(12)
قُطِعَتْ رؤوس وجهاء المتمردين (أهل المدينة) و أرسلت إلى يزيد ( الاستيعاب لابن عبد البر ج3/ 892 ، العقد الفريد لابن عبد ربه ج2/ 139 ) روى الرواة أنه حين وُضعت الرؤوس أمامه أنشد متمثلا بأبيات ابن الزبعري في أحد ، فيروي ابن كثير في البداية و النهاية الجزء الثامن (وأما ما يوردونه عنه من الشعر في ذلك واستشهاده بشعر ابن الزبعري في وقعة أُحد التي يقول فيها:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حلت بفنائهم برَّكها و استحر القتل في عبد الأشل
قد قتلنا الضعف من أشرافهم و عدلنا ميل بدرٍ فاعتدل
و قد زاد بعض الروافض فيها فقال:
لعبت هاشم بالملك فلا ملك جاءه ولا وحيٌ نزل
فهذا إن قاله يزيد بن معاوية فلعنة الله عليه و لعنه اللاعنين ، و إن لم يكن قاله فلعنه الله على من وضعه عليه ليشنع به عليه.) انتهت رواية ابن كثير ، أما الشيعة ينسبون ليزيد أنه تمثل بأبيات ابن الزبعري :
ليت أشياخي ببــدر شهـدوا جزع الخزرج من وقـع الأسـل
لأهلــــوا واستهـــلـــوا فرحــــا ثم قالــوا يـا يزيد لا تشــل
حيــن حلَّـــت بقبـــاءٍ طرقها واستحرَّ القتل في عبد الأشل
قد قتلنا الضعف من ساداتهم وعدلنا ميل بــدر فــاعتـدل
لـعـبـت هـاشــمُ بالملــك فــــلا خبــرٌ جـاء ولا وحيٌ نـزل
أما المصادر السنية فترفض هذه الرواية ... جزء من الأبيات هي لابن الزبعري .
بعد المعركة جمع مسلم ما تبقى من أهل المدينة ، و لكي نرى ماذا فعل بهم دعونا نقرأ ما أورد الطبري في تاريخه المذكور سابقا ، الجزء الخامس ، روى (دعا الناس مسلم بن عقبة بقباء إلى البيعة ، و طلب الأمان لرجلين من قريش : ليزيد بن عبد الله بن زمعة و محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي و لمعقل ابن سنان الأشجعي ، فأتى بهما بعد الوقعة بيوم فقال : بايعا ، فقال القرشيان : نبايعك على كتاب الله و سنة نبيه ، فقال: لا و الله لا أقيلكم هذا أبدًا ، فقدمهما فضرب أعناقهما ، فقال له مروان : سبحان الله ، أتقتل رجلين من قريش أتيا ليؤمنا فضربت أعناقهما ، فنخس بالقضيب في خاصرته ثم قال : و أنت و الله لو قلت بمقالتهما ما رأيت السماء إلا برقةً ..... وجاء معقل بن سنان ، فجلس مع القوم ، فدعا بشراب ليُسقَى ، فقال له مسلم: أي الشراب أحب إليك؟ قال: العسل، قال : اسقوه، فشرب حتى ارتوى، فقال له: أقضيت ريك من شرابك؟ قال: نعم ، قال: لا و الله لا تشرب بعده شرابًا أبدًا إلا الحميم في نار جهنم ، أتذكر مقالتك لأمير المؤمنين: سرت شهراً، و رجعت شهراً ، و أصبحت صفراً ، اللهم غير - تعني يزيد ، فقدمه فضرب عنقه .... و أتى بزيد بن وهب بن زمعة ، فقال : بايع ، قال: أبايعك على سنة عمر ، قال : اقتلوه ، قال: أنا أبايع ، قال: لا و الله لا أقيلك عثرتك ، فكلمه مروان بن الحكم - لصهر كان بينهما - فأمر بمروان فوجئت عنقه ، ثم قال: بايعوا على أنكم خول ليزيد بن معاوية، ثم أمر به فقتل...... ثم إن مروان أتي بعلي بن الحسين... وأقبل علي بن الحسين يمشي بين مروان وعبد الملك يلتمس بهما عند مسلم الأمان ، فجاء حتى جلس عنده بينهما ، فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك من مسلم ، فأتي له بشراب ، فشرب منه مروان شيئًا يسيرًا ، ثم ناوله عليًا ، فلما وقع في يده قال له مسلم: لا تشرب من شرابنا ، فأرعدت كفه ، و لم يأمنه على نفسه ، و أمسك القدح بكفه لا يشربه و لا يضعه ، فقال: إنك إنما جئت تمشي بين هؤلاء لتأمن عندي ، و الله لو كان هذا الأمر إليهما لقتلتك ، و لكن أمير المؤمنين أوصاني بك ، و أخبرني أنك كاتبته ، فذلك نافعك عندي ، فإن شئت فاشرب شرابك الذي في يدك، و إن شئت دعونا بغيره ، فقال: هذه التي في كفي أريد ، قال: اشربها ، ثم قال: إلي ها هنا ، فأجلسه معه.... [أما] عمرو بن عثمان فلم يكن فيمن خرج من بني أمية [فيما يبدوا الخروج الأول في المدينة أي لم ينحاز لهم] ، و أنه أتي به يومئذ إلى مسلم بن عقبة فقال : يا أهل الشام ، تعرفون هذا؟ قالوا: لا ، قال: هذا الخبيث ابن الطيب ، هذا عمرو بن عثمان بن عفان أمير المؤمنين ، هيه يا عمرو ! إذا ظهر أهل المدينة قلت: أنا رجل منكم ، و إن ظهر أهل الشام قلت: أنا ابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فأمر به فنُتفت لحيته ثم قال: يا أهل الشام إن أم هذا كانت تدخل الجعل في فيها ثم تقول: يا أمير المؤمنين حاجيتك ما في فمي و في فمها ما شاها و باها و كانت من دوس. ثم خلى سبيله....) انتهى ما أورده الطبري .هذا الاستشهاد المطوّل بالطبري اقتضته أهمية الموضوع .... كان مسلم بن عقبة طاغية جزارا ، قتل كل من لم يبايع على أنه خول ليزيد (أي عبد ليزيد) و هي بيعة منكرة لم يقل بها أحد قبله و لا بعده فيما أعلم .قتل من جاء ليبايعه على سنة رسول الله و نتف لحية عمرو بن عثمان بن عفان و سماه الخبيث بن الطيب . يقال إنه جاء لمسلم بن عقبة أثناء قطع الرقاب و افتضاض الأبكار مغنيون التمسوا منه أن يطربوه ، قال لهم : (ما للهو أتينا) و أمر بهم فقطعت رقابهم فانظر لورعه ... و ذكر الطبري في المرجع السابق ذكره أن مسلم خرج يطلب عبد الله بن الزبير في مكة و حضرته الوفاة فقال (اللهم إني لم أعمل عملًا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدًا عبده و رسوله أحب إلي من قتلي أهل المدينة ، و لا أرجى عندي في الآخرة..... ثم مات.) انتهى ... و هكذا كان عند مسلم بن عقبة الأهم الطاعة و ليس العدالة ، أن تطع أميرك هو الفوز و لا شيء يعدله و هي الآفة التي لازمت التاريخ الإسلامي كله . هناك أمر لا بد من الإشارة إليه و هو اعتذار عمرو بن سعد عن المسير إلى المدينة لقتال أهلها و كذلك عبيد الله بن زياد و قبل بها مسلم بن عقبة المري ، جاء في (الكامل في التاريخ لابن الأثير، ذكر وقعة الحرة) : (فبعث [يزيد] إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب وأمره أن يسير إليهم في الناس فقال : قد كنت ضبطت لك الأمور و البلاد فأما الآن إذ صارت دماء قريش تهرق بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك. و بعث إلى عبيد الله بن زياد يأمره بالمسير إلى المدينة و محاصرة ابن الزبير بمكة فقال : والله لا جمعتهما للفاسق [يقصد يزيد] قتل ابن رسول الله و غزو الكعبة ثم أرسل إليه يعتذر.) انتهى .
تبقى لجيش يزيد المسير لابن الزبير في مكة و سنصحبه إليها . سيشهد يزيد طرفا من المعركة لكنه لن يشهد نهاية ابن الزبير لأنه هلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين و بذا استمرت خلافته أربع سنوات .. أما سبب موته فقد ذكر طه حسين في (الفتنة الكبرى ــ علي و بنوه) ما نصه (مات يزيد و لما يملك إلا أربع سنين ، قتلته لذته أشنع قتلة ، فقد كان فيما زعم الرواة يُسابق قردا فسقط عن فرسه سقطة كان فيها الموت)
|