في بيتنا ... خالد الحاج
صورته الأخيرة قبل أن أودعه وهو ساه ، يتأمل ، بعد أن أدى صلاة الصبح من بعد شمس الصباح ، فمنامه معنا غير من ساعته البيولوجية .أفطرنا سوياً " هوملت " وسلطة ومربة وزبادي .
قبل رحيله عصفت بنا العواصف ، وهدرت الرعود وفرّقت لُحمتنا سكاكين المصير. كنا على شفتي حرير العواطف . كنا في مطلع الألفية الثانية من بعد ميلاد يسوع وفق التقويم الذي اعتدنا دون تدقيق .اشتركت في مدونة كانت " سودانيات " في طفولتها ، شجعني شقيقي " جمال " أن أشترك ، فهي أُنس آخر في زمان تقطعت بنا السبل ، وفقدنا تلة الرمل تحت ضوء قمر الستينات الفضي يضيء مجتمع محدود العدد ، قبل أن تنسكب العشائر على الأرض وعلى آنية الخدمات وتنكسر الدولة التي يحكمها متوسطي التأهيل فلا يعرفون كيف تُدار الجموع الثقافية حين تأتلف وتختلف في وطن شبِع من القسوة عليه .
بيني وبين خالد الحاج عُمر سبقته فيه ، وهو بحيويته وتسفاره كاد يسبقني بالتجارب التي دخلها منذ سفره الأول إلى مصر ، وهي قصة بدأ في كتابتها حين استدرجناه أن يحكي من أقاصيصها لنتمرغ في بستان العصور التي تجمعت في وطن يجاورنا ، بيننا وبينه ودٌ وحسد ، نيران وجنان ، استعلاء ومذلة ، وضحك من تناقضات الحياة ، وحزن تدفق في مدينة المهندسين وأكثر من خمسين قتيلاً من لاجئي ولاجئات السودان .....، يمضي زمان والذاكرة محمولة بمواجعها .
اجتمعنا بالذين سبقونا إلى دوحة الإبداع " جمال محمد إبراهيم " و " عالم عباس محمد نور " ، وثلة من المثقفين والمثقفات ، وكان للدار الإلكترونية المورقة شريكين " خالد " و " حنينة " . تحت دوحة شجرة افتراضية أعدت " ممكونة " مجلساً لقهوتها ، وتجمع أهل السمر ، من الجنسين ، على غير ما كنا في سالف عصرنا والأوان . صارت " ساعة سمر " أخرى غير التي كان يصنعها لنا الإعلامي المبدع " حمدي بدر الدين" في تلفزيون السودان ، وغير تلال الرمل وشقاوة الصبا ، حيث كُنا فتية دون الفتيات في زمان أرخي عليه الليل بلباسه الأسود الفخم وسحب معه حكاياتنا إلى التاريخ ، وصارت حكاوينا مما لا يكاد يصدقه أبناء وبنات اليوم .
وتعارفنا في " ورق السماء " نقرأ اللفافات ونزجي وقتنا بالمعرفة الندية والحوار الذي يبدأ سهلاً ونقضي فيه جُل أيامنا . تنشب المعارك الرحيمة من اختلاف الرؤى ، حالما يعتذر من سبق انفعاله ردة فعله ، فنعود كما كُنا في دوحة نقية ، تكاد قلوبنا تنطق بالعفوية ، ونُبسط أذرعتنا للشعر ، برؤى جديدة ، فتعرفنا على أنفسنا في مرايا الآخرين .
في " خالد " لما تزل طفولة تُزين ملامحه ، انفلات مُحبب وجسارة تلملم مع أشتات الأنفس السابحة في عجب ، ويعود كبيراً حين يستسمِح رفاقه والرفيقات باعتذار وتواضع رفعه بيننا . هكذا الأشقاء و الشقائق .