منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > مكتبات > مكتبة أسامة معاوية الطيب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-03-2009, 12:17 PM   #[1]
أسامة معاوية الطيب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة معاوية الطيب
 
افتراضي شجـــرة الذاكــــرة

هذي مجموعتي الأولى
صدرت عن دار الفارابي - بيروت 2008 م
تتفاوت من حيث الطول وتكنيك الكتابة
سأقوم بإنزال بعضها تباعا للإفادة من الرؤى النقدية

القصة الأولى

الباب السري للمدينة

القهوة تضج بزبائنها وروائح الشيشة تغسل الرواد بعطن كيفها فتبدو العيون في نوم صاح وصحو نائم ... الساعة أقرب للثانية ولكن المآذن لم تنتهي بعد من واجب رفع الآذان ... تظل هكذا تتناوب في رفعه لحين اقتراب العصر ... الآذان دائما لا يضر فالأفضل ألا ينقطع عن المدينة وهي تخطو صوب شيخوختها الكبری تبحث عن حسن الختام ...
حسن الختام لا يعني مطلقا إعادة رصف الطرق وتأهيل المجاري وتجميل واجهات المحال التجارية وتزيين الحدائق بالعشب الاخضر والزهور الملونة ...
لا يعني مطلقا الخروج والدخول دون تلصص وخوف ... دون رقابة ما ...
لا يعني مطلقا التفكير بحرية حتی دونما صوت ...
لا يعني مطلقا حسن النية بالناس والحكومة ... وسوء الظن بالظن
حسن الختام ؟
حسن الختام لا يعني شيء مطلقاولكنها فقط تبحث عنه.
المدينة منذ زمن بعيد ترتدي ضجيجها الصاخب لتخفي همس أحزانها ... منذ زمان بعيد كان بها مسجد يمتليء علی سعته وبار يفيض برواده ... كان بها بنات ليل باهيات وأخريات يملأن أعين النهارات الجميلة ... كانت مقاعد الرجال بها تتحول تلقائيا للنساء قبل أن يدهمها فرمان يخصص مقاعد للنساء فيضيع تلقائية الرجال ويذهب بالحب ... كان بها مآذن تنشد القرآن والمديح وآذان تتسمعه وهي تغسل قلبها بحلو الذكری ولا تخشی الغد... كانت هذه القهوة ... قهوة (الحال) ... حاجة (الحال) هي من أوقفها علی أرجل كيفها ... استغرقت سنين عمرها السبعون وهي تعد الشاي والقهوة والحلبة والشيشة لعامة روادها والخمر البلدي الحارق والبنات الوارفات وأكباد الإبل لخاصتهم ... كانت تفرش المناضد بقطع القماش الأصفر الخفيف وترش الرمل بماء معطر يخفي لهب الظهيرة بثوب من النسيم الحلو ... كانت حاجة (الحال) إمرأة فارعة الطول تملأ فمها بابتسامتها المستديمة ... وأحيانا ... بالصعوط الممتاز ...كانت تسف نادرا ولكنه كان يساند ابتسامتها بإيجابية لأنه يخرج بشفتها السفلی لعوالم أكثر رحابة ... مكتنزة الصدر ... مفضوحة الأرداف حتی لكأن الكون يرقص عليها... لا تعبأ بثوبها دائما فقط تتركه علی كتفها لتبيء عن فساتينها الجميلة ذات القصر الواضح ... كان دخان سجايرها يلعن كل روائح البخور التي تطلقها في القهوة ويغرقها بنفاذه الغاتم ... لم تكن تدخن البنقو كثيرا لإعتقادها بأنه ( بتاع ناس ما عندهم شغلة) فيما كانت تنصح بناتها
- يابنات اعملن اي شي الا البنقو دا يلخبط ليكن صورة الدنيا البراها ملخبطة دي
... ولكن البنات فيما يبدو كن يردن أن يلخبطن صورة الدنيا خصوصا أنهن كن يتحصلن عليه مجانا ... فقط بضحكات وتأوهات لا تنقص كاملا ... الحال كانت تعرف ذلك وتقول
- شقاوة بنات ... نحن والله وكت كنا قدرن كدي العرقي دا نسمعبو سمع خليك من البنقو ... لكن بنات الزمن دا بقن مفتحات
كن مفتحات جدا ...
لا أبواب ولا نوافذ ولا جدران ...
يتنشقن كل الأنفاس ...
يشربن في أنين خافت كل أنواع السوائل ...
يغسلن السكون بضحك مفضوح‌
كانت تقسم ايراد قهوتها اليومي مع طلبة كلية ضباط الجيش ... تمر علی داخليتهم ليلا وهم ينتظرونها علی حواف شوقهم ... لأن (اسماعيل) ابنها الأكبر والوحيد ... جاءت بعده ست بنات ... مات بذات الداخلية قبل أن يستوي ضابطا في جيش المدينة خاليا من الأوسمة التي يتبادلها الضباط فيما بعد ... كانت تمر عليهم وهي تغسل عينيها بطيفه يحلق في الكاكي ويستر ما يشذ عن ساقيها من نظرات المارة ويسكنها فسيح رعايته ... رحل وترك لها اثنتا عشر ساقا جديدة تبيع الستر بالستر ... اثنتا عشر ساقا ناعمة وملساء ولامعة تخفي تحت زيت النارجين آثار ألسنة وأسنان ونظرات حادة وبقايا شبق منفلت ... اثنتا عشر ساقا تظلل سقوفا كثيرة حين ترفع في المساء وأطراف الصباحات الجميلة علی قواعد من أنين خفيض ... اثنتا عشر ساقا سمراء بعضها رشيق درجة الغناء وبعضها يغوص في رمل بدانته الحبيبة ولكنها تتفق في إغرائها اللذيذ ... والقهوة في صخبها يمر الكون كله علی مناضدها وينثر ما تيسر من حياة ويمضي ... ولكن في ركنها الداخلي ... في الزقاق المؤدي للمكان المعد لغسل الأواني ... زقاق صغير غير مسقوف ... جداره قصير نسبيا يمكن مراهقي المدينة من قرص بنات حاجة (الحال) بمساعدة فقط طوبتين بالخارج واقترابهن المتواطيء بالداخل وأيادي النشوة اللاحقة... متسخ جدا وربما لم يسمع مطلقا بالمكانس ... ضيق جدا علی اتساع بناتها الست ... مظلم جدا ... وهذه الظلمة كانت تضيء للكثيرين شمعات أوقاتهم ... المنضدة التي تقبع عند مدخله بلا أدنی اهتمام ... الوحيدة التي لم تنعم بقطعة قماش صفراء كالأخريات ... ولم تبلل الماء ذرات الرمل المتسخ تحتها ... كان يرتادها (علي حميدة) و(حسن البوم) ... كانا من أشهر دراويش المدينة ... يتسامران بها دونما رشفة شاي واحدة ... كانت (منی) أصغر بنات الحال تبرهما أحيانا ببقايا الشاي من المناضد الأخری ... وكان أيضا يحمل طعم الشاي الذي تذوقه الرواد وتركوه ... كان يحمل أيضا جزءا من مزاج ولو أنه ابرد قليلا من صورته في ذاكرتهما ... وكانا يعلمانها أولی خطوات طريق حاجة (الحال) ... كل بثمنه ...
(علي حميدة)
جاء للمدينة بلا سابق إنذار ولم يؤثر فيها كثيرا ... ينام حيثما اتفق ... وحيثما لم يتفق ... لم تر منه المدينة سوی جلبابه الوحيد القذر ... وضحكاته الصاهلة ... وونسته البذيئة ... يوزع بذاءته علی كل شبر من المدينة ويسترق ابتسامات بنات المدارس الحيية ... وقهقهات (الحال) وبناتها ... يغمز بعينه للمارة ولا يعبأ بسيل الشتائم والركل والضرب ... كاد يموت مرة حينما صادفه (عبدالحميد الرباط) يغمز لزوجته... علقه علی باب منزله ثلاث أيام بلياليها وكان كل صباح يحضر سلمه الصغير ويصعد عليه حتی يصبح مساويا لدكة السروال الذي أحضره معه خصيصا لهذه المهمة ويفرغ قرطاسا من نمل السكر اللئيم ثم يربطه وهو يصفر أغنية ساقطة وينزل ... يتركه لصراخه البذيء ... أصبح يتبول بصعوبة لسنة لاحقة ولكنه مستمرفي غمزه لها في غفلة زوجها الرباط ... هي أصلا من علمه الغمز ... كان حين يعود من الجزيرة مع خيوط المغرب بادية الحمرة يرفع جلبابه حتی المنتصف ويمسك نعليه بيديه وهو يخوض ماء النهر ... كان الماء يكفي فقط لرفع الجلباب مستوی الفخذين ... ولكنه بدا يتجاوز ذلك كثيرا فيما علمته ...
- يا بوم آحسن ترفع جلابيتك لغاية صدرك عشان ما تجيك نزلة
- وانت طيب ما ترفعي توبك لغاية صدرك
- لا انا لابسة تقيل لكن انت جلابيتك خفيفة ... بعدين ذاتو الهوا ينضفك شوية يا وسخان …
وتضحك ضحكتها التي تدفعه لتقافز مؤشرات تيرمومتري ثيابه وأعصابه
بدأ يرفع جلبابه حتی نهايات الصدر خوفا من النزلة وطمعا في النظافة ... وتغرق منطقته الوسطی في النسيم البارد ونظرات النساء الحارقة ... لأنه وربما علمته إمرأة أخری في محاولة لتجنب مرض آخر ... كان لا يلبس سروالا ... ومضی لا يعلم شيئا سوی أنه يحمي نفسه شر النزلة ... ولكن وبعد أن بدأت بعض النسوة في مداعباته ... وضربه في المناطق ذات الكثافة الإنسانية العالية ... بدأ ينتظرهن بفارق العري ... وكثيرا ماكان يرفع جلبابه بعيدا عن النهر
- أرفعا ؟ ويرسل ابتسامة بلا معنی ...
- والله أسع أرفعا ... لكن ان رفعتها ماتضربيني شديد
- خلاص خلي قلة الأدب دي وارفعا ما يجي زول
- اها رفعتها ...
- شايف أسع ياهو دا البقيت نضييييييف ...
تمرر يدها علی مواطن ضعفه فيقوی ...
العيون مشرعة تراقب الشوارع ... والأيدي مشغولة بتضاريس المرتفعات ... والقلب غارق في خفقانه اللذيذ .
ضاقت به لاحقا ... كان لا يصمت عن خفقان قلبه ... يحكي وهو يغمض عينا ويفتح أخری ويبرع في التمثيل ... للحقيقة لم يكن يذكر اسمها ولكن اشاراته الذكية في الوصف لم تكن تحتاج هطلا أكثر من هطله لفهمها ... أصبح الرباط يفرض عليها حصارا كاملا ... احتملت كل ذلك حتی أكملت تربية الجرو الذي احضرته من عرب الخلاء ... كلب بري ولكنه أليف ... يحتفظ لنفسه ببعض صفات الخلاء ... جرأته التي تصل حد الجلافة من أهم ما يميزه... ولكن أهم ميزاته إطلاقا أنه لا يحدث بمغامراته ... صار الأن في أكمل الفحولة ... ما عادت تخرج من المنزل ... فقط تهتم بكلبها ... ويهتم الكلب بلسانه ... يصونه تماما ... وليس أحسن من كلب في وضع مثل الذي يفرضه الرباط عليها ... إن تحمل عليه يلحس وإن تتركه يلحس .
(حسن البوم) ...
رجل صامت ... وسخ الملابس جدا ... يميزه أنفه الضخم ... الأطفال يسمونه (حسن اب نخرة) ... يرسم ضحكته الصفراء علی طول وجهه نابت الشعر بعشوائية بالغة ... أسنانه الصفراء تقدم رائحة فمه بكثير من الصدق ... يقرأ شعرا غريبا بأوزان أغرب ... كان يغني
البنات السمحات خربن قلبي ومشن
البنات السمحات سماحة السنين
وانا ذاتي البيقعدني ليهن شنو؟
انا بس اقوم امشي القيامة
مع السلامة
مع السلامة
ويهتز وهو يرددها ويضغط علی لحنها المسكين حتی يطاير رذاذ التمباك من بين أسنانه البالية ... كان يعمل حارسا ليليا في طلمبة المياه العامة علی ضفة النهر ... لأن حارس النهار يجب أن يكون عاقلا كما صرخ في وجهه (عبدالكريم) مدير المشروع ... وبقي يسهر قرب النهر طوال الليل يناجي أشباح الظلمة ويردد أغانيه وحين تسري رعشة خوف في جسده النحيل يصفر صفيرا صارخا ويلف وجهه بشاله الرث ردئ القماش الذي يتخاصم مع شاربه القذر ... صنعت القذارة من شعره دبابيسا ومسامير
- لكن (عبدالكريم) الـ........... دا أنا بلاقيهو برا
- هو قايلنا ما عارفنو؟
- هو قايلنا ما عارفنو ؟
كاد يزهق روح (عبدالكريم) حين خرج وحيدا من حفل افتتاح المشروع مزهوا بعباءته السوداء ذهبية الحواشي ... خرج ليتحلل من البرتوكول قليلا ويعود بعدها للكراسي الأمامية الوثيرة يتقاسم نظرات الإعجاب مع رجال الحكومة ... كان (حسن البوم) قد جلس وحيدا تحت شجرة نيم يابسة ولكنها متمسكة بالحياة ... ممسكا بعود طلح غير منتظم الحواف وثقيل بدرجة تكفي لقتل ثور ... كان يتوقع خروج (عبدالكريم) بين لحظة وأخری وكانت أي لحظة تكفيه لغسل إساءته أمام الناس
- (حسن البوم) دا خلوهو في وردية الليل يصاقر البحر دا لامن تصبح وشوفو ليكم واحد عاقل لوردية الصباح لانو بيجو مسؤولين
وسكت حينها (حسن البوم) لأنه يحتاج لوردية الهطلی هذه ... وكم بكی وهو يطالع النهر ساكن التيار وحفيف الظلمة يتسرب لأضلاعه فيشرخ جزءا من قلبه وثباته ... خرج (عبدالكريم) من الحفل ... وخرج (حسن البوم) من جلده ... رفع عود الطلح الثقيل وهوی به عليه ... مال (عبدالكريم) للخلف فجاء العود علی بطنه وصرخ صراخا عاليا
- تبكي يا ............ ؟
- ما قت راجل؟
وجری (حسن البوم)... عبدالكريم كان قد أخبر بعض الذين تجمعوا علی شرفات صراخه الواسعة - من بين لهاثه - أن هذه مشكلته وسيحلها علی طريقته ... وتبسم للمسؤولين بين خفقان قلبه واستمر الحفل ... ... كانت فقط أوهام (حسن البوم) من يجري خلفه ... ظل يجري طوال الليل ... طوال ورديته وهو يجري ... عاد للمدينة بعد أسبوع يزرع التلفت في الطرقات ويجني حصاد عوده الثقيل ... ظل (عبدالكريم) يتحاشاه ولكنه فصله من عمله المظلم .
منضدة (علي حميدة) و(حسن البوم) المنعزلة في قهوة الحال تقف علی ثلاثة أرجل ودرويشين ... تحتها تنام قطة مائلة البخت ... ولكنها تبدو سعيدة في وهدتها تلك .
(حسن البوم) يضحك فجأة علی غير حال طبيعته الصامته
- لكن يا (علي) عليك الله النمل الكان في سروالك دا كان قعد يسويلك شنو؟
ضحك (علي حميدة) وهو يرشف رشفة طويلة جدا من شايه البارد
- علي اليمين الأكولة الدخلتني تاني ما تمرق لا يوم الله ... لكن عندك خبر بقيت خبرة ... أسع انا من طرف الشارع اشم ريحة النمل ... عارف من اشوف لي مرة جعابا غلاد النمل دا براهو يجي يدخل في سروالي دا ... سروالي ياتو ؟ هو أنا عندي سروال ... داك ما جابو لي الـ ........ داك ... النمل ؟ الله لا تاجر النمل يخلي ايدك ترجف السنة كلها
- انت ذاتك ان كان ماك خايب (عبدالحميد الرباط) يسويلك كدي هو (عبدالحميد) دا راجل ؟ والله كان يجي علي أنا إلا أبول ليهو في جلابيتو الصفرا السمحة ديك
مرت (منی) علی جلستهما فغمز لها (علي) وقرصها (حسن) وتركاها بين ضحكتها السايفة ... كان فستانها ضيقا ... ازرق في خطوط صفراء رفيقة ... وكانت يديها تنبت في أكمامه كوردة وهي تمسح بقطعة قماش قديمة منضدتهما وتمازحهما ... تحك بمؤخرتها علی صدر (حسن البوم) وهي تغرق في ضحكاتها الناعمة ... وكان (حسن) حين الاحتكاك هذا وكأنه جزء من المنضدة اتساخا وسكونا وأرجلا ثلاث ... كان مطر الكون كله يتقاسم رأسه ...
- عارف (عبدالحميد) دا العمل ليك فيها راجل دا جيت لقيت (خالد) ولد عمك (الحسين) ... (خالد) الجنا اللاسع ما بلغ سمح داك ... لقيتو مع مرتو في فد سرير ومقلعين حوت بس ... (خالد) ختف جلابيتو ومرق وانا دخلت علی المرة ... قت ليها أمشي يا مرة يا ما عندك أدب أسع الجنا دا ما قدر ولادك ... انت مابتخجلي؟ ... ضحكت علي ... ومرقت ... جريت أكوس في الخايب دا لامن لقيتو وكلمتو قال لي ( إن جاءكم فاسق بنبأ) بللاهي شوف الـ......... دا ...
- اي بس شقي الحال يقع في القيد ... هو (عبدالكريم) ذاتو قايلنا ما عارفين مرتو ... والله قالو هي الشغلتو ... اسع في قعادنا دا تجي (للحال) دي هنا توديها بيت الضباط
صرخت (الحال) من طاولتها المرتفعة قليلا في صدر القهوة
- دا منو الجاب سيرتي دا؟
- يازول قوم امرق والله المرة دي تلم فيك الا تختلك عقارب في سروالك دا ... دي مرة شر
اثنتا عشر عينا كانت تغسل الوقت بالمساسقة علی خطوط نظر الرواد ... التفتت مرة واحدة صوب (الحال) وهي تفارق مقعدها العالي وتتوجه صوب أقذر مناضدها بثبات يستفز الأرداف ... فتغني أغنياتها العجيبة ... وترقص رقيصها الأغرب ... حمحم (حسن) كثيرا وقال (لعلي)
- الله لا كسبك والله المرة تصلنا هنا الا تفجخنا بي صلبا الكبير دا قوم نمشي نشوف لينا محل
قالها وهو يقف مستندا علي المنضدة ويهم بالجري
- انا ما قت شي والله
- قت واللا ما قت قوم امرق رقبتك دي
- مالكم بتوسوسو؟ انا قت اجي اتونس معاكم ... يا (منی) جيبي ليك حجر شيشة (تفاحة) وتلاتة شاي ... والتفت نحوهم وهي تواصل حديثها سندوتشات طعمية كيف ؟
بلعا ريقهما وتوزعت عيناهما في المكان تقرأن هذه النعمة المفاجئة ... احضرت (زينب) كبری بنات (الحال) المقعد العالي ووضعته قربهما ... نفضته (الحال) بيدها وجلست .... بدت وكأنها من كوكب آخر قرب نجميهما المتلاشيان المظلمان المتسخان ... قامت من مقعدها وسحبته للخلف وجرت احد كراسي المنضدة وجلست عليه ... لم تثر انتباه الكثيرين لكون أن المنضدة أصلا خارج نطاق التركيز والانتباه
- جبتو سيرة بيت الضباط ؟
- لا والله بس السيرة جات ... لكن ... تمام والله
- انا ماشي ياخوانا ... خلاص بجيك بعدين يا (علي)
- اقعد
... قالتها بلهجة آمرة تماما ... جلس (حسن) واستدعي كل عرق عرفه وكل رهبة ... مر شريط من دخول وخروج الرجال من زقاق غسل الأواني ... ولفحته ضحكتين متأوهتين ... ولكنه كان يفكر في كتائب الحشرات السامة التي تعسكر علی مقربة من سرواليهم في انتظار أمر الحرب
- أنا الليلة دايرا اتونس معاكم ... اها خبركم شنو ؟ ... (عبدالحميد) تاني سألك يا (علي) ؟
- لا والله ... بس بيحمر لي من بعيد وخلاص
- انت ما مسكين ساكت انت عارف انو (عبدالحميد) دا ذاتو ما راجل ؟
كان (حسن) قد وضع السندوتش جانبا بعد أن وقفت لقمتين في حلقه الناشف ... وشعر (علي) بإهانة مباشرة لكرامته ولكنه آثر الصمت
- اي والله ما راجل ...
جرت نفسا عميقا من الشيشة وصلت كركرته لآخر نقطة دم في رجل (حسن) وهو يكاد يتلاشي من هذه المرة الشر ... وكان (علي) يتوقع العقارب في سرواله في أي لحظة ... حتی بات يشتهي لؤم النمل
- (عبدالحميد) العلقك قدام بيتو دا ... ضحكت وهي تسعل سعالا خفيفا ... وملی ليك سروالك نمل ... شفتو ... براهو جاب مرتو لي هنا وقال لي علميها الدلكة ... قت ليهو سجم خشمي دلكة شنو البعلما ليها انت معرسا ليك يبقی سبعة سنوات لا اسع ... قال لي بالحرف الواحد لا انا ما محتاج للدلكة بس هي لازم تتعلما ... عرفت بعد داك انها بتدلك الضباط ديل من طرف بالقروش ... كمان بالقروش حتی ماها هواية
- انا (عبد الحميد) عارفو راجل .......... ساكت لكن انت صح (عبدالكريم) مرتو هي السوتو مدير المشروع ؟
- اي هي السوتو مدير المشروع ... وانا حاضرة الكلام دا ... لكن نحن ناس في حالنا ما بنجيب سيرة الناس ... انت قايل ولادو الداخلين ومارقين ديل ولادو ؟ اسع امشوا من محلكم دا وشوفوهم ما قعد يشبهو (عادل) ضابط المجلس ؟
ارتسمت ملامح (عادل) أمامهم ... نفس الصغر في عينه اليسری ... نفس الكلام السريع المتقطع ... نفس ... نفس ... الخالق الناطق ... اثنتا عشر ساقا حينها غسلت الجهر بالسر وحفظت عن المدينة بابها السري ومضت ... برد الشاي ... وانطفأت الشيشة ... ولكن أرجل (علي) و(حسن) بدأت تقرأ نملا آخرا ... غير نمل السروايل اللئيم ... تمنوا للحظة لو أنهم عقلاء حتی يدروشوا مجددا ... كانت المدينة التي علمتهم الكثير قبلا أوقدت حلوقهم بهتاف نائم ومسيرة مليونية الرعشة تمشي بينهم ... الصور تتقافز أمامهم ... وصوت الطلمبة الليلي يخترق مخيلة (حسن البوم) وهو يحرس وردية الليل حتی يأتي الصبح بوردية العقلاء ... كان (علي حميدة) معلق بين السماء والأرض ... تتخاطفه الأيام برغباتها المجنونة ... وتغرقه الدنيا في بحار الهلوسة ... يرن في ذاكرته جرس أبيه الراحل
- (إنت يا (علي) يا ولدي ماك درويش ... إنت راجل نضيف ... شوف أي زول زيك كدي دا بس الله حافظو من وسخ الدنيا دي ... والله يا ولدي أخيرلك كدي
صوت (الحال) يأتي من أقصی المدينة يفتح كتابها أمامهم ... يفتح بابها السري عن صفحاتها الداخلية ... وهم يتطلوحون بين صراخ وصمت ... كانت (الحال) وكأنها تتمنی منذ زمان طويل أن تفتح الباب السري حتی تری المدينة نفسها ... ظلت تحكي وتحكي ... مر الإمام وبعض أساتذة المدارس ... مر (محمد صالح الفقير) ببخراته وسرواله الذي تحفظ رائحته النساء ... مرت إمرأة العمدة ... مر العمدة ذاته .. وبناتها يتوزعن علی المناضد والبيوت يكشفن ويسترن ... يكتبن في الأبواب الرئيسية ... حضرنا ولم نجدكم ... كانت الأبواب السرية تأخذهم كل مأخذ ... المدينة المغسولة بفضيحتها تغلق باب سرها عليها وتخشی فقط (الحال) علی حالها ... ولأن المفتاح أثقل من أن تحمله وحدها وزعته علی هولاء الهطلی فزادوا هطلا وظل العقلاء في عقلهم البائس يلوكون (إن جاءكم فاسق بنبأ) مع (عبدالكريم)...
كانت الحال تحكي وتحكي و تحكي ...
وكان (علي) و(حسن) يتوزعان غيما علی سهول العقل ...
كانا نغما هاربا من آلة قديمة عزفت ألحانها وضاعت ...
اثنتا عشر ساقا أسبغت عليها (الحال) جهر المدينة وأغلقت بابها السري لأن (اسماعيل) إبنها الوحيد مات قبل أن يتبادل النياشين والأوسمة وصدور البنات الممتلئة مع بقية الضباط ومضت هي لترسم سيرتها من علی مقعدها العالي ...
وتدفن مفتاح باب سر المدينة في قلب (علي حميدة) الذي جاء إليها دون أن يترك أثر وغادرها دون أن يعقل حالها ...
وفي قلب (حسن البوم) الذي قاطع وردية الهطلی ومضی دون يترك عنوانا لعود الطلح الثقيل الذي يكفي لقتل ثور وما قتل (عبدالكريم).
جاء أذان العصر علی المدينة باردا ... في نفس برودته المعتادة ... وظل يتردد حتی لاحت خيوط المغارب الحمراء ... ولكن خطوات (علي حميدة) و(حسن البوم) كانت تسمع أذانا آخرا ... وعادت (الحال) بمقعدها لمكانه وبدأت تردد صياحها المعتاد ... وعاود زقاق غسل الأواني مهمته الشبقة بمساعدة الطوبتين والإقتراب المتواطيء وأيادي النشوة اللاحقة.

أسامة معاوية الطيب
طهران 8/11/2004م
25رمضان1425هـ



أسامة معاوية الطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-03-2009, 12:45 PM   #[2]
خضر حسين خليل
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خضر حسين خليل
 
افتراضي

يا اسامات
الاحاويل ياخ
وينك ماظاهر ولا أنا المختفي
المهم اتصلت بحسبو والمشكلة انو تلفون اخوك راح في حق الله بق الله وبالتالي فقدت رقمو طبعاً الكلام دة كلو عندو علاقة بالرواية الاتقطعت عشان الم فيها وعليه يا اسامات انا بشوف انك ترسل لي الرواية انشاء الله بالدي اتش ال ! وبالعدم حملو لي كأتاش (تاش تاش) مينت .

لانو جد اخوك كبر والقراية من علي الهواء من الشاشة مباشرة بقت تضر بالصحة !



ومشتاقينك يعلم الله
فأظهر ولو في الفيس بوك وكان الله يحب المحسنين والمحسنات طبعاً .



التوقيع: يــا وطن عز الشدائد
ــــــــــــــــــــــــــ
حميد
خضر حسين خليل غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-03-2009, 01:00 PM   #[3]
أسامة معاوية الطيب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة معاوية الطيب
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خضر حسين خليل مشاهدة المشاركة
يا اسامات
الاحاويل ياخ
وينك ماظاهر ولا أنا المختفي
المهم اتصلت بحسبو والمشكلة انو تلفون اخوك راح في حق الله بق الله وبالتالي فقدت رقمو طبعاً الكلام دة كلو عندو علاقة بالرواية الاتقطعت عشان الم فيها وعليه يا اسامات انا بشوف انك ترسل لي الرواية انشاء الله بالدي اتش ال ! وبالعدم حملو لي كأتاش (تاش تاش) مينت .

لانو جد اخوك كبر والقراية من علي الهواء من الشاشة مباشرة بقت تضر بالصحة !



ومشتاقينك يعلم الله
فأظهر ولو في الفيس بوك وكان الله يحب المحسنين والمحسنات طبعاً .
خضر
تتونسو انتو ... وندفع نحن حق الدي اتش منو ؟
ياخي مشتاقين ... وجدا كمان
نسختك تصلك لحدي عندك ... لكن بي بريد الله والرسول ... ان شاء الله تصلك بعد الكتاب التاني
يازول عنوانك بس والباقي علي

كيفك ياخي ؟
انت بالذات انا منتظر رايك شديد ... وفي باب السر دا كمان



أسامة معاوية الطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2009, 08:00 AM   #[4]
elle
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية elle
 
افتراضي

[mark=CCFF66](يفتح بابها السري)[/mark]

هذا ما استطاعه أسلوبك المميز مع عقول تمضي بجد في مسيرة البحث عما يرتقي بها أشكرك أخي ..وأنا متابعة.



elle غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2009, 12:44 PM   #[5]
أسامة معاوية الطيب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة معاوية الطيب
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة elle مشاهدة المشاركة
[mark=CCFF66](يفتح بابها السري)[/mark]

هذا ما استطاعه أسلوبك المميز مع عقول تمضي بجد في مسيرة البحث عما يرتقي بها أشكرك أخي ..وأنا متابعة.
elle
شكرا جميلا للمؤازرة
أنا سعيد بمرورك ... وبمتابعتك كمان
جاييك قريب بي النص التاني
كوني هنا



أسامة معاوية الطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-03-2009, 11:23 AM   #[6]
أسامة معاوية الطيب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة معاوية الطيب
 
افتراضي

حـــــــــــــنين
أجلس الآن … تستغرقني الظلمة .. وأستغرقها .. أذوب فيها .. الماضي قطعة ظلامٍ تعرف طريقها للفجر الجديد .. أجلس متجرداً من أوهامي … متجرداً من تعقيدات الحلم … من ملابسي … الملابس أحياناً أغلالاً في مواجهة عري الفكرة … أتطلع للبحر … الهادئ الصاخب .. آهٍ يا هاجر … كيف تعرفين أن البحر يسكنني فتملئين الأفق بمراكب الذاكرة … آهٍ وأنت تسافرين إلى نهايات احتمالي … كنت أعرف كيف أكتب عن نفسي .. تاريخي .. هواجسي .. بما يشبه الصلاة .. وأكتب عن أحلامي بكامل اليقظة … واليوم أصغي للبحر .. يحكي لي عني … اصدق من يحكي عن الأشياء .. وأنا شئ يتكوّم على شاطئه باستهتار … يصمت .. يصخب .. يدين الشاطئ بثرثرة ماضيه الطويل .. قطعة خشب سافرت عبره مئات الأيام والأميال .. تشربت ماؤه وملوحته وعظيم صبره .. أسلمت لونها لخيوط ملحه المستفزة وزرقة سماواته المترامية … باتت تنسى بداية الرحلة .. أنا تلكم القطعة .. لا أعرف فكاكاً من ماضٍ يصرّ على الحضور .. متأبطاً أسلحته التي لا تعرف الهزيمة .. وأنا دائماً في مواجهتها أعزل إلا من ذاكرة تنحاز لها .. يخص البحر الشاطئ بذكريات لا يحكيها إلا له .. ولا يعيدها عليه .. والشاطئ لا يكترث لذلك .. فقط يحفظ عنه كلما تطاول الموج وأستقر عليه .. نادماً أو عازماً على الفكاك الكبير من بين حبائله .. الموج ينسحب جاراً ذيوله نحو أعماق قريبة .. بعيدة .. ومصطدماً مع ضفائر القادم أكثر عزماً .. بحكاياته ورغباته المجنونة .. والشاطئ ملقى على ظهره يتطلع صوب الشمس .. كل أسرار موجه تفتتها الأشعة المتمردة … والشاطئ في استلقائه يستنشق رائحة الخشب المعطون بالملح .. وأسماك تطاولت على تاريخها وقفزت على تاريخه .. تحاول تغيير رئتيها بهواء السطح .. تستشهد .. في صخب .. وفي هدوء .
كان البحر أعظم من كل الأحبار ورؤوس الأقلام .. على ورقة الشاطئ مستفزة الفراغ … فيكتبها بجرة موجة .. ويمسحها بجرّات .. وأصمت وأنا مستغرقٌ في كتاب البحر للشاطئ .. كتاب السنين ... طائر وحيد كان يزرع الفضاء بحقول الترقب ... يغسل بجناحيه زرقة السماء فتبدو أنصع ... وكأنه يقرأ رسائل من شوق ما … يدنو من سطح البحر يغوص فجأة ويعلو مجددا وفي فمه سمكة وفي جناحيه زهو قصة جديدة ... لبرهة تخيلت وكأن بيننا الكثير من الحديث الذي بدأ ولم ينتهي ... بيننا العميق من الونس والحكايا ... بيننا قصص هجر وفرقة ولكنا نختزلها في حفيف الرمل بين أصابعي وصفير الهواء بين جناحيه ... ياللغة هذا الكون ... كلما أطفأ الطائر جناحيه واقترب من الماء كلما صفق قلبي بجناحيه وحلق في نشوة الذكری ...
آهٍ … كم سنة تراها مرّت قبل أن التقي هاجر ؟ وكم سنة أخرى مرت بعد أن التقيتها ؟ كانت نافذة العشق .. كانت الموجات المتقافزة على شاطئ ذاكرتي .. أشبعت رمالي بخيوط ملوحتها وملاحتها .. جاءت لزواج قريبها .. كانت تقف في مكانٍ واحد كل أيام العرس .. تغيّر الفنان .. وموضع العروسين .. والاستعداد النفسي للحضور .. والحضور نفسه .. وفساتينها .. ولم يتغيّر مكانها .. وبريق عينيها .. والوعد الذي يخترقني .. ومكاني .. وبنطالي القديم .. كنّا لا نعرف من ليالي العرس إلا أعيننا المشرعة في بحار الصمت .. تتقافز موجاتها على رمالي .. فتترك خيوط العمر ، خيطاً .. خيطاً .. على الذاكرة الرملية .. تظل أسماكها المتمردة ترتعش على رمل وجودي .. لا أستطيع أن أعيدها إلي البحر .. ولا إلى الحياة .. تلبس كل يوم فستان أحمر .. هي تحب اللون الأحمر .. أنا لا أعرف إن كنت أحببته معها أم لعلاقةٍ أخرى أجهلها .. كانت فساتينها متغيرة .. مختلفة .. فستان عارٍ بسيور رقيقة على كتفيها .. الناعمين حد الغناء .. فستان بياقة وردية وتزيّن أطرافه ( كشكشة ) وردية كذلك .. لامع جذاب .. جاكت لافت الحمرة تحته بلوزة سوداء .. وكان بنطالي القديم والوحيد يتغيّر كل يومٍ ليوائم كل فستان .. لم تبتسم لي مرة .. طيلة أيام العرس .. ولكن عينيها كانتا دائمة الضحك .. عينيها أعمق من هذا البحر ورموشها أمضى من كل أسلحة التاريخ المشرعة الآن على الذاكرة المنهكة .. تفصلنا عن بعضنا بضع خطوات وبضع نساء يرقصن .. وأصوات تعلو وتعلو في صخب العرس .. وكذلك تفصلنا مسافات أخرى وأزمان سحيقة تتسرب إلى لوحة المكان يومها
كانت أصغر مني بخمس سنين وأنا بعد في سنين الجامعة الأولى .. أطالع خيوط مراهقتي المتناثرة .. وتكمل لي فساتينها عشقي للون الأحمر بعد ذلك بوعي .. لم تبتسم ولكنها أرسلت عبر علو أصوات العرس همساتٍ باسمة .. حوّمت حولي .. ارتعشت .. ما أجمل أن تفرغ نفسك من ذاتها وتدلقها على رحيق العيون .. أحسّ بيدي تعبث بشعرها المخبوء خلف إيشارب وردي ناعم .. يختصرني بيت شعرٍ قفز لقلبي فجأة .. وأختصر أنا كل أبيات الشعر في نظرتي .. أشعل زيتٌ خفيف على شعرها .. رعشة أصابع قدمي .. كانت تنام في حياء داخل حذائي البالي .. ولكنها تمردت وتنفست عبر ثقوبه التي أرجعتني للصف الثاني في الحفل .. مهلكٌ هذا الجسد .. يفعل موته في الروح متى شاء .. ولكن عينيّ لم تسوّر بمكانها وحذائي وبنطالي .. حامت بحرية .. أرخت الإيشارب عن شعرها .. وكأنها تسمح لأحلامي بانسيابٍ جذّاب .. قالت لي بعد ذلك بسنين .. إنها كانت تحسّ بيدي على شعرها .. كنت أحسّ بيديها على قلبي وشعري وشِعري ..كنت واقفاً مكانها .. بحثت عن كرسي لأجلس حواسي المنهارة .. لكن حذائي لم يشجع أحد على منحي أي فرصةٍ لاستراحة .. غداً تكتمل مراسم العرس .. إذن لابد للقصيدة أن تكتمل اليوم .. أأختصرها في قصيدة ؟
سار العروسان للنيل .. ارتفعت حول الموكب الصاخب جرائد النخل .. الأمهات يتفانين في غناءٍ صادق .. والبنات يحتسين النظرات المتلاحقة بكيفٍ بالغ .. العصر في أول ساعاته .. والطريق المتعرجة تثير الغبار وهي تحاول الوصول للنيل قبل العروسين .. الغبار يسكن أعالي النخل .. والسكون يسافر لعالمٍ آخر .. العروس بدأت توسع في ابتسامتها التي سجنتها لليالٍ خلت في خفر المهمة الجديدة .. يبدو أن سكون ساعات الليل الأولى هي التي تخلق صخب خيوط الفجر .. وفطور العريس الذي تتقافز حول مائدته خيوط السمن البلدي ( والسكسكانية ) .. كانت هاجر تحاول عبر حركاتٍ عادية أن تقاطع موكب النساء من أقصى أطرافه التي تسير فيها ، إلى الطرف الآخر ، حيث اخترت أن أسير ، لم ألمح عيوناً حائرة غير عينينا .. فقط لأني لم أجتهد في البحث .. الآن هاجر .. بقلبها وفستانها الأنيق ودقات قلبها وقوامها الذي تمنيت إحاطته بي .. وشفتها التي قالت ما لم يقله كل الصخب الذي يحيط بالمكان .. صغيرةٌ كوعدٍ جميل .. مكتنزةٌ كحلمٍ صاخب .. الآن أصبحت قربي تماما .. لفحت أطراف الإيشارب وجهي فماتت ألف قافية … وحييت ألف قصيدة .. عثرتْ على رجلها .. قاصدة .. أمسكت بيدي .. هرب الكون من تحتي .. تصببت عرقاً وشعراً وحياة .. أطلت مسك يدها وأنا أوقفها .. يا ساتر … يا ساتر .. إذن فهناك عيون كثيرة تراقبنا .. لماذا تقابل رعشتي دائماً بجرأة عينيها الحلوة ؟ مدت لي قطعة حلوى تلقفتَها من بين القطع التي نثرها العريس في الفضاء .. العريس مملوءٌ بفرحٍ مفضوح .. وأنا مترعٌ بفضيحةٍ مخبوءة .. فضيحة العشق الذي يتسرب من بين أصابع قدمي .. أمسكت بالحلوى وبيدها .. فكتها بخجلٍ حلو .. وانتبهت حولها .. للمرة الأولى .. ولم افعل أنا .. حينها كان حذائي يسبح في طينٍ تجاوزه الكثيرون في الطريق .. لم أضع قطعة الحلوى في جيبي .. لأنه لا يقوى على حمل شئ … أفسدته الثقوب حتى نسيته.. ولم استطع فضّ ورقتها .. فمثلها لا يؤكل .. أحالت السنين لونها للونٍ باهت .. لون ذاكرتي
البحر صاخبٌ .. والليل ساكنٌ تماماً .. إلا من صوت الذاكرة .. وصفير الريح القاتل الذي يلفح وجهي بناعم الرمل .. صوت الذاكرة .. ذو الرائحة والطعم واللون .. أفسد وضوء الحلم الجديد .. إذن فصلاة العشاق دائماً تصطدم بحائل الذاكرة الكثيف .. مستلقٍ على الرمل .. وذاكرتي تكتبني بجرّات الموج .. وتمسحني .. والشاطئ مستغرقٌ في صمته الصاخب .. أغنيةٌ قديمة تعبت معي كثيرا حتى فقدت لون لحنها ورائحة شِعرها .. أصبحت تخرج من فمي لتدخل في محنتها معي .. من يعيدها لزمان لحنها مني .. من يعيدني لزمان لحني منها .. أنا والأغنية نستلق على رمل الحلم .. ننتظر المستحيل .. هاهي أعوامٌ وأعوامٌ مرّت ، منذ أن وضعت هاجر طفلتها الأولى .. وأسمتها "حنين".

أسامة معاوية الطيب
الشارقة 28/9/2002



أسامة معاوية الطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-03-2009, 07:53 AM   #[7]
elle
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية elle
 
افتراضي

اقتباس:
ياللغة هذا الكون
هذا الكون الذي أعني هو الذي صحبناك فيه عبر هذه الرحلة العميقة المذهلة من خلال تلك الحروف الممزوجة بالألوان مسموعة النغم.لك شكري على متانة الإحساس.



elle غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-03-2009, 08:38 AM   #[8]
سامي
:: كــاتب جديـــد ::
الصورة الرمزية سامي
 
افتراضي

ما أجمل أن تفرغ نفسك من ذاتها وتدلقها على رحيق العيون

يا لك من رائع يا سيدي انت
لقد سرقت انتباه العين لجمال اسلوبك .
يديك العافيه



سامي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-03-2009, 08:14 AM   #[9]
أسامة معاوية الطيب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة معاوية الطيب
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة elle مشاهدة المشاركة
هذا الكون الذي أعني هو الذي صحبناك فيه عبر هذه الرحلة العميقة المذهلة من خلال تلك الحروف الممزوجة بالألوان مسموعة النغم.لك شكري على متانة الإحساس.
مرورك ينعش ويحفز
ويخجل التواضع كثيرا
أشكرك كما ينبغي

كوني بخير



أسامة معاوية الطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-03-2009, 08:16 AM   #[10]
أسامة معاوية الطيب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة معاوية الطيب
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سامي مشاهدة المشاركة
ما أجمل أن تفرغ نفسك من ذاتها وتدلقها على رحيق العيون

يا لك من رائع يا سيدي انت
لقد سرقت انتباه العين لجمال اسلوبك .
يديك العافيه
شكرا جميلا يا سامي
الله يديك ألف عافية
أسعدني مرورك كثيرا ... وبيننا كثير مما يجب أن يقال ... كن قريبا

شكرا



أسامة معاوية الطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-03-2009, 08:42 AM   #[11]
elle
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية elle
 
افتراضي

اقتباس:
كنت أعرف كيف أكتب عن نفسي .. تاريخي .. هواجسي .. بما يشبه الصلاة .. وأكتب عن أحلامي بكامل اليقظة … واليوم أصغي للبحر .. يحكي لي عني … اصدق من يحكي عن الأشياء .. وأنا شئ يتكوّم على شاطئه باستهتار … يصمت .. يصخب .. يدين الشاطئ بثرثرة ماضيه الطويل .. قطعة خشب سافرت عبره مئات الأيام والأميال .. تشربت ماؤه وملوحته وعظيم صبره .. أسلمت لونها لخيوط ملحه المستفزة وزرقة سماواته المترامية … باتت تنسى بداية الرحلة .. أنا تلكم القطعة .


"قف تأمل".... نصوص لا تحتمل القراءة السريعة



elle غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-03-2009, 11:31 AM   #[12]
أسامة معاوية الطيب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة معاوية الطيب
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة elle مشاهدة المشاركة
"قف تأمل".... نصوص لا تحتمل القراءة السريعة
لا قبل لي بجميل كلماتك
شكرا جميلا



أسامة معاوية الطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-03-2009, 12:06 PM   #[13]
أسامة معاوية الطيب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة معاوية الطيب
 
افتراضي

تكوين
( النهر يبدؤنا بالغناء)
كانت النافذة الصغيرة تغسل الغرفة بنسيم الشتاء .. وتغسل السكون بهمسات الهواء البارد .. بين الجدار والنسيم ونسٌ لطيف .. والأشجار تميل أغصانها كأنها تغني أغنية المواسم كلها .. غرف المنزل الثلاث المتلاصقة تستعد بدفءٍ عميق لشهور البرد القادم .. ترقد القطة على موائها الخافت في ركن الغرفة الأخيرة .. تحت رجلي (فاطمة) .. تتمسح بهما وتتمطى .. تنفض عن ظهرها قلق الصيف القاتل ... مسحة من برودة تسري في الأشياء من حولها فتكسو المكان بلون وطعم مختلفين ... أصوات الأقدام بالخارج تبدو وكأنها تتلذذ السير ... والأرض تحتها تنام في ونس الرطوبة ... وصوت المذياع يسري بموسيقاه الصباحية الحالمة كخمر معتقة انتظرت طويلا فك طلاسم نملها ومضت تجرجر شوك لذتها علی حرير الدم ... عصافير صغيرة ... تغمض عينيها لثوان ثم تسقسق في كسل ... خارج عشها بين جريد السقف ... وكأنها تنتظر موعدا ما ...
كانت فاطمة تلف شالا أبيض اللون حول جيدها تلامسه بعض شيبات حائرة تتنزل في حرية عن رأسها ... انشغلت عن مرور الكون بساعاته وأيامه بدندنة ناعسة وهي تمسح علی يديها زيتا اشتاق الخروج من زجاجته الصغيرة لامتلائها بالشعر فسال أكثر ما رجوته بين أصابعها ومنحها زمنا إضافيا للغرق في تأملاتها وهي تحد من اندفاعه بالمسح علی رأسها ... تحرك أصابع رجليها حركة مستقلة تماما عما تفعل بيديها وكأنها تتوزع المكان بحواسها وجسدها ...
- والله .. ليس أجمل من الشتاء ..
سرت تنهيدتها العميقة كنجمين تعانقا أخيراً في طواف المجرة واحترقا عشقاً ثم غمزا قبيلة العشاق بضوءٍ بعيد قبل أن ينتثرا على الفضاء ذاكرة حبيبين وكتاب وعود وبقايا شعاعٍ متلاشٍ .. غرقت في ابتسامتها .. تلون بيديها أقواس قزحٍ جديدة وهي تطفئ الصمت بالهمهمة المتواصلة .. تقرأ تراتيل تخصها وحدها .. تحت قدميها قناديل الذرة الشامية وسنابل اللوبيا الخضراء .. رائحة طلع النخيل تروّج لمواسم الثمار القادمة بكل ألوانها
- تلمّنا فيه غرفةٌ واحدة .. تنعم جباهنا فيه بنعومةٍ بددها حر الصيف.. والله لولا نسمة الشتاء هذه لضاع العمر و اهترأت الذكرى .. والله لولاه لما عرف الندى معنىً وضاع في زحام العرق.
كل شئ هنا تسكنه بدايات الشتاء ويسكنها .. العصافير تقف على النافذة تمسك بخيوط عشها وتحلم بليالٍ أنيقة .. ما عاد الذباب الذي ضيّق نهارات الصيف بلزوجته يفعلها الآن .. الشوارع غارقة في صمتٍ لذيذ .. النسيم فقط من يغني .. كانت (فاطمة) وهي تعبث بيديها في العدس تنظفه للغداء ، تستسلم لطارق البرد والذكرى وتعيد على (سيف) ما ظلّت تردده على سمعه منذ سنين طويلة .. وكأنها تخشى عليه من نسيانٍ قادم .. أمك كانت دائما تقول لي :
- يا فاطمة (سيف) هذا ولدك .. نحن لسنا سوى ذاكرةٍ تحاول خلق الغد – عبرَه - وترحل .. علِّميه أن البحر هو الحياة وهو الموت .. منه يبدأ وفيه ينتهي .. لا .. لا ينتهي فيه أبدا ... إنما يبدأ دائماً.
كانت كل عصر توقفني في ذات الضفة التي شهدت عودتك للحياة يا (سيف) وتقول لي نفس الكلام .. كنت أقاطعها أحيانا بين دموعي
- بالله لا ترددي مثل هذا الحديث .. (سيف) ولدك .. ستربِّينه وتربِّين أبناءه إنشاء الله ..
- (فاطمة) .. فقط اسمعي .. واحفظي .. (سيف) هذا ..
وتعيد نفس الكلام وهي تبتسم وعيناها تحلقان في الحقل والنهر والسماء ..
- الآن أحس بإلفة ما لذلك المكان ... حيث الحقل والنهر والسماء يصنعان أجنحة من حضور كثيف درجة الرعشة ... يهفهفاننا بها حتی لتغمض عينيك من سحر النسيم ... الآن فقط أعلم لماذا كنت أسرح وهي تعيد علی كلامها عنك ... بيني وبين ذلك الثالوث شريعة الحياة ورباط الموت ... الحقل والنهر والسماء ... كانت أمك شيئا منه ... تحسها للحظة ما شجرة داكنة الخضرة ولكنك تسمع جريان الماء من بين همسها... تترامی لبصرك كحد الأفق وهي تغرقك في حنينها الأبدي لكون ليس هو الذي يسير بأيامه بيننا ...
وكان (سيف) يسمع بنفس الطريقة التي اعتادها منذ سنين .. ولكن شيئاً جديداً ترقرق من عينيه دمعةَ ائذ .. الشتاء يتخلل الأصابع ويكسوها بخدرٍ ناعم ورائحته تلفّ المكان .. مستلقٍ على ظهره .. يديه تحت رأسه وعينيه على السقف المنسوج من جريد النخل والدموع تتقاطر منهما مع أنه لا يترك ابتسامته أبداً ... يتكئ علی يده ... وحكاوي فاطمة ... وبين عينيه مسير من قافلة الحقل والنهر والسماء ...
- غريبةٌ هذه الدنيا .. تبدأ عند هؤلاء الناس من بدايتها الحقيقية ولكنها تغرقهم في نهاياتها باكراً .. يمشون على أطرافها وهم غارقون فيها إلى أخمص حقيقتها .. النهر يحييهم ويميتهم .. هم لا يموتون .. فقط ينتظرون حياتهم القادمة في نومةٍ طويلة .. يا لهؤلاء الناس يحييهم الموت .. الموت هو الأصل في تكوينهم .. لذا يبدعون الحياة قصيدةً وأغنيةً وبعض أوتار.
- يوم الحادث يا (سيف) …
يداها تعبثان بالعدس وعيناها تتوزع في المكان وثوبها الأخضر القديم يتكوّم في حجرها تعدل جلستها وترفع رجلها على طرف (العنقريب)(1)الصغير .. تلملم ما تساقط من شعرها وتكوّره جيداً .. تدسه بين الحبال .. غير منتبهة لأصوات أرجل الدواب على الحجارة المتناثرة وعراك أطفالٍ يلعبون في الميدان القريب
- جاءت أمّك .. أخذت زجاجة عطرها من هناك .
وتشير إلى المنضدة ذات المشمع متناثر الورود والأوراق التي ترص عليها الأطباق والأكواب يسكنها الغبار والسكون ... المنضدة التي مرت عليها سنين كثيرة اضاءت وانطفأت وهي في وهدتها هذي ... تسند رجلها المكسورة علی حجر وتدفن ذاكرتها في إلفة المنزل وتعاقب الليالي والصباحات علی جدرانه ... تذكر جيدا يوم أن فرشوا عليها المشمع الأصفر متناثر الورود والأوراق هذا ... ليلتها لم تنم وهي تتلمس أطرافه ... ولكنها أيضا تذكر وجيدا يوم أن مسك أحد أطرافها في جلباب الحاج حسن وكيف أنه نزعه حتی انكفت علی الأرض وقامت بين صياحه وركله كسيرة الرجل ومازالت تنام في جبيرة الحجر ... لكنها أيضا لم تنس كيف أنها كانت تنعم بأغنيات فاطمة الناعسة وهي تغني لسيف قبل نومه أغنيات ترحل بالكون والحلم ...
- مسحت يديها جيدا ثم مسحت بهما وجهك وأذنيك وقبّلتك وهي تضمّك لصدرها كأنها تراك لأول مرة .. كان (حاج حسن) يصيح فيها
- يا (وليَّة) أسرعي المركب لن تنتظرنا أكثر.
ضحكت وهي تقول له
يا راجل القدر سينتظر دائماً ... القدر أصلا لا يشعر بالملل ... مهنته الأولی هي الانتظار في الزوايا للمباغتة ... لماذا يباغتنا القدر ونحن أصلا لا نملك أن نرفضه ؟ هل يستلذ بالفجاءة التي تترك ثقبها في القلب ؟
- غرقت المركب يا (سيف) ..
- قالتها وهي تغوص في مكانها ... وبدا شيئا ما يسكن بين حاجبيها ويزيد اتساع عينيها ... وكأن كحلا ما سكن أطرافهما ... اختلطت ابتسامتها بدمعتها ولكنها كانت تحكي بين نشيجها ورعشتها ... حتی أن العصافير الصغيرة التي كانت تتقافز بين أعواد السقف صمتت فجأة
- المركب كلها راحت ..ثلاثةٌ وعشرون رجلاً وخمس عشرة امرأة فِداك يا (سيف) .. أنت فقط من عاد .. أنت فقط .. كان عمرك سنتان .. سنتان وأم مثل (حاجة نفيسة) ومسحةُ عطرها على وجهك وبين عينيها خاتم الوعد .. كان عمرك زمنٌ وأقدارٌ وليالي .. كان الحادث جرحٌ ينزف في خاصرة البلد كلها .. و أنت تنظر لهذا السقف وتبتسم .. ثلاثة وعشرون رجلاً يعاومون التماسيح راحوا .. وخمس عشرة امرأة يحجبن عين الشمس رحن .. أنت فقط من عاد.. أعادك عطر أمك وخاتم وعدها الذي برق بين عينيها .. أعادك البحر يا (سيف)
و(سيف) غارقٌ في الكلام كأنه يسمعه للمرة الأولى .. دموعه وكأنها خلقت لتصاحب هذه القصة .. الدجاج يثير بحركته المستمرة جوّاً غريباً في الغرفة ويطبع المكان برائحته.. تهشه (فاطمة) وتتمتم في سرّها كلماتٍ مبهمةٍ تخصه .. يصدر أصواتاً تتخلل الرائحة ويجري خارجاً .. ويبقى أثره متحداً مع رطوبة الأرض
- لم يسمع الناس صيحة استغاثةٍ واحدة حين غرقت المركب .. غطست مرةً واحدة وكأن يدٌ تجذبها من أطرافها للأعماق .. يقولون .. جاءوا إليها ملائكة لم يحصهم أحد .. مسكوها من أطرافها ونزلوا بها للقاع .. وبعضهم شاهدها تطير بعد ذلك .. أي والله .. تعرف أن المكان الذي غاصت به المركب لم يقطعه كائن من يومها .. كل الطيور في رحلتها تغيّر خطها حين تصله وكثيرٌ جدا من الطير يصرخ ويحترق إن جاوزها في رحلته هذه ويتناثر رماده على طول الضفاف .. المراكب تجيء من هنا وهناك لكن لا تعبرها .. وأنت .. الموج يحضنك كما كانت أمك تفعل .. هو من أعادك للشاطئ .. وطيور (السمبر) جاءت من كل مكان وظلت تفرّ أجنحتها فوقك وتصدر أصواتاً كالضحك .. لم يتخلف طائرٌ واحدٌ في بلادنا هذه .. ومن يومها وأسمك (ولد الطيور) .. أمّك فقط من أسماك (ولد البحر) .
كانت نسمات الشتاء تحيل الغرفة شيئاً فشيئا لحالةٍ من النعاس اللذيذ وغفا (سيف) .. غفا بين أحلامه وروايات القرية عن حادث المركب .. والحقيقة .. بين حلمها وصحوها المتلازمان .. بين صحوه وغيبوبته وسنين احتماله .. غفت (فاطمة) على صحن عدسها .. على حجرها يتكوّم الثوب الأخضر القديم.
بدأ يعزف على الطنبور ويغني .. بدأت القرية كلها تجتمع لتسمعه وهو يجلس على نفس الجرف الذي شهد خروجه ودخول أبواه .. يغني .. يغني .. نفس الطيور كانت تجتمع في موكبها الأبيض كل ليلة لتسمعه .. يقف على طرف النهر يغتسل ثم يعاود الغناء ..
- نحن من النهر .. النهر من شكّل طينتنا الأولى .. عجنها باللحن والقصيدة ثم قال لها كوني فناناً .. نحن من نحيي ونقتل فنان تكويننا الأول فينا…
- الغناء هو الحياة .. والرسالة من هنا جاءت وإلى هنا تنتهي .. لا لا .. لا تنتهي ولكنها تواصل ابتدائها…
- آخر ما في الأغاني بدايتها .. وآخر ما في النهر منابعه .. وآخر ما في الحياة ضفة المولد…
- من يفهم سر الغناء يفهم سر الحياة …
ومضى يغني .. ما انتبهت الخطا وهي تحوّم طوال يومها في الضفاف لغناء الطيور البيض تنتظر (سيف) على حافة النهر .. وما درت لماذا أصبحت أصابع يده اليسرى متفرقة وهي تعزف على (الطنبور) تلملم الألحان من أطرافها .. ما درت وغناؤه يشقّ ليل القرية حتى كأنه يغني في كل منزلٍ وكل غرفةٍ وكل روح أنه يتقاسم النفَس مع نسيم الشتاء ويدخل لرئات البلد بالقصيدة واللحن .. كانت (فاطمة) تحكي له :
- يوم .. جاءتني (حاجة نفيسة) عند منتصف الليل .. أيقظتني .. (فاطمة) .. (فاطمة) .. (سيف) هذا دربه مختلف جداً لا تقفوا في طريقه .. دعوه يغني .. هذه البلاد محنتها في الصمت .. هذه البلاد محنتها في الصمت .. دعوه يغني .. الغناء فقط من يجبر كسر أعمارنا .. من يرتق ثوب عزتنا .. هل تفهمين ما أقول يا (فاطمة)؟ …
- ومضت لتنام .. تركتني لسهدي وخوفي .. تركتني يا (سيف) ومضت وأنا أطالع في السماء نجمها الذي كان يراقب حديثها لي .. نفسه يا (سيف) الذي كلما طالعته غمز لي ومضى …
- هذه النجوم يا (سيف) مثلنا تماماً .. تفهم مثلنا تماماً .. كل غنائك الذي تصدحه على الشاطئ ليلاً ليس من يسمعه مثلها ..اسألني أنا منها ..
كانت (فاطمة) تحضر كل جلسات غنائه دون أن يراها .. كانت تبتسم وهي تدمع وتطالع نجمها .. كان ثالوثها يتحد مع غنائه ... وكان هو وغنائه يتحدان حتی مطلع الفجر ... حتی مطلع الروح
- أمك يا (سيف) يوم سفرها البعيد هذا .. استيقظت قبل الفجر .. قرأت فوق رأسك أوراداً وآياتٍ وأغانٍ وربطته (بسعفتين) من نخل الضريح .. نادت أمها .. ( يمة . يمة ) .. (سيف) هذا هو المدد .. دعوه يغني غناءه .. لا تتركوا أحداً يقاطعه .. وغسلت طرحتها من (الزير) البارد ونفضتها إلى أن كادت تنشف ولفّتك بها.
بدأ يغني في كل القرى .. كانت أمه تزوره كل ليلة ..
- غني يا (سيف) .. أنت من سيحل لغز الحياة .. الصمت يا بنيّ هو سبب عجزنا .. غني لأن هذه النجوم التي تطالعك من أعلي لا تضئ لسكوتك ولكنها تضئ لغنائك .. كيف تراها ستبرق إذا لم يوقدها اللحن ؟
- أنت من بدأ من النهر وأنت من سيعود إليه .. وأنت من سيخلق الحياة بين البدء والعودة
وكان صوت الموج يأتيه عبر جدار منزله القصير .. كان يطلّ على الطريق العامة .. تغسله أصوات المارة وقهقهاتهم عبر ليله الطويل .. وضحكات النساء المكتومة بخجلٍ مستعار .. كانت عيون النساء تغزل ضحكتها على شوارب الرجال فتميلها .. وهم يشربون (مرايس) الدنيا والعالمين ..
- كانوا يغنون للنساء فقط فخرجت الحياة من بين أيديهم وهاهم يبحثون عنها في الكتب .. الكتب لا تجلب الحياة .. الحياة هنا .. في هذا الوتر ..
والنهر مشدودٌ بوشوشة أزهار جروفه يحلّق في غيبوبة اللحن .. بدأ (سيف) يغرق في انتباهة النهر .. يعرق جسده فجأة ثم يبدأ في اهتزازاتٍ غريبة .. يغيب عن الوعي .. ينام ممسكاً بطنبوره .. ثم يصحو ليغني .. تيار النهر يتوقف لغيبوبته ويعود مع غنائه .. الطيور تسكن حيث أخرجته الأمواج .. النجوم تسكن حيث أخرجته الأمواج .. الأمواج تسكن حيث أخرجته .. كان يجلس قرب النهر ليلاً كل يوم .. يحادثه .. يسمع صوت أمه وهي تحكي له عن جدّه (ود الحسن الطمبرابي) .. فقير الوتر .. كان الناس يستخفّون به وهو يمسك بطنبوره يغني ..
- الله يخيِّبك الناس يحفروا وأنت تغني؟.. (ما فيك فائدة). هائمٌ هو على وجه (طنبوره) لا يكلّم أحداً .. يمضي مبتسماً بين صراخهم .. تتابعه الطيور .. جلبابه القديم يشي بسنين ضنك القرية كلها .. ووجهه يؤرخ لممالك النور.
- وكثيرٌ منهم كان يبصق على جهته وهو يتمتم في سره .. وذات يوم .. كان النهر قد جفّ .. غرق الرجال في العرق وهم يحفرون .. والماء غائرٌ حتى أقاصي الأعماق .. حفروا .. حفروا .. ذهبوا إلى بيوتهم يكلمّون أنفسهم بموتٍ وشيك .. الماء لا يستجيب لحفرهم .. الماء لا يستجيب عادةً لحفر السطح .. يستجيب لحفر الأعماق .. جاء جدّك آخر الليل .. أقام بأوتاره قرب حفيرهم .. ومضى يغني .. عند أول خيوط الفجر كان الماء يسيل على جانبي الحفير .. يكاد يغرق الزرع .. الحياة يا ولدي يخلقها الوعي بها وليس الحفر فيها .. من يومها ينادونه (ود الحسن فقير الوتر) .. الوتر هو سر الماء .. والماء سر الحياة .. والحياة ثمرةٌ تغلفها قشرة الموت لا تخرج عنها إلا بالغناء يا ولدي .. اكسروا هذه القشرة وأخرجوا .. الكون يربض بين أيدي الوتر .. المطر والزرع والضرع بين أياديه .. النفَس الطالع ونازل .. طالعٌ ونازلٌ بأمره ..
وحين يلتفت صوب صوتها تغمزه النجوم وتذهب سادرة في ضوئها ... ويذهب هو لغيابات حلمه
- استيقظت مرةً عند منتصف الليل وجدت أمك تلبس في ثوبها .. كأنها خارجة .. خرجت وراءها أمشي على أطراف حواسي .. تمشي وتمشي .. لا تلتفت وراءها وأنا أتابعها عن بعد .. وقفت قبالة النهر بدأت تغني بصوتٍ هامس لم أتبين غناءها .. قالت وهي تنظر للنهر الغناء يا (فاطمة) هو من أيقظك وجاء بك ورائي .. وهو من قدَّمك على بنات جيلك .. غني .. غني .. وابتسمت .. وهي تقبل عليّ وتحتضنني .. وجلسنا يومها للفجر نغني.
خرج في غيبوبته نحو النهر .. خرجت خلفه كل القرية .. كل طيورها .. البنات تابعنه عن بعد .. والنساء تستّرن بأشواقٍ قديمة وجئن .. الرجال يرون فيه (ود الحسن فقير الوتر) .. (سيف) يمشي .. عيناه مغمضتان .. يده اليسرى مشرعة في الفضاء تحرّك أصابعها بدندنةٍ فائقة .. وقف أمام النهر .. فتح عينيه .. تطلّع حوله .. بدأ يغني .. النهر تراقصت أمواجه كأنها تعانق حلماً قديما عاد للتو ..
- الغناء يبدأ هنا وينتهي هنا .. لا لا .. لا ينتهي ولكنه يعود هنا
فتح (سيف) ذراعيه وبدأ كأنه يغوص رويداً رويدا في النهر .. لا تدري حينها هل يخرج النهر إليه أم يدخل هو إلی النهر ... أصوات غريبة تتداخل ... الفراشات الصغيرة اتحدت مع العصافير وغطت الشاطئ ببساط من الألوان ... والموج يتراقص حتی يصل رذاذه للشجر أعلی الشاطئ .. تصعدت عاصفة حمراء من المقابر وكان الموتی يصطفون في منتصفها بثياب بيضاء ... يرددون تراتيل مبهمة ... ولكنها هدأت فجأة ... سيف يفتح ذراعيه علی امتدادهما ... يغمض عينيه ... العرق يتصبب منه بغزارة ... لكنه مستمر في غنائه ... النهر يعود من هيجان أمواجه لهدوء مخيف ... يبدو الآن كمرآة شديدة الصقل ... وكأن دبوسا شك بالونة السماء حينها فانهمر مطر غزير في دائرة صغيرة بمنتصف النهر ... وتوقف ... سيف يقترب من تلك الدائرة ويغني ... هي الدائرة التي احتوت المركب الغارقة ... غاص (سيف) في منتصفها تماما .. وكانت (فاطمة) تبتسم وهي تنزف دموعها عليه وعلى أمه (حاجة نفيسة) وجده (فقير الوتر) وتطالع النجم .. نفس الطيور عادت للضفة وفرّت أجنحتها البيضاء على امتداد الأفق تهفهف الكون .. سرت رعشةٌ عنيفةٌ في جسد النهر .. شجرةٌ داكنةُ الخضرة قامت هناك .. والسماء كأنها مظلة زرقاء تحيط المكان .. حيث غاص (سيف) .. في منتصف الثالوث ... منتصف الجميع .
أسامة معاوية الطيب


هذي عبارة عن ثلاثة أعمال مختلفة من 14 عملا نزلت ضمن المجموعة شجرة الذاكرة
أرجو أنها ترتقي لتضيف شيئا ما لذائقة ما
وشكرا جدا



أسامة معاوية الطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-03-2009, 12:31 PM   #[14]
elle
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية elle
 
افتراضي

اقتباس:
القدر أصلا لا يشعر بالملل ... مهنته الأولی هي الانتظار في الزوايا للمباغتة ... لماذا يباغتنا القدر ونحن أصلا لا نملك أن نرفضه ؟ هل يستلذ بالفجاءة التي تترك ثقبها في القلب ؟


تحياتي .



elle غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 24-03-2009, 08:07 AM   #[15]
أسامة معاوية الطيب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة معاوية الطيب
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة elle مشاهدة المشاركة
تحياتي .
هل فعلا يستلذ يا elle ؟
البيت بيتك
والشجرة وصاحبها عليهما دين عظيم لجميل مرورك



أسامة معاوية الطيب غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 07:09 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.