منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-12-2012, 04:05 PM   #[31]
imported_حسين أحمد حسين
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

فيما يلي نص الحوار الذي اجرته صحيفة (الأحداث) مؤخرا مع القائد الشيوعي الدكتور عبدالماجد بوب حول عدد من القضايا المتداولة حول حاضر و مستقبل الحزب الشيوعي السوداني:

(منقول من سودان فور أوول).

----------------

نقد قضى نحو 33 عاماً فى قيادة العمل السرى وهذا الرقم جدير بموسوعة غينيس للأرقام القياسية

هنالك عناصر مقتدرة من الشباب تباطأنا فى إعطائها مساحة لكى تتصدى لمهام القيادة سمع وبصر قادة متمرسين مثل نقد و التيجانى و يوسف حسين.

إحدى المجلات الإنجليزية قالت بأن أتباع الماركسية يهرولون منها بينما الرأسماليون يعيدون إكتشافها!

إذا كان رئيس الجمهورية و الترابى و الصادق ومحمد عثمان وأزرق طيبة يلتقون محمد إبراهيم نقد ويتبادلون الرأى معه حول القضايا الوطنية فمعنى ذلك أن الحزب الشيوعى قد إخترق الحاجزالنفسى الذى أقامه قلم الإستخبارات الإنجليزية.

رأيت أن من حقي أن استفسر هيئة تحرير الميدان عن سبب حجب مقالتى ولم يأتني رد حتى الآن!


-------
أجرى الحوار: عارف الصاوي
-------
دكتورعبدالماجد بوب الاستاذ وعميد كلية الإقتصاد والدراسات الإجتماعية بجامعة جوبا سابقا و المقيم حاليا فى ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة حيث إلتحق كباحث بجامعة بيركلى عام 1988 وقد أعد مؤخراً كتاباً عن تطور الأحزاب السياسية والمنظمات المسلحة فى جنوب السودان هو الآن بين يدى الناشر فى دار مدارك بالقاهرة. و للدكتور بوب آراء مثيرة فيما يجري الان من حراك و جدل داخل الحزب الشيوعي السوداني وقد نشرت له ( الاحداث) مؤخرا مقالا ينتقد فيه موقف الحزب من عضوه القيادي السابق الدكتور فاروق محمد ابراهيم. و قد حاورته ( الاحداث) عبر الوسائط الحديثة من مقر اقامته و طافت معه حول مجمل القضايا المرتبطة بحاضر و مستقبل الحزب الشيوعي السوداني فخرجت بالحصيلة ادناه:

كيف ترى المشهد السياسى فى السودان اليوم؟

واقع الحال يغنى عن السؤال. لا يختلف إثنان فى أن السودان فى مأزق تاريخى بسبب أزمة الجكم التى تعمقت منذ إنقلاب الجبهة الإسلامية القومية فى يونيو 1989. والمسئولية التاريخية والسياسية والأخلاقية تحتم على حزب المؤتمر الوطنى أن يقفز فوق ظله، ويتخذ القرارات الصعبة. والقوى السياسية خارج السلطة بدرجات متفاوفتة مطالبة هى الأخرى بتقديم مقترحات ممكنة التنفيذ الآن. فالمواقف الإستثنائية تتطلب إتخاذ قرارات إستثنائية من كل الأطراف. وليس باستطاعة حزب واحد مهما كان حجمه أن يتصدى لإنقاذ الوطن منفرداً. لا بد من أن إحداث إختراق للخروج من هذا المأزق بالتوافق على تكوين حكومة ذات تمثيل سياسى واسع وفق ميثاق محدد للغاية يضع فى مقدمة مهامه وضع حد للحرب المدمرة فى دارفوربتكملة نقاط الضعف فى إتفاقية أبوجا. وتقديم حلول للنزاع حول أبيى لإزالة شبح الحرب المخيم على رؤوسنا. وتنفيذ ماورد فى إتفاقية نيفاشا ودستور السودان الدائم حول تأمين الحريات خاصة حرية الأفراد والممارسة السياسية والصحف. والقوى السياسية بدون إستثناء لا تختلف حول ما يجب عمله ولكن حول طريقة عمله.

إلى أين تتجه أحزاب اليسار والحزب الشيوعي على وجه الخصوص؟

والله بكل إحترام ، لا أعرف كثيراً عن وجهة الأحزاب اليسارية الأخرى. ولكن بامكانى أن أحدثك بحكم إنتمائى بأن الحزب الشيوعى وجهته الآن نحو عقد مؤتمره الخامس. وهو بلا شك أهم المؤتمرات فى تاريخه، بالنظر للتحديات المحلية والعالمية التى تحيط ببلدنا، وبالنظر للمهام الكبيرة التى تراكمت على امتداد أربعين عاماً منذ إنعقاد آخر مؤتمر. ولا يغيب عن البال عمق الآثار السياسية والفكرية التى ترتبت على سقوط نموذج التجربة الإشتراكية السوفيتية. والتحولات الهائلة التى شهدها السودان خاصة فى الحقب الثلاثة الأخيرة بتبنى ما يسمونه ‘إنفتاحاً إقتصادياً‘ ، عاد وبالاً على البلدان النامية. ومن أبرز المظاهر الإرتفاع المخيف فى معدلات الفقر. سيناقشها المؤتمر لأسباب اللى ذكرتها فى الإجابة العامة السابقة. وعظم المهمة التى تواجهه مردها إلى التغيرات التى شهدها العالم وخاصة زوال المعسكر الإشتراكى. وبروز قطب واحد هو الولايات المتحدة يهيمن على مسارالعلاقات الدولية بوسائل سلمية وعنيفة. والحزب الشيوعى نفسه بسبب سنوات العمل السرى الممتدة منذ عام 1970 والتحولات العالمية التى أشرنا إليها، فقد أعداد مقدرة من أعضائه وانحسر نفوذه. ولا أتوقع أن ينجز المؤتمر القادم كل القضايا بضربة واحدة، والمهم أن يضع تتعزز وحدته على أسس ديمقراطية وبرنامج عمل فى حدود قدراته

ماهى التحديات التى تنتظر الحزب نظرياً وعملياً؟

طبعاً بالنسبة للشيوعيين مسألة هذا نظرى وهذا عملى غير واردة. وكل عمل جاد ومثابر لا بد أن يتأسس على فهم نظرى. والخيار البديل فى غياب النظرية أن نلجأ إلى إسلوب التجربة والخطأ. وطبعاً هذا الخيار لا نريده لأن نتائجه مدمرة فى مثل واقع شديد التعقيد مثل واقع بلادنا. طيب إذا سلمنا بضرورة أن يهتدى الحزب الشيوعى بنظرية فما هو محتواها. وحتى أختصر عليك الطريق خلال نحو ستين عام منذ نشأته إهتدى الحزب الشيوعى إلى الماركسية كطريقة، أو قل منهج أو وسيلة لتحليل مشكلات التحرر الوطنى وقضايا التنمية ومطالب التجمعات القومية المتعددة ..الخ. وكان ذلك سر نفوذه وتأثيره على مجريات السياسة فى السودان. ومش لأنه ضم فى صفوفه مثقفين نابهين فحسب. والشىء الأهم بأنه سعى إلى إنزال الماركسية إلى الأرض وأوصل أفكارها العصية إلى أفئدة العمال والمزارعين وصبر على تدريبهم. فخرج من بين صفوفهم قادة مشهود بكفاءتهم خارج السودان. وقد شهد على ذلك الراحل محمد أحمد محجوب فى نعيه لعبدالخالق. وإذا رأى البعض بأن الماركسية قد أصبحت فى عداد الموتى فيتعين عليهم أن يقدموا البديل. وإذا كانوا يريدون حزباً سياسياً يتطلع لتغيير الحياة بدون نظرية سياسية فهذا شىء آخر. وكما علقت إحدى المجلات الإنجليزية ‘بأن أتباع الماركسية يهرولون منها، بينما الرأسماليون يعيدون إكتشافها!‘

كيف تنظر إلى الجدل المتصاعد فى أروقة الحزب حول قضايا بناء الحزب وبرنامجه واسمه. هل نحن مقبلون على تغيير عميق فى بنية الحزب؟

مسألة بناء الحزب وتحويله إلى حزب مترامى الأطراف، فى تقديرى تتطلب وضع برنامج ولائحة عمل تستوعب المتغيرات التى حدثت مابين المؤتمرين. اللائحة التى عرضت على الفروع كُتبت على عَجل ولم يرض عنها كثيرون. وعابوا عليها أنها سبقت طرح برنامج الحزب. ولذلك سعت إلى الجمع بين كونها برنامج ولائحة فى آن واحد. فلم توف بأى منهما. وإصدار اللائحة التنظيمية قبل البرنامج بعث إشارة سلبية. فاناس بحاجة إلى أن يتوافقوا على مايجب عمله ومن ثم يتقدموا لوضع قواعد الممارسة. والخيار الأفضل فى نظرى أن تسرع اللجنة التحضيرية باصدار مسودة البرنامج وأن يعاد وضع لائحة طابعها الإختصار، والعالم كله يتجه إلا إختزال أعظم الأفكار فى أضيق حيز. وسوف ينظر الأعضاء ومن هم خارج الحزب في مقدار ماتتيحه اللائحة المقترحة من مساحة للمارسة الديمقراطية داخل الحزب. فالحديث الذى كان مسلماً به حول ‘وحدة الفكر والإرادة‘ الذى يحجر على الرأى المعارض و ‘التنظيم الحديدى‘ لم يعد مستساغاً فى عصر تسود فيه ثقافة عالمية مسنودة بلوائح ومنظمات ترعى حرية التعبير والإختلاف فى الرأى. أتمنى أن أحيا إلى زمن يكون فيه الحزب الشيوعى ‘إتحاداً إختيارياً حقيقياً. حزب يخفف القيود لمن يود يستوف شروط الإنتماء إليه. ومتسامح مع من يود مغادرة صفوفه دون مخافة من ذم. وإذا أردت أن أعدد لك مايروق وما لايروق لى بشأن مسودة اللائحة المطروحة فسنحتاج إلى زمن ومساحة أكبر فى جريدتكم. ولكن ثمة كلمة إضافية بشأن البرنامج، أتمنى أن تسرع الجهة المختصة باصداره ونشره على أوسع نطاق وفتح الصحيفة الحزبية ودور الحزب لمناقشته. وربما يكون مجدياً عقد ورش عامل تضم أعضاء الحزب وأشخاص من مواقع سياسية مختلفة لتمتينه وإثرائه.

وماذا عن إسم الحزب؟

بصراحة مسألة الإسم أثيرت فى فترات مختلفة من تاريخ الحزب. لا أعتقد أن جل تلك الأسباب قائمة الآن. فلا أحد يتهم الشيوعيين بأنهم يدعون للإلحاد أو الإستخفاف بالمكانة الروحية للأديان. بل العكس أقسام كبيرة تقدر للشيوعيين مراعاتهم للتقاليد والقيم الإنسانية ويضربون أمثلة تفوق الوصف فى التضحية حتى لحظة الإستشهاد. وإذا كان رئيس الجمهورية ودكتور الترابى والسادة الصادق ومحمد عثمان وأزرق طيبة يلتقون محمد إبراهيم نقد ويتبادلون الرأى معه فى المشكلات الوطنية فمعنى ذلك أن الحزب الشيوعى قد إخترق الحاجزالنفسى الذى أقامه ‘قلم الإستخبارات الإنجليزية‘. المهم الآن إذا تم وضع برنامج للتطور الوطنى الديمقراطى فسوف تكون المهمة أسهل على مؤتمر الحزب الشيوعى، لتناول مسألة الإسم بموضوعية وبدون مأثرات خارجية حتى يتطابق الإسم مع محتوى البرنامج للمرحلة القادمة.

ماهى القضايا التى ترى بأنها تستحق أن تصعد إلى أجندة المؤتمر؟

من بين مسائل عديدة لا يسمح الحيز بحصرها أرى أن ينظر المؤتمر فى مسألة العناية بتاريخ الحزب. وأن يستحث الأعضاء على إعادة تقويمه بطرقة جدلية تنصف الأموات والأحياء وتضع أحداث التاريخ فى سياقها الصحيح. والتاريخ كما قال كارل ماركس لا يكتب من نقطة النهاية. لقد أفنى عشرات الشيوعيين أنضر سنى حياتهم فى تنظيم العمال والمزارعين فأوصلوا فكرة العدالة الإجتماعية إلى أفئدة الملايين. بعضهم تخلى عن الأفكار التى ناضل من أجلها ولكن عند خروجه لم يجر تلك الإنجازات معه كما يسحب المرء حسابه من البنك ويغلقه. وكما ذكرت من قبل لا أفهم السر فى أن نعفو ونتجاوز عن ما أصابنا على يد قيادات سياسية وأفراد من خارج صفوفنا، ولكن الويل والثبور لمن يتخلى عنا. وأضيف إلى ضرورة إعادة النظر فى تسجيل تاريخ الحزب بصورة منصفة ذلك الشعور بالأسى الذى ينتابنى وأنا أطالع بعض الأحيان كتاب ‘ثورة شعب‘ الذى رصد إسهام أفراد عديدين وأسقط جملة وتفصيلاً أى إشارة لما قدمه آخرون كانوا ملأ السمع والبصر. وكمثال على ذلك إسقاط أى إشارة من قريب أو بعيد لإسهام مناضل عمالى وشيوعى فى مكانة قاسم أمين. وبعد أعوام من صدور ذلك الكتاب عاد قاسم أمين إلى صفوف الحزب حتى وفاته. كذلك لا بد من إعادة النظر فى ماكتبه الشهيد عبدالخالق ‘لمحات من تاريخ الحزب الشيوعى السودانى‘. والأستاذ محمد نورى الأمين والراحل القدال والأستاذ حسن الجزولى لتكملة جهدهم فى هذا المضمار. وهذه مهمة يمتد أثرها على أفراد الشعب السودانى فهم يستحسنون الوفاء والإنصاف.

هل ترى بأننا الآن بصدد صراع بين منظومة ‘السودان الحديث التى تشمل اليسار والحركة الشعبية وبين منظومة السودان القديم بأحزابه الطائفية والإسلامية؟

أعتقد مثل هذا التقسيم يبسط الأشياء بقدركبير وغير دقيق. الإنقسام السياسى اليوم شديد التعقيد والتداخل وفى حالة حراك متواصل. وربما يجد الحزب الشيوعى نفسه فى تقارب مع أحزاب الإتحادى الديمقراطى والأمة أكثر مما هو قائم الآن بينه والحركة الشعبية والعكس صحيح. والمهم موقف الحزب الشيوعى ينطلق من طبيعة المشكلات والمهام التى يواجهها السودان فى جانب ورؤى تلك الأحزاب والحركة الشعبية فى جانب آخر. وكما ذكرت لك فى البداية كفى إستقطاب. والأجدى للوطن أن يبحث الناس من مواقعهم المتباينة عن قواسم مشتركة لتخطى المأزق والتحديات التى يواجهه السودان. هذه هى رغبة معظم السودانيين.

كيف تنظر لموقف الحزب من قضية الديمقراطية فى ضوء موقفه من قضية فاروق والموقف اللاحق من عدم نشر مقالكم فى جريدة الميدان؟

أنا لا أعتقد بأن موقف الحزب الشيوعي من قضية الديمقراطية يمكن أن يختزل فى الموقف من عدم إتاحة الفرصة لدكتور فاروق لطرح آرائه من مركز الحزب، بالرغم مما عبرت عنه فى رسالتي الحبية لقيادة الحزب الشيوعى. ولعلمك أنا أقدر دكتور فاروق تقديراً عميقاً لنقائه وشجاعته، ولا أشك فى أنه على قناعة حقيقية فى صواب الأفكار التى يدعو لها. ولكن زى ماشايف فى سياق هذه المقابلة وفى رسالتى أنا لا أشاركه الرأى فى جملة ماأورد. ولا أرى مشروعية لمطالبته لأعضاء حزب سبق أن تخلى عنه بأن يحلوا تنظيمهم. وكان مضمون رسالتى للحزب أن يفتح كل المنافذ للإصغاء للآراء الناقدة والمعارضة لا يضيرنا من أى إناء خرجت. بالتأكيد ليست المسألة بذات البساطة بحيث أقفز للقول بأن عدم نشر مقالاتى فى الميدان هو بمثابة مقياس ريختر لمعرفة موقف الحزب من الديمقراطية. فالعالم من حولنا أصبح شديد الإنحياز للرأى الآخر مهما عظمة الأسباب لحجره. أما عن عدم نشر مقالتى. فلا أخفى عليك بأننى أكتب لصحيفة الميدان فى مواضيع عديدة. ولا تُنشر جميعها. وليس فى الأمر عجب أو مدعاة للحَرد. وأنتم أدرى بما يدور فى هيئة تحرير الصحف وتخضعون أولوية النشر لإعتبارات عديدة. ولا أملك إلا أن أمتثل. وفى نفس الوقت رأيت أن من حقى أن استفسر هيئة تحرير الميدان عن سبب حجب مقالتى ولم يأتينى رد حتى الآن. وعلى أى حال لم أضار فى شىء ومنابر الحوار فى العالم " على قفا من يشيل". وهنا لا بد أن أشكر صحيفتكم الواعدة، فقد قمتم بنشر مقالاتى التى سبق أن نشرتها فى موقع سودانيزأو لاين. وأشكركم من صميم القلب على منحى هذه الفرصة لعرض آرائي.

هنالك العشرات من أعضاء الحزب هجروه ولعنوه بسبب الجمود، فما هو المخرج للحزب من هذا الوضع؟

بصراحة أنا أدرك بانو عشرات بل مئات من الأعضاء غادروا صفوف الحزب. لكن ما أعتقد من الدقة فى شىء أن نضع كل هؤلاء فى سلة واحدة. وحقيقة الواقع السودانى يشهد حراك شديد والناس يخرجون من أحزابهم عن اليمين وعن اليسار. ولا أعتقد أن هذه ظاهرة تقتصر على الحزب الشيوعى. ولكن الحزب الشيوعى يرصد الوافدين والمغادرين لصفوفه بدقة. وأحزاب أخرى تضمحل تماماً ثم تستعيد بعض مواقعها ولكنها لا تهتم كثيراُ برصد الفاقد. وثمة حقيقة أخرى، فالحزب الشيوعى بحكم تركيبة عضويته وغلبة المهنيين والعمال المهرة والمتعلمين فقد تعرض هؤلاء لتجربة الهجرة القسرية فى أيام نميرى والإنقاذ. والعمل السياسى خارج السودان والبٌعد عن النشاط اليومى هنا وهناك لا يساعد على تعزيز ذلك الإرتباط العضوى. طبعاً بالإضافة إلى الإضمحلال الذى أصاب تأثير الفكر الإشتراكى بعد زوال المعسكر الإشتراكى. المهم الآن أن يبتدع الحزب البرامج والوسائل المناسبة لتسهيل عودة من يرغب من الأعضاء السابقين، والقبول باقامة علاقات ودية مع من أراد أن يظل بعيداً. وكنت أرى أن تستبق اللجنة التحضيرية المؤتمر بتوجيه رسالة فى هذا المضمون.

يقول نقد أن حزبهم سيكون الحزب الشيوعى، ومن لا يعجبه ذلك فليرحل؟

هل السؤال بالتحديد عن محتوى رأيه أم بطريقة التعبير عن ذلك الرأى. وهذا شىء يلزم توضيحه قبل كل شىء. وانت ربما تعرفت على الأستاذ نقد وطريقة مخاطبته المميزة. والناس تعرفوا عليه لعشرات السنين كما هو. وتعجبهم صراحته وخطابه ومبدأيته العالية. وكذلك حدته فى بعض الأحيان عندما يتعلق الأمر بمسائل تقتضى التشديد. وكما يقول المثل لكل شيخ طريقته! وإذا كنت تنتظر منى أكثر من ذلك فيتعين على الرجوع لقراءة تصريحه فى سياقه الصحيح. وبايجاز، من حيث الجوهر وبكل تواضع أنا أتفق معه بأن بقاء الحزب الشيوعى أفيد لوطنا. وإذا رأى بعض الأعضاء غير ذلك فمؤتمر الحزب هو الفيصل، ورأى الأغلبية الديمقراطية هو الأعلى فينا.

هنالك قضايا حديثة طرحها اليسار فى العالم, هل تعتقد بأنها ستنجى الحزب الشيوعى من طلاق الماركسية مثل الشروط الإجتماعية لإقتصاد السوق الحر؟

بصراحة وكل إحترام هذا الطرح يلقى القول على عواهنه ويتسم بالتعميم. فأين يقيم هذا اليسار. وفى أى بلدان العالم قدم الدليل على سلامة الوصفة التى يبشر بها. وبعدين بصراحة أنت كما يقول أهلنا ‘تنضم وتغزل‘. فمن قال لك بأن الحزب الشيوعى يرغب فى ‘طلاق الماركسية‘. وإذا كان الرأى بأن إقتصاد السوق الحر سيوفر الشروط الإجتماعية لتخفيف أعباء الحياة على السواد الأعظم من الشعب فيا ترى فى أى البلدان النامية تحقق ذلك. ودونك تجربة كينيا وساحل العاج الذى بشر الرأسماليون بها كنماذج للإقتصاد الحر وحل مشاكلهم. ويبقى السؤال: هل أفكار ذلك اليسار تقدم الحلول لمشكلات الرأسمالية أم لقضايا التنمية الإقتصادية وتخيف معدلات الفقر وتحقيق تنمية متوازنة بين الأقاليم المختلفة وتوفير الخدمات الإجتماعية الضرورية. لا أعتقد ذلك. ولماذا نذهب بعيداً وتجربة السودان بين أيدينا.

هناك قضايا جديدة فى الساحة السياسية السودانية. وكما يقولون الفكر السياسى دائماً يتسم بالإجرائية. أى ماهى الآليات لتحقيق الإستراتيجيات. هل تعتقد أن آليات قديمة مثل النقابة والإتحادات والتنظيمات هى التى ستعيد للحزب وجوده؟ فى ظل إقتصاد حر مشوه أو غيره؟

جوهر السؤال كما فهمته هل يتعين على الحزب الشيوعى الإعتماد على آليات ‘قديمة‘ مثل النقابات وخلافه لإسترداد مواقعه فى الحركة السياسية؟ وبداية لا أعتقد بأن وصف النقابات بأنها ‘آليات قديمة‘ يتسم بالدقة. ففى مجتمعات أكثر تطوراً لازالت النقابات هى الملاذ لحماية مصالح أعضائها. وعلى سبيل المثال حتى فى بلد زى أمريكا هنالك نقابات عاتية تضم مئات الآلاف من العاملين . مثل نقابة سائقى الشاحنات التى تأثر مباشرة فى إنتخاب المرشحين لرئاسة الجمهورية ولضمان مصالح أعضائها. وفى ظروف السودان أسهمت النقابات المختلفة فى حركة الإستقلال ومابعدها. وانتم كصحفيين على سبيل المثال لمستم بالتجربة العملية أهمية دور النقابات والتجمعات المهنية فى حماية حرية النشر والحماية من المقاضاة العشوائية والإعتقال الجزافى. و مع إحتدام الصراع الإجتماعى ستزداد الحاجة لتأكيد دور النقابات لمصلحة العاملين فى المقام الأول، لا لخدمة إستراتيجية الحزب الشيوعى. وإذا استطاعت أحزاب الأمة والإتحادى الديمقراطى والإصلاح وحتى المؤتمر الوطنى أن تقدم حلول لمشاكل العاملين فليس ثمة ما يمنع النقابات من تأييدها. وإذا انبرى الحزب الشيوعى للدفاع عن حرية العمل النقابى فالمسألة هنا تتعلق بموقفه من قضية الحريات والصراع الذى لا مهرب منه لإنتزاع حقوق العاملين من المخدمين إذا كانوا راسماليين أو الحكومة باعتبارها أكبر مخدم.

معروف أن عدداً كبيراً من أعضاء قيادة الحزب الشيوعى المنتخبين قبل أربعين عاماً قد تناقصوا بسبب الموت وطال الكبر من ظلوا على قيد الحياة. فكيف ترى الحل لمعضلة القيادة بين قضايا المؤتمر القادم؟

هذا تقدير صحيح. وهى معضلة حقيقية. قلَ أن يواجه حزب ما مهمة إختيار قيادة جديدة بعد أربعين سنة قضى جلها فى ظروف العمل السرى. وسوف يحتاج بالضرورة لفترة إنتقالية لإبراز قيادات سياسية ملمة بأساليب العمل العام والمنابر العامة وإقامة التحالفات ومخاطبة الجماهير. وأنا أثق بأن هنالك عناصر مقتدرة من الشباب تباطأنا فى إعطائها مساحة لكى تتصدى لتلك المهام تحت سمع وبصر قادة متمرسين مثل تيجانى ونقد ويوسف حسين الخ. وأرجو أن لا تحُمل كلماتى أكثر مما قصدت. لقد أدى أعضاء القيادة الحالية مهمة جسيمة بالإبقاء على جزوة الحزب متقدة فى ظروف يشيب من هولها الولدان. فى نظرى أن الحزب مقبل على واقع جديد محلياً وعالمياً يجب أن بنعكس فى إختيار القيادة القادمة. وما أعتقد بأن الوضع الراهن سيترفق بنا ويمنحنا أفرادا مثل محمد إبراهيم نقد وعبدالخالق. يتولون التحليل النظرى ويعقدون التحالفات ويخاطبون الجماهير ويوجهون العمل اليومى. وأنا أذكر فى حياة عبدالخالق سمعت إثنين ممن كانوا فى قيادة الحزب يبحثون عن جهاز لتسجيل الندوات العامة. وعندما أعيتهم الحيلة، قال أحدهم للثانى يازميل شوف المشكلة دى مافى زول بيحلها غيرعبدالخالق. وقد كان.

أتمنى أن يعاد النظر فى هياكل العمل القيادى بحيث يتكون مجلس وطنى تمثل فيه الولايات بعضوين من أعضاء الحزب. كما هو الحال فى مجلس الشيوخ الأمريكى. فالحركة السياسية قد إنداحت دائرتها من المركز لأقاليم كانت خارج التاريخ وهى الآن تشارك فى صنع التاريخ. وبالطبع هذا المجلس مهامه محددة لضمان الوجهة العامة. ثم تنتخب لجنة مركزية وسكرتارية للعمل اليومى كما هو الحال الآن. ومهم فى نظرى ترفيع نسبة مقدرة من الشباب والنساء كأعضاء فى كل الهيئات الحزبية خاصة بالنسبة للنساء وهن الآن أحد مراكز الثقل فى العمل السياسى فى المدن والأرياف. وبالطبع أعضاء الحزب وفروعهم يتطلعون لتمثيلهم تمثيلاً ملائماً فى المؤتمر وأن يتم إنتخاب القيادة إنتخاباً ديمقراطياً إلى أبعد مدى. ويهمنى فى هذا الصدد أن يتم تقديم الآعضاء المرشحين لتولى القيادة وأن يفصح هؤلاء عن مايحملونه من أفكار حول بناء الحزب وديمقراطية الحياة الداخلية والبرنامج وكذلك الموقف من الفكر الماركسى باعتباره المصدر الأساس للحزب. فلا يهم كثيراً من أنت ولكن أى الأفكار والمنهج تحمله.

هل أنت ممن يؤيدون إعادة إنتخاب نقد كسكرتير عام؟

مما قرأت وسمعت أعتقد بأن نقد قد حزم أمره على عدم البقاء فى قيادة الحزب. وإذا كان سيتم تجديد إنتخابه فسوف تكون المهمة الأولى هى إقناعه بطريقة ما. ولعلمك فهو من أقدم السياسيين السودانيين فى الساحة الآن إلى جانب صادق عبدالله عبدالماجد. وقد قضى نحو 33 عاماً فى قيادة العمل السرى. وهذا الرقم جدير بموسوعة جينيس للأرقام القياسية. إنخرط فى الإحتراف منذ تخرجه. وجرت محاكمته فى ديسمبر 1958 مع الشفيع وآخرين. أتمنى أن يسبق نقاش هذا الموضوع إنعقاد المؤتمر. وأن يهتدى الناس لصيغة عمل تتيح إستمرار نقد كأمين عام بمهام محددة وينتخب لمساعدته مساعد سكرتير عام ‘للدائرة السياسية‘ وآخر ‘لدائرة التنظيم‘. ويتولى نقد الإشراف العام والتمثيل وترفع عنه أعباء الممارسة السياسية اليومية. وتكون هذه الفترة بمثابة فترة إنتقالية حتى ينعقد المؤتمر السادس فى فترة لا تتعدى عامين إذا قيض الله.



imported_حسين أحمد حسين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-12-2012, 09:02 AM   #[32]
imported_حسين أحمد حسين
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

لسنا ماركسيون.. ورقة مقدمة إلى المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوداني

مقال بصير بواسطة: عدلان أحمد عبد العزيز
(منقول من سودانيزأونلاين)

تحية للقراء و شكراً على هذه النافذة التي أرجو أن أستخدمها في التداول المفيد كلما استطعت الى ذلك سبيلا.

مطلع عام 2006 استلم الأستاذ تاج السر عثمان، الشهير ب "السر بابو" مسؤول التثقيف و التعليم في الحزب الشيوعي السوداني، ورقة "لسنا ماركسيون" التي كنت قد كتبتها كاسهام مني في المناقشة العامة التي أعلنت عنها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني في أغسطس 1991 و تم تتويجها بانعقاد المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي في يناير 2009. لسبب لم يفصح عنه الأستاذ "السر بابو" أبداً، لم يتم نشر ورقتي بعنوان "لسنا ماركسيون" حتى الآن.

بعد أكثر من عام على ارسال الورقة، كنت قد إلتقيت السر بابو في مباني المقر الرئيسي الحزب الشيوعي في مدينة الخرطوم 2، سألته عن مصير الورقة فاعتذر بأن الحاسوب الذي كان يحتفظ فيه بالورقة قد أصابه فيروس أدى لفقدان كل الوثائق فيه. فسلمت السر بابو نسخة أخرى كنت محتفظاً بها في قرص تخزين USP فنقلها أمامي على الحاسوب مع وعد بنشرها. و في المقابل نقل لي عدد من الوثائق و الكتابات على القرص خاصتي لأطلع عليها.

في صبر، بعدها، أرسلت الورقة أكثر من مرة بالبريد الالكتروني و أشركت عدد من كادر و أعضاء الحزب في الرسالة، حتى أن المسؤول عن موقع الميدان الالكتروني قام بنشرها في الموقع بمبادرة شخصية منه، فكان أن طلبت منه سحبها من الموقع الاكتروني –في نفس يوم نشرها- لأنني أود أن تنشر ضمن أوراق المناقشة العامة أو في الميدان الورقية، فاستجاب مشكوراً بسحبها من الموقع الالكتروني عقب طلبي مباشرةً.

بعد مرور سبع (7) سنوات تقريباً، و دهشة -تخلصت منها بعد حين- نابعة من أن الورقة مما يعد نقاشاً فكرياً، ما انفكيت عن ممارسته قط، بل أن جل ما فيها كنت قد غطيته في نقاشات متفرقة و معلنة، أتطلع لمعرفة ما هو السر الذي يمنع و صول هذه الورقة عبر قنوات نشر الحزب الى قواعد و أصدقاء الحزب؟

الآن، بعد استنفاد وسائل و صبر كثير، ولمصلحة تطور الديمقراطية داخل الحزب الشيوعي السوداني، أطالب بمسآءلة السر بابو عن دوره في حجب رسالة معنونة، ليست لشخصه، بل استجابة لنداء وجهته قيادة الحزب الشيوعي للمشاركة في المناقشة العامة التي تهدف لتطوير الحزب. لماذا تم حجب الورقة؟ و هل هناك أوراق أخرى تم حجبها؟

لسنا ماركسيون:

"نحن لا نعلق البتة أهمية خاصة على التدابير الثورية التي اقترحناها في نهاية الفصل الثاني. ولو كان لنا أن نعيد كتابة هذا المقطع اليوم لكتبناه بشكل مختلف من نواح عدة. لقد شاخ هذا البرنامج اليوم في بعض نقاطه بتأثير التقدم الضخم الذي أنجزته الصناعة الكبيرة خلال الخمس والعشرين عاما الأخيرة"*

*المقدمة المشتركة التي كتبها ماركس مع أنجلز للطبعة الثانية من البيان الشيوعي في العام 1872.

النظرية والمنهج:

النظرية عبارة عن منظومة تفسيرات مقبولة لظاهرة من الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية قابلة للتطبيق في ظروف محددة ووفق شروط معينة، ومن المقبول أن تكون صحتها نسبية، كما أن احتمال الخطأ فيها وارد. مثال على ذلك أن نظريات نيوتن الميكانيكية الثلاث نظريات علمية صحيحة تحت شروط معينة، ولها تطبيقاتها المجربة في المعامل والحياة -وكذلك نظرية ماكسويل حول الكهرومغناطيسية- ولكن هاتان النظريتان ليستا صحيحتان على الإطلاق أو في كل التطبيقات، حيث فشلتا في تفسير حركة الجزيئات والذرات، تلك التي تم تفسيرها في إطار ميكانيكا الكم "quantum mechanics" والتي فشلت بدورها في تفسير الحركة عند السرعات العالية القريبة من سرعة الضوء، مفسحة المجال لنظرية النسبية الخاصة التي نجحت في ذلك بينما فشلت بدورها في تفسير الحركة عندما تكون الجاذبية عاملاً مؤثراً! تلك كلها نظريات صحيحة، ولكن في حدود، فالعلم أكبر من أن يتم اختزاله في منظومة فكرية واحدة، خاصة العلوم الاجتماعية وأظن أن ماركس نفسه يوافقني في ذلك، وذلك أيضاً مما دعا لينين للقول بأن "النظرية رمادية والواقع شجرة خضراء".

المنهج هو مجموعة من الطرق، القواعد، الإجراءات، والفرضيات يتم توظيفها عبر منظومة ما للوصول إلى هدف عام ومحدد في نفس الوقت؛ فبينما هدف المنهج المحمدي هو سعادة الفرد في الحياة الدُنيا والآخرة، فإن هدف المنهج الماركسي هو إشباع الحاجات المادية والروحية للفرد، أي أن هدفهما واحد تقريباً، أو ليست سعادة الفرد في تلبية حاجاته المادية والروحية!

عندما تقول المنهج المحمدي أو المنهج الماركسي فأنت تتحدث عن الطريق المحمدي أو الطريق الماركسي في إطار منظومةٍ ما، خطها كل منهما لنفسه والتزم بها، ويمكن لأي فرد أن يدعي أنه محمدي أو أنه ماركسي، بمعني أنه يتبع منهج/ طريق محمد أو يتبع منهج/ طريق ماركس، ورغم تشابه الأهداف النهائية لكلا المنهجين، إلا أن الأول قائم على التسليم بينما الأخير قائم على العلم المادي.

دلالات المسميات:

من الناحية اللغوية، الحركات الاجتماعية السياسية الفكرية في الغرب، تاريخياً، في غالبها، دوماً، ترتبط بأسماء قادتها المؤسسين، فتضاف الثلاث أحرف اللاتينية ”IST” أو “ean” ليرمز بعدها اسم القائد المؤسس، للأتباع، فيتم وصف التابع ب: لوثري، يسوعي، ماركسي، أو فابي.. أما المنهج الذي أرساه واتبعه القائد المؤسس، فيتم الرمز له بإضافة الثلاث أحرف اللاتينية”ISM” إلى إسم القائد المؤسس: لينين (ليينيزم/ لينينية).

ذاك التمييز أعلاه، في اللغة الإنجليزية، وبحروفها الثلاثة المضافة، لا نجده واضحاً في اللغة العربية. ففي اللغة العربية صفة "النسبة" أو "الانتساب" تتم بإضافة ياء مشددة لآخر الإسم، فيصير: وهابيّ، أو ماركسيّ. أو بإضافة ياء مشددة وتاء مربوطة في حالة التأنيث كما في: وهابيّة وماركسيّة. في اللغة العربية يتم تمييز "النسبة" المرتبطة باسم فرد ما، عن النسبة المرتبطة بمنهج ذلك الفرد، عبر السياق الذي وردت فيه. مثال لذلك "قرشي" المنسوب إلى قريش، و"وهابي" المنسوب لمنهج محمد بن عبدالوهاب.

حتى أواسط القرن الماضي كانت الحركات الاجتماعية السياسية في الغرب، يتسمى أتباعها بالانتساب إلى أسماء القادة المؤسسين، ولكن من ناحية تراثنا الفكري السياسي الاجتماعي نجد أن معظم أتباع الحركات الاجتماعية السياسية في بلداننا لا يحبون أن تتم نسبتهم إلى القادة المؤسسين، فأنصار السنة يكرهون أن يتم وصفهم بالوهابيين، كما يكره الأخوان الجمهوريون وصفهم بالطاهويين، وفي المقابل ينتشي الكثيرون منا بوصفهم كـ ماركسيين! فهل سعادة "الماركسي" بصفة كونه "ماركسي" أو كونها "ماركسية"، هي أول مظاهر الاستلاب الثقافي و الفكري؟

تراث حراكنا الاجتماعي السوداني لا يخلو من صِفة "النِسبة" للقادة المؤسسين، ولكننا نجدها في معظم الأحوال محصورة في الحركات الطائفية و الطرق الصوفية غير المعنية بالتغيير الاجتماعي السياسي المباشر، مثال لذلك "التجانية" المنسوبة لسيدي أحمد التجاني، أو "القادرية" المنسوبة لسيدي عبدالقادر الجيلاني، إلخ. فنلاحظ إذاً ان مدلول صِفة "النِسبة" في تراثنا الفكري، دائماً ما يكون في سياق الارتباط والتبعية الطائفية، أو رابطة الدم، أكثر من كونها روابط فكرية.

من موقعي، كاشتراكي، أجهد في استخدام منهج الجدل المادي، لتحليل الظواهر ومحاولة إيجاد حلول للمشاكل التي تعوق تطور وتقدم الإنسان، ولا أجد حرجاً في عدم وصف نفسي كـ "ماركسي" رغم تقديري الجليل لإسهام "كارل ماركس" المجيد في تطور الحركة الاشتراكية. بل أشعر أن تحرير الاشتراكيين من صفة "النسبة" الماركسية، فيه تحرير للمنهج الذي استخدمه كارل ماركس، لنصل به لتعميمات نظرية مناسبة وموائمة لمتطلبات عصرنا، أكثر من المحاولات التي لا طائل من ورائها، التي تجتهد، لا في إيجاد الحلول لمشاكل عصرنا، بل لكي تبدو الحلول المقدمة، فقط ملائمة لنسميها ماركسية!

الشيوعية والماركسية:

عندما نتحدث عن الشيوعية فإننا نعني الحركة الشيوعية.. منظمات وأحزاب، وعندما نتحدث عن الماركسية فإننا نقصد النظرية الماركسية، أما الماركسية التي يكثر الحديث عنها، فنتعامل معها على أن المقصود بها المدرسة الفكرية، تلك التي تحوي اضافات شتى عصية على الحصر، وتتناول قضايا ربما لم يسمع بها كارل ماركس نفسه، مثل السيبرنطيقا، وعلم الجمال، الحداثة، ما بعد الحداثة، الخ.

الماركسية لم يخترعها ماركس، بل أن ماركس اتبع منظومة منطق الجدل المادي الذي بوّبه هيغل ثمّ طوره ماركس لما يعرف اليوم بمنهج الجدل المادي، والذي توصل عبره إلي نظريته حول الاقتصاد والمجتمع. أهم ملامح تلك النظرية "الماركسية" تتمثل في الحتمية التاريخية لتلاشي الفوارق الطبقية في المجتمعات البشرية، كما أن ماركس حدد الصراع الطبقي بحسبانه المحرك الرئيسي لحركة التاريخ. فإذا قلنا باتباع منهج ماركس فإنما نحن نتبع طريقته كأداة في البحث واستخلاص النتائج وقد لا نكون ملزمين بالنتائج التي توصل إليها ماركس نفسه، وذلك موقف جيد ومطلوب. ولكن هل منهج ماركس شيئ آخر خلاف منهج الجدل المادي، الذي تمت إعادة تعريفه -بعد ماركس- على أنه المنهج الماركسي؟ فأُهملت الأداة "منهج الجدل المادي" لصالح تمجيد الفرد الذي استخدمها بعبقرية "ماركس"، فآلت إلى الجمود.

الذي ميّز ماركس، هو المنظومة الفلسفية التي بناها، وهي النظرية "الماركسية"، واستحقت أن تُنسب إليه وتسمى باسمه عن جدارة "النظرية الماركسية"، لكن المنهج الذي استخدمه في بناء منظومته تلك لم يكن سوى "منهج الجدل المادي" بما فيه اضافات ماركس نفسه، لذا وجب علينا التمييز وعدم خلط "النظرية الماركسية" بأدوات طرق البحث المسماة بـ "منهج الجدل المادي".

عندما نقول أن فلاناً "ماركسي" أو أن الحزب العلاني حزب "ماركسي" فإن هذا يستوجب أن هذا الفلان أو ذاك الحزب يؤمن بصحة النظرية الماركسية ويسعى لتطبيقها، ويستخدمها في تفسير الظواهر المختلفة. أما أن يستخدم فلان أو المجموعة العلانية نفس المنهج الذي استخدمه كارل ماركس، فلا يجب أن ينسحب على ذلك، أو يترتب عليه، أن يكون هذا الفلان أو العلان ماركسياً! والسبب بسيط جداً، وهو إمكانية توصل مستخدمي نفس المنهج، لنتائج مختلفة. أو أنهم قد يتوصلون لنتائج و تعميمات حول ظواهر لم يتطرق لها كارل ماركس أصلاً، وهناك أمثلة لا حصر لها لتفسيرات مادية لظواهر اجتماعية قدمها أفراد من مفكرين وسياسيين لا يمكن أن نطلق عليهم ماركسيين بأي حال.

مقاربات ومفارقات النظرية الماركسية في ممارسة وبرنامج الحزب الشيوعي السوداني

1- دكتاتورية البروليتاريا:

إنّ ماركس وأنجلز لم يتناولا بوضوح كاف أو بتفصيل، موضوع سلطة دولة البروليتاريا، وإنما بعض إشارات عامة، وغامضة في مخطوطتي "البيان الشيوعي"، و "بؤس الفلسفة"، و بتوضيح أكثر قليلاً، حين دعا ماركس في كتابه "الثامن عشر من برومير لويس بونابرت" إلى تحطيم جهاز الدولة.

في سنة 1907، نشر مهرينغ في مجلة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني (الأزمنة الجديدة) فقرات من رسالة وجهها ماركس إلى فيديميير في 5 مارس سنة 1852. فقد كتب ماركس:

"فيما يخصني ليس لي، لا فضل اكتشاف الطبقات في المجتمع المعاصر، ولا فضل اكتشاف صراعها. فقد سبقني بوقت طويل مؤرخون برجوازيون بسطوا التصور التاريخي لصراع الطبقات هذا، واقتصاديون برجوازيون بسطوا تركيب الطبقات الاقتصادي. وما أعطيته من جديد يتلخص في إقامة البرهان على ما يأتي:
1- أن وجود الطبقات لا يقترن إلاّ بمراحل معينة من تطور الإنتاج،
2- أن النضال الطبقي يفضي بالضرورة إلى ديكتاتورية البروليتاريا،
3- أن هذه الديكتاتورية نفسها ليست غير الانتقال إلى القضاء على كل الطبقات وإلى المجتمع الخالي من الطبقات".

استند لينين على تلك الرسالة، عند تفصيله موضوع دكتاتورية البروليتاريا، في كراسته "الدولة والثورة" وقد كتب لينين كراسته تلك في أغسطس/ سبتمبر 1917م. أي عشية ثورة أكتوبر، ولينين وقتها يواجه مهمة التحضير للثورة، فكان لزاماً عليه الدخول في قضايا تفاصيل الدولة والسلطة، وتم نشر الكراسة لأول مرة في 1918م.

أما البرلمان عند كارل ماركس، فصحيح أنه نتاج تقدمي، وأحد أهم منجزات الثورة البرجوازية، ولكنه تحول إلى أداة لإحكام السيطرة السياسية للبرجوازية وتكريس هيمنتها، ومن ثم كانت الدعوة لتحطيمه وإحلال دكتاتورية البروليتاريا مكانه، حيث الطبقة العاملة تنتخب ممثليها مباشرة ودون عوائق تمويل، أو كوابح أرزاء الفقر التي تمنعها من نيل تعليم عال وليس لديها وقت كاف للاطلاع والمثاقفة.

2- حزب الطبقة العاملة:

"والطبقات الوسطى – الصناعي الصغير والتاجر الصغير والحِرفيّ الصغير والفلاّح الصغير – كلها تحارب البرجوازية للحفاظ على وجودها كطبقات وسطى من التلاشي. فهي إذن ليست ثورية بل مُحافظة، وفضلا عن ذلك، إنها رجعية تسعى إلى جعل عَجَلة التاريخ ترجع القهقري.

أما "دون، أو تحت البروليتاريا"، هذا النتن المُستسلم، حثالة الفئات الدنيا من المجتمع القديم، فإنها قد تنجرف هنا وهناك في الحركة بفعل ثورة بروليتارية، لكنها بحكم وضعها الحياتي كله تصبح أكثر استعدادا لبيع نفسها لمكائد الرجعية" - البيان الشيوعي، الفصل الأول.

لإنجاز المهمة التاريخية في الانتقال بالبشرية إلى مجتمع العدل الأرضي، رشح كارل ماركس، الطبقة العاملة الصناعية كقائد لتلك المهمة التاريخية، وذلك بحكم موقعها في العملية الإنتاجية والاستغلال الرأسمالي الواقع عليها، بجانب درجة وعيها التنظيمي العالي الناتج عن تجمعها بأعداد كبيرة في المنشآت الصناعية، كانت تلك هي الأسباب الرئيسية التي أهّلت الطبقة العاملة -عند ماركس- لقيادة الثورة والتغيير نحو المجتمع الشيوعي.

وسيلة الطبقة العامة للاستمرار في السيطرة، كما يعلن الماركسيون اللينينيون، تكون عبر فرض دكتاتورية البروليتاريا كبديل لديكتاتورية البرجوازية المسماة بالديمقراطية الليبرالية، تلك التي أداتها البرلمان. ولكن عندما تضمحل الطبقة العاملة الصناعية -كما وصفها "ماركس" بتجمعاتها الكبيرة في المنشآت الصناعية- يخرج علينا الماركسيون الجُدد بتأويلات حديثة ومصطلحات جديدة تتحدث عن توحد وذوبان طبقة العمال من ذوي الياقات البيضاء والإداريين في طبقة العمال من ذوي الياقات الزرقاء، أو العكس! لا يهم.. فالمهم عندهم هو أن الطبقة العاملة تغيرت نوعياً ونمت نمواً كمياً، تبعاً لأوصافها الجديدة كل الجدة -بحسب الماركسيين الجُدد- والبعيدة كل البعد عن الطبقة العاملة كما وصفها كارل ماركس. بل أن كارل ماركس كان يعتبر ذوي الياقات البيضاء والإداريين من الخونة، وهم كلاب الرأسمالي البرجوازي القابع في قصره، بينما ذوي الياقات البيضاء يلعبون الدور المباشر في التأكد من استمرارية الاستغلال وشدة وتائره!

"فالعمّال، جنود الصناعة البسطاء، يُوضعون تحت رقابة تراتبية كاملة، من ضبّاط وصفّ ضبّاط. وهم ليسوا عبيد طبقة البرجوازيين ودولة البرجوازيين فحسب، بل هم أيضا، في كل يوم وكل ساعة، عبيد للآلة، ولمراقب العمل، وخصوصا للبرجوازي صاحب الفبركة نفسه" - البيان الشيوعي، الفصل الأول.

في مجرى تحسس المخارج النظرية من ورطة التمسك بالنظرية الماركسية على علاتها، كمصدر وحيد، أحد، صمد، لنظرية الثورة السودانية. و في مشروع الدستور المقر من اللجنة المركزية، الفصل الأول، المادة (2)عن طبيعة الحزب وأهدافه العامة، نتأمل طرح الحزب الشيوعي في البنود التي ترشح الفئات الاجتماعية التي يستنهضها الحزب الشيوعي، وتحددت كالتالي:

"2- يستند الحزب في تكوينه على الجماهير العاملة في المصانع والمعامل والمؤسسات ودور العلم والحقول والمراعي والمثقفين ويضم في صفوفه الثوريين من كل الطبقات والفئات الاجتماعية الذين يقبلون برنامجه ودستوره ويعملون من أجل تنفيذ البرنامج الوطني الديمقراطي واستشراف الأفق الاشتراكي."
مشروع الدستور، ص 22.

إذاً، سيكف الحزب الشيوعي السوداني -بحسب مشروع دستوره- عن الادعاء بتمثيل الطبقة العاملة، فهو حزب الجماهير العاملة، وليس الطبقة العاملة فقط، وفي الحقيقة أن ذلك أقرب لواقع التكوين الاجتماعي الحالي للحزب الشيوعي السوداني. بذلك تنتفي تلقائياً الدعوة الماركسية لإقامة دكتاتورية البروليتاريا. وفي الحقيقة فإن ذلك يقترب أكثر من التعريف والملاحظة التي أضافها "انجلس" للطبعة الإنكليزية للبيان الشيوعي عام 1888م: "نعني بالبرجوازية طبقة الرأسماليين العصريين، مالكي وسائل الإنتاج المجتمعي، الذين يستخدمون العمل المأجور. ونعني بالبروليتاريا طبقة العمال الأجراء العصريين، الذين يُضطرون، لعدم امتلاكهم وسائل إنتاح، إلى بيع قوة عملهم ليتمكنوا من العيش".

و ذلك لا يختلف كثيراً عن التعريف الوارد في دستور الحزب الشيوعي المنشور في 1967، حيث ورد في صفحة 30 منه: "أنه حزب الجماهير العاملة في المصانع والحقول والمكاتب وحزب المثقفين الثوريين وجميع المناضلين في سبيل الاشتراكية.. والمعبر عن المصالح القريبة والبعيدة لهذه الجماهير، والذي يؤهل نفسه باستمرار لتنظيمها وتوحيدها وقيادتها في نضال لا هوادة فيه من أجل تحقيق تلك المصالح"


3- نظرية الثورة:

بحسب "ماركس" فإن سبيل الطبقة العاملة –عبر ممثلها التاريخي، الحزب الشيوعي!- للوصول للسلطة السياسية هو الثورة، الثورة التي تحطم علاقات الإنتاج الرأسمالية البالية القائمة على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وإحلال علاقات إنتاج اشتراكية قائمة على الملكية العامة لوسائل الإنتاج -عبر جهاز الدولة-، وتلك هي المرحلة السابقة للمجتمع الشيوعي، المسماة المرحلة الاشتراكية. ذلك التصور "الماركسي" هو بالضبط المسؤول الأول عن إنتاج النظام أو النموذج الذي أسماه المفكر الماركسي -البريطاني من أصل فلسطيني-، توني كليف "رأسمالية الدولة الاحتكارية في روسيا"، وقد كان "كليف" ثاقب البصر في تحليله للنموذج الاشتراكي الأول، وقد حاز كتابه "رأسمالية الدولة في روسيا" المنشور في 1955م على سخط وغضب الشيوعيين، وتم تصنيفه ضمن الدعاية البرجوازية المضادة!


أول مظاهر مفارقة الحركة الشيوعية لنظرية ماركس في الثورة، سطرتها العشرة أيام التي هزت العالم في أكتوبر 1917م! إذ أنه ووفقاً لكارل ماركس فإن الرأسمالية هي أرقى وأعلى حلقات التطور في سُلم التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية (المشاعية البدائية الأولى، المجتمع العبودي، الإقطاع، ثم الرأسمالية)، والقراءة المادية للتاريخ تكشف لنا أن الانتقال للتشكيلة الأعلى دائماً ما يحدث في الجبهة المتقدمة للتشكيلة القائمة آنئذٍ، في لحظات الطلق التاريخي المؤذن بميلاد الجديد. لكن الواقع كذَّب تنبوءات ماركس، فلم تندلع الثورة الاشتراكية لا في بريطانيا ولا ألمانيا اللتين كانتا تشكلان الجبهة المتقدمة للتشكيلة القائمة (الرأسمالية) آنئذٍ. ولكن الثورة الاشتراكية اندلعت في روسيا القيصرية التي كانت مازالت ترسف في بقايا الإقطاع، وفيها حركة برجوازية ضعيفة وصناعة متخلفة.. في تفسير الحدث تم تعديل في وجهة النظر التي طرحها ماركس، تقر بإمكانية قيام الثورة في أضعف حلقات الرأسمالية! أيضاً قيل أن وجود نظام اشتراكي "أُم" يوفر إمكانية قيام ثورات اشتراكية أخرى في بلدان أكثر تخلفاً.

مصادر الحزب النظرية:

مشروع الدستور المقر من اللجنة المركزية، البند4، حدد المصادر النظرية للحزب كما يلي؛
"4- هو حزب سوداني يسترشد بما توصلت إليه البشرية من معارف لمصلحة السودان وكل ما هو خير من الموروثات المتجذرة فينا كسودانيين وما هو نابع من انتمائنا العربي والأفريقي، وفوق ذلك كله مستنداً إلى تجارب الواقع السوداني واضعاً في الاعتبار كل مستجدات العصر ومتغيراته ومستعيناً بالماركسية كمنهج في استقرائه واستنتاجاته لمعرفة الواقع."
مشروع الدستور، ص 23.

يبدو أن ورود "الماركسية" و تخصيصها بالذكر في البند الرابع أعلاه، من دون خلق الله جميعاً، ورغماً عن ورود جملة "ما توصلت إليه البشرية من معارف" إنما القصد منه ابتغاء مرضاة من سيروِّعه عدم ذكرها! أي ذِكر الماركسية. ولكن على العموم، ورغماً عن عدم إحكام الصياغة، إلا أنني أعتقد أن في البندين 2 و 4 يكمن التجديد الحقيقي للحزب الشيوعي السوداني، فالأول منهما يعتني بتوضيح طبيعة القاعدة الاجتماعية التي يخدم الحزب مصالحها، وأحسب أنها الجماهير المنتجة السودانية، وبالبداهة نستبعد منها الشرائح الطفيلية.. بينما الثاني منها يعتني بالوسائل والأدوات المستخدمة لصياغة وترجمة مصالح تلك المجموعات في برنامج سياسي يعبر عنها.


هكذا يتم الابتعاد عن ماركس ونظريته، ثم يأتي منظرون لا يألون جهداً في الادعاء أن الماركسية ليست عقيدة صماء، وأننا لا نلوي عنق الواقع ليوافقها، وأننا مازلنا ماركسيين، إلخ، إلخ. ولم يجرؤ أحد على فرز كوم ماركس وتبيان مفارقته للواقع، أي مفارقة نظرية ماركس التي ما عادت تطابق الواقع، وأن كل محاولات "مركسة" الظواهر اللاحقة بادعاء الاقتراب من الواقع، ما هي في جوهرها إلا اعتراف بقصور جوانب في النظرية الماركسية.. ويبقي الاعتراض على نظرية ماركس، بدراسة الواقع (الاستخدام الخلاق للمنهج الماركسي)، يبقى اعترافاً صريحاً بأن النظرية الماركسية في هيئتها الكاملة لاتصلح بما هي عليه أصلاً.. ويغدو الاقتراب من الواقع بإبدال بعض أصولها النظرية، مثل "دكتاتورية البروليتاريا" بالاعتراف العلني بصلاحية الديمقراطية الليبرالية كوسيلة للتداول السلمي للسلطة. يغدو ذلك الاقتراب من الواقع.. بعداً عن الماركسية لاينكره إلا مكابر.

خلاصة:
خلّف ماركس اِرثاً مجيداً في علم الاقتصاد السياسي، والتاريخ، والاجتماع . اِرث ماركس ونظريته في الاقتصاد والتاريخ (النظرية الماركسية) أسسّت لمدرسة فكرية نُسبت له وسميت (الماركسية) ولكن إرث ماركس نفسه (النظرية الماركسية) هو اِرث "ساكن" شأن كل المواريث، أي أنه توقف عن الحركة بعد وفاة ماركس. في مقابل سكون "النظرية" فإن الواقع في حركة دائبة وديناميكية لا تكِل.. الواقع دائماً متجدد، غني ومتشعب، ولكن يمكن مع ذلك الخروج بتعميمات نظرية -من حصيلة التراكم التاريخي والتجربة- تفسر الماضي، وترشح الحلول لمعضلات الحاضر.. التعميمات النظرية التي خرج بها ماركس والنتائج التي توصل إليها مستخدماً المنهج الجدلي في التحليل، من القوة والسطوع ما مكنها من ترك بصماتها في كل العلوم الاجتماعية تقريباً، بهذا المستوى أو ذاك. وفي تقديري، ودون التقليل من صحة كثير من النتائج التي توصل إليها ماركس، إلا أن أعظم منجزات ماركس تمثلت في صقله للمنهج الجدلي واستخدامه، أي في السبب لا النتيجة، في الأداة لا في المُنتَج.

امتدّ تأثير ماركس الطاغي على المدرسة الفكرية التي نشأت بعده، وتعرف بـ "الماركسية" وأصبحت المنجزات الفكرية لأعضاء تلك المدرسة، تُنسب إلى "الماركسية" لا إلى مُنتِجيها! وبقيام الدولة السوفياتية، أصبحت الدولة هي الراعي الرسمي للماركسية، وحاملة أختامها. وبتعدد الانقسامات في الدولة، ولاحقاً الدول الاشتراكية، انقسمت مدارس الماركسية ومراكزها، وظهرت منها نُسخ متعددة، الماركسية-اللينينية، الماركسية-اللينينية-الستالينية، الماركسية-التروتسكية، الماركسية-الماوية، ال.. ولأن الماركسية قد طرحت نفسها كنظرية "شاملة" فقد أصبحت مثل كرش الفيل.. كل إنتاج فكري داخل أحد مراكزها ينسب إليها، لا إلى مُنتِجها –مُنتِج الفكرة المُحدثة- ومن غير المعروف من هو حامل أختام الماركسية الذي يوزع صكوكها ويفرز ماهو ماركسي أصيل عن ماهو دخيل!

يطرح الحزب الشيوعي السوداني مشروعاً يسميه "الدولة المدنية" ولا ينسى أن يختمه بختم الماركسية باعتباره فهماً ماركسياً للواقع.. ويمكن أن يطرح الحزب الشيوعي العراقي مشروع الدولة العلمانية وهو أيضاً مختوم بختم الماركسية حسب الواقع المحلي.. فأصبحت للماركسية فروقات محلية مثل فروقات الوقت، وعلى كل ماركسي مراعاة الفوارق المحلية، وكلها في النهاية تصب في كرش الفيل.

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، لماذا لايتم فرز ما لماركس لماركس وما للحزب للحزب؟ الأحزاب والحركات الشيوعية لماذا تُصر على الطلاء الماركسي لمنتجات لا تمت لـماركس بِصلة؟ مثل الديمقراطية الليبرالية.. أنه من العبث والاستخفاف، القول بأن الاجتهاد الماركسي الخلاق ومعرفة الواقع هو ما قاد الحزب الشيوعي السوداني، مثلاً، لقبول الديمقراطية الليبرالية!! حركة المجتمع أكبر بكثير من محاولة تفسيرها بالماركسية وحدها، والتفاسير نفسها.. ما الداعي لمحاولة "مركستها" كلما ثبت صحة إحداها.. فحتى ذلك الذي ثبتت صحته وصلاحيته اليوم، قد لا يصلح بعد ربع قرن من الزمان.

العيــب في التطبيق، ولكن الماركسية بخير! الحل في الإسلام، أما انحطاط المشروع الحضاري فهو عيب في التطبيق. انحراف صـدام حسين -أو الأسد- هو تطبيق خاطيء لمباديء القومية العربية. التخريجات الآنفة، نسمعها مراراً من سدنة كل مشروع سياسي اجتماعي نال حظه من الانحطاط المزري حتى سقوطه، بينما جوهر سقوط تلك المشاريع في واقع الأمر سببه علل داخلية تفقأ العين. لكن –السدنة- لا يرونها، لذا يصبون جام لعناتهم على الخارج. ونحن في هذا المقام لا نهمل العامل الخارجي، فهو موجود ولا يسعنا إنكاره، ولكننا نتساءل عن كنه الظروف الموضوعية –المادية- التي سمحت لهذا الخارج، بالتأثير على المشروعات السياسية الاجتماعية إلى أن تسقط وتذروها الرياح وتشيّع باللعنات. هل ما حدث وما يحدث، كان ممكناً بغير واقع الانحطاط الداخلي الشامل، الذي أصاب تلك المشروعات؟ في الإجابة على ذلك نرجع إلى تحليل ماركس ودراسته لتاريخ التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية، والتي شرح فيها كيف أن كل تشكيلة اجتماعية اقتصادية مكتملة النمو، كان تطور القوى المنتجة فيها يصل مستوىً يصبح معه الاستمرار في علاقات الإنتاج السائدة مستحيلاً. فيكون جنين العلاقات الجديدة قد تخلَّقَ في رحم القديم، حيث لا مناص من الثورة لولادة الجديد وتسيدّه. فكما بيّنَ ماركس أن ذلك التغيير، غير ممكن الحدوث إلا في المجتمعات التي تسنمت فيها قوى الإنتاج ذُرى ناصية التقدم، حيث يغدو العائق في وجه تطورها أكثر، وإلى مستوى أرفع، هو العلاقات الإنتاجية القديمة السائدة. بالمقابل، وفي تماهٍ مع تحليل ماركس أعلاه، فإن محاولة التدخل الواعي المتعسف لتسريع الولادة قبل اكتمال الخِلقة، وفي غير بيئتها، كما حدث في روسيا القيصرية ولاحقاً شرق أوربا، كان لابد لها من إنتاج ذاك المسخ المشوه، المسمى الكتلة الاشتراكية.

هل من الممكن أن نتصور أنه يمكن، وبفعل خارجي، هزيمة مجتمع تسيدت فيه علاقات الإنتاج الجديدة لتقارب مستوى تطور القوى المنتجة الناهضة، هزيمة نهائية؟ وتقريباً للصورة، نطلق لخيالنا العنان ونتصور أن مستوى تطور القوى المنتجة في أوربا الغربية وأمريكا واليابان وصل مستوىً كان لابد فيه من تغيير علاقات الإنتاج، ولنقل تغييرها إلى علاقات إنتاج اشتراكية، و أن ذلك التغيير قد حدث. هل يمكن، ومهما بلغ بنا الجموح في الخيال، أن نتصور أن هناك قوى خارجية بمقدورها إرجاع العجلة؟ ذلك غير ممكن لسبب بسيط جداً.. مستوى القوى المنتجة خارج مثلث أوربا الغربية وأمريكا واليابان -وجهازها السياسي المعبر عنها- لا يزال ضعيفاً جداً، وسيكون جُلّ همه في تلك اللحظات منصباً في حماية نفسه من رياح التغيير. ما أود الإشارة له هو أن مشروع إقامة نظام علاقات إنتاج اشتراكية في بلد متخلف، هو مشروع يناقض تحليل ماركس في المقام الأول، قبل أن ننسب أسباب فشله إلى القوى الخارجية. وبما أننا في السودان وضمن خارطة التشكيلات الاجتماعية التاريخية ومستوى تطور القوى المنتجة القائم، مازالنا نبعد محيطات وصحارى عن ذلك التصور الماركسي للتغيير الشامل، فإننا غير معنيين به في صورته الشاملة تلك، وإن كنا نأخذ الحكمة حتى من أفواه الحالمين، فهي –أي الحكمة- ضالتنا، لكن ماركس ليس نبينا.

أصحاب الحكمة الباطلة "أن النظرية جيدة ولكن العيب في التطبيق" دراويش غارقون، لأنهم رغم السقوط الداوي لنظرياتهم، ما انفكوا في غيهم سادرون. هم دراويش لأن إيمانهم المطلق في صحة النظريات الاجتماعية التي تبنّوها، وكأنها تنزيل من حكيم حميد، لم يهتز لهم فيها شعره. فوق ذلك هم ثانياً، كسالى وعاطلو الذهن، كسالى بسبب اختيارهم السهل، الذي لسان حاله يلهج بأن العبقري الكامل –واضع النظرية- لا يأتيه الباطل لا من التاريخ ولا الجغرافيا ولا الحاضر ولا من المستقبل.. فالأمر كله لا يعدو سوء تطبيق وانحراف من جانب الصحابة، أو التابعين، أو تابعي التابعين! وهم في ثالث الأمر.. يتسمون بقدر عال من اللامبالاة وإحساس متبلد بالمسؤولية الإنسانية، أو قل أن مصالحهم الذاتية ربما مرتبطة بالنظام الزائل. أو كيف نفسر طلبهم الفرصة الثانية لتطبيق "نفس" النظرية، بحجة ودعاوي التطبيق الصحيح؟ هل رخُصت حيوات البشر لدرجة تسليمها لنفس الجزار الذي "حرجمها" أول مرة، ليحسن ذبحها في الثانية؟! العيوب والثقوب النظرية في الماركسية فاقع ألوانها. فإذا سلمنا بصحة نظرية "النظرية صحيحة والعيب في التطبيق" فإن هناك قضايا أساسية تمثل مقام "العضُم" عند النظر في إمكانية تطبيق النظرية الماركسية "النقية!" وانزالها على أرض الواقع الراهني أو المستقبلي المنظور، وهي قضايا تتطلب مخاطبة جادة، ومباشرة. أولها؛ كيف تتحقق "الملكية العامة لوسائل الإنتاج"؟ هل تتحقق بتملك الدولة لها، وإدارتها، وإعادة توزيع فائض الإنتاج. أم بتمليكها للقوى المنتجة –العاملين عليها- مباشرةً؟ الخيار الأول –ملكية الدولة لوسائل الانتاج- ما هو سوى تكرار لنموذج "رأسمالية الدولة الاحتكارية" كما خبرته دولة السوفييت و الأنظمة التابعة لها. بينما الخيار الثاني هو إعادة إخراج الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، بممثلات وممثلين جُدد، فكأننا يا عمر لا رحنا ولا جينا! سؤال ملكية وسائل الانتاج في المشروع الاشتراكي، معضلة، اذا لم يتوفر لها خيار ثالث.

ثاني القضايا؛ ماذا سيكون عليه حال نظام تداول السلطة السياسية؟ والإجابة على هذا السؤال لا تنفع معها المراوغات مثل القول بـ "الديمقراطية المباشرة" على غرار السوفيتات، أو لجان القذافي الثورية! كيف يعني ديمقراطية مباشرة؟ نريد تفصيلاً حول ما إذا ستكون حرية التنظيم، والاجتماع، والكلام، والصحافة، محاطة بضمانات كافية. وما إذا سيتحقق الفصل بين السلطات؛ التنفيذية، والتشريعية، والقضاء. وما إذا كان مسموحاً للبرجوازية بالدعاية لنفسها والصعود للحكم إذا قرر الناخبون ذلك. فإن كانت كذلك، فهي الديمقراطية الليبرالية –البرجوازية- ذات نفسها وبشحمها ولحمها! وإن لم تكن كذلك، فالبشرية في مستوى تطورها الحالي لا تقبل الانتقاص -طوعاً- من تلك الهيئة القائمة. اذاً ما الجديد هنا؟

هناك تخوف من أن الدعوة لتعدد المصادر الفكرية في مقابل الادعاء بماركسية الحزب، من أنها قد تعصف بوحدة الحزب، وذلك التخوف يتم التعبير عنه من خلال الدعوة لما يسمى بـ "الوحدة الفكرية" تلك الخدعة الكبرى، والتي هي أشبه برفع المصاحف على أسنة الرماح، وتهدف إلى احتكار التفكير وفرض طريق واحد، طالما أن "الفكرة" المراد التوحد حولها إنما يتم إنتاجها داخل إطار الزعامة أو حلقة القيادة فقط، والسلام على من اتبع الهدى! وفي واقع الحياة السياسية فإن معظم الأحزاب الديمقراطية في العالم تظل موحدة وحاكمة ومسيطرة دونما حوجة لما يسمى بـ"الوحدة الفكرية"، إنما يوحد إرادة عضويتها الشعار العام والبرنامج العام، وعليه فإن المطلوب وحدة الإرادة.. ووحدة الإرادة تعني الرغبة الموحدة للوصول لنفس الهدف، وصراع الأفكار لا يهدد وحدة الإرادة، بل يكون معنياً بالتوصل لأقل الطرق كُلفةً لتحقيق مقاصد البرنامج. أحزاب مثل العمال البريطاني، والمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، تتعدد مصادرها الفكرية التي تنهل منها، ولا تعاني بسبب ذلك، التمزق أو البلبلة.

انتهى







imported_حسين أحمد حسين غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 04:32 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.