تعليق على (حكايات الأمويين)
في مرحلة الصبا و الشباب الباكر تكونت لدي صورة للتاريخ الإسلامي (وهي غالبا الصورة السائدة في عالمنا حتى اليوم) تقول : إن اجمل فترة في تاريخ الإنسانية هي فترة التاريخ الإسلامي منذ البعثة النبوية حتى نهاية الخلافة العثمانية في تركيا في عام 1342 هـ ، ( 1924م) . كان استرداد الخلافة يمثل لي حلما جميلا و كنت واثقا أنه سيتحقق عندما (تفيء البشرية لأمر الله) . كان الرجوع لذلك الماضي الوردي الجميل الذي تكسوه العدالة و يجلله الطهر و النقاء غاية ما احلم به و أعمل على المساهمة في قيادة البشرية له .
توسعت المعارف فيما بعد و استمرت علاقتي بالتاريخ الإسلامي ضمن اهتمامي بالدين الإسلامي و تشابكت الاهتمامات مع الفضول للمعرفة . في البداية كان علي ان التهم كل المكتوب المتاح في المراجع القديمة ، تعرفت على تاريخ الطبري ابن قتيبة ، ثم ابن الأثير و ابن كثير و ابن عساكر و الخطيب البغدادي ... الخ . كل كتاب أقراه يدلني على مرجع جديد . بعد سنين كثيرة تكونت لدي صورة جديدة تختلف عن تلك الصورة القديمة . أعدت قراءاتي و أعدت التفكير و اكتشفت أن الثقافة المعاصرة و الأيديولوجية السائدة انتقت صورة معينة للتاريخ تتفق مع التصور الإسلامي السائد في المذاهب السنية و يخدم أغراض أيديولوجية الإسلام السياسي (بما أن اجمل ما يكون حدث في الماضي فما علينا إلا الرحيل إليه و استعادته) ، و آخر منتقى يتسق مع التصور السائد في المذاهب الشيعية . جاء الجهاد الأفغاني نهاية سبعينيات القرن الماضي و معه القاعدة ، و تأثير ذلك على كل المسلمين في العالم ، ثم فيما بعد داعش 2003 م ، و دعوتها إلى إعادة الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة في العراق وسوريا و جنوب اليمن وليبيا وسيناء وأزواد والصومال وشمال شرق نيجيريا وباكستان و ظهر لها مناصرون و قاعدة شعبية و مؤيدين علنيين و آخرين سريين في دول إسلامية كثيرة منها السودان ، كل ذلك اثار لدى الخبراء و المهتمين و لديّ و لدى غيري تساؤلات عن السر في انتشار تلك الأفكار انتشار النار في الهشيم . تعددت النظريات و التفسيرات بإرجاع ذلك للفقر و الهزائم و التفاوتات الاجتماعية و قضية فلسطين و ظلم الغرب و ... و ... الخ . شخصيا مع الرأي القائل إن السبب الأساسي هو الثقافة السائدة و كل الأسباب الأخرى يمكن أن تكون أسباب مساعدة ، و في الثقافة السائدة السبب الأساسي هو الصورة الخيالية للتاريخ الإسلامي التي اجتهد في ترسيخها كل تيار الإسلام السياسي و السلفي . من هنا بدأت فكرة ان أكتب ما توصلت إليه عن الصورة الحقيقة لذلك التاريخ . فكرت ان اكتب لنفسي أولا ثم لغيري . لكن تناول كل ذلك التاريخ الطويل المتشابك هو أمر شاق و يحتاج لمجموعات بحث و لا وقت لديّ له ، لذا كان الخيار هو تسليط الضوء على الجوانب المسكوت عنها لتتضح الصورة .
سلاسل : حكايات الأمويين و حكايات العباسيين و صفحات مطوية مظلمة (و أخرى عن العثمانيين لم تُنشر لأنها لم تكتمل) ، هي محاولة لإعادة التفكير في ذلك التاريخ . المراجع التي استعنت بها هي مراجع أساسية لكل مهتم بالتاريخ الإسلامي و كلها سنية عدا مرات قليلة احتجت لرواية الشيعة لحدث ما فأوردتها بمرجعها ، نادرا جدا رجوعي للكتابات المعاصرة عدا الاستشهاد بطه حسين في الفتنة الكبرى مرتين تقريبا و بالصلابي مرة واحدة . هناك فترات قصيرة (كخلافة سليمان بن عبد الملك و عمر بن عبد العزيز و الخلفاء الأمويين الأربعة الأخيرين و بالمثل في فترة الخلافة العباسية) لا توجد فيها احداث كثيرة تضيء جانب من الجوانب التي اهتم بها ، لذا سترد في سطور قليلة .
نشرت ما ذكرت أعلاه في موقع (سودانيات) على الشبكة و في مواقع التواصل الاجتماعي . كما هو متوقع وصلتني من مواقع التواصل الاجتماعي في الخاص كتابات تمثل طيفا واسعا ، بعضها يثني و بعضها ينتقد و بعضها يملأه الغضب . سأهتم بتلك الغاضبة .
أكثر ما أغضب أولئك ذكري لأمر معاوية بشتم سيدنا علي بن ابي طالب باعتبار أن معاوية صحابي و أغلبهم يردد أقوال قال بها بعضهم عن عدم التعرض للصحابة . من الواضح أنني لم اتعرض لمعاوية باي صورة تسيء إليه بل ذكرت ما ردده المؤرخون بدءا من الواقدي مرورا بالطبري و غيره . عندما أقرأ ما أورده المؤرخون عن راي سيدنا علي في معاوية و مجموعته استغرب لماذا يغضب البعض من إيراد ما ورد على لسان رابع الخلفاء الراشدين عن معاوية ، و من الطبيعي أن يكون ذلك رايه فيه و إلا لما حاربه .
نقد آخر غاضب حاد أتاني عما أوردته في حق غيلان و آخر عن الجعد . أولا كلما جاءنا عن غيلان و الجعد جاءنا عن طريق خصومهما ، و بمراجعة ما ذكرته المراجع استطيع القول إن غيلان كان تقيا ورعا عالما ، كونه قال بالقدر يتوجب فحص ما ورد عنه . أولا هو لم ينكر مطلق القدر لكنه أنكر أن تكون أفعال الإنسان مرغم عليها و لا خيار له فيها ، ثانيا أورد ابن عساكر أنه تاب عن فكره في خلافة عمر بن عبد العزيز و أن عمر دعا عليه إن كان خدعه أن تُقطع يده و رجله ، هذا هو الجزء الأول من رواية ابن عساكر . لا تبدو لي تلك الرواية دقيقة لأنها لا تشبه شخصية عمر بن عبد العزيز أن يدعو دعاء وحشيا مثل ذلك ، الأقرب أن يدعو له بالهداية ، ثم إنها لا تفسر لنا كيف أن عمر بن عبد العزيز وثق به و وكله على أمتعة بني أمية ينادي عليها (هلموا إلى متاع الظلمة ...) . الجزء الثاني من رواية ابن عساكر عن استدعاء هشام بن عبد الملك لغيلان و مناظرة الأوزاعي و هو جزء مخجل في تاريخنا ، ان يمتحن الأوزاعي إنسانا بفوازير لا يعرف إجابتها حتى الخليفة و حين يعجز عن الإجابة يقسم الأوزاعي (كافر و رب الكعبة يا أمير المؤمنين) و هشام لا يقتله فقط ، لكنه يقطع يده و رجله و يصلبه ، أي قسوة و وحشية ؟ لتبرير تلك الوحشية يتم الاحتماء برواية استجابة الله لدعاء عمر بن عبد العزيز . كذلك الأمر بالنسبة للجعد عن إنكاره أن الله كلم موسى ، الأقرب أنه ربما قام بتأويل ذلك بصورة ما ، مثل تأويل المعتزلة فيما بعد من أن الله صنع الكلام في الشجرة فكلمت موسى ، و غيرها من تأويلات ، أما ذبحه كالبهيمة تحت المنبر فيذكر بداعش ... أن يروي خصوم غيلان و الجعد روايتهم عنهما و التي تتفق مع رؤية السلطة و الفقهاء فذلك لا يجعلها صحيحة بالمطلق ... كل المواقع و الفيديوهات السنية تقريبا على الشبكة تردد نفس حجج و روايات خصوم غيلان و الجعد . اتوقف هنا و إلى لقاء .
|