياخالد حريٌّ بنا (أن تراضينا بأن نتخذ العربية لغة لحراكنا ) ...أن نرتقى بلهجتنا يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل الى علو...(فتصبح نسبتنا للهلال هلالي بدلا عن هلالابي الخاطئة ...وكذلك مريخي بدلا عن مريخابي الخاطئة (حتى لا يشنئنا محبي النجوم)) وكذلك يجدر بنا أن ننتقي من المفردات الفصيحة كثيرة الترادف في أشعارنا ورجزنا بدلا عن (الفافنوس واللّدر والضانقيل)!

أختم لك ولعزيزنا عبد الجليل بالقول بأنني لم أفتؤ أقول بأن ما (أصطلح) على تسميته بأغاني الحقيبة قد خلطت كثيرا طالحا بقليل صالح ...وليت من وثقوا لها قد انتشروا في الأصقاع حينها ليرفدونا بكثير جميل ...وذاك بالقطع كان حريا به أن يؤسس لغناء سوداني أجمل وأضبط وأغنى!
وأضيف في الخاتمة بأنه قمِنٌ بمن يريد للغناء السوداني بأن ينطلق فراسخ للأمام أن ينأى عن (مايسمى بأغاني الحقيبة) ويحرص على مساطر الموسقة وضوابط ال(صحة) للألفاظ ...مقاربة للسليم والفصيح من اللغة ...
ولا ضير من الأستمساك بسلمنا الخماسي ....
مودتي