منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-03-2011, 02:45 AM   #[16]
imported_وليد جعفر حمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_وليد جعفر حمد
 
افتراضي

[QUOTE=رأفت ميلاد;340982] شكراً ليك أنت على إهتمامك يا وليد .. يبدو لديك من المعلومات القيمة .. أرجو أن لا تتردد فى إضافتها .. وسأورد البوست كل ما يحضرنى ..



في السودان اي معلومة ما بتدسة , لازم تتسرب وتنتشر وتبقي علي كل لسان فمن خلال ركوبك للمواصلات وقعادك جنب ست الشاي والونسة مع بتاع الدكان ممكن اي معلومة تجيك كدة بي كل بساطة.

جهاز الامن السوداني بي رغم الهالة الحولينو دي الا انو جهاز مكشوف والكاشفنو افرادو الشغالين فيهو , طبعاً الشغال في الجهاز لازم يوري الناس كلها انو بتاع امن عشان يعملوا ليهو حساب زي المخبر في الافلام المصرية . كان عندنا جار جا الحلة جديد وماف زول عارفو شغال وين , ايام خليل دخل امدرمان الزول دة اختفي كم يوم وناس بيتو مقلقين عليهو وكل ما واحد من الجيران يسأل عنو يزيد القلق لامن براهم كشفوا انو الزول دة ضابط في الجهاز , شفت السرية دي كيف.

كل الشعب السوداني عارف انو جهاز الامن عشان تخشو لازم تكون (اضانك بيضة ) والنوع المرشح لي انو يقبل في الجهاز هم من الجعلية والشوايقة وطبعا المن حجر العسل ديل بيقبلوهم بدون معاينات

كل الشعب عارف برضو انو شركة الهدف (شركة security) من استثمارات الجهاز زي ما شركة اواب ( نفس النشاط ) تابعة للشرطة , دان فوديو شركة كبيرة عندها فروع متعددة وهي كمان تابعة للجماعة , في مركز انتاج فني واعلامي في الخرطوم 2 جنب حديقة اشراقة قصاد بيتزا كورنر ( اسم المركز رايح لي بي صراحة) دة كمان تابع ليهم . طلال للنقل يقال انها تابعة ليهم
الكلام الفوق دة من الثقافة السماعية لكن يا استاذ رأفت نحنا عايزين الاكيدة

كسرة
في امدرمان في منطقة وادي سيدنا العسكرية قريب من معسكر الاقتحام الجوي في محطة حافلات اول ما تجي الحافلة معديبيها يصيح الكمساري : المطار السري المطار السري في نازل



imported_وليد جعفر حمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-03-2011, 03:10 AM   #[17]
imported_مهند الخطيب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_مهند الخطيب
 
افتراضي

عمنا رأفت نشد على كيبوردنا دعما لهذا البوست ، فكما قال أخي مبر مثل هذه البوستات هي مانريد ...........
جاييك يابعد شوية يابعد روقة ......... أرقد عافي.



التوقيع:
[frame="7 80"]وطــــن الصبر لامن يغيــــز ....... وطــــني العزيــــز

حميــــد...[/frame]
imported_مهند الخطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-03-2011, 12:21 PM   #[18]
imported_رأفت ميلاد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_رأفت ميلاد
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق صديق كانديك
أكتب ياجميل .. أكتب وأسلقونهم بألسنة حداد ... !!

انهم يهينون الناس في بلدي .. بحجة حماية الدولة .. !!

أكتب ولا تستثني منهم أحداً .. !!

تحياتي وتقديري

سلامات يا طارق وأعتذر على الدخول المتقطع

معاملة الأمن للشعب ليست فقط إهانة يا طارق بل هى معركة البقاء .. هم يعلمون جيداً بأنهم ليس مقبولين لدى الشعب ..
رغم تاريخ دعوة د. الترابى ليست بالحديثة .. لم تصادف لدى الناس هوى لبعدها من التركيبة الصوفية السودانية .. كما حدث مع دعوة الجمهوريين الأحدث منها ترتيباً ..
لم يفز الترابى بـ(شخصه) يوماً فى أى إنتخابات .. وذلك الذى جعل خطة الإنقلاب فى بداياتها تتنصل منه .. وكذلك هذا ما سهل للبشير الإنقلاب عليه ..
ذكرت فى صدر البوست .. كانت التقارير الأمنية تخرج من جهاز أمن الدولة الى (نائب رئيس البلاد ) ومنه الى وزارة الداخلية فى شكل أوامر تنفيذية ..
كان فى حينها نائب الرئيس هو (الزبير محمد صالح) الذى لا أستبعد تصفيته بأمر الجهاز .. وبمعنى أدق بتعليمات من حكومة الكيزان من خلف ستار بقيادة د. الترابى ..

عندما تم تنفيذ الإنقلاب بـ(ثلاثمائة) عسكرى كان الزبير وجماعته فى الإعتقال فى محاولة إنقلابية ولم يتم محاكمتهم بعد .. أفرجت عنه الحركة الإنقلابية وضمته بجماعته لهم وتم تعينه نائب للرئيس .. وسهل ذلك للإنقلابيين عددياً السيطرة على البلاد .. من الملاحظ أنصار الزبير من الظباط لم يتقلدوا مناصب قيادية وتم التخلص منهم تباعاً ..
الزبير لم يكن على (دينهم) بل كان صوفياً .. بالتحديد من أتباع الشيخ الياقوت الخالصين .. وكان يُحكى عنه بأنه عندما يزور الشيخ الياقوت كان يعتبر القرية كلها (حرم) ويسير راجلاً من خارج القرية الى منزل الشيخ الياقوت حافياً ..

ومن ناحية أخرى .. كان له حميمية عسكرية عميقة .. إستمرت مع مرافيد القوات المسلحة الذين تم تصفيتهم بواسطة أفراد الجبهة الإسلامية .. فكان مكتبه يعج بهم ويعمل على مساعدتهم وتسهيل حياتهم المدنية الجديدة .. كانوا يذهبون له بدون مواعيد مسبقة ويبديهم على قوات الأمن الذين ينتظرون على باب مكتبه ..
عرف الزبير بإحتقاره لـ(د.نافع على نافع) وعدم إستلطافه .. يجعله يجلس الساعات الطوال أمام مكتبه حتى يسمح له بالدخول بالتقارير الأمنية للجهاز .. حكى لى أحد ضباط الجيش المحالين للمعاش .. بأن الزبير يسمح أحياناً لنافع بالدخول فى حضرتهم ويتركه واقف وهم جلوس .. وبعد أن يبصق (الصعود) فى السلة بجانبه يقول له بدون مبالاة (أها الليلة عندك شنو يا نافع) .. وقبل أن يرد الرجل يعالجه (خت الورق هنا وأنصرف .. وكان أحتجت ليك برسل ليك) .. وينصرف عنه لأصدقائه .. فيخرج الرجل حانقاً ..

لكل ما تقدم أتخيل تصفية اللواء الزبير محمد صالح لأنه كان خطراً على نفوذ الجبهة الإسلامية



التوقيع: رأفت ميلاد
[align=center]
[frame="7 80"]سـنمضى فى هذا الدرب مهما كان الثمن
الشـهيد سـليمان ميلاد[/frame][/align]
imported_رأفت ميلاد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-03-2011, 09:33 AM   #[19]
بابكر مخير
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية بابكر مخير
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ام التيمان
تسلم

تحياتى



هو مالهو؟؟
حاسس ولا شنهو



التوقيع:
بابكر مخير غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-03-2011, 12:25 PM   #[20]
imported_رأفت ميلاد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_رأفت ميلاد
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مبر محمود
سلام ومحبة يا رأفت ..
مثل هذه البوستات الراصده هي من أكثر الأشياء التي يخافها النظام وزبانيته في السودان ..فلا شي أوقع أثراً في نفوسهم أكثر من الكتابة المنضبطة، المشحونة بالحقائق والمنطق
سلامات يا مبر

صدقت والله .. سياستهم الحقيقية الآن البعد بالناس عن الموضوعية .. يعمدون الى الإستفزاز الشخصى .. يدعوا المتحاورين الى الشخصنة وكيل الإهانات .. وأثنائها ينسحبون مدعين السماحة وطولة البال .. وكلما هدأت يلهبونها ..

وهذا يا مبر ليس على مستوى الأسافير .. بل على مستوى الشخصيات العامة .. مثل ما يفعله (قوش) مثلاً .. يقوم بإثارة الجدل .. وعندما إعفائه من (بعض) تكليفه .. كأن هناك نصر للشعب ..

فيتلهى الناس عن (الواقع) .. وتضيع الأرقام والأفعال .. ويستمر الإبتلاع للوطن .. كما تلاحظ بعد حادثة (نحيب) الرئيس .. ترددت شائعات التبديلات والترقيات .. ليحس الناس بالتغيير (الموجب) .. وهو ليس إلا تغيير (الحية) لجلدها ..

لذلك وضعت عنوانى هنا .. [email protected] لتلقى أى معلومات أو مستندات من (أعضاء) ربما يتهيبون نشرها لوضعهم بالداخل .. أو زوار يهمهم كشف النظام .. وسأنشرها بدون أسماء وعناوين .. أو كما يرغب صاحب المعلومة ..

هكذ ترتعد أوصالهم وهو العمل الحقيقى الذى سيعجل بخنقهم ..

أكرر أى معلومة وإن كانت (سماعية) ستنقب فى الحقيقة



التوقيع: رأفت ميلاد
[align=center]
[frame="7 80"]سـنمضى فى هذا الدرب مهما كان الثمن
الشـهيد سـليمان ميلاد[/frame][/align]
imported_رأفت ميلاد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-03-2011, 01:41 PM   #[21]
imported_رأفت ميلاد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_رأفت ميلاد
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عباس الشريف
حبيبنا رافت
الناس دي طبعا اول ضربت المزيقة والانقلاب جهجهونا ولي حسي مجهجهننا السبب ما عندهم ايدلوجيه محدده غير التخبط في داخل النظريات الفاشله في ربط يدور في ذهني بين نظام الانقاذ ونظام القذافي حكاية اللجان الشعبية وحلحلت الجيش بحكاية الدفاع الشعبي والمجاهدين سؤال:
هل تعتقد وحسب التحليل الواقعي والعلمي المسند التكوينات بتاعت الدفاع الشعبي واللجان الشعبيه يوجد داخلها اجهزة امنية ؟؟؟؟
سلامات يا ود الشريف
كلامك الفوق ده يا عباس (تقريباً) تلخيص لمراحل الإنقاذ ..
الإنقاذ كما ذكرت بدأت بـ(إقتناع) بأنها غير مرغوب فيهم كـ(إسلامين متطرفين) .. وذلك وضحته فى عدة مرات لتناقضهم مع التركيبة السودانية ..
لذلك تبنت الإنقاذ سياسة (التصفيات) بداية بمكتب (العميد ضحوى) فى قاعة الصداقة .. طلب جمع مقترحات الناس فى شكل الحكم بحميمية أندفع لها الأفراد والأحزاب (المتخاصمة) أصلاً .. ومن هذا المكتب تجمعت المستندات التى أُستعملت فى تصفية الذين هم مختلفين فى الرأى .. أو ضربهم ببعضهم البعض ..
الخطأ الحقيقى الذى وقع فيه الإسلاميين بأنهم (ظنوا) أنهم ولدوا تنظيم عملاق .. بغرور الترابى الذى ظن أنه بإستطاعته قيادة العالم الإسلامى .. وذلك بعد مؤتمر القمة فى الخرطوم ظن أنه أصبح أمين الأمة الإسلامية ..
عندما صرح الطيب (سيخة) بأنهم جائوا حتى لا يصل الدولار عشرون جنيه .. كان حديثه مقنع لولا جهله بطموح شيخه .. الغطاء النقدى إنكشف تماماً بصرف الجبهة ببذخ على حرب (البوسنة)
يا عباس الشريف (بدخل من هنا وبطلع من هناك) لأصل الى حرب الجنوب .. هى أيضاً من تخطيطات الترابى لأسلمة البلاد للزعامة الوهمية التى كان يحلم بها ..

القوات المسلحة كانت هاجس الإنقلابيين خاصة بعد حركة رمضان التى قضوا عليها بتلك البشاعة وبرسالة (إياك أعنى يا جارة) .. حرب الجهاد كانت عدة مقاصد:
  • طموحات الترابى بأسلمة البلاد .. وهذه لعب فيها المركز الأفريقى العالمى دوره لضرب الجنوبيين ببعضهم البعض فى إطار سياسة التصفيات (ربما أعود إليها)
  • السيطرة على القوات المسلحة ببسط الدفاع الشعبى بديلاً عن عنها ..
  • وكما ذكرت الدفاع الشعبى وحرب الجهاد كانت سيطرة على الإقتصاد من الداخل .. الدفاع الشعبى كان تابع لجهاز الأمن كاملاً ..
  • اللجان الشعبية كتنظيم تابع للأمن .. وكأفراد كان من مغيبين ومأجورين من داخل الأحياء .. أهدافها تغلغل السلطة من الداخل .. ظاهرها (المواد التموينية) وباطنها بلورة (الكوزنة) من الداخل بالإجتماعات وبث الشعارات ..
التخبط الحقيقيى يا عباس سببه تعارض طموحات الترابى بإمبراطورية إسلامية وإمكانيات توجه الحزب الحقيقى .. مادياً وعددياً ..

نجحوا فى إخضاع الشعب ولكن قطعوا أوصالهم بنفسهم .. الآن هم فى معركة البقاء ..



التوقيع: رأفت ميلاد
[align=center]
[frame="7 80"]سـنمضى فى هذا الدرب مهما كان الثمن
الشـهيد سـليمان ميلاد[/frame][/align]
imported_رأفت ميلاد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-03-2011, 04:29 PM   #[22]
imported_طارق الحسن محمد
Banned
الصورة الرمزية imported_طارق الحسن محمد
 
افتراضي إستقراء لصراعـات القبائـل الإسـلامية، حالة صلاح قوش

إستقراء لصراعـات القبائـل الإسـلامية، حالة صلاح قوش


تشير كثير من القرائن أن إقالة المهندس صلاح عبدالله (قوش) من موقعه كرئيس لجهاز الأمن والمخابرات، وتعينه كمستشار لرئيس الجمهورية للأمن الوطني، ليست بالإجراء الإداري/التنظيمي الطبيعي، وإنما هي تعبير أو إنعكاس لحركة صراعات تكتونية بطيئة تحت طبقات جهاز التنظيم السياسي الحاكم بالسودان (المؤتمر الوطني). وعلى الرغم من مرور هذه العملية بهدوء تشوبه الريبة والشكوك، مصحوب بإنتقال سلس لقيادة الجهاز الأمني لمحمد عطا، خلفاً لصلاح، غير أنه من الصعب للمراقب للأحداث في السودان بشكل عام، والحركات الإسلامية بشكل خاص، القبول بهذا الهدوء الغريب، خاصة لحركات السمة الأبرز لصراعاتها عبر التاريخ، إن إنتقال السلطة منها إلى غيرها، أو حتى داخلها، لا يمر إلا فوق بحر من الدماء. وبالتالي فإن إستمرارية ماحدث بنفس الإيقاع الذي بدأ به، أمر يبعث على الحيرة والقلق في آن واحد(؟!).

ومع ذلك؛ فإن تحليل ما حدث يلزمنا بالبحث عن أسباب موضوعية، والأرجح أنها ذات صلة عميقة بـ (1) طبيعة القرار نفسه؛ (2) توقيته؛ (3) تركيبة الكتل المتصارعة داخل المؤتمر الوطني ومستوى الإحتكاك بينها؛ (4) مسار معادلة الصراع داخل الحزب الحاكم ونتائجها النهائية المحتملة؛ (5) وأخيراً تأثير ذلك على الخارطة السياسية في السودان وآفاق التحول المتوقعة في بنية وشكل الدولة حملاً على تبعات هذه الخطوة.

ومهما يكن من أمر، فإن إتخاذ مثل هذا القرار، في مثل هذه الظروف، وضد رجل مثل صلاح قوش بوزنه الثقيل داخل النظام الذي إكتسبه من تطويره لجهاز الأمن والمخابرات حتى أصبح جيشاً مستقلاً يدين له بالولاء، بالإضافة لقنواته الخلفية المفتوحة مع وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية (cia) والغربية بشكل عام، مسألة ليست بالأمر الهيّن للذين إقدموا على هذه الخطوة.

وحتى نضع القارئ معنا في السياق الذي نفكر فيه، لابد أولاً من رسم صورة تمكّننا من رؤية مسرح الأحداث بوضوح كافي، قائمة على بناء واقعي مصحوب بتفسيرات نظرية تلقى الضوء على أسس الصراع وأبعاده المركبة، ومن ثم بناء "مصفوفة" للصراع الدائر حالياً، في محاولة لقراءة تأثيرات ونتائج قرار إزاحة صلاح قوش من موقعه في الأفق المنظور.

الإطار العام الذي يدور فيه الصراع:

إذا إنطلقنا من إنقلاب الإنقاذ كنقطة تأسيس لوضع معالم الإطار العام للصراع، سنجد أنفسنا محاصرين في حلقة الحركة الإسلامية وعلاقاتها بالسلطة، مع أن الفرضية الأساسية تقر إن الأزمة عامة في شكلها ومضمونها، وتمتد جذورها إلى أبعد من ذلك في التاريخ بكثير، والحركة الإسلامية وإنقلابها مجرد إمتداد. لكن في كل الأحوال لابد من مقولة تأسيس ضمن إطار تاريخي محدد، مهما تباينت الآراء حولها.

أغلب التحليلات تنتهي بصورة أو أخرى إلى أن الأزمة السودانية بكل تفريعاتها، هي أزمة مشروع وطني، أو بناء وطني، تجلى فشله في أنماط الصراعات التي إجتاحت السودان منذ عشية إستقلاله وحتى اللحظة التي نقف فيها حالياً. وتكاد أن تكون هذه المقولة العنصر الثابت في مسار التاريخ السياسي المعاصر للسودان يتم التعبير عنها بأوجه ومستويات مختلفة. بينما المتحوّل يتمثّل في تجلّيات الصراع من خلال مظاهر عديدة مصحوبة بتطور تصاعدي في أجندته السياسية عبر الحقب التاريخية المختلفة، بدء من عدم إستقرار النظم السياسية، إنحلال الروابط الإجتماعية، التدهور الإقتصادي... إلخ من العوامل التي قد تكون غير مرئية. ويبدو الآن أن تراكم مصفوفة المتحولات قارب أن يصل مع هذا النظام لنهايته العظمي، بإعتبار إن محصلة وصول كل مظاهر الأزمة العديدة (المتحولات) إلى نهايتها العظمي، يعني وصول الأزمة في كلياتها لقمتها.

داخل هذه المصفوفة، وفي الحقبة التي نعايشها الآن، يمثّل الصراع داخل الحركة الإسلامية نفسها، محوراً أساسياً، وذلك لإعتبارات إرتباط الحركة الإسلامية (جناح المؤتمر الوطني) بالسلطة وما قد يولّده ذلك من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على العوامل المذكورة آنفاً. وبالتالي؛ نحن مطالبين بتوصيف وتحليل الصراع داخل الحركة الإسلامية أولاً ومن ثم المؤتمر الوطني ثانياً ضمن سياق تفكير في الإطار العام للأزمة ـ كنتيجة أخيرة لآيلولة السلطة في الوقت الراهن إلى أحد أجنحة الحركة الإسلامية(المؤتمر الوطني) ـ من حيث أسبابه وديناميته الداخلية، وتوزيع الكتل والمصالح ذات الصلة التي تغذي الصراع، وصولاً لتحديد دقيق لبواعث وأسباب إقالة المهندس صلاح قوش وتبعاته.

تاريخياً تعود جذور الصراعات داخل الحركة الإسلامية إلى حقبة السبعينيات من القرن الماضي، في المواجهة التي تمت بين مؤسسي الحركة الإسلامية في السودان، صادق عبدالله عبدالماجد، ود. حسن الترابي، والتي نتج عنها إفتراق الرجلين، ومضي كلٍ منهما في طريق. تمحور الخلاف حول قضية بدت للوهلة الأولى كمسألة تكتيكية في خضم مواجهات الحركة الإسلامية ضد نظام النميري، غير أن الأيام اثبتت لاحقاً عكس ذلك، إذ أنها مثلت إنعطافة إستراتيجية في مسار الحركة الإسلامية وتاريخها السياسي وبنائها التنظيمي، كانت ثمارها الوصول بعد 12 عاماً للسلطة السياسية في السودان عبر إنقلاب الإنقاذ.

ظهر الخلاف الأول داخل الحركة الإسلامية بين الصادق عبدالله عبدالماجد والترابي في شكله العام حول منهجية وطريقة قيادة الحركة، ففي الوقت الذي فضّل فيه الصادق عبدالماجد طريقة التربية التقليدية المتحفظة والمغلقة للحركة الإسلامية، ذهب الترابي بإتجاه الإنفتاح على قطاعات شعبية أوسع، مع مرونة في طريقة التربية التنظيمية وتجنيد الأعضاء الجدد (أي الإتجاه نحو بناء تنظيمي أشبه ما يكون بالتحالف أو شراكات بين قطاعات عريضة من المجتمع في إطار تنظيمي موحد)، مؤسساً فيما بعد ما عرف بالجبهة الإسلامية القومية. ويسلط أحمد عبدالرحمن أحمد مؤسسي الحركة الإسلامية في السودان ووزير الداخلية إبان عهد نظام مايو، الضوء على طبيعة هذا الخلاف بقوله أن: "..الجهد التربوي للحركة الإسلامية في تحقيق تغيير ملموس وإنما لابد من السيطرة على الدولة وإستعمال سلطتها لبسط الدولة.." وهي وجهة نظر أقرب لموقف الترابي. (لقاء تلفزيوني في برنامج أسماء في حياتنا ـ سبتمبر 2009)،

الخلاف الثاني كان في نهايات 1999 فيما عرف بـ "المفاصلة" والذي عصفت بالترابي وجعلته يشرب من نفس الكأس التي سقاها لصادق عبدالله عبدالماجد. ونتج عنه ذلك قيام تنظيمين ـ إن لم يكن ثلاثة، إذا حسبنا حركة العدل والمساواة كناتج عرضي للمفاصلة ـ هما المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي. وما بين الخلافين (الأول في 1977، والثاني في 1999) مرت مياه كثيرة تحت جسور الحركة الإسلامية(!!). غير أن المعلم الأبرز في قراءة نتائج الصراع في الحالتين، الخلاف كان نقلة إستراتيجية غيرت مسار تاريخ الحركة الإسلامية في السودان ودفعت بها نحو آفاق جماهيرية أكبر، وصلت بموجبها إلى دست الحكم في الثلاثين من يونيو 1989، بينما الثاني مزقها إلى أكثر من جزء وهي في قمة عنفوانها وجبروتها وجعل كثير من الدماء تسيل في صفوفها. فإلى ماذا يمكن أن نعزي ذلك(؟؟) الإجابة تكمن في: (1) طبيعة وماهية الخلاف في الحالتين؛ (2) البيئة السياسية العامة في ذلك الوقت وفي الراهن؛ (3) الكتل التي دخلت الصراع وتركيبتها في الحالتين أيضاً.


متابعة


) طبيعة وماهية الصراع في المرحلتين (1977 ـ 1999)، كان الصراع في المرحلة الأولى حول قضية ذات طابع فكري/سياسي دارت حول طريقة ومنهجية قيادة الحركة والموقف من التصالح مع نظام مايو ومسارات المستقبل، أدي لشق الحركة الإسلامية عمودياً حول موقفين متعارضين، الأول إحتفظ بالطريقة التقليدية للحركة الإسلامية المتمثل في منهجية التبشير والدعوى، مع موقف سياسي ضد نظام مايو وهو موقف الصادق عبدالماجد، والثاني إنفتاح الحركة والتصالح مع النميري وهو موقف الترابي كما أسلفنا القول. أما في المرحلة الثانية، فقد كان حول إدارة السلطة السياسية والمصالح أو المغانم ـ إن صح التعبير ـ وهو ما أعترف به الترابي نفسه بمرارة لا يُحكي عنها، في كتيب صغير حمل عنوان "الحركة الإسلامية: عبرة المسير في إثني عشرة السنين". وفي ذات السياق يسجل د. الطيب زين العابدين إعترافاً مثيراً في لقاء له بموقع سودانايل بتاريخ 7 سبتمبر 2009، حين سئل عن مذكرة العشرة الشهيرة(؟)، أجاب:

"... الحركة الاسلامية بدأت تعتبر منذ مقدم ثورة الانقاذ ان اكبر انجازتها هو الاستيلاء علي السلطة، لكني اعتقد أن هذا الأمر غير صحيح فإستيلاء الاسلاميين على السلطة كان أسوأ شئ، وكان اغلبية اعضاء الحركة جزءً من السلطة وبالتالي اصبحت السلطة مكسباً لهم وللحركة واعتبروا ان السلطة هي اكبر انجاز للحركة الاسلامية ومن هنا جاء مصطلح "التمكين" وصدرت مجلة تحمل هذا الاسم وأثّرت السلطة على المسار السياسي، وبالتالي انقلبنا على الكثير من ثوابتنا وتقالدينا وتعاليم الدين نفسها بسبب السلطة، ونحن قبل الانقلاب كنا نتحدث عن الديمقراطية والحرية وبعد الانقلاب العسكريون اصبحوا معادين لنا وغابت الديمقرطية داخل اجهزة الحركة الإسلامية واصبحوا يتعاملون معنا بـ(التنوير) وهذا المصطلح نفسه عسكري وليس لك الحق في ان تناقش أو تعترض، وهذا أمر غريب في الحركة الاسلامية، وتنازلت الحركة عن افكارها وحتي في تنفيذ التعاليم الاسلامية فالمعارضون عذبوا وفصلوا من اعمالهم بالشبهات فقط، وهذا كان تنازلاً من التعاليم لأجل السلطة، حتى الفساد الذي ظهر كان بسبب نظرية "اموال السلطة هي اموالك"، وصار هنالك حرص كبير على السلطة والتمسك بها بأي ثمن...". وبالطبع وما بين الخلافين فوارق كبيرة ونتائج مختلفة سنتعرف عليها لاحقاً.

(2) البيئة السياسية: والمعني بها الشروط السياسية العامة المحيطة، والداخلية الخاصة بالحركة الإسلامية. فالشروط العامة هي وضعية الحركة الإسلامية كمعارض لنظام النميري في ذلك الوقت، إضافة إلى محيط نظام عالمي وإقليمي منقسم إلى ثنائية قطبية تهيمن على خطاباته السياسية في كثير من دول العالم الثالث موجهات التفكير الإشتراكي والقومي العروبي في العالم العربي. أما الشروط الخاصة، فقد كانت الحركة الإسلامية في تلك الفترة وعلى المستوى السياسي والتنظيمي، تمر بلحظة تاريخية فارقة، إذ كانت تتلمس أول بوادر نضوجها، وتستشعر قوتها ووزنها ونمو خطابها السياسي على حساب القوى الأخرى داخل حلبة الصراع في السودان، فالقوى الطائفية ميتة، واليسار منهك من صراعاته مع نظام النميري. وقد كانت قراءة الترابي لهذه البيئة وشروط التطور الداخلية بالحركة، مقرونة بحدس سياسي لإتجاهات ومألآت مستقبل الحركة السياسية العامة في السودان بالفعل صحيحة ـ من زاوية موقفه كقيادي ـ عندما قرر إنفتاح الحركة الإسلامية جماهيرياً والسعي للتغلغل في أجهزة السلطة قبل الإستيلاء عليها، خلافاً لموقف صادق عبدالماجد. وتروي كثير من المصادر أنه وفي المصالحة الشهيرة عام 1977 وعندما إكتفت القوى الطائفية من كيكة المصالحة بمشاركة نظام النميري في الدولة والتنظيم السياسي(الإتحاد الإشتراكي)، مضى الترابي في نفس الإتجاه، لكنه أضاف مطالب خاصة به بدت بسيطة في مظهرها، إذ طلب من النميري السماح له ببناء المنظمات الشبابية الخاصة بالحركة الإسلامية في ذلك الحين (منظمة شباب البناء) ومؤسسة إقتصادية هي بنك فيصل الإسلامي والتي كانت أول مؤسسة إقتصادية للقطاع الخاص تنشأ بموجب قرار جمهوري. وقد مكنته هذه المؤسسات فيما بعد فيما من التغلغل في قاعدة المجتمع السوداني عبر المنظمات الشبابية والجماهيرية، وأتاح له بنك فيصل السيطرة على النظم الإقتصادية، مما مهد أمامه الطريق للسلطة في عام 1989.



أما البيئة السياسية في الوقت الراهن فتختلف، فالحركة الإسلامية حاكمة (كمؤتمر وطني)، والشروط العامة المحيطة تشهد قطبية واحدة على النطاق العالمي، داخلياَ ضعف للقوى المعارضة للنظام من أقصى اليسار إلى يمين الأحزاب الطائفية. بينما تعيش الحركة الإسلامية نفسها بشكل عام حالة تصدع في بنيانها على الرغم من مظاهر السلطة والثراء التي تبدو على أجنحتها المختلفة وعلى الأخص المؤتمر الوطني الممسك بزمام السلطة السياسية. والملاحظة الأهم والأخطر في طبيعة الإنقسام الأخير، فقد بدت فيه مظاهر التكتلات الإثنية، خاصة داخل المؤتمر الوطني. وقبل أن نمضي في تحديد الكتل المتصارعة، لابد من خلفية نظرية تفسر هذه الظاهرة، بمعني؛ تفسير تحوّل طبيعة الخلاف داخل الحركة الإسلامية في 1977 من خلاف فكري/سياسي إلى خلاف مصلحي مرتبط بغنائم السلطة مصحوب بتكتلات حول بؤر إثنية وقبلية ضيقة داخل التنظيم في 1999.

يعطي الجابري تحليلاً فريداً وعميقاً لهذه الظاهرة في نقد العقل العربي في الجزء الثالث العقل السياسي. وقد بنى رؤيته لكثير ماحدث ويحدث إلى الآن في التاريخ العربي الإسلامي من خلال الأدوار التي ظلت تلعبها مفاهيم "العقيدة"، "القبيلة"، و"الغنيمة" ـ [[ المعني بالعقيدة هو عامل الدين وتخصيصاً الدين الإسلامي، والغنيمة، المعني بها العامل الإقتصادي في شكله كنمط إقتصاد ريعي، والذي كان سائداً في تلك الفترة ولازال في معظم البلدان العربية والإسلامية، والقبيلة المعني بها العلاقات العشائرية وصلات الدم ]] ـ ويشرح بإسهاب تداخل هذه العوامل الثلاثة وتأثيراتها في العقل السياسي العربي والممارسة المرتبطة به، من خلال تجلياته ومحدداته، إذا كيف بدأت الدولة الإسلامية كدولة دعوة تلعب فيها العقيدة الدور المحوري مع عهد الرسول (ص) والخلفاء الراشدين بدرجة أقل، إلى دولة قبيلة من بعد وفاة الرسول (ص) وعبر الممالك الإسلامية المختلفة، يلعب فيها عامل الغنيمة (إقتصاد الريع الناتج من خراج الأمصار) الدور الرئيسي. وهو ما لخصّه أبكر آدم إسماعيل في "جدلية المركز والهامش: قراءة في دفاتر الصراع في السودان" بـ (( إنتصار قيم الثقافة العربية على الدين الإسلامي فيما يتعلق بجانب المعاملات على الأقل)).














imported_طارق الحسن محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-03-2011, 04:31 PM   #[23]
imported_طارق الحسن محمد
Banned
الصورة الرمزية imported_طارق الحسن محمد
 
افتراضي


متابعة

وعندما نتعرّف على قيم هذه الثقافة المتشددة عرقياً؛ القائمة على نعرة التناصر والتعاضد بين القبائل الأقرب لبعضها تحت قانون [[ أنا وأخي على إبن عمي، وأنا وأخي وإبن عمي على الغريب ]]، بحكم شروط البيئة الصحراوية التي يتصارع فيها الجميع على مصادر الماء والكلاء الشحيحة، ومدى الحوجة لتكاتف الإقرباء، نتفهّم مدي التحوّل الكبير الذي حدث، بالإنتقال من دولة دعوة في عهد الرسول (ص)، إلى دولة قبيلة في الممالك الإسلامية المتأخرة منذ عهد معاوية بن أبي سفيان، وربما إلى اليوم. وهو ما يمكننا من صياغة مقولة بناءاً على هذه الملاحظة الهامة، وهي أن الحركات الإسلامية في السودان ـ وربما مناطق أخرى شبيهة ـ تمر بنفس التجربة التاريخية اليوم، وهي تنتقل تدريجياً من حركات تنطلق في بداياتها من إطار آيديولوجي عقائدي أشبه بنموذج دولة الدعوة، وعندما تصل إلى السلطة تبدأ مظاهر التحوّل إلى نمط أشبه بدولة معاوية (دولة القبيلة في إطار الغنيمة)، ـ [[ مع الوضع في الإعتبار بالطبع الفروقات بين "الغنيمة" لدي الجابري كما فسّرها في سياق التاريخ الإسلامي القديم كخراج الأمصار المأخوذ بقوة الفتح/الغزو، وبين عصرنا الراهن كما يفهمها أهل الإسلام السياسي كتراكم لمصادر ثروة الدولة التي يستحوذون عليها بنفس روح ومنطق الغزو والفتح ]] ـ ومن ثم تبدأ التكتلات العشائرية في الظهور كما حدث في سابق التاريخ الإسلامي (دولة بني أمية، دولة بني العباس، الدولة الفاطمية والعثمانية...إلخ). وبدخول عامل القبيلة تصبح القبائل الأخرى خارج هذه المنظومة أمصاراً يعود خراجها على أهل الحظوة. فهل خرجت الحركة الإسلامية في السودان من هذا المسار(؟؟). قبل الإجابة على هذا السؤال نقف عند عرض شيّق لأحد الكتاب، وهو محمد عبدالرحيم في مقال له بموقع سودانايل بتاريخ 6 أغسطس 2009 عن مصطلح التمكين، إذ يسأل ماهو التمكين (؟) ويجيب قائلاً:

" ... كان للترابي قصب السبق في أسلمة كل تصرفات الدولة حقاً وباطلاً، وكان التمكين نحت خَـلـَـفِـه، فلقد كانت خطة النظام كالآتي :

- الجمع والاستئثار بكل أموال الدولة في أيدي قلة مضمونة ذات مصير مشترك .

- يترتب على هذا الاستئثار القدرة على بسط الرزق لمن يشاءون ومنعه عمن يشاءون .

- عندما يشعر الشعب بأنه لا يملك أي شيء في يده؛ سيضطر اضطراراً لمجاراة النظام أملا في الحصول ولو على الفتات .

- يستطيع النظام (عبر التمكين)، أن يربط مصالح كل سوداني به وكل القوى السياسية .

- سيضمن النظام قدرته على تحريك كل"الأرجوزات" التي يمسك هو بالخيوط التي يتلاعب بها كيفما يشاء.

- لن يحتاج النظام لاستخدام العنف؛ فمن يجد منه النظام تمرداً سيعاقبه بإمساك الرزق عنه.

- يستطيع البشير الترشح لأي انتخابات لأنه يعلم تماماً أنه يمسك بزمام كل ذي مصلحة مرتبطة بالمال العام .

- استطاع النظام تقسيم الأحزاب والحركات المسلحة؛ عبر رميه أمامها بعظمة التفاوض، وهو يعني منح مزايا مالية للبعض وهو متأكد من أن النتيجة الحتمية هي الانقسام (جراء الصراع حول من يتلقف هذه الأموال أولا )...."

من النص أعلاه، ما المعني بمصطلح التمكين الذي نحته الترابي وفسّره الكاتب بـ " الجمع والاستئثار بكل أموال الدولة في أيدي قلة مضمونة ذات مصير مشترك" (؟) ومن هم هؤلاء القلة المضمونة ذات المصير المشترك التي من حقها الإستئثار بأموال الدولة(؟)، فإذا كانت في زمن الرسول(ص)، هم آل البيت والأقربين، والصحابة والذين هم أيضاً في حكم الأقربين، فمن هم في حالة نظام الإنقاذ(؟)، هل هم عضوية المؤتمر الوطني، أم دائرة أصغر داخل التنظيم نفسه، وما هي معايير إختيار هذه القلة، هل هي الولاء للتنظيم والفكرة أم هناك شروط أخرى إضافية (؟).



عندما نقارن هذه المقولة بالتاريخ الإسلامي نجد كثير من أوجه الشبه، غير أن القلة المشار إليها في المقال هي اليوم ليست كتلك التي كانت بالأمس(!)، فإذا كان الوصول لمواقع السلطة والثروة في الدولة الإسلامية الوليدة في زمن الرسول (ص) نسبياً يمكن القول أنه لم يكن خاضعاً لمعايير القرابة بالرغم من الواقع القبلي والعشائري السائد في الجزيرة العربية آنذاك، غير أنه وفي الممالك الإسلامية اللاحقة عادت القرابة وصلة الدم مرة أخرى كمعيار أساسي إن لم يكن الوحيد للوصول لمواقع السلطة، والتي دشّنها معاوية بن أبي سفيان عندما ولّى إبنه يزيد، وذلك ما قصده الجابري بمقولة التحول إلى (دولة تعيش في إطار القبيلة من الغنيمة، بمعني إن الوصول لمواقع السلطان وإمتلاك موارد الدولة من فئ وخراج كان يتم حصرياً في دائرة الأقربين من ناحية العشيرة). وتروى حادثة طريفة في هذا الصدد تقول أن معاوية عندما قرر تولية إبنه يزيد خلفاً له، دعاء كل وجهاء العرب وأحضر إعرابياً من البادية للمجلس وطلب منه الحديث، فقال الإعرابي: " هذا أمير المؤمنين (وأشار إلى معاوية)، فإن هلك فهذا (فأشار إلى يزيد)، ومن أبى فهذا (فأشار إلى السيف)، فقال له معاوية لقد أبنت، وبايع القوم يزيد(!).



والملاحظ أن الحركة الإسلامية السودانية بدأت كحركة دعوة شاملة إستهدفت المجتمع السوداني وإنتمي إليها الكثيرين في زمن سطوة خطابها خلال نهاية السبيعنيات وحتى الثمانينيات(مرحلة سيادة خطاب القيم والأخلاق) وغربتها عن السلطة السياسية (الغنيمة)، وعندما إستولت عليها في 1989 (مرحلة التمكين)، بدات سريعاً مظاهر التحوّل داخلها على نفس النمط الذي حدث في دولة معاوية .... التحوّل إلى وضعية العيش في إطار القبيلة من الغنيمة داخل الدولة، وأصبحت تكرّس السلطة والثروة ضمن دائرة الممسكين بزمام الأمور داخل الحركة (المتنفذين) أو "القلة ذات المصير المشترك" بتعبير محمد عبدالرحيم، والذين بدأت تبرز ملامحهم وسماتهم الإثنية والعرقية بوضوح، إذ كانوا كلهم ـ وبلا إستثناء ـ من أبناء الشمال النيلي والوسط (البشير، الزبير محمد صالح، علي عثمان، عبدالرحيم محمد حسين، بكري حسن صالح، عوض الجاز، إبراهيم شمس الدين، صلاح قوش، نافع علي نافع، مصطفى عثمان إسماعيل، الزبير بشير طه، والقائمة تطول لتشمل عناصر أخرى غير مرئية في ساحة العمل السياسي المباشر). ولإستدراك طابع الصراع الإثني الجنيني داخل الحركة الإسلامية فقد كشفت عن ذلك الإنتخابات التي جرت داخل الحركة في تسعينيات القرن الماضي لإختيار أمين عام للحركة الإسلامية وقد إنحصر التنافس حينها بين الشفيع أحمد محمد والذي هو من أبناء دارفور وغازي صلاح الدين العتباني، وقد فاز الشفيع ولكن في ملابسات غامضة تم إعلان فوز غازي صلاح الدين مما أثار سخطاً كبيراً داخل أروقة الحركة الإسلامية حينها وقد تمت مقايضة الشفيع وترضيته بمنصب سفير السودان بإيران.



وإذا أمعنّا النظر في الخلفية الإثنية لهؤلاء المشار إليهم عاليه نجدهم إما من قبائل الجعليين أو الشايقية أوالقبائل المرتبطة بهاتين المجموعتين من دناقلة ومحس. وحتى هذه الدائرة الصغيرة أصبحت تعاني من التصدعات وإنقسمت لكتل أصغر حيث وقف الجعليين وحلفائهم خلف البشير، والشايقية خلف علي عثمان، وقد لخّص أحد الظرفاء إقالة صلاح قوش بأنها في نهاية التحليل ليست سوى (شكلة جعليين وشايقية). فهل هذا صحيح (؟).



التكتلات داخل المؤتمر الوطني:

لم تكن هناك بوادر صراع واضح المعالم بين الأطراف المختلفة داخل المؤتمر الوطني في بداية الأمر، إلا من بعد الخروج من مأزق المفاصلة التي قذفت بالترابي خارج أسوار السلطة. وقد تطلب ذلك من جميع الأطراف عملية تمشيط لأروقته الداخلية من (غواصات) الطرف الآخر وترتيب أوضاع القيادة، والتي قامت على أسس عرقية وجهوية بحتة، خاصة في معسكر المؤتمر الوطني، والذي عندما إستقرت الأمور داخله، بدأت بوادر الخلافات في الظهور من جديد. وقد إرتبط ذلك برواية الصراع الذي دار بين البشير وعلي عثمان، وهناك أكثر من رأي وتحليل، منها ما يري أن ذلك يرجع إلى صعود نجم علي عثمان المقبول لدى الغرب بعد التوقيع على إتفاقية السلام الشامل، والذي بدا من بعد التوقيع وكأنه الرجل الذي سيزيح من السلطة، وهو ما أثار مخاوف البشير من تكرار تجربة المفاصلة ضده هذه المرة. رواية أخرى ترى أن المسألة متعلقة بقضايا إستثمارات مالية، وهناك من يقول إن أموال البترول يتم تقسيمها بين (المتنفذين) في المؤتمر الوطني ومن بينهم البشير وعلى عثمان، والبشير إستخدم شقيقه وإحدى زوجاته كواجهة في إستثمار أمواله، وحدث إن قام شقيقه بالإستثمار مع ثري سعودي وفاحت رائحة فساد في العملية، فمرر صلاح قوش الوثائق لعلي عثمان، وقام الأخير بالضغط على البشير وحدث نتيجة لذلك تغييرات راح ضحيتها عبدالرحيم محمد حسين الذي غادر موقعه كوزير للداخلية مكرهاً أخانا لا بطل. وروايات كثيرة من هذا القبيل، والتي لا يمكن قبولها أو رفضها في نفس الوقت، لكنها تبقى كمصادر ثانوية مهمة للتحليل في ظل ضآلة المعلومات التي يمكن الحصول عليها، وصحتها أو كذبها يتحققان حين تبرز فيما بعد مؤشرات وأدلة تؤكد هذه الرواية أو تلك.



لكن عموماً يمكن القول أن الصراع ما بين البشير وعلي عثمان قائم على ركيزتين، سياسية وإقتصادية، وبصرف النظر عن صحة أو كذب أي رواية قد ترد، إلا أن المدخل الموضوعي في التفسير يستند على تجريد الظاهرة ووضعها في سياقها السياسي/الإقتصادي/الإجتماعي/التاريخي، وهو ما يجد أساسه في الإستعراض السابق لما أسميناه بـ "الإطار العام للصراع"، وبالتالي؛ مهما تعددت الروايات التي قد تقف كأسباب، فإنها لا تخرج من هذا الإطار. وعندما نقرن ذلك بتطور طبيعة الصراعات في التاريخ الإسلامي والحركات الإسلامية حديثاً وما إنتهت إليه في طبيعة التحول من مرحلة الدعوة(خطاب القيم والأخلاق) إلى العيش في إطار القبيلة من الغنيمة، وما يستلزمه ذلك من تضييق لدائرة الممسكين بمقاليد الأمور في نطاق القبيلة وخشم البيت تحت قانون (أنا وأخوي على إبن عمي، وأنا وأخوي وإبن عمي على الغريب). فإن أي مقولات قد تصلنا من شاكلة (دي شكلة جعليين وشايقية) تجد شيئاً من الموضوعية، ولا يمكن تجاهلها.






imported_طارق الحسن محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-03-2011, 04:33 PM   #[24]
imported_طارق الحسن محمد
Banned
الصورة الرمزية imported_طارق الحسن محمد
 
افتراضي

متابعة

وعلى كلٍ، يمكننا مبدئياً تقسيم المعسكرات المتصارعة داخل المؤتمر الوطني، ومن ثم البحث عن أسباب لهذه التكتلات:



كتلة البشير:

تضم كلٍ من البشير، عبدالرحيم محمد حسين، بكري حسن صالح، نافع علي نافع، ومصطفى عثمان. كل فرد في هذه المجموعة لا يؤخذ لإعتباراته الشخصية، وليس لأن المصائب يجمعن المصابين، لكن طالما نحن نتحدث عن دور العامل القبلي، فإن هذه الصلة تكتسب بعداً إستراتيجياً في تكوين هذه المجموعة، حتى وإن كان على صعيد اللاشعور، إضافة للعوامل الأخرى. فهذه المجموعة خلفيتهم من الجعليين، المحس والدناقلة. أما العوامل الأخرى، فالبشير وبكري حسن صالح وعبدالرحيم محمد حسين، مهنياً عسكريين من القوات المسلحة وهو ما يربطهم داخل إطار هذه المجموعة، وقد كانت صلاتهم بالتنظيم الإسلامي ـ خاصة البشير ـ قبل الإنقاذ ضعيفة نسبياً، للدرجة التي أنكر الترابي معرفته بالبشير قبل الإنقلاب(!) ـ ربما لأسباب أمنية(!). إما نافع فهو كادر معروف بتاريخه السياسي في الحركة الإسلامية، وعندما صار محاضراً بكلية الزراعة جامعة الخرطوم، كان أول ما فعله عقب الإنقلاب، قام بإعتقال د. كامل إبراهيم زميله بالكلية وجاره بالسكن وأودعه بيوت الأشباح. نال تدريباً في باكستان أو ربما أفغانستان كما يقول أحد معاصريه في التنظيم الإسلامي. إما مصطفى عثمان إسماعيل، فهو أيضاً كان كادراً للحركة الإسلامية منذ فترة الجامعة بكلية طب الأسنان، بجامعة الخرطوم، وقد كان رئيساًَ للإتحاد العام للطلاب السودانيين في إنجلترا (واجهة الحركة الإسلامية وذراعها بالخارج)، وقد لمع نجمه بعد الإنقاذ، وتقلد مناصب عدة، بدأً بجمعية الصداقة الشعبية حتى وصل إلى منصب وزير الخارجية، وأخيراً مستشاراً للرئيس للشئون الخارجية بعد إتفاقية السلام الشامل. وتقول بعض الروايات الطريفة أن البشير يحب مصطفي عثمان "لوجه الله"، وأنه لسبب (ما) يتفاءل به كثيراً للدرجة التي خلع عليه لقب "المبروك".



إذاً، ما الذي يجمع هؤلاء في كتلة واحدة داخل المؤتمر الوطني(؟) إذا إستثنينا عامل التقارب الآيديولوجي، بإعتباره ثابتاً سواء إن كان هؤلاء داخل المؤتمر الوطني أو الشعبي أو حركة العدل والمساواة، وبحثنا عن عوامل أخرى، فما هي الإحتمالات الأقرب(؟). في واقع الأمر، هذا يتطلب معرفة عناصر الخلاف بين هؤلاء والآخرين داخل المؤتمر الوطني، وهي جزئية تقل فيها المعلومات للحد الأدني، لكن أقرب التكّهنات تشير إلى أن المسألة متعلقة في جانب منها بالنفوذ السياسي التي وصلت إليه المجموعة الأخرى (مجموعة علي عثمان، أو مجموعة الشايقية السناجك)، خاصة صلاح قوش، من خلال إستغلاله لموقعه كرئيس لجهاز المخابرات والأمن الوطني لصالح مجموعته في خضم المعركة الداخلية، هذا من جانب، ولتأكيد ذلك، نشرت الشرق الأوسط تحليلاً لأحد الكتاب أقرب ما يكون لهذه الإستناج، ويقول: "... الإتجاه الثاني تمثل في تحديث جهاز المخابرات وأساليب عمله للقيام بأدوار عسكرية بجانب دوره الأمني، ولهذا الغرض تم توفير مخصصات مالية ضخمة من أجل إنجاز مهامه المخابراتية والأمنية، وبمؤازرة ذلك أنشا [يقصد صلاح قوش] إمبراطورية مالية وتجارية توسعت وتمددت في جميع الإتجاهات بحيث أصبح لها وجود في أهم مفاصل الأنشطة الإقتصادية والتجارية في البلاد. كما أنه عزز النفوذ السياسي للجهاز إلى حد أن معظم وزراء الدولة في مختلف الوزارات، كانوا في الأصل من العناصر القيادية داخل الجهاز، وأصبح صلاح قوش عملياً يمسك بزمام الأمور في العمل التنفيذي..." (طلحة جبريل، "قوش السوداني، إنقلاب قصر في الخرطوم أطاح برجل النظام القوي المعروف بعلاقاته الجيدة بالمخابرات الأمريكية" ، الشرق الأوسط، 21 أغسطس 2009، عدد 11224).



من جانب آخر، فقد مثل صعود نجم علي عثمان كرجل يعود إليه الفضل في الوصول لإتفاقية السلام الشامل مع د. قرنق، في مقابل ضعف موقف البشير خاصة من بعد قرار محكمة الجنايات الدولية، ومدى الحرج السياسي والدبلوماسي الذي أصبح يسببه للنظام كرئيس دولة مطلوب للمثول أمام محكمة تتهمه بإرتكاب جرائم حرب، وهي نقطة ضعف مؤلمة خصماً على الموقف السياسي للبشير ومجموعته. ويضيف نفس كاتب المقال وفي نفس العدد من الصحيفة مؤكداً ذلك في سياق تحليله لإقالة صلاح قوش ويقول: " ينتمي صلاح قوش الى قبيلة الشايقية التي تقطن شمال السودان وأُعتبر وجود قوش إلى جانب كل من علي عثمان محمد طه نائب الرئيس السوداني وعوض الجاز وزير المالية الذين ينحدران من المنطقة نفسها، بمثابة هيمنة لهذه القبيلة على السلطة منذ أن إستولى الإسلاميون على الحكم في 1989 ...".



إذا تتضح لدينا الآن أبعاد الصورة لخلاف هذه المجموعة مع الآخرين، والتي تتلخص في جانبها السياسي بتمدد نفوذ المجموعة الأخرى(مجموعة السناجك) عبر الجهاز الأمني إلى كافة قطاعات الدولة، أو بالإحرى صلاح قوش وعلي عثمان ومن خلفهم الشايقية. عليه؛ لا نعتقد الآن أن البعد الإثني للموضوع لم يعد بالأمر الخفي في هذا الصراع، والذي يتم من خلال سيطرتهم على المفاصل الرئيسية للعمل التنفيذي بالدولة عبر صلاح. وهو ما يقوي مصداقية الخلفية النظرية التي أشرنا إليها آنفاً، بتحول الحركة الإسلامية من حركة دعوة وإصلاح إجتماعي في مراحلها الأولى، إلى حركة تتضاءل إلى تكتلات عرقية عندما تنتقل للسلطة السياسية نتيجة للصراع حول الغنيمة (دولة تعيش في إطار القبيلة من الغنيمة كما قال الجابري). وفي نفس الوقت يجيب على سؤالنا ما الذي يجمع هؤلاء(؟)، وبالتالي، فإن تكتل هذه المجموعة (أي مجموعة البشير، ما يجمعها هو الخوف من النفوذ السياسي المتنامي للمجموعة الأخرى، يغذيه في لا شعورهم دافع التكاتف القبلي ضد خصمهم اللدود، السناجك. ويزيد من أزمة هذه المجموعة، وفي نفس الوقت من ترابطها الداخلي، موقف البشير المتحرّج، والذي يتطلب في هذه اللحظة أن يقف في صفه أقرب الأقربين، سواءاً إن كانوا من أبناء قبيلته أو من تجمعهم معه روابط الخلفية العسكرية). فهذه المجموعة متماسكة داخلياً إلى الآن، تجمع العسكريين داخلهم الخلفية المهنية، والعلاقات العشائرية توحدهم كلهم، وذهبت خديعة المشروع الحضاري إلى زوايا النسيان تحت بريق السلطة والثروة الكاشف.



تمسك هذه المجموعة بخيوط كثيرة في السلطة، فالبشير هو الرئيس، نافع يسيطر على التنظيم السياسي، ويمسك بيده مفاتيح السيطرة على الجهاز الأمني، عبدالرحيم تقلد مناصب كثيرة إنتهت إلى وزارة الدفاع حالياً، بعد فضيحة صهره التي أجبرته على الإستقالة من وزارة الداخلية، أما بكري حسن صالح فهو أضعف الحلقات في السلسلة التي تربط هذه المجموعة لإعتبارات لا يسع المجال لذكرها.



ترتكز قوة هذه المجموعة في:

- نفوذها القوي داخل الجهاز السياسي (المؤتمر الوطني) من خلال نافع، والذي تقول المصادر أنه الآن بدأ في إستعادة سيطرته على الجهاز الأمني ليس من خلال المهندس محمد عطا، وإنما عبر نائبه المتوقع والذي تهمس الخرطوم بأنه أحد كوادر الإسلاميين المعروفة بجامعة الخرطوم في حقبة نهايات الثمانينات وبدايات التسعينيات، وتربطه بنافع علاقة قوية.

- الجيش من خلال البشير وعبدالرحيم محمد حسين وبكري حسن صالح ـ على الرغم من أن هذه السيطرة فيها قولان، لكن وكما ذكر أحدهم أن ضباط القوات المسلحة ومهما تفاوتت مواقعهم الآيديولوجية يساراً أو يميناً ففي نهاية المطاف يجمعهم ما يسمى بآيديولوجيا المؤسسة العسكرية أو العسكرتاريا ـ وبالتالي مهما ضعفت وتحللت علاقة هؤلاء الثلاثة بالقوات المسلحة، فستظل هذه الصلة التنظيمية العسكرية الخفية تربطهم بكثير من قواعد القوات المسلحة من ضباط وضباط صف.



كتلة علي عثمان:

تضم هذه المجموعة كلٍ من علي عثمان محمد طه، عوض الجاز، وصلاح قوش، وعلى الرغم من أن الأخير (صلاح) كان موقفه غامضاً في البداية، وقرأته كثير من الدوائر المتابعة للشأن السوداني كموقف مستقل في إطار الصراع داخل المؤتمر الوطني لعوامل مرتبطة بعلاقاته بالمخابرات الأمريكية، ونفوذه القوي داخل الجهاز، وما قد يمثّله ذلك من دافع يشجّعه للعب دور في الساحة السياسية. إلا أن إقالته من موقعه كشفت عن حقيقة إنحيازه لجانب هذه المجموعة (مجموعة علي عثمان). وهذه الكتلة، بالرغم من صغر حجمها البادي للعيان، غير أن لها إختراق عميق في تربة التنظيم الحاكم والأجهزة التنفيذية للدولة، تم عبر مراحل مختلفة وطرق ملتوية عديدة، كان جهاز المخابرات والأمن الوطني إحدي الأذرع الرئيسية في تنفيذها، بالإضافة لدور عوض الجاز بوزارة الطاقة والتعدين وتحكمه في عائدات البترول وكيفية التصرف فيها، ومؤسسات أخرى مرتبطة بصورة مباشرة وغير مباشرة بهذه المجموعة. وإذا قارنا موازنة القوى بين هذه المجموعة ومجموعة البشير، قبيل إقالة صلاح قوش، سنجد أنها كانت في موقف أفضل، ولنأخذهم فرداً فرداً:



علي عثمان: يمثل الرمز القيادي داخل هذه المجموعة بحكم عوامل كثيرة، أهمها تاريخه السياسي منذ إن كان طالباً بجامعة الخرطوم ورئيساً لإحدى دورات إتحاده، إضافة إلى دوره البارز خلال فترة الديمقراطية الثالثة كرئيس لكتلة المعارضة التي كانت تتزعمها الجبهة الإسلامية آنذاك، وموقعه في التسلسل القيادي للجبهة الإسلامية، وأدوار أخرى لعبها من بعد إنقلاب الجبهة الإسلامية وإستيلائها على السلطة، مما أهله سياسياً لإحتلال موقع الرجل الثاني بعد الترابي زعيم الجبهة الإسلامية القومية. ومعروف عن علي عثمان أنه رجل تنفيذي حركي وليس مفكراً، ويفتقر للكاريزما التي يمتلكها الترابي. من بعد المفاصلة في 1999، أصبح علي عثمان رجل النظام الأول، وعزز من موقعه القيادي الدور الذي لعبه في التوصّل لإتفاقية السلام الشامل مع د. قرنق كما أسلفنا القول. تتمثل نقطة الضعف السياسية في مسيرة الرجل في الدور الذي لعبه في عملية إغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا، كما تشير بذلك كثير من أصابع الإتهام التي وجهت له سراً أو علانية، ووضعته تحت رحمة ضغط وإبتزاز النظام المصري وآخرين، مما جعله يتوارى عن الأنظار لفترة. طفى خلافه مع البشير للسطح قبل إتفاقية أبوجا في 2006 بقليل في رحلته المشهورة لتركيا. وتشير المعلومات إلى أن ذلك الخلاف كان نتيجة لمواجهة تمت بينه وبين مجموعة البشير في قضايا متعلقة بفساد بعض عناصر مجموعة الأخير وتقسيم عائدات البترول، وضعفه أمام الضغوط الأوروبية والأمريكية وأشياء أخرى، آثر الرجل على خلفية ذلك الذهاب لتركيا وعزم العقد على عدم العودة. لكنه فاجأة الجميع بعودته للخرطوم(!)، وقد تسربت معلومات أن عودته تلك إرتبطت بصفقة سياسية عقدها مع بعض الدوائر الغربية كان شرطها الأساسي عودته للسودان للتوصّل إلى إتفاقية سلام مع جبهة شرق السودان وفي دارفور، مقابل إستثنائه من قائمة المطلوبين أمام محكمة الجنايات الدولية في جرائم حرب بدارفور. لذلك في طريق عودته مر على طرابلس وأبوجا قبل الخرطوم.



المثير في مواقف علي عثمان، إنه كان كلما أحاطت الملمات بالبشير، وقف إلى جانبه في المنابر العامة متقمصاً دور المدافع والمنافح عنه، غير أن كثيرون لا يصدقون مواقف الرجل، ويستندون إلى أن على عثمان الذي لم تردعه أخلاق في الإنقلاب على أستاذه الترابي، لن تقف أمامه أي موانع أخرى في أن يفعلها مع من هو أقل درجة في نظره وتاريخاً في الحركة الإسلامية، من أمثال البشير.



عوض الجاز الجاز: ليست هناك معلومات كثيرة متداولة عن الرجل، لكن معروف عنه إنه كان المسئول الأول عن التنظيم في الجبهة الإسلامية القومية (سابقاً) وبعد الإنقلاب أصبح المهيمن على الجهاز الأمني الخاص التنظيم (أمن الثورة)، ثم لاحقاً صار وزيراً للطاقة والتعدين. وبالتالي أصبح عوض الجاز هو الشخص الوحيد في السودان الذي كان يعلم على وجه التحديد، حجم عائدات النفط وطبيعة العقود المبرمة، وفي أي بنوك يتم توريد هذه العائدات، وفي حسابات من من المتنفذين، وكيف تتم تسوية هذه المسائل مع الشركاء الآسيويين. لذلك عندما كان السودانيين يعلقون ساخرين بقولهم "إن عوض الجاز عندما ذهب لوزارة المالية أخذ معه مفاتيح وزارة الطاقة"، إنما يعكسون واقع حقيقي، والملاحظة التي تدعم هذه المقولة، هي أن الجاز والزبير بشير تبادلاً المواقع فقط، فذهب الزبير من المالية للطاقة والجاز من الطاقة للمالية، ولم يتغير شئ سوى إتجاه تيار المعلومات وطبيعة التنسيق بين الإثنين.



وهناك روايات أشبه بالأساطير تُحكي عن كيفية تصرف الجاز في أموال الدولة، أحداها: أن رجل أعمال يمتلك شركة مقاولات محترمة بالخرطوم بني منزلاً لوزير سابق، ولحظه العاثر ماطله الوزير المعني في دفع مستحقاته، ولما طال الأمر ويأس الرجل من ملاقاة الوزير، ما كان منه إلا وأن لجاء إلى علاقاته بالوسط الرياضي (أهل الكورة) ومرمط بسمعة الوزير، لعلمه بعلاقة هذا الوزير بهذا الوسط وولعه بـ "بالكفر". فما كان من الوزير، إلا وأن إستدعاه وأعطاه ورقة صغيرة لعوض الجاز لتسديد فاتورة بناء المنزل. لم تكن للرجل أيضاً صلات بالمتنفذين فلجاء مرة أخرى للوسط الرياضي وتمكن بعد جهد جهيد من أن يصل إلى حلقة الأمن المحيطة بالجاز، وعبر أحد حراسه، والذي نصحه بالصلاة في نفس المسجد الذي يقع قرب منزل الجاز وخلفه في الصف، ذهب صاحبنا إلى المسجد المعني، وصلي الصبح حاضراً خلف الجاز بالفعل، وتمكن من مقابلته لبرهة وأعطاه ورقة الوزير. فأشار إليه الجاز بأن يتبعه، وذهب خلفه إلى المنزل، وعندما دخل وجد وفي حديقة المنزل عدداً لا يستهان به من الحاضرين من أصحاب الديون، وصرّافين بالصالون الداخلي، فمد ورقته الصغيرة إلى أحدهم فأعطاه ماله كاملاً غير منقوص(!!).



هذه الرواية، ومهما بدت أشبه بقصص أمراء ألف ليلة وليلة، غير أنه وفي ظل الواقع الماثل في السودان.. واقع إخفاء المعلومات المتعلقة بعائدات البترول، تصبح مسألة التصرف في أمواله بهذه الطريقة أو أي طريقة أخرى بعيدة عن النظم المتعارف عليها في المعاملات المالية بالخدمة المدنية، أمراً غير مستبعد على الإطلاق. وحول إخفاء المعلومات المتعلقة بعائدات البترول أشار تقرير حديث صدر بتاريخ 7 سبتمبر 2009، من مؤسسة Global Witness رأينا أن نورد تلخيصه كاملاً أدناه حتى يتعرّف السودانيين على مستوى الخداع الذي يتم، وحجم الأموال التي تحت تصرف عوض الجاز(راجع النص الإنجليزي في الهامش)[*]. وهي الوضعية هي التي أعطت الرجل نفوذ قوي في النظام، بإعتبار أن تحت تصرفه أموالاً طائلة لا تخضع لحسيب أو رقيب، والكثير من الأسرار المتعلقة بها تخص المتنفذين، ولا نستبعد أن يكون عوض الجاز قد أمّن لنفسه بوابة خلفية تتيح له التحكم في أرصدتهم بالخارج أيضاً(؟!). وتشير إحدى الروايات أيضاً إلى مدى صلف الجاز أوردها الكاتب محمد عبدالرحيم ضمنياً دون الإشارة لشخصيات بعينها في نفس المقال الذي إستشهدنا به (التمكين) في البداية، إذ يقول: ".... ولا ننسى عندما حدث انقسام داخل أحد الأحزاب المرموقة؛ وحينما سأل الزعيم المنشق عن أموال البترول؛ أجابه أحد المسئولين: "القروش دي بنشتري بيها الزيك" [التشديد هنا لمجرد التوضيح وليس من الكاتب] ، أي نشتري بها ذمم أمثالك ؛ .... والباقي معروف للكافة". وصحيح إن الباقي معروف، ولا أعتقد أن أحد سيختلف معنا بأن المعني بالحديث هنا هو الجاز، وبالتالي، أضاف له هذا الحوار مهنة أخرى لم تكن معروفة، وهي شراء ذمم السودانيين بحقهم (يعني كما يقول السودانيين من دقنو وأفتلو)، كما كان يفعل سلفه المرحوم مجذوب الخليفة.



صلاح عبدالله (قوش): نبدأ التعريف بصلاح بما أورده الكاتب طلحة جبريل عنه في مقاله الذي نشره بصحيفة الشرق الأوسط التي أشرنا إليها آنفاً[†](نظر الهامش). وإيراد هذا النص الطويل للكاتب طلحة، ليس كما قد يفسّره البعض كإعجاب أو تعريض بالرجل، بقدرما هو موضعة له في الخانة الصحيحة من معادلة الصراع التي تدور داخل أروقة المؤتمر الوطني. وهذه السيرة الذاتية الحافلة بالكثير المثير الخطر، جعلت من صلاح رجل النظام القوي خلال الفترة السابقة. وفي سياق التحليل لموقفه من الصراع فإن هذا النص المشار إليه يكشف أبعاد كثيرة يمكن إجمالها في الأتي:

- تاريخ صلاح السياسي داخل الحركة الإسلامية المرتبط بشخصيته وإمكاناته الذاتية والمواقع التي إحتلها خلال مسيرته داخل التنظيم الإسلامي، والتي مكنته في نهاية المطاف من أن يصل إلى موقع رئيس جهاز الأمن المخابرات.

- تحديثه للجهاز حتى صار جيشاً مستقلاً (دولة داخل دولة)، متحكماً في الحياة السياسية ومخترقاً للخدمة المدنية والحركة الإقتصادية بالبلاد، بمعني؛ تحوّل الجهاز إلى إمبراطورية قيصرها صلاح قوش. وهو ما أصبح مدخلاً لخشية الآخرين وسبباً لمخاوفهم ووساوسهم من سؤال أين ستقف هذه المؤسسة بقدراتها وإمكانياتها في حال نشوب أي مصادمات بين الأجنحة المختلفة داخل التنظيم الحاكم.

- العلاقات القوية لصلاح مع أجهزة الإستخبارات الغربية خاصة الأمريكية والبريطانية، وعلى الرغم من أن هذه العلاقة إنبنت على قاعدة التبادل المعلوماتي في إطار ما سمي بالحرب على الإرهاب، غير أن ما سكت عنه النص هو طابع القضايا الأخرى التي يمكن مناقشتها مع قوش على هامش هذه العلاقة ما بين الطرفين، والتي قد تتجاوز مواضيع الحرب على الإرهاب إلى تجفيف مصادره الأصلية وتاريخه المرتبط بالشأن السوداني ورموزه، وهو مدخل قلق الآخرين المستمر من هذه العلاقة، خاصة بعد تسرّب كثير من المعلومات تفيد أن صلاح أصبح قاب قوسين أو أدنى من التوصل لصفقة مع الـ (CIA) لعمل إنقلاب قصر يطيح بالبشير، في عملية تتم من داخل أروقة المؤتمر الوطني نفسه، تحت غطاء تقديم علي عثمان كمرشح لرئاسة الجمهورية بديلاً للبشير، ليفقد الأخير حصانته كرئيس دولة، ويسهل من بعدها إعتقاله وتقديمه للمحاكمة في الجرائم الموجهة ضده، لتجنب حرج الدخول في تعقيدات العلاقات الدولية ذات الصلة بصراع المصالح حول السودان مابين بين الدول الغربية وكل من الصين وروسيا من جهة والدول العربية الأفريقية من جهة أخرى.

- ويقود الإستنتاج المنطقي من حساب المحصلة النهائية للعوامل الثلاثة السابقة لعقلية رياضية/هندسية مثل عقلية قوش إلى أن خيارات معركته تحددت في حفر خندقه إلى جانب على عثمان، شجعه لذلك وعلى المستوى الداخلي في المؤتمر الوطني، الموقف المتأزم للبشير في صراعه من أجل البقاء مع المجتمع الدولي في قضية ملف محكمة الجنايات. قد يكون ذلك إختياراً موفقاً لصلاح من الناحية السياسية النظرية ـ وربما على ضوء المعطيات التي أمامه والمعلومات المتوافرة لديه من مصادره الخارجية ـ لذلك لم يراهن على حصان البشير الخاسر، بل فضل المضى لمعسكر على عثمان بدعم من أجهزة الإستخبارات الغربية. وليس بمستبعد أيضاً أن يكون قد تم التوصل معه لنفس الصفقة التي تم عقدها مع علي عثمان في السابق، وأصبح الرجلين في خندق واحد رغماً عنهما. وقد يقول قائل أن هذا الإختيار بطابعه السياسي البحت ينفي أي إحتمالات لظلال دوافع قبلية/أثنية في وقوف صلاح في معسكر علي ضد البشير، لكن بالرغم من ذلك فإن حساب وجود هذا العامل أمر محتمل حتى وإن كان على مستوى اللاشعور، وربما أصبح أكثر راحة لضمير صلاح أن يجد نفسه في صف أقربائه بحكم قوة دفع تيار الخيارات السياسية المفروضة، بدلاً من خيار الضغط العشائري المخزي، في ظل أسباب صراع هي أكثر خزياً وعاراً، لتاريخ حركة إنتمي إليها وكان شعارها وخطابها لعقود، هو القيم والأخلاق. إضافة إلى أنه وفي السياق العام لمسيرة تحول الحركات الإسلامية ـ كما أوردناه في عرضنا للخلفية النظرية للجابري ـ من حركات تبدأ كمنظومات دعوية، وتنتهي كحركات تعيش في فضاء القبيلة من الغنيمة عندما تستولي على السلطة والدولة.







imported_طارق الحسن محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-03-2011, 04:35 PM   #[25]
imported_طارق الحسن محمد
Banned
الصورة الرمزية imported_طارق الحسن محمد
 
افتراضي http://www.newsudan.org/vb3/showthread.php?t=19254


متابعة
وكما قلنا سابقاً عندما إنتهي صراعهم الخارجي أو قل تأثيره، إنقلب إلى الداخل متخذاً شكل خلاف سياسي مصحوب بمظاهر إستقطاب إثني يحتد تدريجياً. فشهد الخلاف مع الترابي تصفية عناصره داخل الجهاز المنحدرة من الجزيرة ودارفور، ويشهد الخلاف الحالي أيضاً تصفية للعناصر المنحدرة من الشمالية الموالية لعلي عثمان وقوش، وهي طريقة مجرّبة أعطت نتائجها عندما مارسها البشير، على عثمان وصلاح قوش ضد الترابي، ونستشهد مرة أخرى بما ذكره طلحة جبريل:

" .... وتوالت مشاهد جعلت الترابي الداهية يعود أكثر من مرة إلى السجن وبقرار من تلاميذه. وفي هذه المشاهد كان صلاح قوش حاضرا. الثورات عادة ما تأكل أبناءها. هذا هو الشائع على الأقل. لكن في السودان أكلت الثورة أباها، وهو الدكتور حسن عبد الله الترابي ولا شخص آخر سواه، في ديسمبر (كانون الثاني) 1999. تفجر خلاف مكتوم بين الرئيس عمر البشير وحسن الترابي رئيس البرلمان آنذاك، وهو الخلاف الذي أطلق عليها الإسلاميون صراع «القصر» و«المنشية». أي الصراع بين البشير الذي يوجد في القصر الجمهوري، ضد الترابي الذي يقطن ضاحية يسكنها المقتدرون تعرف باسم «المنشية». وأدى ذلك الخلاف إلى وقوف معظم التنفيذيين إلى جانب البشير، وكان من بين هؤلاء الرجل القوي صلاح قوش...".

لوضع تقييم لمصادر قوة هذه المجموعة من بعد خروج صلاح قوش من المعادلة ومحدودية تأثيره في مسار الصراع، نجد أنها لم تعد تملك سوى، عوض الجاز أو على الأقل هو مركز النفوذ الواضح الآن من حيث تحكمه في أموال البترول كما أشرنا سابقاً، وعليه ليس من المستبعد أن يكون هو الهدف التالي لمجموعة البشير، إضافة لعلي عثمان بحكم تاريخه السياسي، علاقاته الجيدة مع شريك الحكم (الحركة الشعبية). وبالتالي فإن مساحة المناورة المتاحة أمامها ضيقة للغاية، والطريق أمامهم ملغوم لأي تحرك في الجيش والحزب (المؤتمر الوطني) والجهاز الأمني، فما هي خياراتهم إذاَ (؟).

في واقع الأمر من الصعب جداً رؤية أي موقف إٍستراتيجي مؤثر لمجموعة علي عثمان لمعادلة موقفهم أمام مجموعة البشير، غير التحرك خارج أسوار الحزب، والجيش والمؤسسة الأمنية، وهنا تتعدد الإحتمالات والتكهّنات، أخطرها يستنتج أن الرجل قد قطع تذكرة عودة لمعسكر أستاذه الترابي(!)، ومهما تكن صحة هذا الإستنتاج أو عدمه، لكن يبدو أنه الخيار الأكثر معقولية عند قراءة الوقائع وإدراك طبيعة الصراعات بين الإسلاميين أنفسهم، فهم يعرفون مواضع ضعف بعضهم البعض جيداً. لذلك، فعلي عثمان يدرك تماماً أن بقائه أعزلاً في حلبة الصراع ضد البشير ومجموعته من "شفتة" السياسة أمثال نافع، لن ينتهي به إلا إلى الزوال التدريجي طال الزمن أم قصر. وشخصية مثل علي عثمان بتاريخه السياسي ومعاركه اللانهائية داخل وخارج أسوار الحركة الإسلامية، والتي أوصلته في يوم من الأيام لمواجهة أستاذه الترابي، لن ترضي بمثل هذا المصير أبداً، أو هكذا يقول من عاصروه وعرفوه عن قرب.

ولنحاول في نهاية هذا الإستعراض بناء مصفوفتنا للصراع بين الطرفين:

مجموعة البشير: نقاط القوة إحتمالات التحرك النتائج المتوقعة

سيطرة على: - تعبئة عماة لخوض الإنتخابات برشيح البشير - إحتمال فوز البشير وارد

- الحزب - ترتيب الجيش - إحتمال وارد

- الجيش إعادة - صياغة الجهاز الأمني - إحتمال النجاح كبير

- الأمن - تسوية المشاكل العالقة مع الحركة الشعبية - إحتمال وارد



- التفاوض مع المجتمع الدولي لتسوية ملف البشير - محتمل بدرجة أقل

- التوصل لإتفاق مع خليل إبراهيم - محتمل



مجموعة علي عثمان:

- مصادر التمويل - إعادة توازن القوى عبر التحرك - النجاح في إحياء

عبر عوض الجاز. - السياسي الواسع في عدة محاور: إطار الحركة الإسلامية ممكن

-العلاقات الجيدة - الإلتفاف حول المجموعة بإعادة

مع الحركة الشعبية إحياء الحركة الإسلامية.

- التفاوض مع الترابي لتوحيد الصف - التوصل مع الترابي

أو أي صيغة لمواجهة الجناح الآخر لإتفاق ممكن الحدوث

- الحوار مع الحركة الشعبية والقوى السياسية الأخرى. - ممكن







الملاحظات الختامية التي يمكن تدوينها من جدول النتائج المتوقعة في المصفوفة أعلاه، يشير إلى:

1. ملامح طريقين مختلفين على الأقل للمجموعتين (مجموعة البشير وعلى عثمان)، وهي بوادر إنقسام لم يتخذ شكله النهائي بعد، واضعين في ذهننا أن نتائج مجموعة البشير القائمة على فرص نجاحها المحتملة، قد تنتج شكل للدولة ـ كما سبق وقلنا ـ السيطرة فيه لهذه المجموعة، وداخلها للعسكريين. وبالتالي؛ فإن المحصلة النهائية لهذا الإحتمال هي دولة شمولية تحت سيطرة عسكريين، في وضعية أشبه ما تكون بنظام مايو من بعد 19 يوليو 1972. لذلك فإحتمال المواجهة المؤدية للإنقسام داخل هذه المجموعة وارد الحدوث، لأن إعادة ترتيب الجيش، القوات النظامية والأمن مرة أخرى، ستقوي موقف العسكريين داخل هذه المجموعة وتضعف من موقف السياسيين من أمثال نافع على نافع، وهو ما قد يدفعه للصراع مع البشير معيداً نفس شريط المصادمات التي تمت بين البشير والترابي ومن بعده علي عثمان.



2. المجموعة الأخرى (مجموعة علي) فإن حساباتها الإستراتيجية أصبحت خارج خيمة المؤتمر الوطني، وإحتمال قبول الآخرين للعمل معها سياسياً كبير ـ بما فيهم الترابي نفسه ـ إستناداً إلى أن خروج على عثمان ومهما كانت الصيغة التي تمت به بالضرورة سيضعف النظام ويقوي معسكر المعارضين. وبحكم تنوع الجهات التي من المحتمل أن يسعى علي عثمان للتفاوض والتحالف معها ضد خصومه الجدد (إبتداء من المؤتمر الشعبي وإنتهاء بالحركة الشعبية مروراً بأحزاب كالأمة والإتحادي والشيوعي وغيرهم) فإن مثل هذا التحرك سيفرض على علي عثمان الدخول في معمعة قضايا كثيرة قد تكون مربوطة بمسائل التحول الديمقراطي وغيرها.



3. لذلك وعلى الرغم من القوة البادية على مجموعة البشير غير أن مسارها ينتهي لطريق مسدود، ومجموعة علي عثمان وعلى الرغم من الضعف البادي عليها غير أن هناك متسع من الحركة والذي كما قلنا سيكون خارج أسوار المؤتمر الوطني، وربما خارج النظام.

خاتمة:

عليه؛ فإن إقالة صلاح من موقعه كرئيس لجهاز الأمن والمخابرات كانت نقلة تكتيكية قوية لصالح مجموعة البشير، غير أن التحليل يقود إلى إنها وفي الأفق الإستراتيجي المنظور ستضر بهذه المجموعة وربما السودان بأسره. صحيح أن وجود صلاح قوش في الجهاز ليس بالأمر المأمون العواقب على أي صعيد كان، لكن أيضاً إقالته من موقعه على خلفية صراع بالصورة التي وصفناها، هي أيضاً ذات نتائج وخيمة على المدى الطويل. وعلى أي حال؛ فإن المحصلة النهائية هي أن المؤتمر الوطني الآن وعملياً يخوض تجربة مفاصلة جديدة مكتومة، وسيمر بأخرى أيضاً طالما ظلت جينات الخلاف داخل الحركة الإسلامية باقية.

وقد يستبق البعض الأحداث على ضوء هذه النتائج، وصولاً إلى أن هذا النظام قد أصبحت بعد مسافة صغيرة من قبره على خلفية الصراعات الدائرة الآن، وتلك التي قد تدور في المستقبل داخله، وسيبقى هذا إحتمال قائم بدرجة كبيرة، لكن في ظل التعقيد الذي تتسم به السياسة السودانية، مصحوب بالتحول السريع في إيقاع الأحداث داخلها، بالإضافة إلى المتغيرات التي قد تطراء وهي ليست في الحسبان، فإن إحتمالات كثيرة متوقعة الحدوث أيضاً. صحيح إن إقالة قوش، فاقمت من أزمة التنظيم الحاكم ووضعت صراعاته في العلن وأضعفته، وسيناريو أن لا يسكت صلاح ومجموعته على ذلك ممكن، لكن تصالحهم أيضاً من الإحتمالات القائمة. وحكمة التغيير السياسي تقول إنه لا يتم بـ "القصور الذاتي" كما يتمنى البعض، وإنما لابد من إلقاء حجر في بركة هذا الصراع الصامت لتحريكه، وهي بالفعل لحظة نادرة في التاريخ، قد لا تتكرر مرة أخرى.

وعموماُ قد تكون الأبعاد السياسية في أي صراعات تمثل الجانب الظاهر من بنية هذه الصراعات، غير أنها لا تقف بمعزل عن عوامل أخرى إجتماعية/إقتصادية/تاريخية متداخلة، تتفاعل مع بعضها البعض في جدلية لا تتوقف أو تنفصل، وتأتي أهميتها ـ أي هذه العوامل الأخرى ـ لأنها تؤثر في تشكيل النتائج النهائية لمثل هذه الصراعات، كالتي تدور داخل المؤتمر الوطني علي سبيل المثال. وفي الحالة التي درسناها في المقال إقتطعنا صور ميكروسكوبية للعوامل الإقتصادية للصراع داخل المؤتمر الوطني في أكثر من موقع لغرض التحليل ضمن سياق العوامل الأخرى، منطلقين في ذلك من التعميم الذي تمت صياغته بناء على ملاحظة الجابري والمتمثل في تحوّل الحركة الإسلامية من حركة دعوة إلى حركة تعيش في إطار القبيلة من الغنيمة، و"إتفرتقت" ـ على حد تعبير الطيب زين العابدين ـ تحت وطأة الصراع على المغانم(موارد الدولة الإقتصادية). وكنتيجة لذلك فقد أصبحت تطفو للسطح وبصورة متسارعة ملامح أزمة الإقتصادية عامة قد تكون سبباً رئيسياً من أسباب إنهيار الدولة، كنتيجة مباشرة لسياسات الهيمنة التي مارستها الحركة الإسلامية/المؤتمر الوطني. وبصرف النظر عمن سينتصر في الصراع بين الأجنحة المختلفة (تيم الجعليين أم السناجك) أو أي طرف ثالث أو أي تسوية قد تبرز، فإن هذه الأزمة الإقتصادية التي إستفحلت ستظل مستمرة وباقية، وستهدد بالإنهيار أي وضع قد يتخلق من بعد.



إن المدخل إلى هذه الأزمة بدأ مع السياسات التي طبقها أهل الإنقاذ إنطلاقاً من مبدأ "التمكين" والذي جاء ضمن إستراتيجية تحويل هوية الدولة العامة التي تلت عملية الإنقلاب، وقد تمظهرت من خلال عمليات الخصخصة المنظمة ببيع كافة مؤسسات الدولة المنتجة لإعضاء الحركة، مما أسفر عنه لاحقاً إنهيار تلك المؤسسات، ذلك لأن الخصخصة لم تكن تحكمها الشروط والمعايير الإقتصادية البحتة، وإنما سياسية محمولة على آيديولوجيا التمكين/الهيمنة وتصفية الخصوم إقتصادياً.



ومع بدء إكتشاف البترول وتصديره، وبدلاً من أن تعمل السلطة السياسية الحاكمة على إعادة تدوير عائداته في القطاعات والمشاريع التنموية المنتجة(كالزراعة والصناعة)، أصبحت هذه الأموال تصرف على الأجهزة الأمنية والتسليح، الصرف البذخي على التنظيم الحاكم مؤسسات وأعضاء، الرشاوي وشراء الذمم وتمويل الحروبات الداخلية. مما أدى إلى إنهيار النظم الإقتصادية في قطاعات الزراعة بشقيها المروي والمطري، والقطاعات الصناعية، والمصرفية، وبالتالي إعتماد الدولة بشكل شبه كامل على عائدات النفط. وفي هذا الصدد فقد أشار تقرير صندوق النقد الدولي IMF الصادر في 2008، إلى أن البترول صار يشكل 95% من إجمالي دخل الصادر و60% من الدخل الحكومي، علماً بأن صناعة البترول في السودان تهيمن عليها الشركات الصينية والماليزية. كل ذلك تم على حساب الإقتصاد الريفي والذي دُفع به إلى حافة الإنهيار مع أن أكثر من 80% من سكان السودان يقطنون الريف. وبالتالي، حولت هذه العملية من طبيعة وشكل النظام الإقتصادي للدولة، من إقتصاد تنموي كان يعتمد على قطاعات منتجة، إلى إقتصاد ريعي بالكامل يعتمد على مدخول البترول، في حالة أشبه بحالة نيجيريا ودول الخليج (مع الفارق أن معظم دول الخليج تفتقر للأراضي الزراعية الصالحة، وعائدات النفط كبيرة للغاية بحيث تغطي كثير من القصور الذي قد ينشأ في عمليات التنمية إن وجدت).



وعند مقارنة موارد السودان الزراعية المنتجة (أراضي ومصادر مياه وثروة حيوانية ومعدنية والتي وضعته في قائمة أغني الدول من حيث الموارد)، نجد أن هذا التحول السالب في الإقتصاد الوطني نتج من السياسات التي طبقتها الإنقاذ حتى الآن. وقد لاحظ خطورة هذا الوضع الإقتصادي مجموعة من المثقفين السودانيين والذين جسدوا الأزمة في : " ... الارتفاع الجنونى المستمر لاسعار الاحتياجات الاساسية للمواطن وانخفاض سعر تحويل الجنيه السودانى مقابل العملات الاجنبية وندرة العملات الاجنبية المتوفرة فى البلاد وصعوبة الاستيراد وتعثر الصناعة الوطنية وانهيار الزراعة وتزايد معدلات البطالة.."[‡]. وفي ذات السياق أشار تقرير للبنك الدولي إلى حقيقة عبء الديون الخارجية للسودان، والتي فاقت الـ 33 بليون دولار، مشكّلة 58% من إجمالي الناتج القومي والفشل في جدولتها. فأين ذهبت أموال البترول أذاً (؟؟).



لذلك فإن السودان يواجه ثلاثة كوارث متزامنة، كارثة سياسية قد تؤدي إلى تفتيت الدولة، وأخرى إجتماعية مظهرها إنحلال الروابط والنظم والكيانات الإجتماعية التي قطنت السودان منذ أزمة سحيقة سواء إن كان على صعيد علاقات التعايش مع بعضها البعض أو داخلها. وإرتباط هاتين الكارثتين ناتجه النهائي صراعات أشبه بصومال أمراء الحرب. وأخيراً أزمة إقتصادية متسارعة تتمثل في إنهيار كامل للنظم الإقتصادية(زراعة، صناعة، خدمات، وقطاع مصرفي). بإختصار دخول السودان ـ إن بقي موحداً أو إنفصل إلى دولتين ـ إلى ما يسمى بـ(الفوضي الكارثية) وأدق تعبير هو المصطلح الإنجليزي Total Chaos.



هوامش:



--------------------------------------------------------------------------------[*] “…The 2005 peace agreement which brought to an end the conflict between north and south Sudan – one of Africa’s longest-running and most bloody wars – was based on an agreement to share oil revenues. However, new evidence uncovered by Global Witness raises serious questions about whether the revenues are being shared fairly. “If the oil figures published by the Khartoum government aren’t right, the division of the money from that oil between north and south Sudan won’t be right,” said Global Witness [1] campaigner Rosie Sharpe. The Global Witness report, Fuelling Mistrust: the need for transparency in Sudan’s oil industry, is the first public analysis of Sudan’s oil figures. It documents how the oil figures published by the Government of National Unity in Khartoum are smaller than the equivalent figures published by the China National Petroleum Corporation (CNPC), the operator of the oil blocks. While the respective figures for the only block located entirely in the north, and therefore not subject to revenue sharing, approximately match, those for blocks which are subject to revenue sharing do not. There were discrepancies of [2]:

• 9% for the Greater Nile Petroleum Operating Company’s blocks in 2007

• 14% for the Petrodar Operating Company’s blocks in 2007

• 26% for the Greater Nile Petroleum Operating Company and Petro Energy’s blocks in 2005

These findings cover six of the seven productive oil blocks in Sudan. A comparison of government and company figures was not possible for the White Nile Petroleum Operating Company’s block as no company figures were available. Mismatches of this magnitude represent potentially massive sums of money. If it was found that the oil figures published by the Government of National Unity have been under-reported by, for example, 10%, the southern government would be owed more than $600 million (on the basis that the Government of Southern Sudan has received more than $6 billion in oil revenues since the signing of the peace agreement). This is more than three times the south’s combined annual budgets for health and education. “Our findings do not necessarily mean that Khartoum has cheated the south out of money, but they do highlight the need for transparency. Unless the Government of Southern Sudan and Sudanese citizens can verify that the revenue sharing is fair, mistrust will grow and the peace agreement could be jeopardised,” said Sharpe. The Khartoum government publishes figures on its earnings from the oil industry but neither the Government of Southern Sudan nor Sudanese civil society have any way of verifying them. Khartoum is wholly responsible for marketing and exporting the south’s oil: it compiles the figures on how much oil is produced and the price for which it sold. The southern government is not involved, despite the fact that oil revenues make up 98% of their income. “The oil production and sales figures upon which the revenue sharing depend should be verified by independent third party audit and by legislation passed by Sudanese lawmakers that requires oil companies to disclose their payments,” said Sharpe. “The peace agreement’s international guarantors, including the UK, US and Norway, need to do more to promote transparency. China [3] and Japan [4], who are the main customers for Sudanese oil, should also push for greater transparency, which will help ensure stability and a reliable supply…”.



[†] . " يتحدر صلاح قوش من قرية صغيرة ضمن قرى منطقة (نوري) تسمي (البلل) وأهلها مثل معظم سكان المنطقة من المزارعين الذين يعتمدون أساساً على زراعة النخيل وأشجار الفواكه. ونظراً لضيق الشريط الزراعي الذي يوجد على ضفتي النيل وشظف العيش، فإن غالبية سكان تلك المنطقة نزحوا إلى مدن السودان المختلفة. ومن بين هؤلاء أسرة صلاح عبدالله قوش التي نزحت لبورتسودان، وهو الميناء الرئيسي للبلاد على البحر الأحمر. في هذه المدينة وفي المرحلة الثانوية تحديداً ستبدأ رحلة قوش السياسية. توزع معظم طلاب المدارس الثانوية في السودان ومنذ الخمسينيات على التيار الإسلامي واليساري بقيادة الشيوعين في المرحلة الثانوية، وجد قوش نفسه ضمن الإتجاه الإسلامي، وعلى الرغم من هذا الإهتمام المبكر بالسياسة فهو لم ينشغل عن الدراسة. وأنهي المرحلة الثانوية بتفوق ونجح في الدخول إلى جامعة الخرطوم، وكانت يومئذ جامعة النخبة. أصبح قوش طالباً في كلية الهندسة، حيث إشتهر وسط زملائه بذكائه. وفي الجانب السياسي تولى قوش مسئولية الأمانة السياسية في تنظيم الإسلاميين داخل الجامعة. لكم أهم من ذلك، إشرافه على تكوين أجهزة معلومات داخل الجامعة كانت مهمتها تقديم المعلومات لقيادة تنظيم الإسلاميين حتى يتاح لهذه القيادة إتخاذ القرار على ضوء معلومات قوش. كما كان أحد الذين أشرفوا على برامج العمل الطلابي. وخلال فترة دراسته الجامعية رافق معظم قيادات الصف الأول من الإسلاميين الذين سيتولون بعد ذلك أهم المواقع التنفيذية عندما إنقلب الإسلاميون على السلطة (..) بعد تخرجه من الجامعة عمل مهندساً في مجموعة شركات إسلامية في مجال الهندسة، ومن إنجازاته في تلك الفترة تصميم برج التضامن (..) بيد أن وضعيته التنظيمية داخل ما كان يعرف وقتها بإسم الجبهة الإسلامية القومية ستزداد أهمية إذ أصبح ضمن ما يعرف بإسم (الخلية الأمنية) أو (مكتب الأمن). (..) منذ إن تولت الإنقاذ الحكم إنتقل قوش إلى العمل المخابراتي، ومن تصميم الأبراج إلى تصميم السياسات الأمنية وتنفيذها. إنتقل يجر معه خبرته التي إكتسبها أثناء الدراسة الجامعية هناك كان وضعه الطبيعي، وهناك سيعزز نفوذه وسيعرف الكثير من خبايا السياسات العالمية والإقليمية عندما أصبحت الخرطوم قبلة يشد إليها الإسلاميين الرحال من كل أنحاء العالم، كما يأتيها أشخاص تطاردهم أجهزة المخابرات العالمية من ليليش سانيشيز (كارلوس) إلى أسامة محمد عوض الذي إشتهر بأسامة بن لادن. تقلد قوش عدة مناصب داخل جهاز المخابرات وإعتمد عليه النظام الجديد إعتماداً كلياً في خوض الحرب ضد أجهزة إقليمية ودولية. كان أول منصب مهم يتولاه قوش داخل الجهاز هو منصب نائب مدير العلمليات. وكانت تلك الفترة صعبة للنظام وللمعارضين على حد سواء. كان يقود الجهاز آنذاك نافع علي نافع الذي سيصبح بدوره في وقت لاحق مستشاراً في القصر الجمهوري. في تلك السنوات التي يمكن إعتبارها سنوات الجمر السودانية بسبب السياسات القمعية التي طبعتها، إرتبط جهاز المخابرات بأسواء ظاهرة عرفتها السياسة السودانية منذ إستقلال البلاد، وهي ظاهرة بيوت الأشباح (...) بعد سنوات عاد صلاح قوش من جديد إلى قيادة جهاز المخابرات بعد أن أدمج جهازي الأمن والمخابرات في جهاز واحد. وجاء تعيين قوش في منصب المدير العام بعد ما تردد عن وجود صراعات داخلية وتدخلات سياسية في عمل الجهاز، لذلك يقول مقربون منه إنه اشترط أن تطلق يده في إدارة الجهاز دون أي تدخل من طرف القيادة السياسية، وهو ما سيقود الأمور في اتجاهين: أولا توسع صلاحياته وتعدد مهامه إلى حد أن قوش أصبح بإمكانه أن يركب طائرة خاصة، ويحط في واشنطن ويتفاوض مع إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش حول التعاون في «الحرب ضد الإرهاب». ويعتقد أن هذه الزيارة جرت في مايو (أيار) 2005، ونقل خلالها قوش كما قالت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» حينها «معلومات دقيقة جدا» حول أنشطة «زوار الخرطوم» في التسعينات، وكذا بعض المعتقلين في معتقل غوانتانامو. وقالت الصحيفة إن قوش تعهد خلال الزيارة بالتعاون مع الأميركيين في العراق لرصد تنظيم القاعدة، كما وافق على تقديم المعلومات التي يطلبها الأميركيون في الصومال. ثم أعقب تلك الزيارة زيارة أخرى إلى بريطانيا بحجة العلاج وهي زيارة كشفت عنها النقاب إذاعة «بي.بي.سي» في وقتها حيث نسبت إلى مسؤولين بريطانيين قولهم في مارس (آذار) 2006 إن لندن قررت منح صلاح قوش تأشيرة لدخول بريطانيا، وقالوا إن قوش وصل إلى لندن لتلقي العلاج الطبي وغادر العاصمة البريطانية عقب ذلك. ويقول كريس موريس الصحافي في «بي.بي.سي» إن قوش يتمتع بعلاقات وطيدة بوكالات الاستخبارات الغربية، وعلى وجه الخصوص وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. وامتنعت السفارة الأميركية في لندن وقتها عن التعليق حول ما إذا كان قوش التقى بأي مسؤول أميركي أثناء وجوده في لندن. وعلاقة قوش مع «سي.آي.إيه» تحدث عنها الأميركيون كما تحدث عنه السودانيون، عندما كشف مصطفى عثمان إسماعيل، وكان يومئذٍ وزيرا للخارجية، النقاب عن هذا التعاون، وقال إن «التعاون في هذا الصدد (الحرب ضد الإرهاب) بات سياسة عالمية، ونحن نقوم بذلك في إطار واجبنا كعضو في المجتمع الدولي وما يمليه الواجب من ضرورة التصدي لهذه الظاهرة». وأكد أن هناك تعاونا استخباراتيا بين واشنطن والخرطوم. هذا التعاون سيؤدي إلى فتح «مكتب اتصال» خارج السفارة السودانية في واشنطن، للتنسيق بين جهاز المخابرات السوداني ووكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه). وهو التعاون الذي جعل الوكالة تعترض بشدة على إدراج اسم قوش ضمن المتهمين بارتكاب «جرائم حرب» في دارفور بسبب تعاونه الأمني مع الأميركيين. (..) ونظرا لطبيعة شخصيته الكاريزمية، أصبح صلاح قوش أحد أهم أركان الحكم. وأضحى الجهاز الذي يقف على رأسه القوة الضاربة للنظام، خاصة أن العمل السياسي وبسبب انقسام الحركة الإسلامية بعد خروج الترابي، وتضييق الخناق على نائب الرئيس علي عثمان طه من طرف النواة الأمنية والعسكرية الصلبة، عرف ضعفا ملحوظا. وبات التنظيم السياسي في الواقع امتدادا للأجهزة التنفيذية، ومع ما يصاحب الأنظمة الشمولية من ظواهر التسيب والفساد الإداري والمالي، أدى ضعف العمل السياسي إلى أن تعتمد الدولة على «جهاز المخابرات والأمن» في اتجاهين: أولا إدارة العمل السياسي الداخلي والخارجي، وفي هذا السياق كان بعض السفراء يتلقون تعليماتهم مباشرة من الجهاز أو بطريقة غير مباشرة عبر وزارة الخارجية. وهناك من داخل النظام من ينتقد قوش على اعتبار أنه قلص العمل السياسي ووسع مجالات العمل الأمني والمخابراتي، وهو الأمر الذي انعكس سلبا على أداء حزب المؤتمر الوطني الحاكم، لكن ذلك لم يقلل من قدراته وعمله على حماية النظام في منعطفات أساسية، مع ميله للبقاء في الظل والاستجابة لكل ما يطلب منه...".



[‡] . "مقترح بتمديد الفترة الانتقالية المنصوص عليها باتفاقية السلام الشامل"، موقع صحيفة الراكوبة الإلكترونية، 7 أكتوبر 2009.



imported_طارق الحسن محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-03-2011, 09:47 PM   #[26]
imported_رأفت ميلاد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_رأفت ميلاد
 
افتراضي

لحين عودة

شكراً يا طارق على المقالات (رغم لسة ما قريتا) الزمن مضايق شديد ياخ .. برجع ليهم .. أى كلام مهم وكعب (الصمت) الطالبو ود عباس



التوقيع: رأفت ميلاد
[align=center]
[frame="7 80"]سـنمضى فى هذا الدرب مهما كان الثمن
الشـهيد سـليمان ميلاد[/frame][/align]
imported_رأفت ميلاد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-03-2011, 09:54 PM   #[27]
imported_حمدي اب جقادو
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

متابعين بشغف يا رافت و(حذر) من الدراريب
اكمل وسنشاركك الحوار في حينه.



التوقيع:
imported_حمدي اب جقادو غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-03-2011, 11:11 AM   #[28]
imported_طارق الحسن محمد
Banned
الصورة الرمزية imported_طارق الحسن محمد
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حمدي اب جقادو مشاهدة المشاركة
متابعين بشغف يا رافت و(حذر) من الدراريب
اكمل وسنشاركك الحوار في حينه.
حمدى الشين
مشتاقين والله
وتانى غير موبايلك



imported_طارق الحسن محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-03-2011, 07:56 PM   #[29]
imported_رأفت ميلاد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_رأفت ميلاد
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناصر يوسف
الحبيب

رأفت

متابع بشغف ... مثل هذه الكتابة تشفي غليلي يا أخي

وسيكون لي فيها إضافات لو ربنا مدي في العُمُر وأستلمت وريقات هامه

لأني ما بقدر أقول العاوز أقوله ده ويدي فارغه

شيلوا الصَبُر

يمهل ولااااااااااااا يهمل

حسبنا الله ونعم الوكيل
ناصر صبرنا عليك كتير ياخ .. ما لقيت الورق ..

عندى صحبى مغترب بحكى لى .. قال مشى إجازة ونزل مع أخوه فى الخرطوم .. قال أخوه عندو صاحبو أمنجى .. وشغال معاهو بزنس شديدة ومروقين .. يوم أخوه وصاحبو جو مهموين ولملموا عفشم وسافروا سنار .. خلوه مع الولديات .. تانى يوم رجعوا وبرضو مهمومين .. بعد تلاتة يوم جو مبسوطين شديد .. سأل أخوه من الحاصل .. قال ليهو صحبى جابو ليه رئيس جديد وختى نقرو منو وبقى مهدد بالرفت .. مشينا كتبناهو فى فكى فى سنار .. تالت يوم مات .. صاحبى فى ليلتو ديك لملم هدومو ومشى لى ناس أبوه فى الحلة فى الجزيرة .. دخلتو خوفة ..

ديل بفرطو بالساهل باقى ليك



التوقيع: رأفت ميلاد
[align=center]
[frame="7 80"]سـنمضى فى هذا الدرب مهما كان الثمن
الشـهيد سـليمان ميلاد[/frame][/align]
imported_رأفت ميلاد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-03-2011, 01:12 AM   #[30]
imported_رأفت ميلاد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_رأفت ميلاد
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نبراس السيد الدمرداش
عمو رافت يا حبيب
البوست دا بوست مهم
دي البوستات و الشغل المفترض
الناس تشتغلو و تهتم بيهو
تعريه النظام وجهاز الامن
توضيح الحقايق و الادله اهم شيء زي ما اشار ناصر
سلامات يانبراس
حهاز أمن الدولة فى بداياته كالن يشرف على مؤسساته الكيزان .. وجنوده (الكبار) بعضهم من العرب الأفغان* .. وبعضهم على تدريب عالى (لا أدرى أين) .. ولكن قطعاً ليس من القوات المسلحة أو الشرطة .. وذلك جلياً على أجسادهم المصقولة ومشيتهم العسكرية
بما أن جهاز الأمن كان يحوى كل قطاعات الدولة من الداخل .. كان نفسه داخله وحدة أمن صرفة بقيادة الرائد إبراهيم شمس الدين ..
إنضم الى هذه الوحدة شباب متحمس .. تدرب على يد الرائد شمس الدين .. كثيراً منهم وجد وا أنهم (تورطوا) .. فكان الخروج أخطر من البقاء .. من تمردوا أو ظهر الضعف فيهم .. تم نفيهم الى الجنوب .. وتمت تصفيتهم ودفنهم بأسرارهم .. وأعرف أحدهم تطرف فى الإجرام ووجد منتحراً بعد أن قتل صديقته ..

حكيت من قبل قى (حكايا الديم) عن أبن جارى المتحمس الذى حقق حلمه بدخوله الأمن .. أقتحم علىّ المنزل ذات يوم .. قبض يدى بساعد يرتجف قئلاَ (يا مدير أنت بتتكلم كتير .. الناس ديل مجرمين شديد أعمل حسابك) .. قبضت على يده وهو يهم بالإنصراف أسأله عن ما رأى .. أنتزع يده منى وخرج

العرب الأفغان*: فصايل السودانيين الذين حاربوا الروس فى أفغانستان



التوقيع: رأفت ميلاد
[align=center]
[frame="7 80"]سـنمضى فى هذا الدرب مهما كان الثمن
الشـهيد سـليمان ميلاد[/frame][/align]
imported_رأفت ميلاد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 04:32 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.