اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وهاد ابراهيم محمد
إفتقدت وادي نيالا, إذ نيالا و.. الوادي. الوادي و.. نيالا. لا ينفصمان.
وإذهب معه حتى تخوم دوماية ان أردت.
|
سلامات يا وهاد،،
مرّة بنتونس أنا وعكود وإبنة أخيه شفق المغارب في جلسة جميلة علي ضفاف النيل بالخرطوم، قلت ليهو أنو منظر الموية والخضرة والظلال لا يشكل لي شيئاً جديداً أو فارقاً، نسبة لنشأتي في بيئة مليانة ظلال وماء وخضرة تمتد ليس بامتداد البصر فحسب، بل بامتداد القلب.
ودا كان نقاش مستفيض شمل مقاربات ومقارنات مختلفة، عن تأثير البيئة في احساس الفرد بالجمال، أثر الماء والخضرة والظلال علي اكتساب الحنين من عدمه،..إلخ
علي المستوي الخاص، نشأت في منزل، السيادة فيه للظلال، به أشجار "برتقال، منقا، فافا، موز"، شجرتين جوّافة (بيضا وحمرا)، شجرة حنّاء وشجرتين ليمون، وعريشة عنب، في نسق جنائني بديع. تمرق من ضُل؛ تدخل ضُل، وعادة بنقول "خُش الضل"، لكن ما بنقول "خشّاني ضُل" لأنو الضُل لا يدخلنا، فقط يلامسنا، في دورة مكتملة من الملامسة والدخول.
ومفردة "ضُل" دي عجيبة جدّاً، في رأيي، الظل هو العملية الفيزيائية، أمّا الـ ضُل فهو قيمة معنوية، عشان كدا، الضُل ليس هو الظل، وكل ضُل يمكن أنو يكون ظلاً، وليس العكس. الضُل ليس ما ينتج عن حجب أشعة الشمس، بيد أنه ما يزيل الرهق ويجمّك في روحك. عشان كدة الـ ضُل قاعد يظهر في كتير من الكتابات الأدبية، ليس كمفهوم فيزيائي، بل كقيمة معنوية.
والجانب المعنوي الخاص في حاجاتنا، ما بيركِّز علي المعني المجرّد، بل يحمل في جوّاهو ملحقات معنوية بتخصّنا دون الآخرين، زي مثلاً البرتكان والبرتقال، الدجاج والجداد، القريب فروت والقرين، وكتير من المسميات الحميمة التي تحمل كلّ حميمية المسمّي.
ما بتذكر آخر ضُل لامسني لمّا دخلتو، ضُل حقيقي، تحس بملامستو ليك ودخلتك فيهو. السودانيين عموماً ليهم علاقة خاصة جدّاً مع الضل، الهمبريب والعصرية، الحاجات دي ممكن تبكِّي الزول لو إتذكرها، وهي ما في متناول رغبتو، ليس لانعدامها في العالم، ولكن لأنها النسخة الأصلية الوحيدة، والاصالة القاصدها هنا، معنوية للحد البعيد بنفس المعايير الذكرتها قبيل.
علي المستوي العام، فنيالا هي مدينة الضُل والخضرة بلا منازع، وتعلمين ذلك بطبيعة الحال (حال كونك نيالابية النشأة). الرمال ووادي نيالا (بِرْلي) الكبير، الوادي الذي يحيط بخاصرة نيالا كأنه يؤدي معها رقصة (Slow) أمام المدعوين من جمع المدائن.
وادي نيالا دا قصتو عجيبة، واشجار المنقا المحيطة بالمدينة من ثلاث جهات، بتخلي المدينة كأنها قصّة غرائبية، لا يصدقها من لم يكن أحد شخوصها.
وتعلمين..
الوادي والرمال البيضاء الناعمة، كُبري "مكّة" وشجر المنقا، غابة النيم، وجناين "موسيه"، غابة "كُندُوة" ورُمالية ودوماية" والسلام الذي كان يغطي الأماكن كلها!
بتخيّل لي وهاد ابراهيم، هي أفضل من يمكنه التحدُّث عن وادي نيالا، لأنو الوادي بالنسبة ليكم (من ينام علي خريره ويصحو علي رماله) ليس رملاً وماء وضفتين تتساقط تحتها ثمار المنقا، ولكنه كوناً عامراً بالحكاوي، فهل يا وهاد، هل وادي نيالا، سرٌّ لا يمكن إفشاؤه!؟
تحيّاتي