بعد المباراة عدنا للمحطة ليبدأ برنامج آخر بقيادة صاحب كنتين جار للمحطة. وسبحان الله رغم مرور السنين لا زلت أتذكر الزول ده وهو ماسك الصينية ويغني، ورغم إن القعدة كانت بالمنكر، لكن كثيراً ما يتراءى لي بملامح صوفي هائم بذكر الله، والصينية بين يديه كما طار مترنماً بأهازيج دينية، لا بـ: يا عشة القطر قام ... تلقا قدام يا أبو هاني.
صاحب الكنتين ذاك وأخته - كما عرفاني يلتصق بالوجدان - لم يفارقا خيالي إلى اليوم، رغم قصر المدة التي جمعتني بهم. واحتمال يكون السبب هو شبههم الشديد بتلك الرسومات للفتيات والفتيان الذين عمرت بهم كتب المرحلة الأولية مثل كتاب المطالعة الذي حوى قصة طه القرشي.
قرب نهاية السهرة أطلت علينا صواني العشاء حيث حضر المدير بصينية وكذلك نائبه فهما يسكنان بيوت المتزوجين بعيداً من الاستراحة. وكانت منافسة حية بين حلة القطر قام التي طبخها العذابة وصواني العوين وبالطبع انتصرت صواني العوين. وتم تحويل حلة القطر قام بعد التبريد ليلاً، والتسخين اللازم صباحاً للخلوة بريبا. تلك كانت حلة مباركة فقد ابتعدت إلى أهل الذكر الحكيم وعمار بيوت الله.
صباح اليوم الثاني ذهبت مع الجماعة للمحطة وبدأت رحلة شرح مطولة من ألو ارسال إلى ألو استقبال لجهاز عملاق يلتهم الكهرباء كما مارد انفتحت شهيته بعد يوم عمل شاق. كان كل شيء ضخماً بدءً من مساحة المحطة والتي كانت كيلو متر مربع إلى مباني المحطة نفسها والتي فاقت بيوت المتزوجين والاستراحة مجتمعة. ولا عجب فقد كانت ريبا أضخم جهاز إرسال إذاعي في السودان وقتها.
ثم إلى رحلة ترفيهية أخرى على شرفي أيضاً، وكانت هذه المرة مسائية لقلب سنار حيث تجولنا في السوق وانتهت رحلتنا بعد الفول المدنكل إلى المقاهي، حيث لم نترك ذكرى ضاحكة أيام الدراسة وإلا اجتررناها، وجرى الزمن سريعاً حيث نبهنا السائق إلى حلول وقت العودة للمحطة.
في اليوم الثالث ودعتهم حزيناً - على قصر المدة التي قضيتها بينهم - فقد بدأت أتعود على الجو العام للمحطة ولا أمل كبير في المعاودة، وكان صاحب الكنتين وأخته آخر من ودعتهم، حيث أوقفت السائق وقمت بوداعهما ثم واصلت إلى موقف سنار السفري في طريقي إلى كوستي.
التعديل الأخير تم بواسطة أبو جعفر ; 01-12-2014 الساعة 08:15 AM.
|