علي المك ... إلف الحكايا الخالد
كانت داره ، تجهد أن تصعد إلى أسفل المدينة ، والشارع تصعب عليه حالته ، كشارع مكسيم جوركي في روايته ( طفولتي ) يعجُّ بصمتٍ قاتل ويفوح برائحةٍ غريبة ، تسكن جانباً من القلب ، يستحيل معها التنفّس ، يتراءى الاختناق يمشي بين أشباح المارة ، وبعض أغنامٍ اعتادت أن تسرح في تراب الشوارع أقعدها الأسى تجتّر ذكرياتها العميقة حين يشتّط الترام بضجيجه على هدوئها وتغتصب الشمس خيوط الظل من حواف المباني ، كانت الدار التي لبست طيلة سنين مضت أنغام أبو داؤود ووضعت على كتفيها أشعار علي عبد القيوم وعبد الله الطيب وود الرضي وأبو صلاح والمتنبي وإس . تي . إليوت وأرضه الخراب ، شالاً جميلاً ومشت بين الدور ، تزدهي وتحتفي بصاحبها وهو ينسرب للمسامع عبر إذاعة البرنامج الثاني " وكان دكان الفوراوي غاصاً بروّاد الفول المسائي ، القمر تشهّيه رائحة الطعمية ومسحون الفول السوداني الشهي ( الدكوة ) تغبطه حياة الأصدقاء وطعم ذوبانهم فيها ، بعض طيور متأخرة لا زالت تغرد رغم حلول الظلام …) كانت الدار وطناً يحتشد فيه كل الوطن ، يأتيه الحب من بين يديه ومن كل صوب ، العصافير عرفت أن لغنائها المسائي على شجرة النيم العتيقة معنىً آخر ، وكان الزرزور الصغير ينزوي في إحدى طاقات الغرف الطينية ويحكي بصفيرٍ خافت موّاله لعيون الصبية الذين يتحلقون حول الفانوس يتقاسمون شاي المغرب ، والرجال بعد أن يسندون كيف رؤوسهم المائلة بتبغٍ معتّق ، يدندون ( الليلة هوي يا ليلى ) كلهم يغني ليلى وقليلون جدا الذين يصلون في غنائهم لمقطع ( شفناه .. شفناه ) ظلّ الكورس لزمانٍ طويل يرددها دون أن يتحقق من معناها في زمان ما كان الشعر ليتجاسر ويقول ( أمسكي عليك عيونك ديل ) ، وكلما اهتاجت الذاكرة بحفيف ذلكم الجمال أطلت ( يا عازة الفراق بي طال وسال سيل الدمع هطّال ) كانت عازة هي أم درمان لأن أم درمان كانت – وما تزال – هي السودان ،كانت الدار تتلفت وقد غصّ بالجموع فنائها المحضور ، تبحث عنه وقد غاب في جلابيب الرجال وعممهم وثياب النساء البيضاء – تقدم النساء على الحزن بالبياض لأنه لون الصدق – سكتت الأشجار عن غناء عصافيرها ولم يبع الفوراوي من فوله سوى ما يسد الرمق ، والفول لذةٌ عنده تحتفي بجمالية الطقوس وزيت السمسم نافذ الرائحة وصحون ( البوش ) الواسعة ، حي الدومة ألبس شوارعه صمتاً خاصاً ، تقاطعه خشخشة أغصان الدومة فقط وتغرق بقية الأحياء في بحثها عن صوته المتسرّب إليها عبر قهقهات داره الحفية دائماً بالسودان ، وصوته المعطون بأصوات أهل أم درمان ، وأفراحهم ، وشفيف أحزانهم ، وعميق حبهم ، وصادق وعدهم ، الدار تتلفت في العيون التي غيّب الدمع سوادها الأليف ، ولوّنها بطشاشٍ غريب ، كلها كانت تبحث عن علي المك ، اتحدت كلها في البحث عنه وهو يتنفس برئاتهم ويشهق أغنياتهم ، ويحيا على خطوط أرواحهم البيضاء ، يصطفون ، الجامع الكبير ، الكنيسة ، سوق الجلود ، القمائر ، أبو روف ، البكري ، ود درو ، تحتشد بلون التراب التي بنى بها مدن ذاكرته ، الأصدقاء ، عبد الله الطيب ، الطيب صالح ، بشرى الفاضل ، علي عبد القيوم ، صلاح أحمد إبراهيم يتأبط غبار شارع الأربعين ويحتضن مرية وإزميل فدياس وروحه العبقرية ، يمسك بيديه على فكرة البرجوازية الصغيرة – مجموعة قصصية اشترك هو وعلي المك في تأليفها وترجما كذلك كتاب الأرض الآثمة لمؤلفه باتريل فان رنزبيرج - التي تنازع نحوه ، السودان كله اصطفاف لبياض الجلابيب والثياب والدمع وغائر الجراح ، يحلّق فوقهم كما ظلوا يحبّونه ، يردد لهم ما ردده الفيتوري حين سفر عبد الخالق محجوب إلى أقصى مدن الخلود في التاريخ القريب ( لا تحفروا لي قبراً … سأرقد في كل شبرٍ من الأرض … أرقد كالماء في جسد النيل … أرقد كالشمس فوق حقول بلادي … مثلي أنا ليس يسكن قبرا … )
وكانوا مثلك – يا علي المك – يشاهدونك تطل من خيوط الفانوس الخافت أمام دكان الحي صاخب المودة محتدم الحياة ، تتلوّن مثل نقاشٍ تزينه الضحكات من أقصى زوايا السياسة الحارقة ، إلى سور نادي المريخ العظيم وأنت تراهن معهم على فوزه الأكيد في مباراةٍ حسمها ( الأنطون ) – عرّاف يأتيه أهل الكرة لمعرفة حظوظ فرقهم وأحياناً لجلبها من العدم – لصالح الهلال لا تؤمن مثلي بأن النصر والهزيمة صنوان ، يجب أن يكون النصر أكبر أبناء تاريخ الخليقة وإلاّ فما معنى النضال ، الناس في بلادك يا علي المك نواميس الحياة ، يقهرون الموت بالنكتة ، ويطيلون الحياة بالموت ، ما أغرب الناس هنا ، تبدأ معهم الحياة بالموت ، إنهم الفلاسفة الجدد ، يتعجبون من فاره السيارات ويسيرون على ( خ 11 ) كما يسمّون الأقدام ، الناس في بلادك يا علي المك ، سليل القناعة التي تهزم للفقر قوانينه.
من ( الصعود إلى أسفل المدينة ، في قرية ، حمّى الدريس ، البرجوازية الصغيرة )* تدخل إلى حي الركابية ودار الرياضة فائضة الغبار والدافوري ، وألوان ثياب نفيسة وصويحباتها تشمل المكان ألوان الترام وضجيجه وعالمه الواسع ، يجلس كرومة وسرور – فناني أم درمان القديمة – وكل غناء الحقيبة الذي أسست لتقييمه واستدعاؤه في ذاكرة الفن الحديث ، يجلس عبد العزيز محمد داؤود تتقافز الألحان من عوده وتزهر النكات ، يجلس القمر في فناء بيتك يطالع أغنيات الخليل ، بينهم قهوة لم تكن جيدة ، وصحن فول ، ( لا بأس بالفول إن عزّ بوخُ الشواء ) وأنت … (ها أنت تاجٌ على هامة النيل ، لا يحتويك الغياب ولا يحتويك الرحيل ، تحتويك البلاد التي أوغلت في العويل) ، هل ترى الهنود الحمر يصطفون والزنج بحرارة إيقاعاتهم كلها يتدافعون ، أم درمان اليوم سيدة نساء الحزن ، تتشح بسواد الفقد ، ودفء أحيائها القاتل ، تتسرّب إلى صمت الحضور موسيقى فرقة الشرطة من حوشها الكبير ، بآلاتها النحاسية ، فكأنك وأنت تموت تذاكر تاريخ الموت جميعه ، تأتيك آداب المناحة ودق النحاس وطقوس الموت كلها وأحداث الموت الجديد الذي يفاجئ الحياة ، ويسكن في العيون الذاهلة ، كنت وأنت تحقق وتترجم آداب الهنود والزنج تستمتع بغبار دار الرياضة وتقطع شارع العرضة على أفراح انتصار المريخ أو على غلب هزيمته ، وأنت صاعداً من جبل الفوضى إلى همّ الوطن ، هكذا تخرج يا علي المك لندخل نحن عالمك الغاصُّ بالإبداع والضاجُّ بالحضور.
لا تفوته وهو يكتب من صغار التفاصيل فائتة و لا يقاطع موسيقى شوارعه نشاز ، يرويها بصوته عبر الإذاعة فيخلق أدباً جديداً لم تعتاده آذان المتحلقين حول (الروادي) ، كان صوته عمقاً لتفاصيل الأحداث حتى كأنك مشاركٌ فيها ، أثرى المكتبة السودانية والأفريقية بترجمات رائعة فتقابلت شاعرية سونغور برائحة البوتاس واستانزا سوناتا وحديث الجاز بجبال الأحراش السوداء وتقافزت عبره نمور ( الدندر ) ومحميات كينيا الطبيعية وحفّ جوانبها الحياء الأفريقي المختبئ خلف نقوش الجباه الغارقة في السواد والخصوبة ، وجاءت على آثار تجاربه السمعية تجارب ما زالت تحدث ضروباً من الاحتفاء بالأذن السودانية التي طالما احتفت بمشافهة آثارها ،كأن القلم يفسدها ، وأورقت محاولاته لتحقيق أدب غناء الحقيبة ، حديقةً للتمتع بأزهار أبو داؤود وخليل فرح وسرور ، وهاهي تجارب اليوم تقف – واعية وغير واعية – على أرضية الحقيبة الثابتة تحاور تواريخ ثقافتها وتستلهمها ، جاور في مجلسه بين صخب موسيقى الجاز والرقص المتحرر من عقدة المكان والزمان المحتفي بخصوصية الفرد في الجماعة وبين العزف على (الكبريتة) – علبة أعواد الثقاب الصغيرة - حين أغنيات ليل أم درمان الهادئ ، ويعدّ من أكثر المهتمين بعد ذلك بالتحقيق في التراث والترجمة وكانت منحة مؤسسة فولبرايت الأمريكية جعلته يمضي بجامعة نيو مكسيكو في البوكيركي زمناً طويلاً في ترجمة مختارات من أساطير وآداب الهنود الأمريكيين إلى اللغة العربية ، كان جيّد الذوق لأصناف الإنتاج الأدبي ، يقول الطيب صالح : ( إن عظمة كهذه تعود بالأساس إلى شعب السودان وعاصمته أم درمان التي نسج منها السودانيون الثوب الذي تمثّل في النقاء والتسامح والصدق والوفاء …) وتلّح موسيقى فرقة الشرطة على العبور عبر العيون مختلفة الدمع والشجن ، تقف ، تحلّق حولها الطيور تحتفي بالمساء لأنه يسكن جراح النهار ، والنهار جزء من أزمة الأحياء معطونة الشوارع برائحة الفقر والحاجة والليل جزؤها الآخر، الجسر يئن تحت ثقل أحزان عابريه من الخرطوم تدمي قلوبهم يخطون صوب الدار الذاهلة.
( ويح قلبي الما أنفكّ خافق … فارق أم درمان باكي شاهق … ما هو عارف قدمو المفارق … يا محط آمالي السلام .. )**ولكن يا علي المك أنت تخلد في ذاكرة الزنج والعرب وتخطو نحو دروب تراثهم العميق.
" هل يفتديك دعاء المريدين قد زاحموا بعضهم حول نعشك حين أصبح بهو المطار مصلّى – اعتاد السودان أن يستقبل عقول وأحوال مبدعيه الثقافية هكذا عبر صناديق المستشفيات الباردة ، كأن المطار بداية الحالة الثقافية ونهاية الأجساد – هل يحيط الضريح بما فيك من لهفٍ للحياة الجميلة ، هل تحيط المقابر بالنهر يركض منتعشاً ناشراً في فضاء البلاد الجريحة أشرعةً .. ناسجاً فوق كل الضفاف خميلة ، هل يحيط الضريح بما فيك من لهفٍ للحياة الجميلة ؟
هل يضيق الوطن على مبدعيه حد الغربة ثم يتسع لذاكرة أوجاعنا بعد ذلك أمام النعوش ، حين يعودون إليه تميّزهم ابتسامة الموت الغامضة ؟
أسامة معاوية الطيب
الشارقة 4/8/2002
|