منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-05-2020, 09:12 AM   #[16]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(12)
قُطِعَتْ رؤوس وجهاء المتمردين (أهل المدينة) و أرسلت إلى يزيد ( الاستيعاب لابن عبد البر ج3/ 892 ، العقد الفريد لابن عبد ربه ج2/ 139 ) روى الرواة أنه حين وُضعت الرؤوس أمامه أنشد متمثلا بأبيات ابن الزبعري في أحد ، فيروي ابن كثير في البداية و النهاية الجزء الثامن (وأما ما يوردونه عنه من الشعر في ذلك واستشهاده بشعر ابن الزبعري في وقعة أُحد التي يقول فيها:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حلت بفنائهم برَّكها و استحر القتل في عبد الأشل
قد قتلنا الضعف من أشرافهم و عدلنا ميل بدرٍ فاعتدل
و قد زاد بعض الروافض فيها فقال:
لعبت هاشم بالملك فلا ملك جاءه ولا وحيٌ نزل
فهذا إن قاله يزيد بن معاوية فلعنة الله عليه و لعنه اللاعنين ، و إن لم يكن قاله فلعنه الله على من وضعه عليه ليشنع به عليه.) انتهت رواية ابن كثير ، أما الشيعة ينسبون ليزيد أنه تمثل بأبيات ابن الزبعري :
ليت أشياخي ببــدر شهـدوا جزع الخزرج من وقـع الأسـل
لأهلــــوا واستهـــلـــوا فرحــــا ثم قالــوا يـا يزيد لا تشــل
حيــن حلَّـــت بقبـــاءٍ طرقها واستحرَّ القتل في عبد الأشل
قد قتلنا الضعف من ساداتهم وعدلنا ميل بــدر فــاعتـدل
لـعـبـت هـاشــمُ بالملــك فــــلا خبــرٌ جـاء ولا وحيٌ نـزل
أما المصادر السنية فترفض هذه الرواية ... جزء من الأبيات هي لابن الزبعري .
بعد المعركة جمع مسلم ما تبقى من أهل المدينة ، و لكي نرى ماذا فعل بهم دعونا نقرأ ما أورد الطبري في تاريخه المذكور سابقا ، الجزء الخامس ، روى (دعا الناس مسلم بن عقبة بقباء إلى البيعة ، و طلب الأمان لرجلين من قريش : ليزيد بن عبد الله بن زمعة و محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي و لمعقل ابن سنان الأشجعي ، فأتى بهما بعد الوقعة بيوم فقال : بايعا ، فقال القرشيان : نبايعك على كتاب الله و سنة نبيه ، فقال: لا و الله لا أقيلكم هذا أبدًا ، فقدمهما فضرب أعناقهما ، فقال له مروان : سبحان الله ، أتقتل رجلين من قريش أتيا ليؤمنا فضربت أعناقهما ، فنخس بالقضيب في خاصرته ثم قال : و أنت و الله لو قلت بمقالتهما ما رأيت السماء إلا برقةً ..... وجاء معقل بن سنان ، فجلس مع القوم ، فدعا بشراب ليُسقَى ، فقال له مسلم: أي الشراب أحب إليك؟ قال: العسل، قال : اسقوه، فشرب حتى ارتوى، فقال له: أقضيت ريك من شرابك؟ قال: نعم ، قال: لا و الله لا تشرب بعده شرابًا أبدًا إلا الحميم في نار جهنم ، أتذكر مقالتك لأمير المؤمنين: سرت شهراً، و رجعت شهراً ، و أصبحت صفراً ، اللهم غير - تعني يزيد ، فقدمه فضرب عنقه .... و أتى بزيد بن وهب بن زمعة ، فقال : بايع ، قال: أبايعك على سنة عمر ، قال : اقتلوه ، قال: أنا أبايع ، قال: لا و الله لا أقيلك عثرتك ، فكلمه مروان بن الحكم - لصهر كان بينهما - فأمر بمروان فوجئت عنقه ، ثم قال: بايعوا على أنكم خول ليزيد بن معاوية، ثم أمر به فقتل...... ثم إن مروان أتي بعلي بن الحسين... وأقبل علي بن الحسين يمشي بين مروان وعبد الملك يلتمس بهما عند مسلم الأمان ، فجاء حتى جلس عنده بينهما ، فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك من مسلم ، فأتي له بشراب ، فشرب منه مروان شيئًا يسيرًا ، ثم ناوله عليًا ، فلما وقع في يده قال له مسلم: لا تشرب من شرابنا ، فأرعدت كفه ، و لم يأمنه على نفسه ، و أمسك القدح بكفه لا يشربه و لا يضعه ، فقال: إنك إنما جئت تمشي بين هؤلاء لتأمن عندي ، و الله لو كان هذا الأمر إليهما لقتلتك ، و لكن أمير المؤمنين أوصاني بك ، و أخبرني أنك كاتبته ، فذلك نافعك عندي ، فإن شئت فاشرب شرابك الذي في يدك، و إن شئت دعونا بغيره ، فقال: هذه التي في كفي أريد ، قال: اشربها ، ثم قال: إلي ها هنا ، فأجلسه معه.... [أما] عمرو بن عثمان فلم يكن فيمن خرج من بني أمية [فيما يبدوا الخروج الأول في المدينة أي لم ينحاز لهم] ، و أنه أتي به يومئذ إلى مسلم بن عقبة فقال : يا أهل الشام ، تعرفون هذا؟ قالوا: لا ، قال: هذا الخبيث ابن الطيب ، هذا عمرو بن عثمان بن عفان أمير المؤمنين ، هيه يا عمرو ! إذا ظهر أهل المدينة قلت: أنا رجل منكم ، و إن ظهر أهل الشام قلت: أنا ابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فأمر به فنُتفت لحيته ثم قال‏:‏ يا أهل الشام إن أم هذا كانت تدخل الجعل في فيها ثم تقول‏:‏ يا أمير المؤمنين حاجيتك ما في فمي و في فمها ما شاها و باها و كانت من دوس‏.‏ ثم خلى سبيله‏.‏...) انتهى ما أورده الطبري .هذا الاستشهاد المطوّل بالطبري اقتضته أهمية الموضوع .... كان مسلم بن عقبة طاغية جزارا ، قتل كل من لم يبايع على أنه خول ليزيد (أي عبد ليزيد) و هي بيعة منكرة لم يقل بها أحد قبله و لا بعده فيما أعلم .قتل من جاء ليبايعه على سنة رسول الله و نتف لحية عمرو بن عثمان بن عفان و سماه الخبيث بن الطيب . يقال إنه جاء لمسلم بن عقبة أثناء قطع الرقاب و افتضاض الأبكار مغنيون التمسوا منه أن يطربوه ، قال لهم : (ما للهو أتينا) و أمر بهم فقطعت رقابهم فانظر لورعه ... و ذكر الطبري في المرجع السابق ذكره أن مسلم خرج يطلب عبد الله بن الزبير في مكة و حضرته الوفاة فقال (اللهم إني لم أعمل عملًا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدًا عبده و رسوله أحب إلي من قتلي أهل المدينة ، و لا أرجى عندي في الآخرة..... ثم مات.) انتهى ... و هكذا كان عند مسلم بن عقبة الأهم الطاعة و ليس العدالة ، أن تطع أميرك هو الفوز و لا شيء يعدله و هي الآفة التي لازمت التاريخ الإسلامي كله . هناك أمر لا بد من الإشارة إليه و هو اعتذار عمرو بن سعد عن المسير إلى المدينة لقتال أهلها و كذلك عبيد الله بن زياد و قبل بها مسلم بن عقبة المري ، جاء في (الكامل في التاريخ لابن الأثير، ذكر وقعة الحرة) : (فبعث [يزيد] إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب وأمره أن يسير إليهم في الناس فقال‏ :‏ قد كنت ضبطت لك الأمور و البلاد فأما الآن إذ صارت دماء قريش تهرق بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك‏.‏ و بعث إلى عبيد الله بن زياد يأمره بالمسير إلى المدينة و محاصرة ابن الزبير بمكة فقال‏ :‏ والله لا جمعتهما للفاسق [يقصد يزيد] قتل ابن رسول الله و غزو الكعبة ‏‏ثم أرسل إليه يعتذر‏.‏) انتهى .
تبقى لجيش يزيد المسير لابن الزبير في مكة و سنصحبه إليها . سيشهد يزيد طرفا من المعركة لكنه لن يشهد نهاية ابن الزبير لأنه هلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين و بذا استمرت خلافته أربع سنوات .. أما سبب موته فقد ذكر طه حسين في (الفتنة الكبرى ــ علي و بنوه) ما نصه (مات يزيد و لما يملك إلا أربع سنين ، قتلته لذته أشنع قتلة ، فقد كان فيما زعم الرواة يُسابق قردا فسقط عن فرسه سقطة كان فيها الموت)



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 10-05-2020, 12:36 PM   #[17]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(13)
يجد الباحث أن أهل السنة عموما يتحرجون من إدانة أفعال يزيد بن معاوية أما والده معاوية فيذكرونه متبوعا ب(رضي الله عنه) باعتباره أحد الصحابة و كتاب الوحي ، لكن تأتي الإشكالية في ذلك من أمره بشتم صحابي آخر و هو ابن عم الرسول (ص) و صهره ، شتم من على المنابر في كل ولايات الدولة ، و هي السّنّة التي سنها لتستمر حوالي ستين عاما ، حتى خلافة عمر بن عبد العزيز الذي أبطلها ... البعض ذهب لإنكار ما رواه الرواة من تمثل يزيد بأبيات ابن الزبعري المشهورة بعد غزوة أحد ، لكن يأتي سؤال : هل من يأمر بإباحة المدينة ثلاثة أيام يكون من الغريب نسبة ما نسب إليه ؟ في رأيي إن رواية تمثل يزيد بأبيات ابن الزبعري تتسق مع أمره بإباحة المدينة ثلاثة أيام و هو الأمر الذي لم ينكره أحد ، الأمر بذلك الفعل القبيح أشنع من ترداد ابيات ابن الزبعري ، ربما لا يصح نسبة البيت الأخير إليه : (لعبت هاشم بالملك فلا وحي جاء و لا ملك نزل) لأن حاجة يزيد للشرعية الدينية لتثبيت شرعية سلطته السياسية تجعله متمسكا بالدين على الأقل في الظاهر .
بعد أن انتهى مسلم بن عقبة من أمر المدينة و نفّذ وصية أمير المؤمنين و كاتبه كما مر بنا من خبر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج1/ 240 : (سلام إلى يزيد، سلام عليك يا أمير المؤمنين، ما صلَّيتُ الظهر إلا في مسجدهم بعد القتل الذريع ، و الإنهاب العظيم ، و اتَّبعنا مُدبرهم و أجهزنا على جريحهم ، و أنهبناهم ثلاثاً كما قال أمير المؤمنين ..) و جعل أهل المدينة يبايعونه على أنهم (خول ليزيد) و من يرفض يقطع عنقه حتى و إن رجع عن قوله ، بعدها توجه لمكة و لكن وافته المنية فكان آخر ما قاله إنه لم يقم بعمل أعظم بعد الشهادة من قتل أهل المدينة ... أن يتصور إنسان أن أعظم أعماله قتل الآخرين فتلك مصيبة و أي مصيبة ، خاصة إذا كان مصحوبا بإباحة أعراض و أملاك الآخرين . خلف مسلم بعد موته حصين بن نمير السكوني .أورد الطبري في الجزء الخامس وصية مسلم لحصين (لو كان هذا الأمر إليّ ما وليتك هذا الجند ، و لكن أمير المؤمنين ولاك بعدي ، و ليس لأمر أمير المؤمنين مردٌّ ، خذ عني أربعًا: أسرع السير، وعجل الوقاع ، و عم الأخبار ، و لا تمكن قرشيًا من أذنك) .
مر بنا أن عمرو بن الزبير أخ عبد الله بن الزبير كان قد توجه لحرب أخيه و أن عبد الله هزمه و أسره و جاء به إلى الناس ليقتصّوا منه لضربه إياهم عندما كان قائداً لشرطة المدينة ، فاقتصّوا منه .فمات عمرو من الضرب ، فصلبه عبد الله حسب رواية البلاذري في (أنساب الأشراف). قاد الحصين بن نُمير السكوني جيش الشام ، فبلغ الجيش مكة في 26 محرم سنة 64 هـ ، وحاصروا ابن الزبير 64 يومًا . يروي الطبري في ما سبق ذكره (حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول يوم السبت سنة أربع وستين قذفوا البيت بالمجانيق، وحرقوه بالنار، وأخذوا يرتجزون ويقولون:
خطارةٌ مثل الفنيق المزبد ** نرمي بها أعواد هذا المسجد
لكن هناك رواية أخرى لحرق الكعبة للطبري أيضا (احترقت الكعبة يوم السبت لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين قبل أن يأتي نعي يزيد بن معاوية بتسعة وعشرين يومًا، و جاء نعيه لهلال ربيع الآخر ليلة الثلاثاء ... كانوا يوقدون حول الكعبة ، فأقبلت شرارة هبت بها الريح ، فاحترقت ثياب الكعبة ، و احترق خشب البيت يوم السبت لثلاث ليال خلون من ربيع الأول.) انتهى
هكذا في أول ربيع الآخر سنة 64 هـ ، جاء نعي يزيد ، و كانت وفاته يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول (احتاج وصول الخبر من الشام حتى مكة حوالي أسبوعين) . تقول روايات المؤرخين أن الحصين حين وصول خبر موت يزيد فاوض ابن الزبير في أن يبايعه بالخلافة و أن ينضم بمن معه من جند الشام إلى صفوفه ، و يخرجوا للشام فلا يخالفهم أحد ، إلا أن ابن الزبير رفض لما في رقاب جند الحصين من دماء أهل الحرة ، و رفض ابن الزبير المسير إلى الشام مع حصين بن نمير ، ودعاه لأن يبايع له في الشام ، فنبهه الحصين بأن الأمويين سيطالبون بالخلافة في الشام .
بانسحاب جيش الحصين من حصاره لابن الزبير في مكة ، دعا عبد الله بن الزبير إلى نفسه ، فبايعه أغلب أهل الحجاز و الكوفة و البصرة و خراسان و اليمن و مصر و معظم الشام (البلاذري : أنساب الأشراف) ، لذا اعتبره كثيرون خليفة المسلمين الشرعي بعد يزيد مثل مالك و ابن حزم و ابن كثير . أيام حصار حصين لمكة دافع الخوارج مع ابن الزبير ، رغم ذلك رفضوا مبايعته لأنه كان يثني على الخليفة عثمان بن عفان . سيحاربونه في العراق و خراسان و لكن عامله المهلب بن أبي صفرة سيهزمهم و يقتل زعيمهم نافع بن الأزرق ... ستستمر حروب ابن الزبير مع الخوارج و سيضعف ذلك دولته مع عوامل أخرى ، فتسقط على يدي الحجاج بن يوسف كقائد لعبد الملك بن مروان .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-05-2020, 02:52 PM   #[18]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(14)
بدا أن كفة ابن الزبير راجحة بعد موت يزيد لكن ستحدث أحداث و تتطور لتغير ذلك المسار . بايع أهل دمشق معاوية بن يزيد بعد موت والده وكان شابًا في العشرين من عمره و يذكر الطبري في رواية أنه كان في الثالثة عشرة من عمره ، لكن معاوية لم يكن راغبا في الحكم فتنازل عنه بعد أيام ، البعض يقول إنها عشرون يومًا و الطبري يقدرها بين أربعين إلى ثلاثة شهور ، ثم لم يلبث أن مات دون أن يكون له خليفة معروف ، و بموته اضطربت أمور الشام و الأمويين و انقسمت آراؤهم فرأى فريق مبايعة ابن الزبير، بينما رأى فريق موالاة الأمويين . كان مروان بن الحكم (الذي سيصبح الخليفة الأموي الرابع) قد قرر أن يبايع عبد الله بن الزبير لما رآه من اضطراب الأحوال ، لكن وصل قادة بني أمية من شتى الأماكن و أثنوه عن ذلك . الحقيقة أن الأمصار قد اضطربت بموت يزيد و سيولة الحالة في الشام و ستدور معارك و يُقتل الكثيرون . من هذه الاضطرابات ما حدث في البصرة مع عبيد الله بن زياد . بلغ ابن زياد خبر موت يزيد فروى الطبري في تاريخه (فأقبل عبيد الله من فوره ، فأمر مناديًا فنادى : الصلاة جامعة ، فلما اجتمع الناس صعد المنبر فنعى يزيد ... ثم قام عبيد الله يذكر اختلاف أهل الشام ، و قال: إني قد وليتكم .... فبايعوه عن رضًا منهم و مشورةٍ ... فلما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفهم بباب الدار و حيطانه و يقولون: ظن ابن مرجانة أنا نوليه أمرنا في الفرقة ... فأقام عبيد الله أميرًا غير كثير حتى جعل سلطانه يضعف ، و يأمر بالأمر فلا يُقضى، و يرى الرأي فيرد عليه ، و يأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه وبينه... [كان عبيد الله قد طلب بيعتهم حتى يستقر الأمر] ... [جمع الناس مرة أخرى و خطب فيهم] و إنه بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان و باب الدار ، و قلتم ما قلتم ، و إني آمر بالأمر فلا ينفذ ، و يرد علي رأيي ، و تحول القبائل بين أعواني و طلبتي ، ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعو إلى الخلاف عليكم ...) انتهى ، سلمة بن ذؤيب جاء داعيا لعبد الله بن الزبير و تبعه الكثيرون من أهل البصرة . اضطر عبيد الله بن زياد إلى الهرب متخفيا إلى دمشق . و عبيد الله بن زياد هو من الذين أثنوا مروان عن بيعة ابن الزبير ، يروي الطبري في نفس المرجع السابق (فقدم عبيد الله بن زياد و اجتمعت عنده بنو أمية ، و كان قد بلغ عبيد الله ما يريد مروان ، فقال له : استحييت لك مما تريد ، أنت كبير قريش و سيدها ، تصنع ما تصنعه ، فقال : ما فات شيءٌ بعد ، فقام معه بنو أمية و مواليهم ، و تجمع إليه أهل اليمن ، فسار و هو يقول : ما فات شيءٌ بعد ، فقدم دمشق و من معه ، و الضحاك بن قيس الفهري قد بايعه أهل دمشق على أن يصلي بهم ، ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع أمر أمة محمد.) انتهى .
بدأت المشاورات بين قادة بني أمية و اشتد الخلاف بينهم ، لكنهم بعد عدة أشهر توصلوا لاتفاق في الجابية أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم و أن تكون ولاية العهد لخالد بن يزيد بن معاوية الذي كان صغير السن في ذلك الوقت ، على أن يتولى الخلافة من بعده عمرو بن سعيد بن العاص (الملقب بالأشدق لفصاحته) و هو الذي مرّ بنا تولية يزيد له إمارة المدينة عندما عزل عنها ابن عمه الوليد بن عتبة .
كان جزء من أهل الشام قد بايع ابن الزبير في دمشق و حمص و قنسرين ، قرر هؤلاء أن يرغموا الأمويين على مبايعة ابن الزبير لكن استعد لهم الأمويون و حشدوا أنصارهم ، ليلتقي الفريقان في نهاية سنة 64 هـ في منطقة تسمى مرج راهط . انتهت المعركة بهزيمة أنصار ابن الزبير و ذلك ما دعا الأمويين و أنصارهم للسرعة الإغارة على انصار ابن الزبير في قنسرين وفلسطين وحمص و هزيمتهم . استطاع مروان حشد أنصار بني أمية في مصر وسار إليها بجيشه وهزم والي ابن الزبير عليها ، في جمادى الآخرة سنة 65هـ . عندما دانت لمروان كل من مصر و فلسطين مع الشام قرر أن يتراجع عن عهوده في ولاية العهد ، فعقد البيعة لولديه من بعده عبد الملك ثم عبد العزيز، و كان قد تزوج من أرملة يزيد بن معاوية وأم ولي عهده خالد بن يزيد و استمال الكلبيين (و هم أكثر من نصروه و أصهار معاوية بن أبي سفيان) . لم يعش مروان طويلا فمات في رمضان سنة 65 هـ . لقصة موته رواية لا تذكرها أغلب المصادر و تتحاشاها ، لكن ذكرها ابن سعد في طبقاته و نقلها عنه ابن الجوزي و رواها الطبري أيضا ، أما ابن كثير فقد أوردها في البداية و النهاية الجزء الثامن كما يلي (و ترك البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية ، لأنه كان لا يراه أهلا للخلافة ، و وافقه على ذلك مالك بن حسان ، و إن كان خالا لخالد بن يزيد ، و هو الذي قام بأعباء بيعة عبد الملك ، ثم إن أم خالد دبرت أمر مروان فسمته. و يقال: بل وضعت على وجهه و هو نائم وسادة فمات مخنوقا ، ثم إنها أعلنت الصراخ هي و جواريها و صحن: مات أمير المؤمنين فجأة) انتهت رواية ابن كثير . أما رواية بن سعد في (تهذيب الطبقات الكبرى ص 663 ترقيم النت) فتقول : (و كان مروان قد أطمع خالد بن يزيد بن معاوية في بعض الأمر ، ثم بدا له فعقد لابنيه عبدالملك وعبد العزيز ابني مروان بالخلافة بعده ، فأراد أن يضع من خالد بن يزيد و يقصر به و يزهد الناس فيه . و كان إذا دخل عليه أجلسه معه على سريره ، فدخل عليه يوما فذهب ليجلس مجلسه الذي كان يجلسه فقال له مروان و زبره ( أي زجره ) : تنح يا ابن رطبة الإست و الله ما وجدت لك عقلا ، فانصرف خالد وقتئذ مغضبا حتى دخل على أمه فقال : فضحتني و قصرت بي و نكست برأسي و وضعت أمري . قالت و ما ذاك ؟ قال تزوجت هذا الرجل فصنع بي كذا و كذا ثم أخبرها بما قال . فقالت له : لا يسمع هذا منك أحد و لا يعلم مروان أنك أعلمتني بشيء من ذلك و ادخل علي كما كنت تدخل و اطو هذا الأمر حتى ترى عاقبته فإني سأكفيكه و انتصر لك منه . فسكت خالد و خرج إلى منزله . و أقبل مروان فدخل على أم خالد بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة ـ و هي امرأته ـ فقال لها : ما قال لك خالد ما قلت له اليوم و ما حدثك به عني ؟ فقالت : ما حدثني بشيء و لا قال لي . فقال : ألم يشكني إليك و يذكر تقصيري به وما كلمته به ؟ فقالت يا أمير المؤمنين : أنت أجل في عين خالد وهو أشد لك تعظيما من أن يحكي عنك شيئا أو يجد من شيء تقوله و إنما أنت بمنزلة الوالد له . فانكسر مروان و ظن أن الأمر على ما حكت له و أنها قد صدقت . و مكث حتى إذا كان بعد ذلك وحانت القائلة فنام عندها ، فوثبت هي وجواريها فغلقن الأبواب على مروان ، ثم عمدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه فلم تزل هي وجواريها يغممنه حتى مات . ثم قامت فشقت عليه جيبها وأمرت جواريها وخدمها فشققن وصحن عليه ، وقلن مات أمير المؤمنين فجأة. وذلك في هلال شهر رمضان سنة خمس وستين) انتهى .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-05-2020, 10:13 AM   #[19]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(15)
خلف مروان ولده عبد الملك . (امتدت خلافة مروان من الثالث من ذي القعدة سنة 64 هـ إلى رمضان سنة 65 هـ أي حوالي العام) . يروى عن عبد الملك أنه كان من الفقهاء العباد و حفظ القرآن منذ صغره ، لكن يروي ابن كثير في البداية و النهاية أنه (لما سلم على عبد الملك بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه و قال هذا فراق بيني و بينك ) . من المؤكد أن تولي عبد الملك للخلافة لم يكن ليُرضي عمرو بن سعيد الأشدق الذي كان من المفترض أن يخلف خالد بن يزيد خليفة مروان حسب الاتفاق الذي تم في الجابية ، و بالتالي كانت بيعة عبد الملك إضاعة لحق عمرو بن سعيد في الخلافة . سيسكت عمرو متظاهرا بالرضا (إذ لم يكن يملك غيره) لكنه في أول فرصة وجدها حين خرج مع عبد الملك لقتال زفر بن الحارث الكلابي عامل ابن الزبير في قرقيسيا انقلب على عبد الملك بمعاونة أنصاره و استولى على دمشق .. حين بلغت الأخبار عبد الملك عاد مسرعا إلى دمشق لكن كان الأشدق قد قام بالاستعداد لذلك مستفيدا من تحصين دمشق . حاصر عبد الملك دمشق لكنه لم يتمكن من فتحها ، عندها بيّت النية على سلوك طريق الخديعة فصالح عمرو على أن تكون له الخلافة من بعده ، و تكون له الشورى والإشراف على بيت المال ... لكن عادة ما يخفر أهل السلطان عهودهم و لعلنا نتذكر خفر عبد الملك لعهده الذي أعطاه لأهل المدينة قبيل معركة الحرة ، لو كان ذلك الخفر تم تحت تهديد سيف مسلم بن عقبة فإن خفره لعهده مع عمرو بن سعيد لن تجد له تبريرا إلا طغيان السلطان و انعدام الوفاء . غَدَرَ عبد الملك بعمرو و قتله بعد أربعة أيام فقط من العهد الذي أعطاه إياه (البداية والنهاية لابن كثير - أحداث سنة 69 ) ... و ذكر ابن الأثير في (الكامل في التاريخ أحداث سنة تسع و ستين) قصة الغدر بتفاصيلها أجتزئ منها (فلما كان بعد دخول عبد الملك بأربعة أيام أرسل إلى عمرو أن ائتني ، و قد كان عبد الملك استشار كريب بن أبرهة الحميري في قتل عمرو ، فقال : لا ناقة لي في هذا و لا جمل ، في مثل هذا هلكت حمير . فلما أتى الرسول عمراً يدعوه صادف عنده عبد الله بن يزيد بن معاوية ، فقال لعمرو: يا أبا أمية أنت أحب إلي من سمعي و من بصري و أرى لك أن لا تأتيه . فلما كان العشاء لبس عمرو درعاً و لبس عليها القباء و تقلد سيفه ... فلما بلغ الباب أذن له فدخل ، فلم يزل أصحابه يحبسون عند كل باب حتى بلغ قارعة الدار و ما معه إلا وصيف له .... فأجلسه [عبد الملك] معه على السرير وجعل يحادثه طويلاً ، ثم قال: يا غلام خذ السيف عنه. فقال عمرو: إنا لله يا أمير المؤمنين. فقال عبد الملك: أتطمع أن تجلس معي متقلداً سيفك ؟ فأخذ السيف عنه .. ثم قال له عبد الملك : يا أبا أمية إنك حيث خلعتني آليت بيمين إن أنا ملأت عيني منك و أنا مالك لك أن أجعلك في جامعة [يدخله فيما يقيده و يشل حركته] . فقال له بنو مروان : ثم تطلقه يا أمير المؤمنين؟ قال : نعم ، و ما عسيت أن أصنع بأبي أمية ؟ فقال بنو مروان: أبر قسم أمير المؤمنين . فقال عمرو: قد أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين . فأخرج من تحت فراشه جامعة و قال : يا غلام قم فاجمعه فيها . فقام الغلام فجمعه فيها. فقال عمرو : أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رؤوس الناس . فقال عبد الملك : أمكراً يا أبا أمية عند الموت؟ .... ثم أخذ عبد الملك الحربة فطعن بها عمراً فلم تجز، ثم ثنى فلم تجز، فضرب بيده على عضده فرأى الدرع فقال : و درع أيضاً ؟ إن كنت لمعداً ، فأخذ الصمصامة و أمر بعمرو فصرع ، و جلس على صدره فذبحه و هو يقول :
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ** أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
وانتفض عبد الملك رعدة ، فحمل عن صدره فوضع على سريره، و قال : ما رأيت مثل هذا قط قتله صاحب دنيا و لا طالب آخرة.. ) انتهى . ذبح عبد الملك بن مروان عمرو بيده بعد أن غدر به و ساعده بنو مروان في المؤامرة فغرروا بعمرو .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 13-05-2020, 05:13 PM   #[20]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(16)
بالرجوع للخلف من حيث وقف بنا المسير عند ابن الزبير ، نجد أنه ــ حتى ذلك الوقت الذي تولى فيه عبد الملك بن مروان ــ ظل مسيطرا على الحجاز و العراق ... استباقا للأحداث يمكن القول إن سلطة ابن الزبير استمرت من 64 هـ إلى جمادى الآخرة 73 هجرية . اضطر عبد الله بن الزبير لخوض حروب ضد الخوارج و الشيعة في العراق مما سيضعف جيشه و يسهّل فيما بعد لعبد الملك بن مروان الانتصار على أخيه مصعب بن الزبير والي البصرة ثم عليه في مكة . كما مر بنا أن الخوارج قاتلوا مع عبد الله بن الزبير جيش الشام دفاعا عن البيت و لكنهم عندما عرفوا تأييد ابن الزبير للخليفة عثمان بن عفان انصرفوا عنه . في الشام كان مروان قد أرسل قبل موته عبيد الله بن زياد إلى العراق وأمره أن ينهب الكوفة إذا ظفر بأهلها ثلاثًا ، مقتديا بسلفه يزيد في فعله بأهل المدينة (الطبري الجزء السادس أحداث سنة 66 تحت " ذكر الخبر عن أمر المختار مع قتلة الحسين بالكوفة") .
كان هناك مع ابن الزبير بعض الشيعة و من أهم من خرج مفارقا لابن الزبير منهم رجل يسمى المختار الثقفي الذي خرج من مكة قاصدا الكوفة . عند وصوله للكوفة عام 65 هـ وجد أن جماعة من الشيعة قد تبعوا الصحابي سليمان بن صرد و كان كما روى المؤرخون في التسعين من عمره ، خرجوا معه طلبا لثأر الحسين ، و هم من سيعرف التاريخ ثورتهم بأنها ثورة التوابين (يأتي الاسم من أن أولئك الثوار شعروا بالندم و الإثم لعدم نصرتهم للحسين فكأنهم بثورتهم تلك يكفرون عن ذنبهم و يتوبون عن الإثم) و هي أول ثورة قامت بعد كربلاء للثأر لمقتل الحسين وأصحابه . روى الطبري في أحداث سنة 65 (بعث سليمان بن صرد إلى وجوه أصحابه حين أراد الشخوص وذلك في سنة خمس وستين ، فأتوه ، فلما استهل الهلال هلال شهر ربيع الآخر، خرج في وجوه أصحابه ، و قد كان واعد أصحابه عامة للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنخيلة فخرج حتى أتى عسكره .... فلم يعجبه عدة الناس ، فبعث حكيم بن منقذ الكندي في خيل ، وبعث الوليد بن غصين الكناني في خيل ، و قال: اذهبا حتى تدخلا الكوفة فناديا: يا لثارات الحسين ، و ابلغا المسجد الأعظم فناديا بذلك ، فخرجا ، و كانا أول خلق الله دعوا: يا لثارات الحسين .) انتهى ... سيظل ذلك النداء (يا لثارات الحسين) مزعجا لبني أمية زمنا طويلا . كان قد بايع سليمان ستة عشر ألفًا ، و لكن خرج معه منهم فقط أربعة آلاف حسبما روى الطبري . سار سليمان بن صرد الخزاعي (أمير التوّابين) بأنصاره إلى قبر الحسين ، فبكوا بكاءً مريراً و تابوا عنده من خذلانه ، و جددوا العهد للثأر له .
واصل سليمان بن صرد زحفه حتى وصل منطقة تسمى عين الوردة في جمادى الأُولى 65هـ هناك لاقاه جيش الشام و كان نحو 20 ألفا ، رغم ذلك استبسل التوابون و قاتلوا حتى قُتل قائدهم و كثير منهم و انسحب الباقون .
بعد سليمان بن صرد سيخرج المختار الثقفي ، ففي ليلة الخميس 14 ربيع الأول سنة 66 للهجرة ، خرج جمع ليس باليسير من أهل الكوفة حسب خطة المختار و هم يرفعون شعار (يا لثارات الحسين) ، فأخرجوا أمير عبد الله بن الزبير من الكوفة ، و تولى إمارتها المختار الثقفي . نقرأ خبر ذلك عند الطبري (وثب المختار بمن كان بالكوفة من قتلة الحسين والمشايعين على قتله ، فقتل من قدر عليه منهم، وهرب من الكوفة بعضهم، فلم يقدر عليه....) انتهى . للمختار الثقفي سيرة لم يسبقه عليها أحد ، فقد حرر العبيد ليقاتلوا معه و حرر الموالي (العبيد الذي تم عتقهم ، فَمَنْ يُعتق يظل مولى لسادته القدامى ، ملزم بنصرتهم إلى غير ذلك مما تقتضيه الموالاة) و جعل لكلٍ نصيب في الفيء ، هذه الثورة ستجعله يخسر كثيراً من السادة . تجمّع الناقمون من اهل الكوفة و ممن شارك في قتل الحسين و اتفقوا على قتال المختار و لكنه هزمهم و أسر جمعا منهم . لنقرأ ما أورده الطبري في تاريخه عن احداث سنة 66 في ذلك : (واستخرج من دور الوادعين خمسمائة أسير، فأتى بهم المختار مكتفين ، فأخذ رجل من بني نهد و هو من رؤساء أصحاب المختار يقال له عبد الله ابن شريك ، لا يخلو بعربي إلا خلى سبيله ، فرفع ذلك إلى المختار درهم مولى لبني نهد . فقال له المختار: اعرضوهم على ، وانظروا كل من شهد منهم قتل الحسين فأعلموني به ، فأخذوا لا يمر عليه برجل قد شهد قتل الحسين إلا قيل له : هذا ممن شهد قتله ، فيقدمه فيضرب عنقه ، حتى قتل منهم قبل أن يخرج مائتين و ثمانية و أربعين قتيلًا) . كان ممن هرب من الكوفة بعد تلك الواقعة شمر بن ذي الجوشن فطارده المختار حتى ظفر به أخيرا فقتله . ظل المختار يبعث من الكوفة في طلب كل من شارك في قتل الحسين فيقتله و كان يقتل و يحرّق الجثة . و كان ممن قتلهم عمر بن سعد بن أبي وقاص و ابنه ، كان سعد كما مر بنا هو قائد الجيش الذي قتل الحسين . أرسل المختار إبراهيم بن الأشتر النخعي في طلب عبيد الله بن زياد فلاقاه بالخازر قريبا من الموصل و هزمه و قتله . ظل المختار يشكل خطرا لكل من الأمويين و لابن الزبير حتى كانت نهايته على يد مصعب بن الزبير حيث هزم جيشه (و قد قاتل الموالي قتالا شديدا) على مشارف الكوفة و حصره في قصره أربعة أشهر و اضطر أخيرا للخروج فقُتل . كان ذلك في رمضان 67 هـ .
هناك ملاحظة يمكن ان يلاحظها كل مهتم بتاريخ تلك الفترة مقارنة بما سيحدث بعد قرنين من الزمان ، في تلك الفترة كان الخلفاء و الأمراء حين يقتلون ضحاياهم أو يحاربون عدوهم ، لا يحتاجون لتدبيج فتاوى عميقة إنما هي حجج بسيطة مستندة على الدين ، لكن فيما بعد ستخرج فتاوى محكمة لتبرير أفعال الحكام ، ذلك أنه لم يكن في الفترة المبكرة صحاح و لا مسانيد و لا مصنفات ، و هي التي ستخرج في القرن الثالث الهجري فيستخرج القوم منها الفتاوى و تفصيلها و تفاصيلها ، ستنضج رؤية معينة للدين في القرن الرابع و تترسخ فيما يليه و هي الرؤية السائدة في عالمنا اليوم .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 14-05-2020, 12:49 PM   #[21]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(17)
مر بنا أن الدولة الإسلامية كانت في ذلك الوقت مقسمة بين ابن الزبير في الحجاز و عبد الملك بن مروان في الشام و مصر لكن هناك طرف ثالث كان ينازعهما الملك و هو المختار بن عبيد الله الثقفي في العراق و كما رأينا أنه قضى عليه مصعب بن الزبير ، و رابع في خراسان هو قطري بن الفجاءة قائد الخوارج . ذكرت خبر ثورة سليمان بن صرد الخزاعي و ثورة المختار الثقفي و شعارهم (يا لثارات الحسين) كنموذج للثورات التي ستشتعل في أماكن كثيرة طوال فترة الحكم الأموي و منها ثورات الخوارج و العلويين و غيرهم ممن تمردوا على الدولة الأموية حتى أن تلك الثورات قاربت الخمسين ثورة و شملت فارس و العراق و الحجاز و شمال أفريقيا ، و استهلكت جل عمر الدولة الأموية ، ناهيك عن الفتن الصغيرة التي كانت تقوم هنا و هناك . لن تستمر الدولة الإسلامية بخليفتين لذا كان لا بد للحرب بينهما و للضحايا و الخراب . ظل عبد الملك بن مروان ساكنا لا يحرك جيشا لحرب ابن الزبير لكنه كان في استعداد دائم و تجهيز و احتياط لليوم الموعود ، فوفّر المال و قوّى الجند و انتظر الفرصة المناسبة . كما مرّ بنا فإن عبد الله بن الزبير استهلك طاقة كبيرة في حروبه ضد الشيعة و أيضا ضد الخوارج . عام 72 للهجرة خرج عبد الملك للعراق قاصدا حرب مصعب بن الزبير أخ عبد الله بن الزبير و واليه على العراق . من أعاجيب الزمان أن مصعب و عبد الملك كانا صديقين حميمين في المدينة و قادتهما الأقدار لقتال بعضهما البعض . التقى الجيشان في منطقة تسمى دير الجاثليق في جمادى الآخرة 72 هـ و كان النصر حليف عبد الملك فهزم جيش صديقه القديم مصعب و قتله . سيولي عبد الملك الحجاج و يرسله لقتال عبد الله بن الزبير . من أقبح صفحات تاريخ عبد الملك بن مروان توليته الحجاج بن يوسف الثقفي كما سيمر بنا . سار الحجاج حتى وصل مكة و حاصرها . نقرأ في البداية و النهاية لابن كثير تحت أحداث 73 هـ (حصر ابن الزبير ليلة هلال الحجة سنة ثنتين وسبعين وقتل لسبع عشر ليلة خلت من جمادى الأول سنة ثلاث وسبعين، فكان حصر الحجاج له خمسة أشهر وسبع عشرة ليلة) أما عند الطبري في تاريخه الجزء الثامن أحداث سنة 73 هـ (حصر ابن الزبير ليلة هلال ذي القعدة سنة الثانية وسبعين وقتل لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكان حصر الحجاج لابن الزبير ثمانية أشهر وسبع عشرة ليلة ..) يفترض حسب الطبري أن تكون المدة ستة اشهر و سبع عشرة ليلة بفرق شهر عن ابن كثير لكن يبدو أن الطبري أخطأ في الحساب أو أخطأ النساخ . تتشابه روايتا ابن كثير و الطبري و تكاد تتطابق فيما جرى بين ابن الزبير و الحجاج ، لذا اكتفي بإيراد رواية ابن كثير في المصدر السابق ذكره ، يقول (و قد نصب الحجاج المنجنيق على مكة ليحصر أهلها حتى يخرجوا إلى الأمان والطاعة لعبد الملك . و كان مع الحجاج الحبشة ، فجعلوا يرمون بالمنجنيق فقتلوا خلقا كثيرا ، و كان معه خمس مجانيق فألح عليها بالرمي من كل مكان ، و حبس عنهم الميرة و الماء ، فكانوا يشربون من ماء زمزم ، و جعلت الحجارة تقع في الكعبة ، والحجاج يصيح بأصحابه : يا أهل الشام الله الله في الطاعة. فكانوا يحملون على ابن زبير حتى يقال: إنهم آخذوه في هذه الشدة ، فيشد عليهم ابن الزبير و ليس معه أحد حتى يخرجهم من باب بني شيبة ، ثم يكرون عليه فيشد عليهم ، فعل ذلك مرارا، و قتل يومئذ جماعة منهم و هو يقول: هذا و أنا ابن الحواري. و قيل لابن الزبير: ألا تكلمهم في الصلح . فقال: والله لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعا والله لا أسألهم صلحا أبدا. و ذكر غير واحد : أنهم لما رموا بالمنجنيق جاءت الصواعق و البروق و الرعود حتى جعلت تعلو أصواتها على صوت المنجنيق ، و نزلت صاعقة فأصابت من الشامين اثني عشر رجلا فضعفت عند ذلك قلوبهم عن المحاصرة . فلم يزل الحجاج يشجعهم و يقول : إني خبير بهذه البلاد ، هذه بروق تهامة و رعودها و صواعقها ، و إن القوم يصيبهم مثل الذي يصيبكم ، و جاءت صاعقة من الغد فقتلت من أصحاب ابن الزبير جماعة كثيرة أيضا ، فجعل الحجاج يقول: ألم أقل لكم إنهم يصابون مثلكم و أنتم على الطاعة وهم على المخالفة ...... فنزلت صاعقة على المنجنيق فأحرقته ، فتوقف أهل الشام عن الرمي و المحاصرة ، فخطبهم الحجاج فقال : ويحكم ألم تعلموا أن النار كانت تنزل على من كان قبلنا فتأكل قربانهم إذا تقبل منهم ؟ فلولا أن عملكم مقبول ما نزلت النار فأكلته ، فعادوا إلى المحاصرة. و ما زال أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالأمان ويتركون ابن الزبير حتى خرج إليه من عشرة آلاف ، فأمنهم و قَلَّ أصحاب ابن الزبير جدا ، حتى خرج إلى الحجاج حمزة و خبيب ابنا عبد الله بن الزبير، فأخذا لأنفسهما أمانا من الحجاج فأمنهما ، و دخل عبد الله بن الزبير على أمه فشكا إليها خذلان الناس له ، و خروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله، و أنه لم يبق معه إلا اليسير، و لم يبق لهم صبر ساعة ، و القوم يعطونني ما شئت من الدنيا ، فما رأيك؟ فقالت: يا بني أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق و تدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل عليه أصحابك ، و لا تمكن من رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية ، و إن كنت تعلم أنك إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك و أهلكت من قتل معك ، و إن كنت على حق فما وهن الدين و إلى كم خلودكم في الدنيا؟ القتل أحسن...) انتهى . انتهت المعركة بقتل ابن الزبير و قال ابن كثير في المصدر السابق (ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك بما وقع، و بعث برأس ابن الزبير مع رأس عبد الله بن صفوان ، و عمارة بن حزم إلى عبد الملك ، ثم أمرهم إذا مروا بالمدينة أن ينصبوا الرؤوس بها، ثم يسيروا بها إلى الشام ، ففعلوا ما أمرهم به و أرسل بالرؤوس مع رجل من الأزد فأعطاه عبد الملك خمسمائة دينار... ثم أمر الحجاج بجثة ابن الزبير فصلبت على ثنية كدا عند الحجون ، يقال: منكسة ، فما زالت مصلوبة ، حتى مر به عبد الله بن عمر فقال: رحمة الله عليك يا أبا خبيب ، أما و الله لقد كنت صواما قواما . ثم قال : أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فبعث الحجاج فأنزل عن الجذع ودفن هناك) انتهى ما أورده ابن كثير و هو لا يختلف عما أورده الطبري .
محاصرة مكة و الحرة و كربلاء نماذج لفظائع الاقتتال لأجل السلطان ... كانوا دائما يقطعون الرؤوس و يرسلونها للأمراء أو الخلفاء و كانوا كذلك يعتبرون أن الطاعة (طاعة الحكام مقدسة ، فالطاعة لديهم فوق العدالة) . بمقتل ابن الزبير ستدين الدولة لعبد الملك بن مروان الذي ستمتد فترة حكمه حتى 86 هـ و هي حوالي 21 عاما و ستكون فترة خلافته و خلافة ابنه هشام فيما بعد (20 عاما) و معها فترة معاوية (19 عاما) حوالي ثلثي فترة الدولة الأموية كلها التي تعاقب عليها 14 من الخلفاء .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-05-2020, 04:14 PM   #[22]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(18)
بعد أن كان العرب يعيشون في قبائل متفرقة في بيئة قاسية عدا مناطق حضرية قليلة ، و كانت القبائل في البادية تضطر للغزو لإعادة توزيع الثروة أو للثأر ، جاء الإسلام و وظف الغزو الذي تجيده تلك القبائل ليكون نحو الخارج . ستشارك تلك القبائل في غزو مناطق أكثر تحضرا يدفعها الإيمان و أيضا الحصول على الغنائم . سيلاقي الغزاة بيئات جديدة و حضارات مختلفة ، كما لاحظ طه حسين في (الفتنة الكبرى) أن كثير من القادة سيشعرون بعظمة تلك المناطق المغزوّة و سيستصغرون بيئتهم التي خرجوا منها و سيضطر الكثير من القادة في خلافة عمر بن الخطاب للتظاهر بما يحبه سيدنا عمر من الزهد و البعد عن التمسك بالدنيا ، لكن كان من الصعب عليهم ان يعيشوا تلك المعاني في ظل ما توفر لهم من مغانم . على الجانب الآخر هناك المهزومون و الذين دخلوا في الدين مستصحبين خبراتهم و أفكارهم القديمة ، لكل ذلك كان لا بد لأحداث الزمن أن تستدعي أفكارا مناسبة لذلك الواقع الجديد ، أفكار مؤيدة أو مقاومة أو بين هذا و ذاك لذلك الواقع ، لن يحدث ذلك بين يوم و ليلة ، لكنه سيتكوّن تدريجيا حسب أحداث ذلك الزمن . سأهتم بهذا الجانب ، لكن قبل ذلك سأتعرض لبعض مما حدث في الحجاز بعد هزيمة عبد الله بن الزبير و تولي الحجاج إمارة الحجاز لمدة عامين ، نقرأ في تاريخ الطبري الجزء السادس ، أحداث عام 74 ( ثم انصرف إلى المدينة في صفر ، فأقام بها ثلاثة أشهر يتعبث بأهل المدينة و يتعنتهم ، و بنى بها مسجدا في بني سلمة ، فهو ينسب إليه . و استخف فيها بأصحاب رسول الله ﷺ ، فختم في أعناقهم ، فذكر محمد بن عمران بن أبي ذئب حدثه عمن رأى جابر بن عبد الله مختوما في يده. و عن ابن أبي ذئب ، عن إسحاق بن يزيد ، أنه رأى أنس بن مالك مختوما في عنقه ، يريد أن يذله بذلك . قال ابن عمر: و حدثني شرحبيل بن أبي عون ، عن أبيه، قال : رأيت الحجاج أرسل إلى سهل بن سعد فدعاه ، فقال: ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان؟ قال : قد فعلت. قال: كذبت. ثم أمر به فختم في عنقه برصاص...) انتهى ... فعل بهم كما يفعل أهل الإبل بإبلهم يحمون قطعة الحديد التي تحمل شكل الوسم حتى تحمر فيضعونها على البعير فتترك الأثر . سنلتقي بالحجاج في العراق سنة 81 هـ في حربه مع ابن الأشعث و ثورته التي كانت من أكبر الثورات في العهد الأموي .
بالعودة للأفكار التي ستظهر مع جملة ظواهر جديدة منذ خلافة عبد الملك بن مروان و تتفاعل مع الواقع ، يمكن القول إن الدولة الأموية مثلها مثل أي دولة يسرها أن ينشغل الناس بأي شيء عدا السياسة ، لهذا يتهمها البعض بأنها شجعت شباب الحجاز على الانغماس في الغزل و الغناء و اللهو . يبدو أن هذه التهمة منطقية لكن ربما كانت الظروف التي استجدت لها الدور الأساسي في تلك المظاهر . ينسب بعضهم ازدهار ذلك النوع للثروات الناتجة من الفتوحات و التي وفرت لأهل الحجاز التخفف من هموم مطاردة الرزق . انشغلت نخب كثيرة في الحجاز بالذات من أولئك الذين يمكن تسميتهم بمثقفي ذلك الوقت برواية شعر الغزل و الغناء ، كان القرن الأول في الحجاز هو قرن عمر بن أبي ربيعة و جميل بثينة و كثير عزة ، و هو قرن المغنيين معبد و طويس المغني (الذي يضرب به المثل في الشؤم) و الغريض و ابن محرز . و في الشام كان شعراء النقائض جرير و الفرزدق و الأخطل . احتكاك العرب بأقوام أصحاب حضارات (الفرس و الروم) و تعرفهم على أفكار جديدة و دخول أقوام من تلك الحضارات في الإسلام (بعضهم رغبة و بعضهم غصبا) ، أقوام كانت لهم أفكارهم و تصوراتهم ، لا بد أن يستصحبوها معهم عند دخولهم في الدين الجديد . ستتفاعل تلك الأفكار و تتمازج و تستجيب لمشاكل عصرها ، ستفكر العقول و تحلل و تعبر عن رؤى أصحابها ، بعضها كما سبق القول ، أيدت السلطة و تبنت أفكارها و دافعت عنها ، و آخرين سيعبرون عن وجهة النظر الأخرى حسب موقعهم من خارطة الصراع الاجتماعي و الفكري .
للتعرض للأفكار الجديدة التي بدأت في الظهور لا بد لذكر بداياتها و هي تطور الفكرة عن القدر . أول من تكلم بمسألة القدر في الإسلام هو معبد الجهني ، قال بذلك الذهبي و ابن الأثير و ابن قتيبة و ابن كثير... لا بد للفقهاء القول إنه أخذ ذلك عن شخص غير مسلم و هو في روايتهم نصراني من الأساورة يقال له أبو يونس ويعرف بالأسواري .أما الأوزاعي (88 ــ 157 هـ) فيذهب إلى أن أول من نطق بالقدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وسيقابلنا غيلان الدمشقي الذي أخذ عن معبد .... قال ابن تيمية : وقد روي أن أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له سيسويه من أبناء المجوس وتلقاه عنه معبد الجهني . يقول عنهم الفقهاء إنهم نفوا القدر .
القول بأن معبد ومن معه نفوا القدر لا يعطينا صورة كاملة عن أفكارهم و أسبابها . يبدو أن فكرة أن كل شيء مسطر في لوح القدر ، ما كان و ما هو حادث و ما سيكون ، قد استقرت في الذهن و ستوحي للحكام (خاصة بني أمية) التملص من أفعالهم الشريرة و نسبتها إلى القدر ، أي أن ما يحدث من قتل و بشاعات إنما هو أمر مسطر منذ الأزل و قد أجراه القدر على أيديهم ، كأنما لا ذنب لهم فيما يحدث ، إنما هم منفذون لأحكام القدر ، ستنتشر مقولات (فلان الذي قتله الله) و ذلك لمن يقتلونه ، أو (محق الله تلك الأموال) لمن ينهبون ماله ، ستقتضي السياسة التخفي خلف القدر ، اما في مراسلاتهم الخاصة فربما يصرحون ، كما رأينا في رسالة مسلم بن عقبة ليزيد . و في عصرنا عندما استتاب قضاة النميري تلاميذ محمود محمد طه ، كان من ضمن ألفاظ التوبة عن الأستاذ محمود القول "الذي أماته الله شنقا في سجن كوبر" ، تجنبا للقول "الذي قمنا بشنقه" . ستدور لوالب العقل المعارض حينها و ستستنتج إن القول بالقدر بتلك الصورة ، يمنع رؤية الظلم و يتخفى وراءه الظالم ، ثم التساؤل المنطقي (إذا كان الإنسان لا يملك خلق أفعاله فما ضرورة الثواب و العقاب ، ليس من العدل أن تعاقبني على أمر لا يد لي فيه) ... صحيح أن الرواة ينسبون لهم نفي القدر بمعنى العلم والتقدير ، و يروون عن معبد أنه كان يقول : لا قدر و الأمر أنف أي مستأنف ، لكن يبدو أن ذلك تطرف قادتهم إليه نقاشات ذلك العهد و حداثة الفكرة . واضح أن تلك الأفكار ستكون مرفوضة من الغالبية لأنها تتطلب خلفية فكرية و موقف سياسي مما يجري ، ليس معنى ذلك أن كل تلك الأفكار كانت صحيحة . الدليل على أن أفكار معبد كانت انعكاسا لموقفه السياسي هو خروجه مع ابن الأشعث على بني أمية و على الحجاج بالذات (قال مالك بن دينار لقيت معبدًا بمكة بعد فتنة ابن الأشعث وهو جريح ، قد قاتل الحجاج في المواطن كلها. وروى ضمرة عن صدقة بن يزيد قال: كان الحجاج يعذب معبدا الجهني بأصناف العذاب ولا يجزع ثم قتله...) فتنة ابن الأشعث كما يسمونها كانت استمرت حتى 82 هـ لكن يقول سعيد بن عفير عن معبد (توفي في سنة 80 هـ. ثم صلب عبد الملك بن مروان معبد الجهني بدمشق) .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-05-2020, 03:42 PM   #[23]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(19)
مرّ بنا أن عبد الملك بن مروان ولى الحجاج الحجاز ، لكنه اضطر لعزله بعد عامين لكثرة ما بلغه من شكوى من أهل الحجاز ، و ولاه العراق . قبل متابعة أمور الحجاج في العراق يستحسن أن نلقي نظرة على بعض حروب عبد الملك الخارجية و فتوحاته في شمال أفريقيا. كان أخوه عبد العزيز بن مروان واليا على مصر و شمال أفريقيا و هو ولي عهده المفترض . فكر عبد الملك في خلعه من ولاية العهد و إسنادها لأبنائه ، يذكر الطبري في تاريخه الجزء السادس في خبر أحداث سنة 85 (عزم عبد الملك بن مروان على خلع أخيه عبد العزيز ذكر الواقدي أن عبد الملك هم بذلك ، فنهاه عنه قبيصة بن ذؤيب ، و قال : لا تفعل هذا ، فإنك باعث على نفسك صوت نعار ، و لعل الموت يأتيه فتستريح منه ، فكف عبد الملك عن ذلك ونفسه تنازعه إلى أن يخلعه .... دخل عليه قبيصة فسلم عليه وقال: أجرك الله يا أمير المؤمنين في أخيك عبد العزيز! قال: و هل توفي؟ قال: نعم ، فاسترجع عبد الملك ، ثم أقبل على روح فقال : كفانا الله أبازرعة ما كنا نريد ....) انتهى . خلع عبد العزيز بن مروان حسان بن نعمان و ولى موسى بن نصير شمال افريقيا ، سيستمر موسى في فتوحاته في شمال افريقيا و يستمر حتى الأندلس . تاريخ الإسلام في الفتوحات من وجهة نظر المغلوبين فيه كثير من اللغط ، و لأن وسائل الاتصال الحديثة أتاحت و ستتيح الاطلاع على وجهة نظر أولئك يستحسن أن نفحصه . بداية يجب التنويه أن كثيرين لهم وجهة نظر وجيهة و هي أن بعض الوقائع من وجهة نظر المغلوبين فيها مبالغات عديدة ، ثم إنه حتى التي حدثت فعلا يجب نسبتها لبني أمية و من بعد للعباسيين و ليس للإسلام . أهم انتقاد يُوجه للفتوحات هو كثرة الاسترقاق و السبي ، كأنما تحول الدين من تحرير العباد إلى استعبادهم و سبي نسائهم . ما حدث في شمال افريقيا ورد عند مؤرخين مختلفين و للاختصار سأكتفي برواية ابن قتيبة الدينوري لأنه من أقدم المؤرخين (213-رجب 276 هـ) ، أورد ابن قتيبة في (الإمامة و السياسة) طبعة 2001 دار الكتب العلمية ، ص 229 :
فتح زغوان : فوجه لهم موسى خمس مئة فارس عليهم رجل من خشين يقال له عبد الملك فقاتلهم فهزمهم الله و قتل صاحبهم ورقطان ، و فتحها الله على يد موسى ، فبلغ السبي يومئذ عشرة آلاف رأس ، و انه كان أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى ، ثم وجه ابنا له يقال له :عبد الرحمن بن موسى الى بعض نواحيها فأتاه بمئة ألف رأس ثم وجه ابنا له يقال له مروان فاتاه بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألف رأس .... و ذكروا أن موسى بن نصير كتب الى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره بالذي فتح الله عليه ، و أمكن له ، و يعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا و كان ذلك وهما من الكاتب ، فلما قرأ عبد العزيز الكتاب ، دعا الكاتب و قال له : ويحك !اقرا هذا الكتاب ، فلما قرأه قال هذا وهم من الكاتب فراجِعه . فكتب أليه عبد العزيز : أنه بلغني كتابك و تذكر فيه أن قد بلغ خمس ما أفاه الله عليك ثلاثين ألف رأس ، فاستكثرت ذلك ، و ظننت أن ذلك وهم من الكاتب ، فاكتب الي بعد ذلك على حقيقة ، و احذر الوهم ، فلما قدم الكتاب على موسى كتب اليه بلغني أن الأمير أبقاه الله يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدة التي أفاه الله علي ، و أنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب ، فقد كان ذلك وهما على ما ظنه الأمير ، الخمس أيها الأمير ستون ألفا حقا ثابتا بلا وهم .قال : فلما أتى الكتاب الى عبد العزيز و قرأه ملأه سرورا ....
ثم وجه عبد الملك رجلا إلى موسى ليقبض ذلك منه على ما ذكر موسى ، و على ما كتب به . فلما قدم الرسول على موسى: دفع عليه ما ذكر، وزاده ألفا للوفاء .... و ذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل إلى هوارة وزناتة في ألف فارس ، فأغار عليهم وقتلهم وسباهم ، فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس...) انتهى . لن أتعرض في هذا السرد كثيرا لتفاصيل السبي في الفتوحات ، لكن الإشارة إليه تأتي لما ذكرته أعلاه .
سأترك قصة ما جرى في العراق بعد ولاية الحجاج لوقت آخر .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-05-2020, 03:34 PM   #[24]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(20)
تولى الحجاج إمارة العراق و قصة قدومه مشهورة و خطبته في أهل الكوفة حين قدومه أيضا من الخطب المعروفة و أغلبنا يتذكر الأبيات التي اقتبسها من شاعر يدعى ثمامة بن سحيل بن وائل و منها البيت الشهير :
انا ابن جلا وطلاَع الثنايا .... متى اضع العمامة تعرفوني
و كيف توعد أهل العراق و قام بضبط المصر و بدأ غزواته للخارج . قارئ تاريخ الدولة الأموية سيجد أن ثورات تلك الأيام لا تحصى ، و لكل ثورة قصة ، لكن من بين تلك الثورات تبرز ثورة عبد الرحمن بن الأشعث التي كان سببها سياسة الحجاج مع ابن الأشعث . جاء عام 80 هـ و ولى الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث على سجستان عندما أرسله على رأس جيش كبير تعداده كما يذكر المؤرخون أربعون ألف مقاتل سُمي بـ(جيش الطواويس) لأن الحجاج أحسن تجهيزه و تسليحه و ذلك لينتقم لهزيمة المسلمين من رتبيل ملك الترك .
يعتبر عبد الرحمن بن الأشعث من أشراف الكوفة و يصفه المؤرخون بالغرور والاعتداد بالذات . بدأ الخلاف بين ابن الأشعث و الحجاج بعد انتصارات ابن الأشعث الذي قرّ رأيه على أن يبقى ساكنا حيث وصل طوال فترة الشتاء ثم يواصل بعد ذلك . أرسل للحجاج كتابا بخطته لكن الحجاج رد عليه بكتاب جاء فيه حسب الطبري في تاريخه الجزء السادس عن أحداث سنة 81 (... وكتابك كتاب امرئ يحب الهدنة، ويستريح إلى الموادعة .... إني لم أعدد رأيك الذي زعمت أنك رأيته رأى مكيدة ، ولكني رأيت أنه لم يحملك عليه إلا ضعفك ، و التياث رأيك ، فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم ، والهدم لحصونهم ، وقتل مقاتلتهم ، وسبي ذراريهم...) قرأ عبد الرحمن كتاب الحجاج على جنده و قرّ رأيهم على خلع الحجاج و عقد البيعة لابن الأشعث . كتاب الحجاج بلغته المستفزة تسبب في معارك قُتل فيها عدد كبير من المسلمين ، فابن الأشعث سيلوي راجعا نحو الحجاج و سيهزم جيشه و يدخل البصرة . دارت معارك عديدة منها ما تسمى موقعة دير الجماجم و هي المعركة الحاسمة التي انتهت بهزيمة ابن الأشعث ثم تلتها ما تعرف بوقعة مسكن و أخيرا اضطر ابن الأشعث للفرار و الاحتماء بمن حاربه من الترك و هو رتبيل ، لكن تهديد الحجاج و وعيده و اغراءه لرتبيل سيجعله يقوم بتسليم ابن الأشعث و معه مجموعة من قومه ، إلا أن عبد الرحمن رأى أنه من الأفضل له الموت من أن يُسلّم للحجاج فقفز من أعلى القصر فدُقّ عنقه و مات ، و كالعادة سيجزون رأسه و رأس من معه و يرسلون الرؤوس للحجاج و مع الرؤوس امرأة ابن الأشعث . سيقوم الحجاج بمجازر يندر مثيلها ، يروي الطبري في المرجع المذكور (قتل الحجاج يوم الزاوية أحد عشر ألفًا ، ما استحيا منهم إلا واحدًا ، كان ابنه في كتاب الحجاج ، فقال له: أتحب أن نعفو لك عن أبيك؟ قال : نعم ، فتركه لابنه ، و إنما خدعهم بالأمان ، أمر مناديًا فنادى عند الهزيمة : ألا لا أمان لفلان و لا فلان ، فسمى رجالًا من أولئك الأشراف ، و لم يقل: الناس آمنون ، فقالت العامة : قد آمن الناس كلهم إلا هؤلاء النفر ، فأقبلوا إلى حجرته فلما اجتمعوا أمرهم بوضع أسلحتهم ، ثم قال: لآمرن بكم اليوم رجلًا ليس بينكم وبينه قرابة ، فأمر بهم عمارة بن تميم اللخمي فقربهم فقتلهم . و روي أنه قد بلغ ما قتل الحجاج صبرًا مائة وعشرين ، أو مائة وثلاثين ألفًا ..... فمضى على شاطئ دجلة حتى أتى دجيلًا فعبره في السفن ، وعقروا دوابهم ، و انحدروا في السفن إلى البصرة ، و دخل الحجاج عسكرهم فانتهب ما فيه ، و جعل يقتل من وجد حتى قتل أربعة آلاف ...) انتهى . كانت تلك الأحداث سنة 85 هجرية و هي نفس السنة التي مات فيها عبد العزيز بن مروان في مصر و فيها ولى عبد الملك العهد لابنيه : الوليد يليه أخوه سليمان و لم تبق له إلا سنة ليعيشها فمات كما يقول الرواة في النصف من شوال سنة 86 هجرية ليتولى الخلافة يزيد بن عبد الملك و يفتح صفحة جديدة في التاريخ
الإسلامي .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 18-05-2020, 07:02 PM   #[25]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(21)
تولى الخلافة الوليد بن عبد الملك و استمر على سياسة أبيه ، أورد الطبري ج6 في أحداث 86 هـ نقلا عن الواقدي خطبة الوليد بعد رجوعه من دفن أبيه أنه اعتلى المنبر و خطب (".....أيها الناس ، عليكم بالطاعة ، و لزوم الجماعة ، فإن الشيطان مع الفرد. أيها الناس ، من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ، ومن سكت مات بدائه ." ثم نزل ، فنظر إلى ما كان من دواب الخلافة فحازه ، وكان جبارًا عنيدًا.) انتهى . اهتم الوليد بالإصلاحات الداخلية و الاعمار و حاول جهده أن يقيم العدالة كما يفهمها أهل ذلك الزمان ، لكنه مكّن للحجاج رغم نصح ولي عهده سليمان أخيه ... استمر الحجاج في بطشه محميا بالوليد حتى مات قبل موت الوليد بحوالي عام بعد أن بطش بسعيد بن جبير عام 94 هـ . كان سعيد بن جبير قد خلع بيعة عبد الملك و الحجاج و انضم لابن الأشعث ، و عند انكسار ابن الأشعث (فرّ إلى إلى أصبهان فكتب الحجاج لوالي اصبهان طالبا منه القبض على سعيد فتحرج الوالي ، و أرسل إلى سعيد أن تحول عني ، فتنحى عنه، فأتى أذربيجان، فلم يزل بأذربيجان فطال عليه السنون . و اعتمر فخرج إلى مكة فأقام بها، فكان ناس من ضربه يستخفون فلا يخبرون بأسمائهم....) الطبري المصدر السابق . قبض على سعيد والي مكة حينذاك خالد القسري و ارسله إلى الحجاج . حسب رواية الطبري أن الحجاج تمنى أن لو لم يقبض عليه (ابن النصرانية) "يقصد خالد القسري" فقد كانت أم خالد مسيحية ، و قام الحجاج بقتل سعيد بن جبير .
استمرت الفتوحات في عهد الوليد فوصلت الصين شرقا ، أما غربا فقد كان أهم حدث تاريخي في عهده هو فتح الأندلس . في عام 92 هـ عبر طارق بن زياد بتكليف من مولاه موسى بن نصير البحر بجيش قوامه 12 ألف كما تذكر المصادر و كان تقريبا كله من البربر (الأمازيغ) و قليل من العرب . كانت الأوضاع الداخلية لحكام الأندلس سيئة مما سهل لطارق الانتصار خاصة و قد كان طارق قائدا شجاعا ذكيا يقود جيشا متمرسا على القتال . كلنا نعرف أن الحكم الإسلامي للأندلس استمر حوالي 800 عام لينتهي بسقوط غرناطة سنة 897هـ المُوافق 1492م . نعرف تاريخ ذلك الفتح من وجهة نظر المؤرخين المسلمين و لكن للإسبان رواية أخرى له ، لحسن الحظ أنه في عصر التنوير لم يعد القوم ينظرون لها إلا بمنظار تاريخ مناسب لعصره و بذا ليسوا مثل قومنا يجترون الأحقاد و يطلبون الثارات ، بل و يجدون في ذلك التاريخ ما يدعو للفخر و الاعتزاز كون هناك من مواطنيهم من شارك في صنع حضارة راقية في تلك الفترة . من وجهة نظر مؤرخينا نقتطف من (البداية والنهاية ج5) لابن كثير عن حكاية موسى بن نصير (... فدخل دمشق في يوم جمعة و الوليد على المنبر ، و قد لبس موسى ثيابا حسنة و هيئة حسنة ، فدخل و معه ثلاثون غلاما من أبناء الملوك الذين أسرهم ، و الإسبان، و قد ألبسهم تيجان الملوك مع ما معهم من الخدم و الحشم و الأبهة العظيمة ، فلما نظر إليهم الوليد و هو يخطب الناس على منبر جامع دمشق بهت إليهم لما رأى عليهم من الحرير و الجواهر و الزينة البالغة ، و جاء موسى بن نصير فسلم على الوليد و هو على المنبر ، و أمر أولئك فوقفوا عن يمين المنبر و شماله ، فحمد الله الوليد و شكره على ما أيده به و وسع ملكه ، و أطال الدعاء و التحميد و الشكر حتى خرج وقت الجمعة ، ثم نزل فصلى بالناس ، ثم استدعى بموسى بن نصير فأحسن جائزته و أعطاه شيئا كثيرا ، و كذلك موسى بن نصير قدم معه بشيء كثير ، من ذلك مائدة سليمان بن داود عليهما السلام ، التي كان يأكل عليها ، و كانت من خليطين ذهب و فضة ، و عليها ثلاثة أطواق لؤلؤ و جوهر لم ير مثله ، وجدها في مدينة طليطلة من بلاد الأندلس مع أموال كثيرة. و قيل: إنه بعث ابنه مروان على جيش فأصاب من السبي مائة ألف رأس، و بعث ابن أخيه في جيش فأصاب من السبي مائة ألف رأس أيضاً من البربر، فلما جاء كتابه إلى الوليد وذكر فيه أن خُمس الغنائم أربعون ألف رأس، قال الناس: إن هذا أحمق، من أين له أربعون ألف رأس خمس الغنائم؟ فبلغه ذلك فأرسل أربعين ألف رأس و هي خمس ما غنم، و لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير أمير المغرب..... ولما قدم على الوليد قدم معه بثلاثين ألفاً من السبي غير ما ذكرنا ، و ذلك خمس ما كان غنمه في آخر غزوة غزاها ببلاد المغرب، و قدم معه من الأموال والتحف و اللآلئ والجواهر ما لا يعد ولا يوصف.) و نقرا في الكامل في التاريخ لابن الأثير (4/43) و هو يحكي أيضا عن رجوع موسى ابن نصير بعد أن استدعاه الوليد و معه طارق (....و سار إلى الشام ، وحمل الأموال التي غنمت من الأندلس والذخائر و المائدة [مائدة سليمان بن داؤود] ، و معه ثلاثون ألف بكر من بنات ملوك القوط و أعيانهم ، و من نفيس الجوهر و الأمتعة ما لا يحصى ) هناك اختلاف يسير بين ابن كثير و ابن الأثير في أمر موسى ، فابن كثير كما رأينا أورد أن موسى قدم بحياة الوليد و يكمل القصة بانه بقي في دمشق بعد موت الوليد وخلافة سليمان الذي لم يكن راضيا عنه ، لكن ابن الأثير يقول إن موسى وصل دمشق بعد موت الوليد ، إلا أن كليهما يتفقان على تعداد السبايا و الغنائم .
مات الوليد بن عبد الملك عام 96 هـ بعد حوالي عشر سنوات في الخلافة و خلفه أخوه سليمان حسب وصية أبيهما عبد الملك . عاجل الموت الوليد قبل أن يكمل خطته بتولية ابنه عبد العزيز التي يوردها المؤرخون و منهم الطبري ، ففي المرجع المذكور و في خبر مقتل قتيبة بن مسلم ، يورد الطبري (وفي هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم بخراسان.... [و سبب مقتله] أن الوليد بن عبد الملك أراد أن يجعل ابنه عبد العزيز بن الوليد ولي عهده، و دس في ذلك إلى القواد و الشعراء، فقال جرير في ذلك :
إذا قيل أي الناس خير خليفة ... أشارت إلى عبد العزيز الأصابع
رأوه أحق الناس كلهم بها ..... و ما ظلموا ، فبايعوه و سارعوا
... فبايعه على خلع سليمان الحجاج بن يوسف و قتيبة، ثم هلك الوليد و قام سليمان بن عبد الملك، فخافه قتيبة...) انتهى ... و يمضي الطبري فيفصل قصة مقتل قتيبة .
كانت خلافة سليمان قصيرة فلم تتجاوز سنتين و سبعة أشهر . تميزت خلافته بسعيه للعدل و سار سيرة حسنة و يوصف بالفصاحة و المهابة و جمال الخلقة ، لكنهم يصفونه أيضا بانه كان اكولا ، روى الذهبي في سير أعلام النبلاء أنه أكل أربعين دجاجة في جلسة. و روى السيوطي في تاريخ الخلفاء أنه أكل في جلسة خروفا و ست دجاجات و سبعين رمانة و مكوك زبيب طائفي [و هذا من حكايات تاريخنا العجيبة التي لا تُصدق]... مات بدابق مرابطا حين أرسل أسطوله لفتح القسطنطينية ، يقول ابن كثير في البداية و النهاية (تعهد ألا يرجع إلى دمشق حتى تفتح أو يموت، فمات هناك فحصل له بهذه النية أجر الرباط في سبيل الله) .... كان من مآثره توليته العهد للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 19-05-2020, 06:38 PM   #[26]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(22)
تولى الخلافة بعد موت سليمان بن عبد الملك ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان ، مرّ بنا أن والده شقيق الخليفة عبد الملك كان واليا على مصر حتى وفاته بمصر سنة 85 هـ ، و أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب . ولد عمر عام 61 هـ . كان يوم الجمعة العاشر من صفر 99 هـ هو يوم توليه الخلافة و استمرت خلافته حتى 24 من رجب 101هـ و هكذا فإن فترة خلافته حوالي 29 شهراً ، توفى في الأربعين من عمره و يقال مات مسموما . ينعقد الإجماع على أن خلافة عمر بن عبد العزيز كانت من أعظم و أروع فترات الحكم في الإسلام . من أهم أعماله إسقاط الجزية عن الذين يدخلون الإسلام من أهل الكتاب . من غرائب الأمور إن بني أمية كانوا يأخذون الجزية عن أهل الكتاب حتى بعد إسلامهم . أيضا أوقف مهزلة شتم سيدنا علي بن أبي طالب و أهله و مناصريه من على المنابر و فكر في جمع الحديث النبوي ، و رد ما سلبه بنو أمية من المال إلى بيت المال و لذلك قصة يجب أن تروى .
من أسوأ الأقوال في تمجيد عمر بن عبد العزيز القول بأن الجارية بيعت بوزنها ذهبا في عهده دلالة على الرخاء ، و هو قول يفتقد للحساسية الإنسانية ، فكأن الذهب أغلى قيمة من الإنسان ، أما الجارية كإنسان ، فلا عيب في بيعها و شرائها . الحقيقة أن القول بالرخاء على إطلاقه غير صحيح ، فالمدن و مراكز الحكم تمتعت بالرخاء ، لكن من صنع ذلك الرخاء؟ صنعه أولئك الذين يدفعون الجزية و الخراج في أطراف الدولة و بعض مراكزها .
لرواية قصة إعادة الأموال لبيت المال علاقة بغيلان الدمشقي و التي سأتطرق إليها مع خبر غيلان . مرّ بنا أن أول من تكلم بالقدر هو معبد الجهني الذي قتل في عهد عبد الملك بن مروان متهما بالزندقة ، و أن جانبا من أفكاره كان انعكاسا لواقع عاشه الناس في ذلك العصر و هو سعي الحكام للتستر بالقدر لتبرير الظلم ، و كيف أن معبدا ذهب إلى أن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله و ليست أمرا قدريا مجبورا عليه . ستنشأ أفكار و جدالات كانعكاس لواقع ذلك الزمان و لتطور الفكر الداخلي و للتأثر بالثقافات التي دخل بها قومها إلى الإسلام .
لاحظ بعض المفكرين و منهم يوسف زيدان أن أرض الشام و العراق ستكون هي البؤرة التي تنتج أفكارا في جوهرها تمثل امتدادا للجدل المسيحي الذي استمر منذ ما قبل مجمع (نيقية) الأول في الربع الأول من القرن الرابع الميلادي و تواصل بعده . باختصار عقد مجمع نيقية لبحث الخلاف طبيعة المسيح . كان هناك من يدعى آريوس (مصري من أصل ليبي) و الذي كان يرى أن يسوع المسيح مخلوق و أنه كان هناك زمن لم يكن فيه موجودا و كذلك الروح القدس . اما الكسندروس الأول بابا الإسكندرية فقد كان يرى أن المسيح ذو طبيعة إلهية هي نفس طبيعة الله . انتصر راي الكسندروس و اعتبر آريوس أسوأ مهرطق في عرف الكنيسة و لا زالت الكنيسة تستمطر عليه اللعنات . سيظهر خلاف جديد و سيتجلى في القرن الخامس الميلادي ، له صلة بالخلاف القديم . كما راينا أن العقيدة المسيحية استقرت على وجود أقنوم الكلمة المتجسد الواحد ذو الطبيعتين الإلهية والبشرية ، لكن سيظهر في القرن الخامس (نسطورس) المولود في سوريا ليقول إن يسوع المسيح بشر لكن له صلة بالألوهية و ولدته السيدة العذراء و حلت عليه كلمة الله عند تعميده لكن فارقته عند الصليب . سيُعرف اتباع هذا المذهب بالنسطوريين أو النساطرة و يعرف منهم التاريخ الإسلامي الراهب بحيرا (أو بحيرى) الذي كانت تنزل عند ديره قوافل قريش و يحكي الترمزي نزول قافلة كان فيها النبي (ص) عندما كان مسافرا ضمن قافلة تجارية مع عمه أبو طالب وهو في التاسعة أو في الثانية عشرة من عمره (لا يزال دير الراهب بحيرا في مدينة بصرى "جنوب سوريا حاليا") ، و الراهب سيرجيوس و ورقة بن نوفل (كان ورقة يجيد العبرية و من ترجمته لأجزاء من الكتاب المقدس عرف القرشيون أن هناك كتابا منزلا على موسى هو التوراة و آخر منزلا على عيسى هو الإنجيل) . من ورقة بن نوفل و من عثمان بن الحويرث عرفت قريش عن المسيحية الكثير ... (تقول مصادر تاريخية أن نسطور نفى ما نُسب إليه ، لكن على أي حال استمر ذلك المعتقد باسمه) . أيضا كان هناك مذهب قريب من النسطورية و هو الديصانية ، يعتقد أتباعه أيضا برفع المسيح و صلب شبيهه مثل النسطوريين . عموما سيسمي العرب النسطورين و الديصانيين بالنصارى و يكون هم مرجعهم لمعرفة المسيحية ، أي سيعرفون المسيحية من خلال مذاهب تعتبر مهرطقة في الاعتقاد المسيحي ، و قد طابقت تصوراتهم عن طبيعة المسيح و أمه و انه رُفع و لم يصلب بل صُلب شبيهه ، طابقت التصورات الإسلامية ...
ستمور منطقة الشام و العراق بصراع أفكار و ديانات قديمة كالمانوية و الزرادشتية و الصابئة لتتفاعل مع الجدل المسيحي . نعرف أن قبائل كثيرة قد تنصرت في منطقة الشام و العراق فقد تسللت إليها المسيحية منذ القرن الثاني مثل قبائل تغلب وطيء وكلب وقضاعة وتنوخ و المناذرة مؤسسي المملكة العربيّة جنوب العراق و الغساسنة مؤسسي المملكة العربيّة في الأردن و جنوب سوريا . تعاونت أغلب هذه القبائل مع أبناء جنسهم العرب الفاتحين . في الحقيقة ظلت منطقة الشام و العراق و حتى مصر بغالبيتها مسيحية حتى الحروب الصليبية في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي و بداية القرن الثاني عشر لكن كانت الحواضر و مراكز الحكم ذات اغلبية مسلمة . في خضم الجدل المسيحي فتح المسلمون الشام و العراق و من الطبيعي كما سلف ان يستصحب الداخلون الجدد في الإسلام أفكارهم معهم و سيفهمون جزءا كبيرا من التعاليم اللاهوتية الإسلامية من خلال تصوراتهم القديمة و بالتالي سينتجون و يستنتجون أفكارا جديدة و سيستمر الجدل . في تلك المعمعة ظهر معبد الجهني و الذي تقول الروايات أن غيلان أخذ منه . سأهتم يغيلان و قصته المأساوية التي ستبدأ من تولية عمر بن عبد العزيز له بالنداء على أمتعة بني أمية التي صادرها (بلغة اليوم) لتعاد إلى أهلها و ما تبقى يباع لمصلحة بيت المال و وكل غيلان بالنداء على أهلها الذين سلبهم إياها بنو أمية و لبيع الباقي ، فكان غيلان ينادي : " تعالوا إلى أموال الظلمة، تعالوا إلى أموال الخونة" ... و لكن ستكون عاقبته حزينة مؤلمة و بشعة .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-05-2020, 10:58 AM   #[27]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(23)
توفي عمر بن عبد العزيز فخلفه يزيد بن عبد الملك الذي استمرت خلافته حتى 105 هـ و يوصف بانه من أهل المروءة إلا أنه عابه وقوعه في حب جاريته حبابة كما ذكر الطبري و قد حزن حزنا شديدا على موتها ، يروي الطبري في تاريخه في أحداث سنة 105(مكث يزيد بن عبد الملك بعد موت حبابة سبعة أيام لا يخرج إلى الناس ، أشار عليه بذلك مسلمة، وخاف أن يظهر منه شيء يسفهه عند الناسِ) انتهى . مؤرخون آخرون غير الطبري يذكرون هيامه بحبابة و جارية أخرى اسمها سلامة و بعضهم يقول أن سبب موته كان حزنه على حبابة .
بعد موت يزيد تولى الخلافة هشام بن عبد الملك و هشام هو الذي حدثت في عهده مأساة غيلان . نشأ غيلان في منطقة فقيرة في دمشق يقال لها باب الفراديس . من الواضح أن نشأته بذرت في وعيه و لا وعيه ، البحث عن العدالة التي يفتقدها غالبية الفقراء إن لم يكن كلهم . يروي الرواة عنه أنه طلب العلم فارتحل للمدينة ليدرس على الحسن بن محمد بن الحنفية حفيد سيدنا علي بن أبي طالب ، و ارتحل إلى البصرة ليدرس الفقه على الحسن البصري (21 - 110 هـ) و كلاهما من أهل السنة و الجماعة . كما تقول الوكيبيديا العربية (اشتهر غيلان بين جيرانه ومعاصريه بصلاحه وتقواه و ورعه. و يعد من أعلام الوعاظ و الخطباء و الكتاب البلغاء، يضعه العلماء والمؤرخون في الطبقة الأولى من الكتاب (مع ابن المقفع، و سهل بن هارون، و عبد الحميد) ، و له رسائل - ضاعت - يقول عنها ابن النديم أنها بلغت ألفي صفحة .) انتهى . أول مدخل للعدالة هو الحرية الإنسانية ، لذا قرّ في روع غيلان أنه لكي تتحقق العدالة الإلهية يجب أن يكون الإنسان حرا في اختياراته فيثاب على ما اختاره من عمل طيب و يعاقب على اختياره لغيره . لا شك أن مناداة غيلان بالحرية الإنسانية وراءه بعد سياسي ، و هو كما ورد من قبل : كشف الستارة التي يتخفّى وراءها الحكام ناسبين أعمالهم الظالمة إلى ما جرت به المقادير . مبدا خلق الإنسان لأفعاله (أي ليست مخلوقة من قبل و محتم عليه إتيانها) ستخالف المشهور عند أهل السنة و الجماعة بأن كل ما كان، و ما هو كائن، و ما سيكون مستقبلاً، إنما هو أمر الله و قدره ... ستكون أفكار غيلان عن الحرية الإنسانية و التي هي تطوير لأقوال شيخه معبد و سيزيد فيها الجعد بن درهم كما سيمر بنا ، ستكون هي النواة التي ستنتج أفكار المعتزلة فيما بعد مع جملة أفكار أخرى . كان أهل السنة و الجماعة يعتمدون على الحديث أن (الأئمة من قريش) و هو حديث ورد فيما بعد في الصحيحين و في غير الصحيحين ، ففي صحيح البخاري: (إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين). وفي صحيح مسلم: (لا يزال الإسلام عزيزًا بخلفاء كلهم من قريش). وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان) .. في عهد غيلان لم تكن السنة قد جُمعت ، كان غيلان يرى أن الخلافة تصلح لكل من يجمع شروطها، و لو لم يكن من قريش ، ذلك القول يخالف رأي بني امية و رأي الشيعة أيضا (الشيعة يرونها لأهل البيت حصراً) ، فكان يقول: (كل من كان قائماً بالكتاب والسنة فهو مستحق لها، ولا تثبت إلا بإجماع الامة) ، هذا الراي ارتآه الخوارج قبل غيلان .
أوغر غيلان صدور بني أمية عند ندائه على متاعهم واصفا لهم بالظلمة و الخونة و وصلت هذه الكلمات العنيفة إلى مسامع هشام بن عبد الملك - الذي سيصبح خليفة فيما بعد - فقال: هذا يعيبني ويعيب آبائي، و الله إن ظفرت به لأقطعن يديه ورجليه .
يروي البغدادي أن محمد بن الحنفية كان يقول عن غيلان : إنه حجة الله على أهل الشام و لكن الفتى مقتول (أوردها القاضي عبد الجبار في فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة) . هناك رواية تقول إن هشام بن عبد الملك أمر بجلب غيلان لينفذ وعيده فيه بقطع يده و رجله و أنه حين إحضار غيلان أمره بمد يده فقطعها بالسيف و بمد رجله فقطعها بالسيف.. و بعد أيام مر رجل بغيلان وهو موضوع أمام بيته ، والذباب يقع بكثرة على أطرافه المقطوعة، فقال الرجل ساخراً: يا غيلان، أهذا قضاءٌ و قدر ؟ فقال له: كذبت، ما هذا قضاء ولا قدر .. فلما سمع الخليفة بذلك، بعث إلى غيلان من حملوه من بيته، وصلبه على إحدى أبواب دمشق . يبدو أن هذه رواية مجملة و سنرى رواية مفصلة عن مناظرته ثم قتله ... قبل ذلك تروى روايات كثيرة عن استتابة عمر بن عبد العزيز لغيلان عن الخوض في القدر و تروى عن غيلان أشياء لا تشبه سيرته فكما مرّ بنا أنه اشتهر بالصلاح و التقوى و طلب العلم و أن ابن النديم قال عن رسائله انها بلغت ألفي صفحة ، لذلك فإن الروايات التي تظهره بمظهر الجاهل بالقرآن و الدين عموما هي روايات ملفقة القصد منها تشويه صورته و النيل منه ، سواء كان من جانب أهل السلطة أو الفقهاء الذين يختلفون معه .
نأتي لقصة مقتله كما رواها ابن عساكر في (تاريخ دمشق) ، روى أن هشام بن عبد الملك أراد قتله فطلب منه غيلان أن يأتي بمن يناظره فإن ظهر عليه من يناقشه قُتل . يروي ابن عساكر في المرجع المذكور ما نصه : (فقال الخليفة هشام : من لهذا القدري، قالوا الأوزاعي رضي الله عنه، الإمام المجتهد الورع الزاهد العابد ، فأرسل إلى الأوزاعي ليأتي من بيروت إلى دمشق، دخل على دار الخلافة، و قال الأوزاعي لغيلان، يا غيلان إن شئت ألقيت عليك ثلاثًا و إن شئت أربعًا و إن شئت واحدًا (أسألك أربعة أسئلة أم ثلاثة أم واحدًا) ، قال الق علي ثلاثًا، فقال الإمام الأوزاعي رحمه الله : يا غيلان أخبرني عن الله قضى على ما نهى، فقال غيلان لا أدري كيف هذا، قال الأوزاعي هذه واحدة يا أمير المؤمنين، قال الأوزاعي يا غيلان أخبرني عن الله أمر بأمر ثم حال دونه، فقال غيلان لا أدري و الله هذه أشد من الأولى، قال الأوزاعي هاتان اثنتان يا أمير المؤمنين، قال الأوزاعي يا غيلان، أخبرني عن الله حرم حراما ثم أحله، قال غيلان لا أدري هذه أشد من الأولى و من الثانية .قال الأوزاعي (كافر و رب الكعبة يا أمير المؤمنين ) فأمر به الخليفة فقطعت يديه ورجليه ..... فقال هشام يا أبا عمرو أخبرنا عن هذه الثلاثة ما هي . قال قلت له أخبرني عن الله قضى على ما نهى، فالله تبارك و تعالى نهى آدم أن يأكل من الشجرة و قضى عليه أن يأكل منها فأكل، و أخبرته، قلت له أخبرني عن الله أمر بأمر ثم حال دونه، الله أمر إبليس أن يسجد لآدم و حال دونه أن يسجد، قلت له أخبرني عن الله حرم حرامًا ثم أحله فالله تعالى حرم أكل الميتة و أحلها للمضطر إليها صاحب الضرورة كالذي يكون في الصحراء و كاد أن يقتله الجوع إن لم يأكل فلم يجد إلا ميتة فهذه الميتة يأكل منها ما يسد هلاك الجوع ليس إلى حد الشبع. فهذه الأجوبة الثلاثة يا أمير المؤمنين. و بعد ذلك أرسل أحد علماء السلف وهو رجاء بن حيوة إلى الخليفة هشام يقول له و الله يا أمير المؤمنين إن قتل هذا أفضل من قتل ألف كافر معلن ، لأن خطر هؤلاء أشد على العوام من خطر الكفار المعلنين.) انتهى ما أورده ابن عساكر . لعل اغبى الناس و أقلهم ورعا ، يرى في هذه الرواية مدى الاستهانة بحرمة الحياة الإنسانية و لك أن تعجب لهذه الأسئلة التي هي عبارة عن فوازير أو باللغة المحلية (غلوتية) و لا علاقة لها بالدين و لا تحدد مَنْ هو الكافر و مَنْ هو المسلم ، و التي لم يكن يعرف إجابتها حتى الخليفة (و الذي وجب أن يكون حكمه كحكم غيلان) ، رغم ذلك يملأ الأوزاعي اليقين ليقسم لهشام بما يسره (كافر و رب الكعبة يا أمير المؤمنين) ... لو كنت مكان ابن عساكر لاستشكلت هذه الرواية ، لكن تاريخنا مليء بالتلفيق و الأعاجيب .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-05-2020, 02:48 PM   #[28]
Abdullahi Gaafar
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الأخ الصديق زين العابدين

شكرا جزيلا علي السرد الجميل التاريخي للأمويين وطبعا متابع معاك في كل مواقع التواصل الأخرى

تحيات واحترام وتقدير

عبد الله جعفر



Abdullahi Gaafar غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-05-2020, 10:03 PM   #[29]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Abdullahi Gaafar مشاهدة المشاركة
الأخ الصديق زين العابدين

شكرا جزيلا علي السرد الجميل التاريخي للأمويين وطبعا متابع معاك في كل مواقع التواصل الأخرى

تحيات واحترام وتقدير

عبد الله جعفر
الأخ الصديق عبد الله و الذي فرقت بيننا الأيام دهرا ، تحية و شوق .. أتابع ما يجود به قلمك الفنان و استمتع به ، اصابتني هلوسة الغوص في التراث و غيره و الكتابة لدرجة جعلتني مقصرا في حقك و حق كتابنا النجباء ، فلا أعلق على ما تجود به اقلامهم من امتاع و معرفة فمعذرة لتقصيري . تحياتي و محبتي و لك الشكر لكلماتك التي غمرتني بالسعادة .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-05-2020, 10:24 AM   #[30]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(24)الأخيرة
هشام بن عبد الملك كان خليفة قويا و تميز عهده الذي استمر حوالي العشرين عاما بالثورات . في عهد هشام بن عبد الملك سيقابلنا الجعد بن درهم و قد أورد ابن كثير (البداية و النهاية الجزء التاسع) ترجمة له سأقتبس منها . وردت اخبار الجعد أيضا في تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر . الجعد امتداد لمدرسة غيلان التي تقول إن الإنسان مسؤول عن أعماله لأنه حر في اختيارها ، و بالتالي لا عدالة في معاقبته إن كان لا يملك إرادة صنعها و اختيارها ، لكن زاد الجعد و صحبه أشياء . المستجدات التي تعرض لها الجعد هي تلك المحاججات التي أثارها العقل المسيحي (أشهر ممثليه يوحنا الدمشقي الذي كان من عائلة مؤثرة في البلاط الأموي و لم يعتزل البلاط إلا بعد تولي هشام بن عبد الملك) .. واجه العقل المسلم تساؤلات المسيحيين و منها تساؤلهم الجوهري : تقولون إن المسيح مخلوق لأنه ظهر في حيز الزمان ، فهل القرآن مخلوق لأنه ظهر في زمن محدد ؟ توصل الجعد إلى أن كل ما ظهر في زمن محدد فهو مخلوق ، و نتيجة لذلك فالمسيح مخلوق و القرآن مخلوق ، لكن لم ينتشر ذلك القول إلا في العصر العباسي على يد المعتزلة ، لذا سيوصف الجعد بأنه أول من قال بخلق القرآن . مشكلة أخرى واجهت الجعد و صحبه ، مشكلة التنزيه الإلهي . كل الآيات التي بدا لهم إن فيها تجسيم قاموا بتأويلها ، فآيات مثل : (الرحمن على العرش استوى) و (يحمل عرش ربك فوقهم ثمانية) و (وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة) و غيرها ، كل هذه الآيات قاموا بتأويلها بما ينزه الإله حسب تصورهم ، من الجسمية و المكانية و غيرها ، طبعا أهل السنة و الجماعة يرددون ما قال به سلفهم منذ الإمام مالك عن الاستواء مثلا (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب) ، القول بأن السؤال عن الاستواء بدعة يمكن أن ينطبق على أي سؤال لم يساله القوم في زمن مالك أو في زمن ما قبل مالك و ذلك امر شائك لأن من المعروف ان العقل لا يتوقف عن السؤال . جَدّ هشام بن عبد الملك في طلب الجعد فهرب إلى الكوفة . لا شك أن هشام أدرك المغزى السياسي لأفكار الجعد ، تلك التي تتكلم عن المسؤولية في ارتكاب الأفعال . في الكوفة ألقى القبض على الجعد خالد القسري والي هشام ، و الرواية المشهورة عن مقتله أنه جيء به مكتوفا تحت المنبر في صبيحة عيد الأضحى 124 هـ ، و بعد أن صلى خالد القسري العيد بالناس و خطب فيهم و ختم خطبته قائلا : أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، أما أنا فمضحٍ بالجعد بن درهم ، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يكلم موسى تكليما ... ثم نزل فذبحه كما يذبح الخروف . أميل إلى القول إن الجعد لم ينكر ما جاء في القرآن مما ذكره خالد القسري ، لكنه قام بتأويل الكلام الإلهي مع موسى و اتخاذ الله لإبراهيم خليلا بما يتناسب مع التنزيه ، للأسف كثير من وجهات نظر خصوم السلطة أو الرأي السائد تم طمسها و لم يصلنا إلا الذي باح به الخصوم في محاججاتهم . قلنا إن الجعد أقام في الكوفة ، هناك التقى بالجهم بن صفوان الترمذي الذي أخذ عنه كثيرا من أفكاره ، و فرّ إلى ترمذ بخراسان حيث نشر أفكاره و هناك التقى بالحارث بن سريج . أفكار الجهم تختلف عن أفكار الجعد و عن المعتزلة في عدة جوانب ، منها رؤية الجهم إن الإنسان مجبر على أفعاله (ليس حر الإرادة) و الفعل المنسوب إليه إنما هو على سبيل المجاز و يقول الجهم إن الجنة و النار تفنيان ، و نفى الأسماء و الصفات عن الله إذا كانت مما يوصف بها البشر (السمع الكلام ... الخ) إنما يوصف بما لا يوصف خلقه به ، فأثبت لله صفات : كونه تعالى قادرا ، فاعلا ، خالقا ... أما صفة العلم فقد قال إن علم الله محدث و نقل عنه ابن حزم الظاهري قوله : " لو كان علم الله تعالى لم يزل لكان لا يخلو عن أن يكون هو الله أو هو غيره ، فإن كان علم الله غير الله و هو لم يزل[أي سرمديا] فهذا شرك ، و إن كان هو الله فالله علم [أي صار صفة] و هذا إلحاد ... (الأقواس [ ] من عندي للتوضيح ... اشترك الجهم مع الحارث بن سريج في الثورة على الأمويين (زمن آخر خليفة أموي مروان بن محمد) مطالبين بالعمل بالكتاب و السنة و الرجوع إلى صحيح الشريعة (ستتكرر هذه الحجة في كثير من الثورات) ، تصدى للثورة والي الأمويين بخراسان نصر بن سيار فهزم الثوار و قتل الحارث بن سريج و أسر الجهم بن صفوان و أرسله إلى سلْم بن أحوز المازني ، الوالي على مرو فقتله ، و ليبرر قتله صبرا قال له : إنما أقتلك لإنكارك أن الله كلم موسى .... لكن السبب الحقيقي لمقتله هو ثورته على بني أمية . في الحقيقة إن ثورة الحارث بن سريج و الجهم بن صفوان ختمت سلسلة الثورات على الحكم الأموي و جاءت في عهد مضطرب ، فبعد موت هشام بن عبد الملك 125 هـ تولى الخلافة ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الذي وصف بالمجون و الإغراق في السكر و تنسب إليه أشعار ماجنة .
قامت ثورة على الوليد بن يزيد و كان الوليد قد قتل خالد القسري (الذي قتل الجعد بن درهم و الذي أرسل سعيد بن جبير للحجاج أسيراً) ، لذا فقد اشترك محمد بن خالد القسري مع الثوار ثأرا لوالده ، و قد قتل الثوار الخليفة الوليد بن يزيد و كان على رأسهم ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك ... دام حكم الوليد عاما واحدا و بضعة شهور و خلفه قاتله يزيد بن الوليد الذي مات بعد ستة شهور من توليه . ينسب البعض يزيد بن الوليد بن عبد الملك إلى القدرية و منهم دكتور الصلابي (مؤلف ليبي معاصر منتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين) و له رأي يقول فيه... و قد ذكر بعض المؤرخين أن يزيد كان ابن أَمَةٍ فارسية ولم يكن له من المنزلة في الأسرة المروانية ما كان لغيره من أبناء الخلفاء من الحرائر العربيات ، فحُرِمَ هو وإخوته وسواهم من الأمراء الأمويين من أبناء الأعجميات من الخلافة، فمال إلى القول بالقدر) انتهى . ( لعنة التمييز بين أبناء العربيات و الجواري من غير العربيات تقابلنا أيضا في العصر العباسي فأبو جعفر المنصور اكبر من أخيه أبو العباس السفاح بثمان سنوات لكنه كان ابن أمة بربرية و أبو العباس ابن عربية حرة لذا كان احق بالخلافة ، نفس الشيء تكرر مع المأمون ابن الأمة الفارسية فرغم أنه الأكبر سبقه للخلافة الأمين ابن العربية الحرة) مرّ بنا في بحث سابق أنه لم يبق هناك مولى من العرب بعد ان تولى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة فأطلق سبايا الردة العرب جاء في (تاريخ الطبري 3/339 الناشر:دار التراث - بيروت الطبعة: الثانية - 1387 هـ) قول عمر بن الخطابليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا و قد وسع الله و فتح الأعاجم) و قد منع سيدنا عمر بن الخطاب سبي العرب و بهذا لم يعد هناك مولى أو رقيق من العرب و كان أول قرار اتخذه الخليفة عمر في دولته ، رد سبايا أهل الردة إلى عشائرهم حيث قال: كرهت أن يكون السبي سنة في العرب(الخلافة والخلفاء الراشدون ص160) أيضا ورد (كان أوَّل قرار اتَّخذه عمر في دولته ردَّ سبايا أهل الردَّة إِلى عشائرهم، حيث قال: كرهت أن يكون السَّبي سنةً في العرب) في موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين :
http://iumsonline.org/ar/ContentDetails.aspx?ID=10360
و ورد بلفظ (كرهت ان يكون السبي سبة على العرب) . تولى الخلافة بعد يزيد بن الوليد إبراهيم بن الوليد بعهد منه و لكن إبراهيم بن الوليد لم يحكم سوى سبعين يوما و لم يبايعه مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الذي كان يطمع في الخلافة و فعلا تولاها و ذلك عام 127 هـ و كان آخر خلفاء بني أمية ، الجدير بالذكر إن إبراهيم بن الوليد في السبعين يومًا التي تولى فيها الخلافة قتل اثنين من أبناء الخليفة الوليد الثاني خوفا منهما على خلافته ... عندما تولى مروان بن محمد الخلافة أعطاه الأمان و قُتل مع من قُتل من بني أمية على يد العباسيين الذين سيقضون على الدولة الأموية عام 132 هجرية .
هذه هي الحلقة الأخيرة في السلسلة التي حاولت ان أضيء جوانب لا يُسلط عليها الضوء كثيراً في التاريخ المتداول لأغراض أيديولوجية و أدرك انها مزعجة جدا للبعض . تتبقى حلقة للتعليق على السلسلة و نقاش بعض جوانبها .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 07:58 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.