فيما يلي نص الحوار الذي اجرته صحيفة (الأحداث) مؤخرا مع القائد الشيوعي الدكتور عبدالماجد بوب حول عدد من القضايا المتداولة حول حاضر و مستقبل الحزب الشيوعي السوداني:
(منقول من سودان فور أوول).
----------------
نقد قضى نحو 33 عاماً فى قيادة العمل السرى وهذا الرقم جدير بموسوعة غينيس للأرقام القياسية
هنالك عناصر مقتدرة من الشباب تباطأنا فى إعطائها مساحة لكى تتصدى لمهام القيادة سمع وبصر قادة متمرسين مثل نقد و التيجانى و يوسف حسين.
إحدى المجلات الإنجليزية قالت بأن أتباع الماركسية يهرولون منها بينما الرأسماليون يعيدون إكتشافها!
إذا كان رئيس الجمهورية و الترابى و الصادق ومحمد عثمان وأزرق طيبة يلتقون محمد إبراهيم نقد ويتبادلون الرأى معه حول القضايا الوطنية فمعنى ذلك أن الحزب الشيوعى قد إخترق الحاجزالنفسى الذى أقامه قلم الإستخبارات الإنجليزية.
رأيت أن من حقي أن استفسر هيئة تحرير الميدان عن سبب حجب مقالتى ولم يأتني رد حتى الآن!
-------
أجرى الحوار: عارف الصاوي
-------
دكتورعبدالماجد بوب الاستاذ وعميد كلية الإقتصاد والدراسات الإجتماعية بجامعة جوبا سابقا و المقيم حاليا فى ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة حيث إلتحق كباحث بجامعة بيركلى عام 1988 وقد أعد مؤخراً كتاباً عن تطور الأحزاب السياسية والمنظمات المسلحة فى جنوب السودان هو الآن بين يدى الناشر فى دار مدارك بالقاهرة. و للدكتور بوب آراء مثيرة فيما يجري الان من حراك و جدل داخل الحزب الشيوعي السوداني وقد نشرت له ( الاحداث) مؤخرا مقالا ينتقد فيه موقف الحزب من عضوه القيادي السابق الدكتور فاروق محمد ابراهيم. و قد حاورته ( الاحداث) عبر الوسائط الحديثة من مقر اقامته و طافت معه حول مجمل القضايا المرتبطة بحاضر و مستقبل الحزب الشيوعي السوداني فخرجت بالحصيلة ادناه:
كيف ترى المشهد السياسى فى السودان اليوم؟
واقع الحال يغنى عن السؤال. لا يختلف إثنان فى أن السودان فى مأزق تاريخى بسبب أزمة الجكم التى تعمقت منذ إنقلاب الجبهة الإسلامية القومية فى يونيو 1989. والمسئولية التاريخية والسياسية والأخلاقية تحتم على حزب المؤتمر الوطنى أن يقفز فوق ظله، ويتخذ القرارات الصعبة. والقوى السياسية خارج السلطة بدرجات متفاوفتة مطالبة هى الأخرى بتقديم مقترحات ممكنة التنفيذ الآن. فالمواقف الإستثنائية تتطلب إتخاذ قرارات إستثنائية من كل الأطراف. وليس باستطاعة حزب واحد مهما كان حجمه أن يتصدى لإنقاذ الوطن منفرداً. لا بد من أن إحداث إختراق للخروج من هذا المأزق بالتوافق على تكوين حكومة ذات تمثيل سياسى واسع وفق ميثاق محدد للغاية يضع فى مقدمة مهامه وضع حد للحرب المدمرة فى دارفوربتكملة نقاط الضعف فى إتفاقية أبوجا. وتقديم حلول للنزاع حول أبيى لإزالة شبح الحرب المخيم على رؤوسنا. وتنفيذ ماورد فى إتفاقية نيفاشا ودستور السودان الدائم حول تأمين الحريات خاصة حرية الأفراد والممارسة السياسية والصحف. والقوى السياسية بدون إستثناء لا تختلف حول ما يجب عمله ولكن حول طريقة عمله.
إلى أين تتجه أحزاب اليسار والحزب الشيوعي على وجه الخصوص؟
والله بكل إحترام ، لا أعرف كثيراً عن وجهة الأحزاب اليسارية الأخرى. ولكن بامكانى أن أحدثك بحكم إنتمائى بأن الحزب الشيوعى وجهته الآن نحو عقد مؤتمره الخامس. وهو بلا شك أهم المؤتمرات فى تاريخه، بالنظر للتحديات المحلية والعالمية التى تحيط ببلدنا، وبالنظر للمهام الكبيرة التى تراكمت على امتداد أربعين عاماً منذ إنعقاد آخر مؤتمر. ولا يغيب عن البال عمق الآثار السياسية والفكرية التى ترتبت على سقوط نموذج التجربة الإشتراكية السوفيتية. والتحولات الهائلة التى شهدها السودان خاصة فى الحقب الثلاثة الأخيرة بتبنى ما يسمونه ‘إنفتاحاً إقتصادياً‘ ، عاد وبالاً على البلدان النامية. ومن أبرز المظاهر الإرتفاع المخيف فى معدلات الفقر. سيناقشها المؤتمر لأسباب اللى ذكرتها فى الإجابة العامة السابقة. وعظم المهمة التى تواجهه مردها إلى التغيرات التى شهدها العالم وخاصة زوال المعسكر الإشتراكى. وبروز قطب واحد هو الولايات المتحدة يهيمن على مسارالعلاقات الدولية بوسائل سلمية وعنيفة. والحزب الشيوعى نفسه بسبب سنوات العمل السرى الممتدة منذ عام 1970 والتحولات العالمية التى أشرنا إليها، فقد أعداد مقدرة من أعضائه وانحسر نفوذه. ولا أتوقع أن ينجز المؤتمر القادم كل القضايا بضربة واحدة، والمهم أن يضع تتعزز وحدته على أسس ديمقراطية وبرنامج عمل فى حدود قدراته
ماهى التحديات التى تنتظر الحزب نظرياً وعملياً؟
طبعاً بالنسبة للشيوعيين مسألة هذا نظرى وهذا عملى غير واردة. وكل عمل جاد ومثابر لا بد أن يتأسس على فهم نظرى. والخيار البديل فى غياب النظرية أن نلجأ إلى إسلوب التجربة والخطأ. وطبعاً هذا الخيار لا نريده لأن نتائجه مدمرة فى مثل واقع شديد التعقيد مثل واقع بلادنا. طيب إذا سلمنا بضرورة أن يهتدى الحزب الشيوعى بنظرية فما هو محتواها. وحتى أختصر عليك الطريق خلال نحو ستين عام منذ نشأته إهتدى الحزب الشيوعى إلى الماركسية كطريقة، أو قل منهج أو وسيلة لتحليل مشكلات التحرر الوطنى وقضايا التنمية ومطالب التجمعات القومية المتعددة ..الخ. وكان ذلك سر نفوذه وتأثيره على مجريات السياسة فى السودان. ومش لأنه ضم فى صفوفه مثقفين نابهين فحسب. والشىء الأهم بأنه سعى إلى إنزال الماركسية إلى الأرض وأوصل أفكارها العصية إلى أفئدة العمال والمزارعين وصبر على تدريبهم. فخرج من بين صفوفهم قادة مشهود بكفاءتهم خارج السودان. وقد شهد على ذلك الراحل محمد أحمد محجوب فى نعيه لعبدالخالق. وإذا رأى البعض بأن الماركسية قد أصبحت فى عداد الموتى فيتعين عليهم أن يقدموا البديل. وإذا كانوا يريدون حزباً سياسياً يتطلع لتغيير الحياة بدون نظرية سياسية فهذا شىء آخر. وكما علقت إحدى المجلات الإنجليزية ‘بأن أتباع الماركسية يهرولون منها، بينما الرأسماليون يعيدون إكتشافها!‘
كيف تنظر إلى الجدل المتصاعد فى أروقة الحزب حول قضايا بناء الحزب وبرنامجه واسمه. هل نحن مقبلون على تغيير عميق فى بنية الحزب؟
مسألة بناء الحزب وتحويله إلى حزب مترامى الأطراف، فى تقديرى تتطلب وضع برنامج ولائحة عمل تستوعب المتغيرات التى حدثت مابين المؤتمرين. اللائحة التى عرضت على الفروع كُتبت على عَجل ولم يرض عنها كثيرون. وعابوا عليها أنها سبقت طرح برنامج الحزب. ولذلك سعت إلى الجمع بين كونها برنامج ولائحة فى آن واحد. فلم توف بأى منهما. وإصدار اللائحة التنظيمية قبل البرنامج بعث إشارة سلبية. فاناس بحاجة إلى أن يتوافقوا على مايجب عمله ومن ثم يتقدموا لوضع قواعد الممارسة. والخيار الأفضل فى نظرى أن تسرع اللجنة التحضيرية باصدار مسودة البرنامج وأن يعاد وضع لائحة طابعها الإختصار، والعالم كله يتجه إلا إختزال أعظم الأفكار فى أضيق حيز. وسوف ينظر الأعضاء ومن هم خارج الحزب في مقدار ماتتيحه اللائحة المقترحة من مساحة للمارسة الديمقراطية داخل الحزب. فالحديث الذى كان مسلماً به حول ‘وحدة الفكر والإرادة‘ الذى يحجر على الرأى المعارض و ‘التنظيم الحديدى‘ لم يعد مستساغاً فى عصر تسود فيه ثقافة عالمية مسنودة بلوائح ومنظمات ترعى حرية التعبير والإختلاف فى الرأى. أتمنى أن أحيا إلى زمن يكون فيه الحزب الشيوعى ‘إتحاداً إختيارياً حقيقياً. حزب يخفف القيود لمن يود يستوف شروط الإنتماء إليه. ومتسامح مع من يود مغادرة صفوفه دون مخافة من ذم. وإذا أردت أن أعدد لك مايروق وما لايروق لى بشأن مسودة اللائحة المطروحة فسنحتاج إلى زمن ومساحة أكبر فى جريدتكم. ولكن ثمة كلمة إضافية بشأن البرنامج، أتمنى أن تسرع الجهة المختصة باصداره ونشره على أوسع نطاق وفتح الصحيفة الحزبية ودور الحزب لمناقشته. وربما يكون مجدياً عقد ورش عامل تضم أعضاء الحزب وأشخاص من مواقع سياسية مختلفة لتمتينه وإثرائه.
وماذا عن إسم الحزب؟
بصراحة مسألة الإسم أثيرت فى فترات مختلفة من تاريخ الحزب. لا أعتقد أن جل تلك الأسباب قائمة الآن. فلا أحد يتهم الشيوعيين بأنهم يدعون للإلحاد أو الإستخفاف بالمكانة الروحية للأديان. بل العكس أقسام كبيرة تقدر للشيوعيين مراعاتهم للتقاليد والقيم الإنسانية ويضربون أمثلة تفوق الوصف فى التضحية حتى لحظة الإستشهاد. وإذا كان رئيس الجمهورية ودكتور الترابى والسادة الصادق ومحمد عثمان وأزرق طيبة يلتقون محمد إبراهيم نقد ويتبادلون الرأى معه فى المشكلات الوطنية فمعنى ذلك أن الحزب الشيوعى قد إخترق الحاجزالنفسى الذى أقامه ‘قلم الإستخبارات الإنجليزية‘. المهم الآن إذا تم وضع برنامج للتطور الوطنى الديمقراطى فسوف تكون المهمة أسهل على مؤتمر الحزب الشيوعى، لتناول مسألة الإسم بموضوعية وبدون مأثرات خارجية حتى يتطابق الإسم مع محتوى البرنامج للمرحلة القادمة.
ماهى القضايا التى ترى بأنها تستحق أن تصعد إلى أجندة المؤتمر؟
من بين مسائل عديدة لا يسمح الحيز بحصرها أرى أن ينظر المؤتمر فى مسألة العناية بتاريخ الحزب. وأن يستحث الأعضاء على إعادة تقويمه بطرقة جدلية تنصف الأموات والأحياء وتضع أحداث التاريخ فى سياقها الصحيح. والتاريخ كما قال كارل ماركس لا يكتب من نقطة النهاية. لقد أفنى عشرات الشيوعيين أنضر سنى حياتهم فى تنظيم العمال والمزارعين فأوصلوا فكرة العدالة الإجتماعية إلى أفئدة الملايين. بعضهم تخلى عن الأفكار التى ناضل من أجلها ولكن عند خروجه لم يجر تلك الإنجازات معه كما يسحب المرء حسابه من البنك ويغلقه. وكما ذكرت من قبل لا أفهم السر فى أن نعفو ونتجاوز عن ما أصابنا على يد قيادات سياسية وأفراد من خارج صفوفنا، ولكن الويل والثبور لمن يتخلى عنا. وأضيف إلى ضرورة إعادة النظر فى تسجيل تاريخ الحزب بصورة منصفة ذلك الشعور بالأسى الذى ينتابنى وأنا أطالع بعض الأحيان كتاب ‘ثورة شعب‘ الذى رصد إسهام أفراد عديدين وأسقط جملة وتفصيلاً أى إشارة لما قدمه آخرون كانوا ملأ السمع والبصر. وكمثال على ذلك إسقاط أى إشارة من قريب أو بعيد لإسهام مناضل عمالى وشيوعى فى مكانة قاسم أمين. وبعد أعوام من صدور ذلك الكتاب عاد قاسم أمين إلى صفوف الحزب حتى وفاته. كذلك لا بد من إعادة النظر فى ماكتبه الشهيد عبدالخالق ‘لمحات من تاريخ الحزب الشيوعى السودانى‘. والأستاذ محمد نورى الأمين والراحل القدال والأستاذ حسن الجزولى لتكملة جهدهم فى هذا المضمار. وهذه مهمة يمتد أثرها على أفراد الشعب السودانى فهم يستحسنون الوفاء والإنصاف.
هل ترى بأننا الآن بصدد صراع بين منظومة ‘السودان الحديث التى تشمل اليسار والحركة الشعبية وبين منظومة السودان القديم بأحزابه الطائفية والإسلامية؟
أعتقد مثل هذا التقسيم يبسط الأشياء بقدركبير وغير دقيق. الإنقسام السياسى اليوم شديد التعقيد والتداخل وفى حالة حراك متواصل. وربما يجد الحزب الشيوعى نفسه فى تقارب مع أحزاب الإتحادى الديمقراطى والأمة أكثر مما هو قائم الآن بينه والحركة الشعبية والعكس صحيح. والمهم موقف الحزب الشيوعى ينطلق من طبيعة المشكلات والمهام التى يواجهها السودان فى جانب ورؤى تلك الأحزاب والحركة الشعبية فى جانب آخر. وكما ذكرت لك فى البداية كفى إستقطاب. والأجدى للوطن أن يبحث الناس من مواقعهم المتباينة عن قواسم مشتركة لتخطى المأزق والتحديات التى يواجهه السودان. هذه هى رغبة معظم السودانيين.
كيف تنظر لموقف الحزب من قضية الديمقراطية فى ضوء موقفه من قضية فاروق والموقف اللاحق من عدم نشر مقالكم فى جريدة الميدان؟
أنا لا أعتقد بأن موقف الحزب الشيوعي من قضية الديمقراطية يمكن أن يختزل فى الموقف من عدم إتاحة الفرصة لدكتور فاروق لطرح آرائه من مركز الحزب، بالرغم مما عبرت عنه فى رسالتي الحبية لقيادة الحزب الشيوعى. ولعلمك أنا أقدر دكتور فاروق تقديراً عميقاً لنقائه وشجاعته، ولا أشك فى أنه على قناعة حقيقية فى صواب الأفكار التى يدعو لها. ولكن زى ماشايف فى سياق هذه المقابلة وفى رسالتى أنا لا أشاركه الرأى فى جملة ماأورد. ولا أرى مشروعية لمطالبته لأعضاء حزب سبق أن تخلى عنه بأن يحلوا تنظيمهم. وكان مضمون رسالتى للحزب أن يفتح كل المنافذ للإصغاء للآراء الناقدة والمعارضة لا يضيرنا من أى إناء خرجت. بالتأكيد ليست المسألة بذات البساطة بحيث أقفز للقول بأن عدم نشر مقالاتى فى الميدان هو بمثابة مقياس ريختر لمعرفة موقف الحزب من الديمقراطية. فالعالم من حولنا أصبح شديد الإنحياز للرأى الآخر مهما عظمة الأسباب لحجره. أما عن عدم نشر مقالتى. فلا أخفى عليك بأننى أكتب لصحيفة الميدان فى مواضيع عديدة. ولا تُنشر جميعها. وليس فى الأمر عجب أو مدعاة للحَرد. وأنتم أدرى بما يدور فى هيئة تحرير الصحف وتخضعون أولوية النشر لإعتبارات عديدة. ولا أملك إلا أن أمتثل. وفى نفس الوقت رأيت أن من حقى أن استفسر هيئة تحرير الميدان عن سبب حجب مقالتى ولم يأتينى رد حتى الآن. وعلى أى حال لم أضار فى شىء ومنابر الحوار فى العالم " على قفا من يشيل". وهنا لا بد أن أشكر صحيفتكم الواعدة، فقد قمتم بنشر مقالاتى التى سبق أن نشرتها فى موقع سودانيزأو لاين. وأشكركم من صميم القلب على منحى هذه الفرصة لعرض آرائي.
هنالك العشرات من أعضاء الحزب هجروه ولعنوه بسبب الجمود، فما هو المخرج للحزب من هذا الوضع؟
بصراحة أنا أدرك بانو عشرات بل مئات من الأعضاء غادروا صفوف الحزب. لكن ما أعتقد من الدقة فى شىء أن نضع كل هؤلاء فى سلة واحدة. وحقيقة الواقع السودانى يشهد حراك شديد والناس يخرجون من أحزابهم عن اليمين وعن اليسار. ولا أعتقد أن هذه ظاهرة تقتصر على الحزب الشيوعى. ولكن الحزب الشيوعى يرصد الوافدين والمغادرين لصفوفه بدقة. وأحزاب أخرى تضمحل تماماً ثم تستعيد بعض مواقعها ولكنها لا تهتم كثيراُ برصد الفاقد. وثمة حقيقة أخرى، فالحزب الشيوعى بحكم تركيبة عضويته وغلبة المهنيين والعمال المهرة والمتعلمين فقد تعرض هؤلاء لتجربة الهجرة القسرية فى أيام نميرى والإنقاذ. والعمل السياسى خارج السودان والبٌعد عن النشاط اليومى هنا وهناك لا يساعد على تعزيز ذلك الإرتباط العضوى. طبعاً بالإضافة إلى الإضمحلال الذى أصاب تأثير الفكر الإشتراكى بعد زوال المعسكر الإشتراكى. المهم الآن أن يبتدع الحزب البرامج والوسائل المناسبة لتسهيل عودة من يرغب من الأعضاء السابقين، والقبول باقامة علاقات ودية مع من أراد أن يظل بعيداً. وكنت أرى أن تستبق اللجنة التحضيرية المؤتمر بتوجيه رسالة فى هذا المضمون.
يقول نقد أن حزبهم سيكون الحزب الشيوعى، ومن لا يعجبه ذلك فليرحل؟
هل السؤال بالتحديد عن محتوى رأيه أم بطريقة التعبير عن ذلك الرأى. وهذا شىء يلزم توضيحه قبل كل شىء. وانت ربما تعرفت على الأستاذ نقد وطريقة مخاطبته المميزة. والناس تعرفوا عليه لعشرات السنين كما هو. وتعجبهم صراحته وخطابه ومبدأيته العالية. وكذلك حدته فى بعض الأحيان عندما يتعلق الأمر بمسائل تقتضى التشديد. وكما يقول المثل لكل شيخ طريقته! وإذا كنت تنتظر منى أكثر من ذلك فيتعين على الرجوع لقراءة تصريحه فى سياقه الصحيح. وبايجاز، من حيث الجوهر وبكل تواضع أنا أتفق معه بأن بقاء الحزب الشيوعى أفيد لوطنا. وإذا رأى بعض الأعضاء غير ذلك فمؤتمر الحزب هو الفيصل، ورأى الأغلبية الديمقراطية هو الأعلى فينا.
هنالك قضايا حديثة طرحها اليسار فى العالم, هل تعتقد بأنها ستنجى الحزب الشيوعى من طلاق الماركسية مثل الشروط الإجتماعية لإقتصاد السوق الحر؟
بصراحة وكل إحترام هذا الطرح يلقى القول على عواهنه ويتسم بالتعميم. فأين يقيم هذا اليسار. وفى أى بلدان العالم قدم الدليل على سلامة الوصفة التى يبشر بها. وبعدين بصراحة أنت كما يقول أهلنا ‘تنضم وتغزل‘. فمن قال لك بأن الحزب الشيوعى يرغب فى ‘طلاق الماركسية‘. وإذا كان الرأى بأن إقتصاد السوق الحر سيوفر الشروط الإجتماعية لتخفيف أعباء الحياة على السواد الأعظم من الشعب فيا ترى فى أى البلدان النامية تحقق ذلك. ودونك تجربة كينيا وساحل العاج الذى بشر الرأسماليون بها كنماذج للإقتصاد الحر وحل مشاكلهم. ويبقى السؤال: هل أفكار ذلك اليسار تقدم الحلول لمشكلات الرأسمالية أم لقضايا التنمية الإقتصادية وتخيف معدلات الفقر وتحقيق تنمية متوازنة بين الأقاليم المختلفة وتوفير الخدمات الإجتماعية الضرورية. لا أعتقد ذلك. ولماذا نذهب بعيداً وتجربة السودان بين أيدينا.
هناك قضايا جديدة فى الساحة السياسية السودانية. وكما يقولون الفكر السياسى دائماً يتسم بالإجرائية. أى ماهى الآليات لتحقيق الإستراتيجيات. هل تعتقد أن آليات قديمة مثل النقابة والإتحادات والتنظيمات هى التى ستعيد للحزب وجوده؟ فى ظل إقتصاد حر مشوه أو غيره؟
جوهر السؤال كما فهمته هل يتعين على الحزب الشيوعى الإعتماد على آليات ‘قديمة‘ مثل النقابات وخلافه لإسترداد مواقعه فى الحركة السياسية؟ وبداية لا أعتقد بأن وصف النقابات بأنها ‘آليات قديمة‘ يتسم بالدقة. ففى مجتمعات أكثر تطوراً لازالت النقابات هى الملاذ لحماية مصالح أعضائها. وعلى سبيل المثال حتى فى بلد زى أمريكا هنالك نقابات عاتية تضم مئات الآلاف من العاملين . مثل نقابة سائقى الشاحنات التى تأثر مباشرة فى إنتخاب المرشحين لرئاسة الجمهورية ولضمان مصالح أعضائها. وفى ظروف السودان أسهمت النقابات المختلفة فى حركة الإستقلال ومابعدها. وانتم كصحفيين على سبيل المثال لمستم بالتجربة العملية أهمية دور النقابات والتجمعات المهنية فى حماية حرية النشر والحماية من المقاضاة العشوائية والإعتقال الجزافى. و مع إحتدام الصراع الإجتماعى ستزداد الحاجة لتأكيد دور النقابات لمصلحة العاملين فى المقام الأول، لا لخدمة إستراتيجية الحزب الشيوعى. وإذا استطاعت أحزاب الأمة والإتحادى الديمقراطى والإصلاح وحتى المؤتمر الوطنى أن تقدم حلول لمشاكل العاملين فليس ثمة ما يمنع النقابات من تأييدها. وإذا انبرى الحزب الشيوعى للدفاع عن حرية العمل النقابى فالمسألة هنا تتعلق بموقفه من قضية الحريات والصراع الذى لا مهرب منه لإنتزاع حقوق العاملين من المخدمين إذا كانوا راسماليين أو الحكومة باعتبارها أكبر مخدم.
معروف أن عدداً كبيراً من أعضاء قيادة الحزب الشيوعى المنتخبين قبل أربعين عاماً قد تناقصوا بسبب الموت وطال الكبر من ظلوا على قيد الحياة. فكيف ترى الحل لمعضلة القيادة بين قضايا المؤتمر القادم؟
هذا تقدير صحيح. وهى معضلة حقيقية. قلَ أن يواجه حزب ما مهمة إختيار قيادة جديدة بعد أربعين سنة قضى جلها فى ظروف العمل السرى. وسوف يحتاج بالضرورة لفترة إنتقالية لإبراز قيادات سياسية ملمة بأساليب العمل العام والمنابر العامة وإقامة التحالفات ومخاطبة الجماهير. وأنا أثق بأن هنالك عناصر مقتدرة من الشباب تباطأنا فى إعطائها مساحة لكى تتصدى لتلك المهام تحت سمع وبصر قادة متمرسين مثل تيجانى ونقد ويوسف حسين الخ. وأرجو أن لا تحُمل كلماتى أكثر مما قصدت. لقد أدى أعضاء القيادة الحالية مهمة جسيمة بالإبقاء على جزوة الحزب متقدة فى ظروف يشيب من هولها الولدان. فى نظرى أن الحزب مقبل على واقع جديد محلياً وعالمياً يجب أن بنعكس فى إختيار القيادة القادمة. وما أعتقد بأن الوضع الراهن سيترفق بنا ويمنحنا أفرادا مثل محمد إبراهيم نقد وعبدالخالق. يتولون التحليل النظرى ويعقدون التحالفات ويخاطبون الجماهير ويوجهون العمل اليومى. وأنا أذكر فى حياة عبدالخالق سمعت إثنين ممن كانوا فى قيادة الحزب يبحثون عن جهاز لتسجيل الندوات العامة. وعندما أعيتهم الحيلة، قال أحدهم للثانى يازميل شوف المشكلة دى مافى زول بيحلها غيرعبدالخالق. وقد كان.
أتمنى أن يعاد النظر فى هياكل العمل القيادى بحيث يتكون مجلس وطنى تمثل فيه الولايات بعضوين من أعضاء الحزب. كما هو الحال فى مجلس الشيوخ الأمريكى. فالحركة السياسية قد إنداحت دائرتها من المركز لأقاليم كانت خارج التاريخ وهى الآن تشارك فى صنع التاريخ. وبالطبع هذا المجلس مهامه محددة لضمان الوجهة العامة. ثم تنتخب لجنة مركزية وسكرتارية للعمل اليومى كما هو الحال الآن. ومهم فى نظرى ترفيع نسبة مقدرة من الشباب والنساء كأعضاء فى كل الهيئات الحزبية خاصة بالنسبة للنساء وهن الآن أحد مراكز الثقل فى العمل السياسى فى المدن والأرياف. وبالطبع أعضاء الحزب وفروعهم يتطلعون لتمثيلهم تمثيلاً ملائماً فى المؤتمر وأن يتم إنتخاب القيادة إنتخاباً ديمقراطياً إلى أبعد مدى. ويهمنى فى هذا الصدد أن يتم تقديم الآعضاء المرشحين لتولى القيادة وأن يفصح هؤلاء عن مايحملونه من أفكار حول بناء الحزب وديمقراطية الحياة الداخلية والبرنامج وكذلك الموقف من الفكر الماركسى باعتباره المصدر الأساس للحزب. فلا يهم كثيراً من أنت ولكن أى الأفكار والمنهج تحمله.
هل أنت ممن يؤيدون إعادة إنتخاب نقد كسكرتير عام؟
مما قرأت وسمعت أعتقد بأن نقد قد حزم أمره على عدم البقاء فى قيادة الحزب. وإذا كان سيتم تجديد إنتخابه فسوف تكون المهمة الأولى هى إقناعه بطريقة ما. ولعلمك فهو من أقدم السياسيين السودانيين فى الساحة الآن إلى جانب صادق عبدالله عبدالماجد. وقد قضى نحو 33 عاماً فى قيادة العمل السرى. وهذا الرقم جدير بموسوعة جينيس للأرقام القياسية. إنخرط فى الإحتراف منذ تخرجه. وجرت محاكمته فى ديسمبر 1958 مع الشفيع وآخرين. أتمنى أن يسبق نقاش هذا الموضوع إنعقاد المؤتمر. وأن يهتدى الناس لصيغة عمل تتيح إستمرار نقد كأمين عام بمهام محددة وينتخب لمساعدته مساعد سكرتير عام ‘للدائرة السياسية‘ وآخر ‘لدائرة التنظيم‘. ويتولى نقد الإشراف العام والتمثيل وترفع عنه أعباء الممارسة السياسية اليومية. وتكون هذه الفترة بمثابة فترة إنتقالية حتى ينعقد المؤتمر السادس فى فترة لا تتعدى عامين إذا قيض الله.
|