منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-11-2006, 11:26 PM   #[1]
imported_عبدالعزيز خطاب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_عبدالعزيز خطاب
 
افتراضي العسكريون الإسلاميون: أمناء على السلطة أم شركاء فيها؟(مقالات جديرة بالأطلاع)

العسكريون الإسلاميون: أمناء على السلطة أم شركاء فيها؟ (1)

د. التجاني عبد القادر
قد لا يستطيع الباحث أن يستوعب ظاهرة النزاع بين الإسلاميين فى السودان ما لم يكتشف «الرؤية الإبتدائية» التي على أساسها تم التخطيط لعملية الانقلاب وتنفيذها فى يوليو 1989 م لقد بدا لي من خلال استماعي لإفادات عديدة من بعض أطراف النزاع، ومن إطلاعي على بعض ما توفر من وثائق مكتوبة، أن هناك تصورين مختلفين لما عرف بمشروع الإنقاذ الوطني لم يتم التعبير عنهما بوضوح، ولم يدر حولهما نقاش مستفيض في السنوات الأولى من الإنقاذ، ولكنهما تسببا بصورة مباشرة في الأزمة. التصور الأول يحمله الدكتور الترابي الأمين العام للحركة الإسلامية، وربما شاركه فيه بعض المقربين إليه ممن يثق فيهم. يمكن تلخيص هذا التصور في النقاط التالية:
1- أن انقلاب 30 يوليو 1989 هو إجراء فني محدود أملته الضرورات الأمنية والسياسية التي كانت تحيط بالسودان وبالحركة الإسلامية خصوصاً وما صاحب ذلك من خطر ماثل على المصالح القومية.
2- وأن دور العناصر العسكرية الإسلامية التي نفذت الانقلاب دور أداتي أو وظيفى محدود، وأن وجودهم على رأس السلطة الجديدة لا يتجاوز دور «الأمناء» الذين ينبغي عليهم ردّ الأمانات إلى أهلها، وأهل الأمانة هم المكتب التنفيذي للحركة الإسلامية ممثلة في أمينها العام ونائبه.
3- وأن دور العناصر المدنية التي وضعت مبكراً في قمة السلطة وعلى قدم المساواة مع العسكريين ينحصر في دحرجة العسكريين إلى خارج السلطة بطريقة هادئة، مع تهيئة المناخ وإعداد المسرح لمرحلة القيادات الإسلامية.ويتأكد هذا اذا نظرنا للطريقة التى كون بها مجلس قيادة الثورة أو مجلس الوزراء، اذ أن بعض تللك الشخصيات لا يمكن الا أن تكون شخصيات «مؤقتة»، قابلة للدحرجة وللازاحة فى أقرب فرصة تتاح.
ولكن هذا التصور لم تتم مناقشته بصورة واضحة وكافية وفي وقت مبكر من عمر الإنقاذ، وقد يرجع ذلك إلى أن تلك التصورات لم تجيء مكتملة في وقت واحد لدى كل طرف من أطراف النزاع، ويغلب على ظني أن تصور الطرف الأول (الأمين العام) كان واضحاً منذ اللحظة الأولى، بينما لم يكتمل تصور الآخر (الفريق البشير) إلا بعد فترة من الزمان وتراكم من التجارب، وأن ما وقع بينهما من اتفاق كان يقوم على أساس تصوري هش لم يلبث أن أهتز حينما بدأ الطرف الثاني في التدقيق وإعادة النظر وإعادة تركيب رؤيته الخاصة للأمور على ضوء التجارب الواقعية.
أقول هذا وفي ذهني ما سمعت من بعض المصادر أن الأمين العام طرح على الحاضرين من العناصر العسكرية في اجتماعه معهم قبيل الانقلاب بفترة وجيزة سؤالاً صريحاً مفاده: كم ترون من الزمن يكفيكم لإنجاز مهامكم؟ فأجابه المتحدث باسمهم: تكفينا ثلاثة أيام فقط، نقوم فيها بتأمين الوضع ثم نسلمكم الأمر. فرد عليه الأمين العام: لا بل لكم أن تبقوا ثلاثين عاماً. تدل هذه المحاورة القصيرة، على افتراض صحة وقوعها، على أن كلا من الطرفين ربما كان يمازح الآخر، خاصة اذا لاحظنا أسلوب المداراة وروح المجاملة السودانية. أما من حيث الواقع فلا الأمين العام كان يريد العسكريين أن يبقوا ثلاثين عاما، ولا العسكريون كانوا على استعداد للتخلى عن السلطة فى ثلاثة أيام أو ثلاثة أعوام كما زعم المتحدث باسمهم. كما نستشف من تلك المحاورة واحدا من احتمالين: اما أنه لم تكن هناك مدة محددة ومتفق عليها ينفرد فيها العسكريون بالسلطة، أو أن مدة قد حددت بالفعل ولكن ترك فيها هامش للتطورات الظرفية التى يحددها «القادة الميدانيون»(ويقصد بهم الأمين العام وقائد المجموعة العسكرية ونائبيهما)، باعتبار أن التحديد القاطع لفترة زمنية، والإلزام الصارم بذلك، قد يتضاربا مع الكثير من التداعيات والتفاعلات التى لا يمكن التنبوء بها. أما هل تم اتفاق حول الكيفية التي تسلم بها السلطة، والجهة التي تسلم إليها، وهل اتفق على دور للمجموعة العسكرية لمرحلة ما بعد التأمين، فهذه أسئلة لا يمكن الإجابة عليها إلا بعد نظر فيما توفر لدينا من بعض وثائق المؤتمر الشعبى التي وزعت إعداد منها بعد أن وقعت المفاصلة النهائية بين طرفي النزاع في أواسط عام 2000م، جاء في إحدى هذه الوثائق ما يلي:
1- أن بيانها الأول «الإنقاذ» قرر أن يعبر فيه عن ميقات تبسط فيه الحريات للناس كافة بعد إكمال إنقاذ الوطن من فتنة الحزبية، ولكن من بعد الإنقاذ تبسط الحرية للناس فوراً التزاماً بأصول الدين.
2- ذات المكتب الذي قرر الإنقاذ، قرر في ذات الاجتماع الخطة نحو التمكين، وأول قراره أن تظهر الثورة قومية أول الأمر، ثم القرار بإعلان الشريعة الإسلامية بعد العام الأول، ثم القرار بظهور الرموز الإسلامية شيئاً فشيئاً وفق الاطمئنان إلى رسوخ التمكين والقرار بأن تنقل الحركة وظائفها تدريجياًُ نحو الدولة.
3- المكتب التنفيذي للحركة- اعتباراً بتجاربه منذ جبهة الميثاق أمضى قراره الذي يمنع الازدواجية في قيام جهازين للقرار السياسي، وفوض الأمين العام ونائبه مسؤوليات إدارة المرحلة الأولى للتمكين مباشرة مع المسؤولين.
4- أدى جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة الملتزمين ورئيسه قسم الولاء والعهد أمام الأمين العام للحركة بالتزام خطة الحركة وقرارها وتنفيذ خطتها ورعاية أماناتها في تولي السلطة.
5- كانت خطة الحركة بعد العام الثالث للتمكين أن تبرز الحركة كلها، وتتولى المسؤولية مباشرة برموزها وخطتها، وتجلى ذلك في قرار حل مجلس قيادة الثورة، وكانت الخطة أن يتولى أمين عام الحركة قيادة دولتها، ولكن خلصت الرؤية أن في رئيس مجلس الثورة ما يحقق ذات الغايات على ان يهيأ باللازم حتى يصبح هو نفسه أمين عام الحركة.
6- إلا أنه وفي ذات الساعة التي وضعت فيها الآمال على شخص رئيس مجلس الثورة التمس أن يعذر في أول مخالفة لقرار الحركة وهو التخلي عن المنصب العسكري برتبته وزيه، وأن يتبعه في ذلك ولاة الولايات، ولم تقف الحركة في ذلك موقفاً حاسماً (أى أن رأي رئيس مجلس الثورة قد وجد تأييدا) .
تتحدث هذه الوثيقة عن خطة للتمكين تقوم على مراحل متدرجة هي:
مرحلة التظاهر بالقومية، ثم مرحلة إعلان الشريعة، ثم ظهور الرموز الإسلامية شيئاً فشيئاً وفق الاطمئنان إلى رسوخ التمكين، وأن إدارة هذه المراحل قد تركت إلى الأمين العام ونائبه والمسؤولين العسكريين -دون حاجة إلى بقية أعضاء المكتب التنفيذي الذي فوض صلاحياته إلى هؤلاء، ودون حاجة إلى مجلس الشورى الذي حل نفسه! وأن أعضاء المجموعة العسكرية قد أدوا قسم الولاء والعهد بالتزام خطة الحركة وقرارها ورعاية أماناتها في تولي السلطة.
وقد فرغ من هذه المرحلة تماماً في السنوات الثلاث الأولى التي عرفت بسنوات التمكين. ولم يظهر إشكال - بحسب - نص الوثيقة إلا مع طرح خطة جديدة لمرحلة ما بعد العام الثالث للتمكين، تتخلى المجموعة العسكرية عن السلطة لتحل محلها الحركة الإسلامية، ويكون الأمين العام للحركة رئيساً للدولة.
إن هذه الفقرة تعتبر فى تقديرى أهم ما ورد في الوثيقة كلها، بل أنها تعتبر أهم ما ورد من إفادات حول النزاع، فهي تقرر بوضوح أنه قد كانت هناك خطة تقضي بأن يحل المجلس العسكري وأن يتولى أمين عام الحركة قيادة الدولة، ولكن لماذا لم يحدث ذلك؟ أوقع تمرد مثلا من قبل المجموعة العسكرية حيث قررت البقاء في السلطة؟ أم عدلت الخطة بعد نقاش وتراض؟ لم تشر الوثيقة لأيٍ من الأمرين بصورة مباشرة، ولكنها ذكرت أن الرؤية قد خلصت أن يبقى رئيس مجلس الثورة في موقعه لأن فيه ما يحقق ذات الغايات التي يمكن أن يحققها الأمين العام، وذهبت الوثيقة إلى أبعد من ذلك فذكرت أن الرؤية قد خلصت أيضاً إلى أن يهياً رئيس مجلس الثورة باللازم حتى يصبح هو نفسه أمين عام الحركة! ثم تذكر الوثيقة أنه قد التمس أن يعذر من التخلي عن المنصب العسكري.
يعنى هذا القول إذا صيغ في عبارة أخرى أكثر مباشرة ووضوحاً أن الخطة القاضية بالإحلال الكامل لقيادة الحركة محل مجلس الثورة قد عدلت بعد نقاش في داخل المجلس القيادي أو المكتب السياسي الذي ذكرت الوثيقة أنه يتكون من الأمين العام ونائبه والمسؤولين العسكريين، ويعني ثانياً أنه قد تم اتفاق بأن تتوحد قيادة الحركة والدولة في شخص الفريق البشير على أن يهياً لذلك بما يلزم، ويعني ثالثاً أن الفريق البشير كان يفضل أن يظل في موقعه العسكري بينما كان الترابي يرى عكس ذلك، وأن هذا الموضوع قد طرح للنقاش ولم يصل فيه المكتب القيادي إلى رأي حاسم، ويعني رابعاً أن رؤية معاكسة لرؤية الدكتور الترابي قد بدأت تتبلور في داخل المكتب القيادي وتكتسب وزناً يفوق الوزن الذي تناله رؤية د. الترابي.
هذا، وقد يكون مناسبا أن نتوقف قليلا فى هذا الموضع لنعقب على ما تقدم. يلاحظ أن طرفى النزاع لا يختلفان فى ان الخطة الأولى القاضية بظهور حكومة الانقاذ بالصورة التى ظهرت بها(والمتمثلة فى اخفاء قيادة التنظيم واظهار مجلس قيادة الثورة) كانت مبنية على تقدير صائب لبعض الضرورات السياسية والأمنية التى تتحكم فى الاطار المحلى والاقليمى والدولى. اذ أنه لولا تلك الضرورات لكان ممكنا من حيث النظر أن يقوم عدد محدود من الضباط الاسلاميين بالاطاحة بالحكومة القائمة ثم ينصبون الامين العام للحركة الاسلامية رئيسا للجمهورية ثم ينصرف كل منهم الى ثكنته، أما من حيث الواقع فان مثل تلك الخطوة كانت ستمثل انتحارا سياسيا للحركة الاسلامية. أما الصورة الاخرى المقابلة فهى أن يقوم عدد من الضباط الإسلاميين بالاطاحة بالحكومة القائمة والإنفراد بالسلطة دون استناد على قاعدة الحركة الاسلامية او على قيادتها، ولكن ذلك أيضا اختيار محفوف بالمخاطر. هذه المعضلة لم تكن خافية على الدكتور الترابى كما لم تكن خافية على العقيد(آنذاك) البشير، اذ كان كل منهما يدرك أن هناك «فجوة» لا يمكنه تخطيها أو الالتفاف حولها الا من خلال الآخر، اذ كان أحدهما يمتلك مفتاح «الشوكة العسكرية» بينما كان الآخر يمتلك مفتاح «المناصرة الشعبية»، فصار «التحالف» بينهما أمرا ضروريا اقتضته الحاجة كما اقتضاه الظرف الذى تولد فيه الانقلاب العسكرى. فلو أن الحركة الاسلامية جاءت مثلا الى الحكومة عن الطرق السياسية المألوفة لكان من الطبيعى أن يكون أمينها العام رئيسا للجمهورية، ولو أن المجموعة العسكرية جاءت مستقلة عن تخطيط الجبهة الاسلامية ودعمها(سابقا ولاحقا) لكان من حق العسكريين أن يشغلوا المواقع القيادية التى يريدون، ولكن طالما أن كلا من الطرفين قد قبل الدخول فى «شراكة الضرورة»، ورضى بإمارة «الإستغلاب»، فكان عليه أن يدرك أن لأى إمارة من هذا النوع منطقها الذاتى وتفاعلاتها وتطوراتها الخاصة بها، والتى قد لا تكون ضارة بأى من الطرفين طالما أنه يحتفظ «برصيده» الأساسى الذى أهله فى المقام الاول للدخول فى تلك الشراكة. ولكن الترابى ومن كان الى جانبه فى قيادة الحركة قاموا من جانبهم بتبديد رصيدهم الخاص وذلك من خلال تأييدهم لحل أجهزة الحركة التنظيمية ظنا منهم أن التخلص من الرقابة التنظيمية سيطلق يدهم من كل قيد فيستحوذون على السلطتين: سلطة التنظيم وسلطة الدولة. غير أن ذلك كان تقديرا خاطئا، اذ أن تغييب التنظيم لم يؤد الا الى زيادة نفوذ الطرف الآخر الذى لم يعدم أصحابه، كما لاحظ الدكتور الطيب زين العابدين، «معاونين من عناصر الحرس القديم الذين كانوا يضيقون بمنهج القيادة الاولى(قيادة الترابى) فى العمل أو يحرصون على البقاء فى مناصب السلطة.»(حديث الى آل البيت،الرأى العام، 20أكتوبر 1999)، ففقد الترابى ومجموعته «التنظيم» الذى كان بين أيديهم، كما فلتت منهم «الدولة» التى كانوا يحلمون بها.

المقالات منقولة من الصحافة



التوقيع:
[frame="1 80"]مكلوم محزون لفقدك يا خالــ د[/frame]
imported_عبدالعزيز خطاب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-11-2006, 11:27 PM   #[2]
imported_عبدالعزيز خطاب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_عبدالعزيز خطاب
 
افتراضي

العسكريون الإسلاميون:
أمناء على السلطة أم شركاء فيها؟ «2»
د. التجاني عبد القادر
لقد اشرنا في المقال الاول الي ان هناك رؤية معاكسة لرؤية الترابي بدأت تتبلور داخل المجلس القيادي ، فمن هم أذن أصحاب الرؤية المعاكسة لرؤية الأمين العام؟ ولماذا سعوا لتعديل الخطة في مرحلة ما بعد التأمين؟ لا تشير الوثيقة السابقة بصورة مباشرة لأشخاص بعينهم، ولكننا نعلم من مصادر أخرى أن خمسة على الأقل من أعضاء القيادة «ثلاثة من العسكريين واثنان من المدنيين» لم يؤيدوا رؤية الأمين العام المشار إليها، وكانوا يرون أن يكون رئيس مجلس الثورة رئيساً للجمهورية، أما لماذا رأوا ذلك، فهذا مجال تتعدد حوله الظنون، فإذا أخذنا مثلاً برأي الأمين العام والمجموعة المؤيدة له، فسنجدهم يقولون أن ما تم هو مفارقة لخطة الحركة، وخيانة للمواثيق، وحنث بالقسم، أملته شهوة السلطة ورقة الدين. وقد ذكر مثل هذا القول في وثائقهم المكتوبة ولقاءاتهم الجماهيرية ومقابلاتهم الصحفية «انظر على سبيل المثال: بيان تجديد المؤتمر الوطنى»، ولكننا لا نستطيع أن نكتفى بهذا التفسير «الايديولوجى» للامور، وانما نحاول بقدر الامكان أن نستكشف الإطار الموضوعي الذي تبلورت فيه هذه الآراء فسنلاحظ ثلاثة متغيرات في الساحة السياسية.
الأول: هو موقف حكومة السودان من احتلال العراق للكويت عام 1990م، وما لحق ذلك من تأسيس للمؤتمر الشعبي العربى الإسلامي، حيث صار الدكتور الترابي أميناً عاماً له، مشكلاً بؤرة «أصولية» لمعارضة المواقف السياسية الأميركية ولمواقف حلفائها بالمنطقة، ترتب على هذا الوضع أمران: أحدهما خارجي تمثل في الاستهداف الغربي على السودان ومضايقته اقتصادياً وعسكرياً وإعلامياً، وثانيها داخلي تمثل في شعور الفريق البشير وزملائه العسكريين بالحرج، حيث بدا واضحاً للمراقبين أن السياسة السودانية لا تُدار من قبل الحكومة، وإنما يديرها الدكتور الترابي من مقره في المؤتمر الشعبي العربى الإسلامي. لقد كان أول تعبير عن هذا الحرج هو استقالة أحد العسكريين من عضوية مجلس الثورة.
والمتغير الثاني: هو حادث الاعتداء الذي تعرض له الدكتور الترابي في كندا عام 1992م، وما لحق ذلك من صخب إعلامي سلط الأضواء على الأوضاع الداخلية في السودان، وإلى إثارة مسائل حقوق الإنسان واتخاذها وسيلة إضافية للضغط على حكومة السودان، والاشتداد في حصارها باعتبارها حكومة أصولية متشددة.
والمتغير الثالث: هو اشتداد الحرب في جنوب البلاد واستيلاء حركة التمرد على عدد من المواقع، مستفيدة من مناخ العداوة الغربية للأصولية الإسلامية، والتعبئة العسكرية الهائلة (صيف العبور) وما تبعها من احساس بالنصر.
أحدثت هذه المتغيرات مجتمعة ضغطاً نفسياً كبيرا على أعضاء القيادة من المدنيين والعسكريين، فلما وجهوا بالخطة الرامية لحل المجلس العسكري وإحلال القيادة التنظيمية مكانه، صار بعضهم، خاصة العسكريين منهم، ينظرون للأمر كأنه مغامرة كبيرة، إذ كيف يحل المجلس العسكري ويتخلى الفريق البشير عن رتبته العسكرية في أشد الأوقات حاجة إلى القوات المسلحة؟ أما المدنيون فصار بعضهم يتعجب من فكرة أن يصير الدكتور الترابي رئيساً للجمهورية في أكثر الأوقات معارضة له على المستوى الإقليمي والدولي، وأنه إذا جاز لحكومة الإنقاذ أن تخفى هويتها في سنواتها الأولى وتتظاهر بالقومية والوطنية، فهى الآن أحوج مما مضى لأن تتدثر بالوطنية والقومية، اذ أن وجود الدكتور الترابي على رأس الدولة لن يكون مفيداً إلا من حيث الرمزية الدينية، وتعاطف بعض التنظيمات الإسلامية المضطهدة في بلدانها، ولكنه فيما عدا ذلك فسوف لن يؤدي إلا لمزيدٍ من المضايقات والمعاناة الداخلية والخارجية والتى قد تعجل باسقاط المشروع من أساسه.
كانت هذه، فى تقديرى، هى بعض المتغيرات النفسية والتساؤلات والتقديرات السياسية التي أدت لهزيمة رؤية الترابي في داخل مجلس القيادة، وأدت لتعديل الخطة بالإبقاء على الفريق البشير برتبته العسكرية وتصعيده رئيساً للجمهورية وترشيحه بأن يكون أميناً عاماً للحركة الإسلامية في المستقبل. ومما يؤكد هذا الرأى نص الوثيقة ذاتها التى أبرزها الأمين العام بعد الانشقاق وراح يستند عليها في ما يقول، اذ جاء فيها: «وكانت الخطة أن يتولى أمين عام الحركة قيادة دولتها، ولكن خلصت الرؤية أن فى رئيس مجلس الثورة ما يحقق ذات الغايات، وأن يهيأ باللازم حتى يصبح هو نفسه أمين عام الحركة».
هذا فى تقديرى هو الوقت الذى بدأ فيه «الأمناء» يتحولون الى «شركاء»، وبدأت فيه رؤيتهم المعاكسة فى التبلور، والتى يمكن تلخيصها في ما يلى:
1- أن الانقلاب وان قصد منه أن يكون حركة إجرائية محدودة، ولكنه قد غدا بحكم تداعيات الواقع وضروراته حركة إصحاح «داخلي»، للأوضاع السياسية والاقتصادية المتردية، وحركة دفاع «خارجي» ضد قوى أجنبية تتربص بالوطن من خلال حرب الجنوب، وحركة إعادة للبناء الوطني وتعزيز للوحدة الوطنية.
2- وان العناصر العسكرية التى شاركت في التخطيط والتنفيذ، لم تكن ولن تظل مجرد أدوات فنية، وإنما هي جزء أصيل في الحركة الإسلامية من حيث التزامها الفكري والتنظيمي، وأنها لم تفعل ما فعلت إلا بوحي من ذلك الالتزام، وأنها، بالتالي، شريكة أصيلة في الأمر وليست مجرد أمينة عليه.
3- وأنه، وتأسيساً على ما سبق، فإن العنصر العسكري في الإنقاذ ليس عنصراً قابلاً للإزاحة التامة- وذلك بحكم المنطلق الفكري والواقع الماثل، وأن على الحركة الإسلامية وعلى أمينها العام أن يندرجا في السياق الوطني العام الذي يشارك فيه السابقون في التنظيم وفي الإنقاذ، لا فرق بين عسكري ومدني أو جبهوي وإنقاذي إلا بالقدرة على العطاء والتجرد للمصلحة الوطنية العامة.
«3»
لقد ذهب غيرنا من المحللين إلى تشبيه الخلاف بين البشير والترابي بالخلاف الذي وقع بين الضباط البعثيين في سوريا في أواسط الستينيات، ومع علمنا بالفروقات الكبيرة بين تجربة حزب البعث السوري وتجربة الإسلاميين في السودان، إلا أن هناك مجالاً للمقارنة والتدبر، خاصةً في ما يتعلق بمفهوم التوظيف المؤقت للرتبة العسكرية العليا والإزاحة المتدرجة لها. فقد كان الضباط البعثيون الأساسيون الذين استولوا على السلطة في سوريا عام 1963 من ذوي الرتب الصغيرة، وينتمون علاوة على ذلك إلى الطائفة العلوية التي لا تشكل إلا أقلية صغيرة بين السوريين الذين ينتمون إلى أهل السنة، فاضطر أولئك الضباط للبحث عمن ينتمي لأهل السنة، فعثروا على العقيد أمين الحافظ الذي كان يعمل آنذاك ملحقاً عسكرياً في الأرجنتين، وهو من أبناء حلب، فضموه إليهم وزيراً للداخلية ثم رئيساً للمجلس الوطني للقيادة الثورية، واستطاعوا عن طريقه أن يقضوا على الوجود الناصري في الجيش والدولة. ولكنهم حينما وصلوا مرحلة «الإزاحة» فوجئوا بأن العقيد أمين الحافظ قد تطور كثيراً من حيث الرؤية السياسية والقدرة العسكرية، وأن إزاحته عن السلطة لم تعد أمراً ميسوراً، بل أنها قد تؤدي إلى إسقاط النظام برمته، وقد استطاع أمين الحافظ بالفعل أن يفجر الصراع داخل حزب البعث عسكرياً ومدنياً لمدة ثلاثة أعوام «من مارس 1963 الى فبراير1966م» حيث تمت هزيمته وانتهى به الأمر لاجئا فى العراق.
فإذا شئنا المقارنة بين حالة العقيد أمين الحافظ والفريق عمر البشير، فسنرى بوضوح أن الرتبة العسكرية العليا قد لعبت دوراً مهماً في الحالتين- فمثلما كان صغار الضباط البعثيين العلويين يبحثون عن رتبة عليا يسهل من خلالها التحرك في القوات المسلحة فاستقطبوا العقيد أمين الحافظ لذلك الغرض، فكذلك كان الضباط الإسلاميون في السودان يبحثون عن رتبة عليا فعثروا على العقيد البشير «واعتبروه هبة من السماء، كما ورد في عبارة قديمة للدكتور الترابي»، وكما كان البعثيون يريدون من العقيد أمين الحافظ أن ينجز لهم بعض المهام الكبرى، وقد فعل، فقد كان الإسلاميون أيضاً يرجون من البشير أن يفعل مثل ذلك في مراحل التأمين الأولى، وقد فعل، وكما كان البعثيون يخططون للتخلص من العقيد أيمن الحافظ بطريقة متدرجة، فقد كان الإسلاميون في السودان يفكرون في الاتجاه ذاته.
ولكن برغم كل هذا التشابه تظل الفروق بين التجربتين قائمة، ولعل أبرز هذه الفروق هي أن الفريق البشير لم يكن مستقطباً للحركة الإسلامية «كحالة أمين الحافظ مع حزب البعث» وإنما كان عضواً فيها «على أرجح الروايات»، فإذا كان يتوجب على أمين الحافظ أن يخترق حاجزي الطائفة العلوية والأيديولوجية البعثية ليتمكن من إحداث ثغرة صغيرة في الحزب يضع عليها قدمه، فإن الفريق البشير لم يجد نفسه محتاجاً لمثل ذلك الاختراق، لأنه لم يواجه طائفية أو أيديولوجية تحول بينه وبين عضوية الحركة الإسلامية، كما لم يكن يوجد «تنظيم» فاعل يتحكم فى عملية الصعود الى قيادة الحركة.
فهل فات على الدكتور الترابي أن يدرك هذا، وأن يدرك الطبيعة الديناميكية للفعل السياسي، فلم يقدر أن التحركات السياسية والعسكرية والدبلوماسية المكثفة التي كانت تقوم بها المجموعة العسكرية من قتال مباشر في جنوب البلاد إلى مفاوضات وحوارات سياسية على المستوى المحلي والإقليمي، ألم يقدر أن مثل تلك التحركات المتواصلة لمدة تزيد على ثلاثة أعوام كافية لأن تشكل لديها تصورات مغايرة وأطراً من العلاقات الجديدة، وأن تنمي قدراتها في التواصل مع الآخرين واستقطابهم لخلق قاعدة اجتماعية جديدة ترتكز عليها. أم هل غلبت على الدكتور الترابي العقلية القانونية، فأخذ يعول على المواثيق والعهود التي قطعها مع العسكريين معرضاً عن رؤية التجارب التاريخية القريبة، والتحولات الفكرية والاجتماعية التي لا تنقطع، أم غلب عليه التقدير الزائد لنفسه ولقدراته فأدى به ذلك للتقدير الخاطىء للآخرين؟
«4»
ولكن كيفما كان الترابي ينظر للأمر، فمن المؤكد أن هناك ضغوطاً نفسية خاصة كانت تحيط به هى التى حولت الاختلاف بينه وبين الآخرين من إطار النزاع الداخلى إلى إطار الأزمة المدمرة، كما أن هناك عوامل إضافية أدت لتعزيز النفسية النزاعية ولتصعيد النزاع حتى أوصلته حافة المواجهة. وغني عن القول أنه لم تكن توجد ضغوط نفسية أكثر مرارة وإيلاما من حادثة الاعتداء على حياته فى كندا. لقد ذهب الترابى فى زيارة خاصة للولايات المتحدة على أمل أن يجرى حوارا مع بعض أعضاء الكونجرس الأميركى ومع بعض الشخصيات الأكاديمية ذات التأثير فى السياسة الأميركية، وأن يقنعهم ببعض أطروحاته أو يبدد الشكوك حولها. لم تُرتب تلك الزيارة من قبل الحكومة السودانية، فقد كانت فى ظاهرها زيارة خاصة، ولكن سياق الأحداث يشير الى أن الترابى قد خرج «مغاضبا»، ولعله كان يريد أن يؤكد للمناوئين له فى الحكومة أنهم لن يستطيعوا أن يفتحوا قنوات للحوار مع الغرب إلا من خلاله، وأنه ليس مجرد سياسى محلى وانما هو سياسى/مفكر «عالمى». وقد استطاع بالفعل أن يقدم شرحا وافيا لتوجهات الحكومة، كما أستطاع أن يدافع دفاعا قويا ليس فقط عن الحركة الإسلامية فى السودان، وانما عن الحركات الإسلامية جميعا، حتى وصفه بعض المعلقين بأنه «لسان حال الصحوة الإسلامية». ولكن الترابى كان كعادته متفائلا ومبالغا فى الثقة بقدراته الفكرية والخطابية دون أن يقدر تقديرا كافيا حقول الألغام التى كانت تنتظره، اذ قوبل حيثما ذهب بحملة إعلامية وسياسية منظمة شاركت فيها بقوة كل من المعارضة السودانية ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات الكنسية المتطرفة، ثم ختمت تلك الحملة بالاعتداء المباشر عليه فدخل فى غيبوبة لم ينجُ من آثارها إلا بعد مدة من الزمن. شكلت هذه الفترة المرضية حالة من الانقطاع بينه وبين مجلس القيادة، واكتشف حينما عاد له الوعى أن مياها كثيرة قد جرت فى النهر، وأن أمورا صارت تحجب عنه، وأخرى تبرم على غير مشورته، بحجة أن «الشيخ» قد ضعفت ذاكرته وكثر حديثه. أى يمكننا أن نقول بعبارة أخرى أن ما كان رأيا مخالفا لرأى الترابى فى المجلس القيادى قد صار «رؤية»، وأن زمام الأمور قد بدأ يتحول من الترابى الى غيره. فصار «الشيخ» يرى ذلك ويقول لنفسه: أبعد كل ما قام به من التغطية السياسية والأيديولوجية للنظام، وما تحمل من انتقاد وتجريح واعتداء مباشر كاد أن يودى بحياته وهو يدافع عن حكومة الانقاذ ويناضل فى سبيل تثبيت أركانها، أبعد كل هذا تكون النتيجة أن تحدد تحركاته وأن تراغب تصريحاته؟ لقد بدأ له كأنه قد ظلم مرتين: مرة من المعارضة الخارجية التى لم تتفهم أطروحاته المعتدلة، فتظل تتهمه بالأصولية وتحاسبه بكل سيئاتها فى كل العالم الاسلامى، ومرة ثانية من قبل «تلاميذه» الذين جاء بهم الى الحكم فصاروا يتنكرون له ويتشككون فى قدراته ويرصدون تحركاته. ويظهر أنه فى مثل هذا المناخ النفسى الكئيب أخذ عدد آخر من تلاميذه «الأوفياء» ممن تخطتهم التعيينات الوزارية، أو أخرجتهم الموازنات السياسية يعودون للتمحور حوله ويوحون له بأن مرحلة «الإمام العالم» قد أطلت، وأنه لا أحد غير «صاحب المشروع» يستطيع أن يقود «دولة المشروع». هذه المجموعة، نستطيع أن نزعم، هى التى ساعدت من خلال المناجاة أن ترفع التوتر والتوجس الى مستوى فقدان الثقة والعداء الكامل بين الطرفين. ومن هنا فصاعدا يمكننا أن نلاحظ بروز أطراف جديدة، وجماعات وظيفية بدأت تتشكل وتدخل حلبة الصراع. ولعل أول تلك الأطراف هى «البطانة» الجديدة التى بدأت تلازم الأمين العام وتضرب حوله سياجا سميكا، فلا يرى ولا يسمع الا من خلالهم، ولا يستطيع أحد من أمثالنا أن يصل له أو يتحدث معه الا من خلالهم أوفى حضورهم. أما فى الجهة المقابلة فقد ظهرت أيضا «بطانة» أخرى أشد سمكا، فصارت تطوق الرئيس وتتقوى به وتتحدث باسمه أحيانا، وتتخذ لها موقعا فى قيادة الحركة الإسلامية وفى قيادة الدولة. ولن يستطيع أحد من أمثالنا بالطبع أن يتحدث مع الرئيس الا من خلالهم أو فى حضرتهم. وسنلاحظ من الآن فصاعدا أن هذه «الأطراف الجديدة المصنعة» والجماعات الوظيفية المساندة لها ستتولى أدوارا متعاظمة ليس فقط فى اعادة انتاج النزاع، وانما فى قيادة الحركة الإسلامية والدولة، وأن أدوار الشخصيات الأساسية التى فجرت النزاع ستتقلص. وغني عن القول أن مثل هذه الأطراف الجديدة لن تكون مهتمة بالفكر الإسلامى أو الشورى القاعدية أو العدل الاجتماعى مثل اهتمامها باستعادة السلطة المسلوبة، أو تثبيت السلطة المغتصبة. وسيستمر الصراع المحموم بين الطرفين، وستظهر آثاره المدمرة (غرباً) و(شرقاً).
نواصل السبت القادم



التوقيع:
[frame="1 80"]مكلوم محزون لفقدك يا خالــ د[/frame]
imported_عبدالعزيز خطاب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-11-2006, 11:30 PM   #[3]
imported_عبدالعزيز خطاب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_عبدالعزيز خطاب
 
افتراضي

ويسألني الشيخ السنوسي
د. التجانى عبد القادر
(1)
الشيخ ابراهيم السنوسي صديق قديم، يكبرني ببضع سنوات، التقيت به أول مرة عام 1970 في سجن كوبر العمومي بالخرطوم بحري، ولم يكن ابراهيم يحمل يومها لقب "شيخ" ولكنه كان من نشطاء الحركة الإسلامية الذين انخرطوا في الأعمال الجهادية، وأبلوا فيها بلاء حسنا، وقدم هو وأسرته تضحيات كبيرة في سبيل الحركة الإسلامية، فاستحق عن جدارة لقب "الشيخ" من تلك الجهة. وقد سرني أن يكتب معقبا على مقالى لما في ذلك من دلالة على أن بعض "أخواننا الكبار" يقرأون أحيانا ما نكتب في الصحف ويعلقون علىه.
ولكني ترددت أول الأمر في الرد على ما كتب، اذ رأيت أنه لم يورد اعتراضا على الوقائع الأساسية التي اعتمدت علىها في مقالى، وهي لقائي بالترابي في لندن حيث أشاد بالقدرات الفكرية للاستاذ علي عثمان، والاجتماع الذي انعقد في منزل عثمان خالد حيث رشح فيه الدكتور حسن الترابي لموقع نائب الرئيس، وإجتماع الترابي/البشير الذي أقر فيه تعيين علي عثمان نائبا أولا لرئيس الجمهورية. هذه هي الوقائع الثلاث الرئيسة التي قدمت في ضوئها تحليلا لمرحلة من مراحل النزاع بين الإسلاميين في السودان، وتبين لي فيها أن موقع "رئاسة الجمهورية" كان واحدا من أهم محركات النزاع، وأن ذلك النزاع لم يكن في بداياته نزاعا حول المباديء أو القيم أو الدستور أو الحريات أو"القضايا الأصولية والإنسانية" كما أراد البعض أن يصوره. ثم ازداد ترددي لما رأيت أن الشيخ ابراهيم لا يهتم بشيء مما كتبت اهتمامه بشخص الترابي، فتخوفت من أن يتمحور الحوار حول تلك المساحة الضيقة فتطغى العصبية الحزبية على القراءة الموضوعية للأحداث، وندخل في منطقة "الحزام الحساس"، ويضيع ما نحن بصدده من محاولات لإرساء القواعد لمرحلة جديدة من الإصلاح الداخلي في الحركة الإسلامية تقوم على: الفحص الدقيق لمكونات الأزمة التي تمر بها، والنقد الأمين الصارم لهذه المكونات، واقتراح رؤية بديلة للخروج من الأزمة. ولكني لما رأيت أن متن حديثه يسير في اتجاه مصادرة حقي في الكلام، تارة بحجة اغترابي وبعدي عن الساحة وانعزالى، وتارة بحجة أن وجودي في الحركة الإسلامية، يوم كنت بالداخل، كان هامشيا، وثالثة بأن ما أقوله لا يعدو أن يكون ضربا من التخيلات والظنون السيئة اتباعا لنظرية المؤامرة، هذا "التكتيك" الذي يعتمد على "ازاحة" الكاتب وإسقاطه من منصة الحوار، ليس بتفنيد ما يكتب ولكن بغمزه حتي يكف عن الكتابة، هو الذي جعلني أمسك بالقلم وأكتب من أجل "التأريخ والحقيقة" أيضا، اذ يبدو أن الوقت قد حان بالفعل لمواجهة النفس، وللمراجعات النقدية الصريحة لمسيرة الحركة الإسلامية، ولاكتشاف الأخطاء الجسيمة التي وقعنا فيها، وذلك قبل أن ينجح بعض أخواننا الكبار "الذين صنعوا النكسة" في الهيمنة على التأريخ وتوظيفه سياسيا، كما هيمنوا من قبل على الحركة الإسلامية ففعلوا فيها الأفاعيل.
(2)
ولنبدأ باعتراضه "التكتيكي": أنني كنت بالخارج مغتربا دون اتصال، (اتصال مع من لا أدري) فلم أشهد هذه الوقائع، وأنني حتي حينما كنت في داخل السودان لم يكن لي الا وجود هامشي في مجلس الشورى (دون تكليف رسمي وغوص عميق، كما ورد في عبارته)، وأنني أسرد معلومات خاطئة وأقوم بتحليلات مضلله اتباعا لأصحاب نظرية المؤامرة.
والإعتراضان الأول والثاني يثيران مسألة في منهج الدراسة العلمية للتاريخ، فكأنه يريد أن يقول أنه لا ينبغي لأحد أن يرصد وقائع التاريخ ويحللها(خاصة تاريخ نزاع الإسلاميين في السودان) الا اذا كان هو شخصيا حاضرا لتلك الوقائع وشاهدا علىها بنفسه، وهذا مثل أن يقال لطبيب أنه لا يجوز له أن يفحص "جثمانا" ليحدد ما اذا كان صاحبه قد مات مطعونا أو مخنوقا الا اذا كان قد حضر شخصيا لحظات المشاجرة، ورأى بأم عينه سلاحا يخترق الحجاب الحاجز أو حبلا يلتف حول العنق. ومثل هذا القول لا يلتفت الىه لأنه يخالف ما أنتهي الىه أهل العلم في سائر الفنون، فالعلم لا يقوم فقط على "الحضور الشخصي"، اذ ليس من الضروري مثلا أن أشهد تحطم الطائرة التي توفي فيها اللواء الزبير، ثم أحضر الإجتماع الذي انعقد بمنزل عثمان خالد، ثم أصحب الترابي في اجتماعه مع البشير حتي يحق لي من بعد ذلك أن أتحدث عن هذه الوقائع وأحللها وأستخلص منها بعض النتائج. واذا سرنا على منطق "الحضور الشخصي" هذا، فان الشيخ ابراهيم أيضا وبرغم وجوده المستمر في الخرطوم، وبرغم وجوده الشخصي المتطاول في القيادة العلىا للحركة الاسلامية، وبرغم ملازمته المستمرة للدكتور الترابي الا أنه لم يشهد كل هذه الأحداث، وانما اعتمد مثلي على "رواية" من حضرها، فما هو الفرق بين من يستمع الأخبار والروايات وهو في بيته بالخرطوم، ومن يستمع الروايات ذاتها وهو في بيته بواشنطن أو غيرها؟ وحتي اذا سلمنا بنظرية الحضور الشخصي، فهل كل من شهد حدثا علم ما فيه من دلالات، وما يتصل به من خلفيات، وما ينتهي إليه من مآلات؟ على أنني لم أخطف هذه الروايات خطفا من أفواه المارة، وانما جلست واستمعت لبعض من شاركوا فيها، وسألت ثم حددت مكان الإجتماع وزمانه وذكرت عشرة أسماء ممن حضروا ذلك الإجتماع، ولم يكذبني حتي الآن واحد منهم، وكلهم بحمد الله أحياء يمتلكون الهواتف ويقرأون الصحف، فكيف أتهم بعد هذا بأني "أسرد معلومات خاطئة" أو اتبع محض الخيال؟
(3)
ثم أنني لم أكن غائبا عن السودان بالطريقة التي يوحي بها مقاله، فقد شهدت سنوات الإنقاذ السبع "الصعبة" الأولي (1989- 1996)، وشاركت في كل الإجتماعات التي كان مسموحا لنا بالمشاركة فيها، والتقيت بمعظم المسؤولين العسكريين والمدنيين الذين كان متاحا لنا أن نلتقي بهم، ليس مجرد لقاءات عابرة، وانما عملت وتعاملت مع الكثيرين منهم، واطلعت على كثير من الوثائق وشاركت في مناقشة بعضها. صحيح أنني لم أكن "مواظبا" على الحضور الى المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي صباحا والى "المنشية" مساء، كما كان يفعل الكثيرون ممن تفرغ لهذا النوع من النشاط، ولكن الصحيح أيضا أن معرفتي كانت وثيقة بالدكتور الترابي وبالحركة الإسلامية والتي عملت في صفوفها منذ أواسط الستينيات في القرن الماضي، وسلخت سنين عددا من عمري في دراستها وتتبع تطوراتها، ولكن كل ذلك لا يؤهلني في نظر الشيخ السنوسي لأن أفسر حدثا، أو أتوصل الى نتيجة، أو أبدي رأيا لأني كنت غائبا ولم أتصل "بجميع الأطراف في الحركة الإسلامية"، وهذا بالطبع هو بيت قصيده، وهو ليس وحده في هذا، فكثير من اخواننا الكبار الذين ساهموا في صناعة "الكوارث الإسلامية" يسيرون على هذا التكتيك: كل من يريد أن يكتب عن الحركة الإسلامية علىه أن يأتي إلينا أولا، فنحن الذين صنعنا الحدث(الكارثة)، ونحن الذين نملك أدق المعلومات عنه، ونحن الذين نملك أصح التفسيرات له. ولقد كنت لعهد قريب أقع في مثل هذا الفخ، فتراني أزاحم في المركبات العامة، لأطوف على "اخواني الكبار"، أطلب المواعيد وأترجي المقابلات، أبحث عن "الحقيقة والتاريخ"، وهم مطمئنون في منازلهم. ولكني الآن صرت مقتنعا بأن هذه المعادلة يجب أن تعدل، وأن الذين كانوا يتكلمون طيلة العشر سنوات الماضية ينبغي أن يسمحوا لنا، نحن الصامتين، بأن نتكلم، وأن يسمحوا لنا كذلك بأن نجمع معلوماتنا بالطرق التي نشاء، ومن المصادر التي نريد، وأن نكون آراءنا بالطرق التي تروق لنا، ثم نطرحها لجمهور الناس، وعلىهم هم هذه المرة يقع عبء الذهاب بمعلوماتهم ووثائقهم الى الجمهور، أما الزبد، أجاء منا أو منهم، فسيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فسيمكث في الأرض.
ثم في محاولة أخيرة "للإزاحة"، يلمزني أخي السنوسي بأني، علاوة على اغترابي وهامشيتي، لم أكن أشغل موقعا "رسميا" في الدولة، كأنه قد عهد بي خبلا أو خيانة، أو كأنه لا يعلم كيف كانت توزع تلكم المواقع(الغنائم)، على أن المواقع الرسمية لا تعطي شاغلها نورا يمشي به في الناس، أو بصيرة يفسر بها التاريخ.
(4)
أما اذا عدنا من التكتيك الى الموضوع فنجده يثير ثلاثة اعتراضات أساسية على ما أوردت: أنه لم يكن هناك اتفاق على أن يكون الترابي رئيسا للجمهورية، وأن علي عثمان لم يجاهر قط بترشيح البشير للرئاسة، وأنه لم يعقد اجتماع في منزل عثمان خالد عقب وفاة اللواء الزبير لاختيار نائب، وأن الترابي لم يكتب الدستور بالطريقة التي يريدها، فلننظر فيها فيما يلي.
يقول الشيخ السنوسي: "بل ما أوردت من ترشيح د. الترابي للرئاسة، كما كان متصورا أو متفقا علىه، أمر غير صحيح تماما، بل ولا أعرف أية جهة في التنظيم في أية درجة علىا أو دنيا، سرية أو علنية رشحت أو اتفقت على ترشيح الترابي للرئاسة". ولكنه لو قرأ الوثائق الداخلية للمؤتمر الشعبي، والتي وزع بعضها على الفروع التنظيمية لعرف، إذ أني ذهبت لأول مقدمي من الخارج عام 2000 الى منزل الدكتور الترابي من أجل المودة و"من أجل الحقيقة والتأريخ" أيضا، فأعطاني أحد معاونيه ملفا بعنوان(الأوراق بشأن الأزمة ومراحلها)، وهي أوراق كتبت بعناية وقصد بها تمليك العضوية بعض المعلومات "الخاصة" التي تساعدها في فهم خلفيات النزاع وفي محاججة الطرف الآخر. جاء في ورقة "بسط المعلومات" ما يلي: "كانت خطة الحركة بعد العام الثالث للتمكين أن تبرز الحركة كلها، وتتولي المسؤولية مباشرة بكامل رموزها وخطتها، وتجلي ذلك في قرار حل مجلس قيادة الثورة، وكانت الخطة أن يتولي أمين عام الحركة قيادة دولتها، ولكن خلصت الرؤية أن في رئيس مجلس الثورة ما يحقق ذات الغايات". وبالطبع فان الأمين العام المشار الىه هو الدكتور الترابي، والوثيقة تذكر صراحة وجود خطة للحركة تقرر فيها أن يكون هو رئيسا للدولة. وانكار الشيخ السنوسي لهذا الأمر فوق أنه لا يفيد الا أنه أيضا يهدم أهم حجة كان ولا يزال يعتمد علىها الترابي، اذ يتهم المجموعة الأخري "بخيانة عهد الحركة الإسلامية المعهود سرا بيمين مغلظ"، فهل تعتقد أن ذلك العهد المعهود سرا بيمين مغلظ هو أن يحمل الترابي عصاه ويرحل عن الساحة السياسية؟ ولذلك فان ما أوردت في مقالي من ترشيح للترابي "متصور أو متفق علىه" مأخوذ من هذه الوثيقة، والتي لا تتحدث عن مجرد "ترشيح" للترابي لرئاسة الجمهورية، وانما تتحدث عن اتفاق سري مسبق تم تضمينه في الخطة الثلاثية الأولي. ثم تقول الوثيقة أنه عندما طرح موضوع رئاسة الجمهورية في اجتماع للمكتب القيادي عدل عن الإتفاق السابق وتم التراجع عنه، أي بعبارة أخري أن الترابي قد فقد رأي الأغلبية في المجلس القيادي، وهذا في تقديري هو أهم حدث من أحداث النزاع من أولها الى آخرها، والترابي نفسه لم ينكر ذلك، اذ يرجع بداية الخلاف الى ذلك الوقت، ويلمح حينا ويصرح حينا آخر بأن "خيانة" قد ارتكبت ضده. أما الفريق البشير فقد ذكر صراحة أن الخلاف مع الترابي يعود الى عام 1992(أنظر الأهرام، بتاريخ 16ديسمبر 1999)، فاذا كان الشيخ السنوسي لا يعرف "جهة في التنظيم، في أية درجة علىا أو دنيا، سرية أو علنية رشحت أو اتفقت على ترشيح الترابي للرئاسة" فان عدم المعرفة من قبله لا ينفي وقوع هذه الحوادث.
ويسألني الشيخ السنوسي ويرجوني أن أذكره: أين ومتي جاهر علي عثمان برأيه في ترشيح البشير، وأقول، مواصلة لما سبق، أن موضوع الترشيح لرئاسة الجمهورية قد طرح في المجلس القيادي عند نهاية الخطة الثلاثية التي تتحدث عنها، فسأل الترابي الحضور: ومن هو مرشحنا لرئاسة الجمهورية؟ متوقعا أن تجيء الإجابة مؤكدة للعهد السابق "المعهود سرا"، ولكن علي عثمان أجابه بأن "مرشحنا هو البشير"، ثم تكلم عوض الجاز مؤيدا لرأي علي عثمان، ولعل الأكثرية قد سارت في هذا الإتجاه، مما جعل الترابي يتأكد في ذلك الإجتماع أنه قد فقد الأغلبية، وأن رأيا معاكسا لرأيه قد بدأ يتبلور في داخل القيادة، مما جعله يحني ظهره للعاصفة، وهو سياسي محنك، فيؤيد ترشيح البشير على مضض، ولكنه بدأ يعد العدة، على اثر ذلك الإجتماع، لإزاحة كل من علي عثمان وعوض الجاز من المواقع التي كانا علىها، فأزيح علي عثمان بالفعل من موقع نائب الأمين العام الذي ظل يشغله لسنوات طويله، كما أزيح عوض الجاز من موقع وزير شؤون الرئاسة. وسبب تلك الغضبة هو أن الترابي كان يتوقع من هذين الأخوين بالذات أن يقفا الى جانبه في صراعه ضد العناصر العسكرية في المجلس القيادي، بل إنه كان يأمل في أن يقوما بتسهيل عملية "التسليم والتسلم"، وذلك هو ما قصدته بعبارة "دحرجة العسكريين الى خارج السلطة" التي وردت في مقالي، ولم أقصد ما فهمه منها الشيخ السنوسي في رده.
(5)
ويقول الشيخ السنوسي في مقاله الثاني: "وليس صحيحا أننا عقدنا اجتماعا في منزل الأخ عثمان خالد لهذا الأمر،(اختيار نائب أول) ولو تم مثل هذا فقطعا لم يحضره د.الترابي، ولا سمعنا بجهة تنظيمية كلفت أحدا باعداد أسماء المرشحين للنائب الأول"، ثم أخذ ينقل نصوصا من مفكرته الىومية. وطبيعي أن الإنسان يدون في مفكرته الىومية بعض الأعمال المهمة التي يقوم بها، والشخصيات التي يقابل، ولكن من الطبيعي أيضا أن ما يقوم به "الآخرون" في جهات أخري من المدينة لا يجد سبيلا الى مفكرته الىومية، وانما يحتاج الى بحث خارج المفكرة. فلو أن الشيخ السنوسي، الباحث المهتم بالحقيقة والتاريخ، أغلق مفكرته واتصل بالأخ عثمان خالد لأكد له أن هناك اجتماعا انعقد في منزله عقب وفاة اللواء الزبير ونوقشت فيه مسألة اختيار نائب أول، ولو سأل الأخ أحمد عبد الرحمن محمد لأكد له الحدث نفسه، ولزاده علما بأن الترابي هو الذي طلب منه أن يدعو لذلك الإجتماع، ولو سأل عبد الله حسن أحمد أو عثمان عبد الوهاب لأكدوا له أنهم أيضا حضروا ذلك الإجتماع واقترحوا أن يكون الترابي نائبا أولا لرئيس الجمهورية، ولو سأل محمد محمد صادق الكاروري لذكر له أنه أيضا حضر ذلك الإجتماع وأقترح أن يكون أحد العسكريين (بكري) نائبا أول، ولو سألت موسي حسين ضرار لما أنكر أنه قد حضر الإجتماع وأقترح بأن يحمل أسماء المرشحين الى الرئيس البشير(إلا أن الرأي استقر على أن يحملها الترابي نفسه، وقد كان).
فالخبر الذي أوردته في مقالي صحيح، بل ان الشيخ السنوسي نفسه وبعد أن قطع بعدم صحته في الجملة الأولي من نصه المشار الىه آنفا تراجع قليلا في الجملة الثانية ليقول (ولو تم مثل هذا الأمر).والغريب أنه بعد أن صال وجال في مفكرته وصل بنا الى المعلومة ذاتها التي حاول أن ينفيها: وهي ان اسم الترابي كواحد من المرشحين الثلاثة قد وصل الى سمع الرئيس البشير وبصره، وأن الذي أوصل ذلك هو الترابي نفسه، ولا يهمنا هنا ان كان قد فعل ذلك "عرضا" على صيغة المزاح، أو فعل ذلك على سبيل السخرية من صاحب الإقتراح. ويقول السنوسي: "ما سمعنا بجهة تنظيمية كلفت أحدا باعداد أسماء المرشحين للنائب الأول"، ثم تراه يقول بعد قليل:" وخرجنا من ذلك الإجتماع (مع الترابي) بتكليف الأخ أحمد عبد الرحمن بأن يخطر الأخوة الكبار، ويتولي الأخ يس أخطار نافع،...وأوكل الي إخطار الأخ علي..."، هذا الكلام يناقض آخره أوله، كما هو ظاهر، اذ ان "إخطار" هؤلاء الأخوة الذين يذكرهم ليس هو شيء آخر غير توجيه الدعوة الىهم للاجتماع بغرض مناقشة الموضوع واقتراح شخص لموقع النائب الأول.
على أن أهم ما استفدناه من مفكرة الشيخ السنوسي أنه استطاع من خلالها أن يقدم لنا صورة عن حالة الفوضي والإضطراب والعشوائية التي كان يدار بها التنظيم. فلا نسمع ذكرا للهيئة القيادية أو المكتب السياسي أو مجلس الشوري، ولا نسمع ذكرا للائحة أو دستور، كل ما نسمعه في رواية السنوسي أن "شلة" من الأخوان الكبار اجتمعت في منزل أحدهم ثم اتفقوا أو لم يتفقوا فقرروا أن يلتقوا في مكان آخر، ثم انعقد اجتماع آخر في منزل شخص آخر، ثم يذهب الشيخ السنوسي "مبكرا الى منزل الدكتور الترابي، ويشرب معه الشاي،(اي والله) ثم يخطره بما دار في منزل الأخ علي عثمان، وأن الأخوة اتفقوا أن يكون المرشحان علي عثمان وعلي الحاج". ولا أجندة ولا وقائع ولا يحزنون، (ثم يتوعدني: هذا هو التاريخ يا د. تجاني والناس أحياء في السلطة أو خارجها)، وأقول له نعم التأريخ يا شيخ ابراهيم، ونعم التنظيم، وهكذا فلتدار الدولة الإسلامية وليزدهر نموذجها الحضاري.
ثم قلت ان الترابي كتب الدستور بالطريقة التي كان يريدها، واعترض الشيخ السنوسي على ذلك، وكنت أظن أنه سيقول أن الترابي لم يكتب الدستور وحده وانما شاركته لجنة صغيرة أو كبيرة من القانونيين وفقهاء الدستور، وأنه (أي السنوسي) قد شارك في تلك اللجنة بحكم تخصصه القانوني، وأن تلك اللجنة قد اعترضت على شيء من المواد التي وضعها الترابي، او أضافت شيئا، أو نحو ذلك من أنواع المشاركة التي تكون حجة يستند علىها فيقال أن اللجنة لم تكن لتسمح له أن يكتب الدستور بالطريقة التي يريد، أما ذا كتب شخص دستورا ما، من ألفه الى يائه، غير مقيد من أحد فكيف يقال أنه لم يكتبه بالطريقة التي يريد؟ وهل يتصور أن يكتبه بالطريقة التي يريدها خصومه الذين وقفوا ضده في المكتب القيادي، ويقفون له بالمرصاد في رئاسة الجمهورية؟
(6)
ويشير الشيخ السنوسي الى الزهد ونكران الذات عند الترابي، وكيف أنه قرر أن يذهب الى "السجن حبيسا ويبعث الفريق عمر الى القصر رئيسا"، ويصور لنا في مقالىه كيف أن الترابي كان كارها للسلطة، وكيف أن السنوسي كان هو المحرك الأساس الذي يدفعه الى تلك المواقع دفعا، فالترابي مثلا لم يكن راغبا في رئاسة البرلمان، ولكن السنوسي هو الذي يقدم "مرافعة التأييد"، فيوافق الترابي، والترابي لم يكن راغبا في أن يكون نائبا أول (لكي يذكر في التاريخ كذكر عبد القادر الجيلاني، وينسي الرسميون كما نسي الخليفة العباسي)، ولكن الشيخ السنوسي كالعادة يقدم مرافعة التأييد قائلا: " هذه المرة يجب أن يكون النائب الأول أخا ملتزما، مدنيا وليس عسكريا..واحد اسمه حسن عبد الله"، ولكن برغم أن الواحد الذي اسمه حسن عبدالله لم يوافق على ذلك الإقتراح واستخف به الا أنه ذكره، على علاته، للرئيس البشير. وهكذا يتحفنا الشيخ السنوسي بمرافعاته العجيبة، والتي لا ندري كيف يعتقد أنها تمثل دفاعا عن مواقف الترابي، أو تؤكد زهده في السلطة وكراهيته لها.
على أن اللافت للنظر هو أن كل المسارات التي يسير علىها الترابي محمودة عند الشيخ السنوسي في كل الأحوال، فاذا امتنع عن السلطة مثلا فان ذلك الإمتناع محمود ويدل على التجرد ونكران الذات، واذا نازع في السلطة، فان نزاعه أيضا محمود عند الشيخ السنوسي لأنه "هو أمين الحركة والمشروع". وهذا دفاع ليس بالحسن، بل الأحسن منه أن يقال أن الترابي بشر مثلنا، يحب السلطة ويسعي نحوها وينازع فيها، لأنه لو كان حقا يكرهها ويتجنبها، كما يريد الشيخ السنوسي أن يقنعنا، لأنشأ له "خلوة" في قرية ود الترابي على مقربة من النيل الأزرق فانقطع فيها للعبادة الخالصة، أو لتفرغ لإطعام الجوعي وأصحاب العلل النفسية، كما كان يفعل الشيخ البرعي، رحمه الله، في زريبته بعيدا عن الإذاعة وقنوات التلفزيون. أما وأن الشيخ الترابي قد أنشأ له حزبا سياسيا، وتفرغ له عقودا من الزمن، وقاتل فيه وقوتل حتي كاد أن يقتل، ثم يقال لنا بعد ذلك أنه زاهد في السلطة لا يريدها ولا يسعي لها (الا إذا أصر علىه الشيخ السنوسي) فهذا قول شديد الضعف، ولو كنت مكان الشيخ السنوسي، وأردت أن أدافع عن دوافع ومواقف الشيخ الترابي لدافعت بأحسن من هذا، إذ من الممكن أن يقال أن حب السلطة والسعي لها والمنازعة فيها (أو طلب الإمامة كما كان يقول سلفنا الصالح)لا تعد من أمور "العيب" المكروهة في ذاتها، كما يتصور الشيخ السنوسي، وهو تصور مأخوذ من الثقافة الشعبية الدارجة في السودان، أما في الرؤية الإسلامية فان السعي نحو السلطة أو التنافس فيها لا يعتبران عيبا، فقد تنازع فيها أهل الشوري من الصحابة، فما رد عنها طالب ولا منع منها راغب، كما عبر عن ذلك أحد العلماء، ولكن المكروه دينا وسياسة هو أن يجر طلب الإمامة الى كشف عيبة للمسلمين كانت مكفوفة، أو الى نقض عهد كان مبروما، أو الى أغراء عدو متربص، أو تحريك فتنة يسفك فيها دم. ولقد قلت مثل هذا القول ونشرته عام 2000 حينما أوشكت العاصفة أن تقتلعنا جميعا، ولم أعب من قبل ولا من بعد على الترابي أو غيره أن يسعي الى موقع رئاسة الجمهورية، وأن ينازع في ذلك، ولكن الذي قلته و أقوله الآن ان "التكتيك" الذي اتبعه الترابي وهو ينازع في مواقع الرئاسة(ثم جاراه فيه الآخرون) كان تكتيكا فاشلا خسر الترابي بسببه رئاسة الجمهورية، وخسرنا نحن بسببه الحركة الإسلامية ذاتها، وظللنا ندفع فاتورة ذلك الخسران وسنظل ندفعها زمنا طويلا، كما خسر الشعب السوداني بسببه موارد بشرية واقتصادية هائلة.وهذا رأي رأيته، وقد قادني الىه البحث والنظر وليس الإحباط، كما ألمح في تعقيبه. واني لأفهم أن يكون له رأي مخالف، ولكن لا أفهم لماذا يعتقد أن رأيي هذا يعتبر تشويها لصورة الترابي أو اساءة لشخصه.
(7)
ويسألني الشيخ السنوسي: " وهل في الحركة(الاسلامية) من هو أجدر بها(رئاسة الدولة)وأقوي منه(الترابي)، وهو الأمين العام للحركة الذي قادها منذ ثورة أكتوبر1964 حتي خرجت الحركة الاسلامية من تحت الأرض الى حزب،الى دولة؟" ولم أنكر في يوم من الأيام القدرات العديدة التي يتمتع بها الدكتور الترابي، زاده الله قدرة ومتعه بها، كما لم أنكر الإسهام الكبير الذي قدمه من أجل تأسيس الحركة الإسلامية وتطويرها، وما تحمل في ذلك من صعاب وقدم من تضحيات، فجزاه الله خيرا كثيرا على ما فعل، ولكن، وطالما أن الشيخ السنوسي يتحدث باسم "الحقيقة والتاريخ" فان الحقيقة والتاريخ يقتضيان أيضا أن يشير ولو في جملة واحدة الى الجنود المجهولين الذين ساهموا مع الترابي ومثله في تأسيس الحركة الإسلامية ودفع مسيرتها، أقصد شباب الحركة الإسلامية وشيوخها الذين تخلوا عن أسرهم ووظائفهم ومدارسهم وتخندقوا في الصحراء، أو تفرقوا في أودية الغربة سنين عددا من أجل الدفاع عن الحركة الإسلامية ونصرتها، أو أولئك الذين جاءوا من بعدهم فقدموا أرواحهم في غابات الجنوب فداء للحركة وللوطن، أو الذين عادوا من الجنوب يتكئون على "أطراف صناعية" بعد أن فقدوا أرجلهم وأياديهم، أو السابقين الأولين الذين كانوا يقودون النضال الىومي بين الجماهير، يكتبون صحف الحائط الممنوعة، ويوزعون المنشورات الخطرة، ويخرجون الى الشوارع ليضخ علىهم الغاز المسيل للدموع، ويضربون بالسياط، ويفصلون من الجامعات، ويوضعون في المعتقلات والزنازين، يكتبون أناشيد الحركة الإسلامية ويتغنون بها، ويدافعون عن مواقفها في أركان النقاش ومنابر العلم، ويصوغون الهتافات ويدفعون الإشتراكات (والتي تكاثرت بفضل الله حتي أصبحت شركات يتقاسمها بعض "الناس" الكبار ويتنعمون بها )، ألا يستحق أولئك الجنود الصامتون المجهولون ذكرا؟ أليس هم الأبطال الحقيقيون الذين صنعوا الحركة الإسلامية؟ وأخرجوها من تحت الأرض لتصير تيارا شعبيا عريضا تقف على رأسه دولة يتصارع حولها اخواننا الكبار؟ أم أن الترابي وحده هو الذي صنع ذلك وما على (الآخرين) الا أن يصفقوا ثم يلتزموا الصمت، أو "يعملوا انتباه ويرجعوا الى الخلف"، كما جاء في عبارة اللواء الزبير التي رواها الشيخ السنوسي بكثير من الإعجاب. أبعد أربعين عاما من التربية والنضال الفكري والسياسي تلتفت الحركة الإسلامية فلا تجد لقيادتها أو قيادة دولتها غير الترابي (والى جواره الشيخ السنوسي)؟ هل يظن الشيخ السنوسي انه بمثل هذا يمتدح الدكتور الترابي؟ اذن ما الفرق بينه وبين السيد الميرغني أو الإمام الصادق؟ أو "الشيخ"/الأستاذ نقد؟ ولماذا اذن خرجنا، نحن وهو، من أحزابنا "الطائفية" القديمة، وطرقنا الصوفية الحبيبة، وقبائلنا العريقة اذا كان تنظيمنا الإسلامي الحديث يرتكز على شخص عبقري واحد، ويعجز أن ينتج بديلا له لمدة أربعين عاما؟ أليس أفضل من هذا أن نصير جميعا الى القول بأن الترابي ساهم مساهمة كبيرة في تشكيل الحركة الإسلامية، ولكن الحركة الإسلامية أيضا ساهمت في صناعة الترابي وفي تحويله من استاذ في كلية صغيرة للقانون الى قائد اسلامي فذ ينافس في قيادة الدول؟
(
وبعد أن فرغ الشيخ السنوسي من دفاعه الأساس خلص الى القول بأن: "المقال كله يصب في اتجاه نظرية التآمر وسوء الظن". وهذا ما درج على ترديده بعض المثقفين العرب في الآونة الأخيرة حينما رأوا بعض السذج والعوام ينسبون كل حدث الى أجهزة المخابرات العالمية، ويرجعون كل كارثة تلم بالعالم العربي الى الدسائس الصهيونية، ليستريحوا بذلك من عناء التفكير وآلام محاسبة النفس. فأراد الشيخ السنوسي أن "يحشرني" في زمرة هؤلاء البلهاء حتي يتخلص مني بصورة كاملة، ويتخلص من ثم من الحقائق التي أوردتها ومن التحليل الذي قدمت، ولكن مهلا، فأنا لا أقول أن حركة التاريخ كلها تفسر بالمؤامرات الصهيونية أو غيرها، ولكني لا أتردد في القول بأن المؤامرة جزء من حركة التأريخ، وأداة من أدوات السياسة، حتي أن الإشارة وردت الىها في غير موضع من القرآن الكريم، فقيل لموسي علىه السلام(إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك)، وقيل لمحمد(صلى الله عليه وسلم): (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك)، بل إن الشيخ السنوسي نفسه لم يحقق أهم إسهاماته السياسية (يوليو1976) الا باستخدام "أداة المؤامرة"، اذ كان "يتآمر" على نظام النميري بالليل والنهار من داخل الجبهة الوطنية ومن خارجها، وكان حلفاؤه وأصدقاؤه في الجبهة الوطنية "يتآمرون" علىه، والنميري نفسه كان متآمرا كبيرا ولم يأت الى السلطة ويمكث فيها طويلا الا عبر سلسلة من المؤامرات، و "ثورة الإنقاذ" نفسها كيف أتت؟ هل نسيت ذلك؟ أيخفي علىك أن معظم تأريخنا السياسي الحديث يتكون، بكل أسف، من سلسلة مترابطة من المؤامرات والمؤامرات المضادة، ما تنضج مؤامرة كبيرة الا وأن تتولد بداخلها مؤامرات صغري مناهضة لها، وما أن ينطلق مشروع وطني كبير الا وأن تتولد بداخله مشاريع شخصية صغيرة تنخر في عظامه، والذي ينكر وجود المؤامرة في مثل هذا المناخ التآمري المتكدر كأنما يريدنا أن نغمض أعيننا ونكف عن التفكير وأن نسمع ما يقوله أخواننا الكبار ثم "نعمل انتباه ونرجع الى الخلف". المؤامرة يا شيخ ابراهيم أداة من أدوات السياسة والحرب والا لما أنشئت أجهزة للمخابرات، ولما وضعت حدود بين الدول، ولما أطلق علىك الرصاص ذات مرة.
أما ما لم أقله في مقالى وأريد أن أضيفه الآن فهو أن بعض "الأدوات" والخبرات التي اكتسبها بعض اخواننا الكبار من جراء تعاملهم مع "الخارج/اللاإسلامي" قد صاروا يستخدمونها في "الداخل الإسلامي". كانوا يتآمرون ضد النظم القهرية التسلطية لينتزعوا منها أدوات التسلط، ولكن وحينما تحقق ذلك فسدت أخلاقهم وصاروا يتآمرون ضد بعضهم البعض، فانقلبت الأمور تماما، اذ حولوا خلافات (الداخل) الى تناقضات أساسية، ثم حولوا التناقضات الأساسية ضد (الخارج/اللاإسلامي) الى ضرب من الصداقات الزائفة، وهذا هو جوهر القضية التي حاولت مجرد الإيماء الىها فاتهمت بسوء الظن وتشويه صورة الكبار، مما يعني أننا برغم كل هذه المعاناة والمآسي لم نبلغ بعد مرحلة من النضج نستطيع بها أن نفتح ملفاتنا، وأن نتحدث بصراحة عن أخطائنا. فالكبار الذين ظلوا يقودون الحركة "أربعين" عاما يريدون أيضا أن يمسكوا "بتأريخ" الحركة أربعين عاما أخري حتي لا يري أحد إلا ما يرون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.



التوقيع:
[frame="1 80"]مكلوم محزون لفقدك يا خالــ د[/frame]
imported_عبدالعزيز خطاب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-11-2006, 11:33 PM   #[4]
imported_عبدالعزيز خطاب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_عبدالعزيز خطاب
 
افتراضي

ليس رداً على التجاني عبدالقادر:

الصراع في

الصراع في السودان لم يكن بين التنظيم المدني والعسكريين

د. عبدالوهاب الأفندي
أتحفنا الصديق العزيز د. التجاني عبدالقادر خلال الأسابيع القليلة الماضية بتناول تحليلي معمق لصراع الإسلاميين على السلطة في السودان، جمع فيه بين المعلومات الدقيقة التي يكشف عن بعضها لأول مرة، والبعد النظري لمفكر وأكاديمي متعمق في العلوم السياسية المعاصرة. تحليل الأخ التجاني الذي نشر على صفحات جريدة "الصحافة" السودانية يكتسب أهمية إضافية من كونه التزم الصمت طويلاً، وأمسك في انضباط يحسد عليه عن الخوض في الأمور الخلافية والإفضاء بما كان يعلمه من مكنونات الأمور. وقد كان ينكر علينا في السابق - كما فعل كثير من إخوتنا- تناول القيادات بالنقد و "التشهير". وخلاصة تحليل التجاني أن الإشكال يعود من جهة إلى ضروة وظيفية في الحركات السياسية الحديثة، خاصة حركات التحرر، تؤدي أولاً إلى تمحور الحركة حول شخصية ذات طابع رمزي تجسد الأيديولوجية التحررية موضوعياً. ثم لا تلبث هذه الشخصية أن تزاح من السلطة لصالح فئة من البراغماتيين أو "الواقعيين" (هذا التوصيف إضافة من عندي) ينتهي بهم الأمر إلى حصر همهم في البقاء في السلطة وتحقيق بعض الطموحات المحدودة فيها. وغالباً ما يؤدي ذلك إلى تحالف مع العدو الذي قامت حركة التحرر للتخلص من قهره (مثل تحالف حكومة بومدين مع فرنسا، وتحالف منظمة التحرير الحالي مع إسرائيل). ويعود هذا بحسب التجاني إلى طبيعة البنية التحتية الاجتماعية، والمناخ النفسي والثقافي والاجتماعي في البلدان المعنية، مما يفرض على الفاعلين السياسيين إكراهات قد تتضارب مع منطلقاتهم الأيديولوجية وهياكلهم المؤسسية والنظرية.
من جهة أخرى، يقول التجاني، يعود الإشكال في الحالة السودانية إلى عدم وضوح الرؤية حول دور العسكريين في السلطة التي نتجت عن إنقلاب الثلاثين من يونيو 1989، حيث كانت الخطة الأصلية تفترض أن يكون دور العسكريين انتقالياً، بحيث يقومون بتأمين السلطة والقضاء على أية مقاومة محتملة في انتظار اللحظة المناسبة لخروج الحركة إلى العلن وتولي السلطة بصورة مكشوفة. ولكن ملابسات معقدة قلبت الموازين وجعلت العسكريين يتمسكون بالاستمرار في السلطة من جهة، والمدنيين يعجزون عن إجبارهم على تركها من جهة أخرى. ويشير التجاني هنا إلى تجربة مماثلة لأحزاب البعث في سوريا والعراق، تنافس فيها العسكريون والحزبيون، فخسر طرف وربح آخر.
ولا أريد هنا أن أعلق على تفاصيل أطروحة التجاني، وهي تستحق نقاشاً معمقاً لما حفلت به أولاً من معلومات وافية لشخص مطلع على بواطن الأمور، وتحليل نظري مقنع إلى حد كبير، وإن كان هناك ما يشبه التضارب بين التناول النظري الذي يقول بما يشبه حتمية ما حدث، والمعلومات التاريخية التي تحكي قصة أخرى. ولكنني أود أن أقدم لتناولي برواية واقعة شاركت فيها والتجاني في أيام الدراسة الجامعية قد تلقي بعض الضوء على الديناميات الموضوعية لمثل هذه الصراعات غير المقصودة.
ولا بد أن أنوه هنا إلى أن التجاني صديق قديم عزيز، لم تنقطع بيني وبينه حبال الود، ليس فقط لما يتمتع به من صفات تجعل من الصعب على أي شخص ألا يكن له الود، ولكن لما بيننا من تقارب فكري وشخصي يرجع إلى أننا درسنا الفلسفة معاً في الجامعة، ثم انتقلنا إلى دراسة العلوم السياسية في بريطانيا، وعملنا معاً في ميدان السياسة في الجامعة، ثم في العمل الصحافي في بريطانيا. ولا أكتم سراً إذا قلت إننا لم نكد نختلف في قضية مهمة منذ تعارفنا. ويجب أن أضيف هنا أن من المؤسف أن شخصاً مثل التجاني قد أجبر على الهجرة بدينه وعقله ونزاهته من البلاد ليطوف البلاد من ماليزيا إلى الولايات المتحدة ثم الخليج، فتحرم البلاد من مساهماته القيمة.
ما سبق يعطي الواقعة التي أشير إليها بعداً إضافياً، وهي واقعة تعود إلى منتصف السبعينات حين كان التجاني يتولى (مؤقتاً) رئاسة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، بينما كنت أنا بين قيادات تنظيم الإتجاه الإسلامي الذي كان يسيطر على الاتحاد. وقد جرت وقائع في عام 1975 أغلقت بعدها الحكومة الجامعة وطاردت قيادات الاتحاد، واعتقلت عدداً منهم، من بينهم رئيس الاتحاد حينها المرحوم داود يحيى بولاد، ثم خلفه التجاني. وقد اضطررنا حتى بعد هرب التجاني وبولاد من السجن إلى اتخاذ إجراءات معقدة لتأمين حمايتهم من المطاردة الأمنية. وهذا بدوره أملى أن يكونوا موزعين على بيوت آمنة متباعدة، وألا يتحركوا أو يجتمعوا إلا قليلاً. وكنيتجة لهذا أصبحت مجموعة صغيرة من قيادات التنظيم لا تزيد على خمسة أشخاص تتولى إدارة الصراع السياسي مع الحكومة تحت راية الاتحاد. وكان أن اغتصبت هذه المجموعة، وكنت أحد أفرادها، سلطة الاتحاد كلها، حتى أنني أذكر أن سجالاً جرى في لقاء ضم بعض قيادات الاتحاد (ومنهم الإخوة سيد كمبال وابن عمر محمد أحمد وغازي صلاح الدين) طلبوا فيه على الأقل الاطلاع على البيانات التي تصدر باسم الاتحاد قبل إصدارها. وكنت على رأس من جادل بأن تلبية هذا الطلب من الصعوبة بمكان لكل قادة الاتحاد بسبب العقبات اللوجستية.
ما سبق قد يشير إلى بعد آخر يتعلق بديناميات العمل السياسي ويفسر آليات "اغتصاب" السلطة من قبل الفاعلين الذين يوجدون في الميدان، مقابل أصحابها "الشرعيين" في حالة الغياب المؤقت أو الدائم لأولئك. وقد كان ما قمنا به قلباً لطبيعة الأمور، إذ أن المعهود هو أن قادة الاتحاد هم القادة الميدانيون، وأننا في التنظيم أصحاب "السلطة الشرعية". وبالفعل فإنه ما أن فتحت الجامعة أبوابها حتى عاد قادة الاتحاد إلى دورهم العادي، وإن كان ذلك الدور تحجمه عوامل، منها التسلسل الهرمي للتنظيم. ولكن الواقع يقول إن الشخص الماثل في الميدان يضطر إلى اتخاذ قرارات تمليها دايناميات الحدث، ولا يمكنه العودة في كل مرة إلى "مرجعية" غير حاضرة، مما يخلق توتراً يؤدي بالضرورة إلى أزمة.
الأزمة في الحالة السودانية - وهذه هي إضافتي الرئيسية ، حتى لا أقول خلافي الرئيسي مع- أطروحة الأخ التجاني، لم تنشأ من خلاف بين العسكريين والمدنيين، بل خلاف بين القادة الميدانيين من مدنيين وعسكريين، وسائقي المقعد الخلفي من قادة التنظيم الذين كانوا يريدون إدارة الدولة من بيوتهم. هذا الخلاف، كما ذكر التجاني وفصلت في تحليلاتي السابقة، لم يكن بدعاً من الأمر، فهو يقع في كل مواقع التنافس الوظيفي المماثلة. ففي الاتحاد السوفيتي والدول الشيوعية حسم التنافس بين الدولة والحزب بغلبة الحزب مستخدماً في ذلك ذراعة الأمنية. وحتى في الدول الديمقراطية قد تقع منافسات بين مراكز قوى (كما هو الحال في حكومة بلير حالياً، أو كما يحدث من تنافس في الولايات المتحدة بين رئاسة مجلس الأمن القومي ووزراة الخارجية- أو وزارة الدفاع في المناخ الحالي-). ولكن الخلاف السوداني تميز بخصوصية دور الجهاز الذي أطلقت عليه تسمية "السوبر-تنظيم"، وهو الآلية الداخلية في التنظيم التي تمسك بمفاتيح القوى المتعلقة بالمال والأسرار. وقد زادت قوة هذا الجهاز بعد الانقلاب، حيث كان يمسك بمفاتيح السياسة الأمنية والعلاقات مع الجناح العسكري والشؤون المالية. وقد كان الترابي يسيطر سيطرة تامة على هذا الجهاز، وإن كان فوض بعض شؤونه اليومية إلى عدة أشخاص من بينهم د. نافع على نافع (الأمن) ود. عوض الجاز (المال والشؤون التظيمية مع د. مجذوب الخليفة). وأهم من كل ذلك فإن الأستاذ علي عثمان محمد طه كان يتولى الإشراف المباشر على السوبر- تنظيم، ويتولى إدارته اليومية، مما عمق الولاء له بين أركان الجهاز.
الإشكالات التي وقعت فيما بعد كان معظمها ذا طابع وظيفي أكثرمنه ذا طابع شخصي. ففي الفترة الأولى كان العسكريون غاية في الانضباط، وكان الكل يظهرون ويبطنون الولاء الكامل للشيخ الترابي الذي لم ينازعه أحد السلطة. وقد بدأ النزاع في داخل التنظيم أولاً مع القيادة التاريخية التي أزاحها الترابي من كل مواقع النفوذ لصالح أنصاره من الشباب. وقد علمت من أحد هؤلاء الأشخاص أن الرئيس عمر البشير اندهش غاية الاندهاش حين زاره وفد من قيادات الحركة في العام الثاني للثورة وقدم له لائحة طويلة من الشكاوى حول أداء الحكومة. ويقول الرجل إن البشير انتحى به جانباً وقال له:. إذا كانت لكم خلافات نرجو أن تقوموا بحلها فيما بينكم.
الإشكال الآخر قام من نقطة مهمة أشار إليها التجاني، وتمثلت في شكوى رجال السوبرتنظيم من عدم التزام الشيخ الترابي ومساعديه المقربين بالدور المناط بهم في الخطة التي وضعوها بأنفسهم، وكان يفترض أن يتخذوا موقعاً بعيداً من السلطة، في الظاهر على الأقل، وأن يكتفوا بدورهم السري. ولكن الشيخ الترابي ومجموعته لم يكن لهم صبر، ليس على البعد عن السلطة، إذ كانت السلطة كلها بيدهم، بل على التخلي عن الجاه. فقد كان الشيخ الترابي يكثر من التصريحات الصحفية، التي يؤكد فيها من جهة عدم أية صلة له بالسلطة ، ثم يبدي الآراء حول أمور هي من صميم اختصاصات السلطة من جهة أخرى. وأسوأ من ذلك فإن الشيخ الترابي ومساعديه المقربين من أمثال الشيخ إبراهيم السنوسي والمرحوم الشيخ محمد محجوب حاج نور، أخذوا يكثرون من اللقاءات بالدبلوماسيين والزوار الأجانب، والكثير من الشخصيات السودانية، وهي لقاءات تعمدوا أن يظهروا فيها أنهم هم أصحاب النفوذ الحقيقي في النظام. وقد اكتسب هذا التبجح بالنفوذ أبعاداً كادت تكون مرضية، وتتناقض بلا شك تناقضاً فاضحاً مع تمثيلية عدم العلاقة بالنظام. وقد زاد من تأزم الأمر أن بعض تصريحات الشيخ الترابي كانت تسبب حرجاً كبيراً، وتخلق أزمات دبلوماسية، كما حدث حين كشف التعاون السري مع اثيوبيا ضد التمرد في الجنوب في مقابلة مع البي بي سي، أو حين تولى المفاوضات مع السعوديين بعد أزمة غزو الكويت، أو حين دأب على انتقاد النظام المصري علناً.
وكما ألمح التجاني أيضاً سعى قادة السوبر تنظيم الآخرون إلى معالجات أصبح بعضها أسوأ من المشكلة، كما حدث حين أعلن عن تأسيس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي كمنبر يتيح للترابي والسنوسي الانشغال عن أمور الحكم بهموم أخرى، ولكن المؤتمر صار مصدر صداع إضافي للنظام. وكانت المعالجة الأخرى هي إشغال الترابي بالحزب السياسي (المؤتمر الوطني)، ثم رئاسة البرلمان، ولكن الترابي أثبت أن تحجيمه في أي دور من الصعوبة بمكان، وكان يصبح مشكلة أكبر للنظام في كل موقع جديد. وأهم من ذلك، فإن هذه التطورات كانت تقوض أسس خطة الشيخ الترابي الأصلية، التي بموجبها كان يجب أن يظهر على أنه بعيد كل البعد عن السلطة، ثم يعود ليتولاها. فالذي حدث كان أن الشيخ أصبح أبرز رموز السلطة وهدف سهام أعدائها، كما أن صورته التي تشكلت بدفاعه المستميت عن كل تجاوزات السلطة، وعدائه المكشوف للغرب ولجيران السودان الفاعلين، باعدت بينه وبين حلم السلطة المباشرة. ذلك أن السبب الأساسي في صيغة التقية التي خرج بها نظام الإنقاذ وإنكاره لهويته الإسلامية يرجع إلى أن القوى الدولية والإقليمية ما كانت لتقبل وقتها بحكم إسلامي في السودان. وبعد ظهور سجل النظام في مجالات القهر والعداء المكشوف للغرب ولمصر والسعودية، وتولي الشيخ الترابي شخصياً كبر كل هذه السياسات، زاد العداء الخارجي والرفض الداخلي لفكرة تولي الشيخ الترابي شخصياً الحكم.
الصراع إذن لم يكن بالتأكيد بين العسكريين والمدنيين، بل كان بين الدولة بقيادة السوبرتنظيم من جانب، والشيخ الترابي وبطانته ممن لم يرضوا بالسلطة من غير الجاه المصاحب لها، وكانوا يريدون من جهة أن يستمروا في إدارة الدولة من خارجها، ومن جهة أخرى خلق أزمة تتيح لهم "إعادة الأمور إلى نصابها" وتولي السلطة علناً. وهذا جعل منهم أكبر مهدد لقبضة السوبرتنظيم على السلطة. وهذا بدوره جعل تحجيم وإبعاد الشيخ الترابي ضرورة لتجنب انهيار النظام ولتخفيف الضغوط الخارجية والداخلية عنه. وقد عكس الصراع تعقيد التركيبة السياسية وآلياتها، وهو موضوع لنا إليه عودة إن شاء الله.



التوقيع:
[frame="1 80"]مكلوم محزون لفقدك يا خالــ د[/frame]
imported_عبدالعزيز خطاب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-11-2006, 11:35 PM   #[5]
imported_عبدالعزيز خطاب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_عبدالعزيز خطاب
 
افتراضي

العسكريون الإسلاميون: شركاء فى السلطة أم مالكون لها؟ (3/3)

د. التجاني عبد القادر

[email protected]

أشرنا فى المقال السابق الى أن أطرافا جديدة بدأت تظهر فى مسرح العمليات، يتمحور بعضها حول الدكتور حسن الترابى وبعضها الآخر حول الرئيس عمر البشير، وقلنا إن تلك المجموعات الجديدة سيكون لها دور متعاظم فى قيادة الحركة الإسلامية والدولة قد يفوق الدور الذى كانت تقوم به الشخصيات التى فجرت النزاع. ونود فى هذا المقال أن نستكشف المناخ النفسى والثقافى الذى تتولد فيه مثل تلك المجموعات، والدور الذى يمكن أن تلعبه فى "دحرجة" ما تبقى من القيادات الإسلامية غير العسكرية الى خارج السلطة. ولكننا قد لا نستطيع أن نفعل هذا الا بتوسيع زاوية الرؤية بإجراء نوع من المقارنة بين مسيرة الحركة الإسلامية فى السودان وحركات سياسية أخرى فى محيطنا الأفريقى- العربى.

إن قراءة متأنية فى تأريخ حركات التحرير الافريقية والعربية تكشف عن نمط متكرر ظل يحكم المسار العام لمعظم هذه الحركات، ويمكن التعبير عنه بالصيغة التالية:

1-أنه عادة ما تبدأ هذه الحركات بـ (تصور) بسيط ترى فيه نفسها على أنها حركات تحرير وطنى، ثم تصوغ لها فيما بعد رؤى أيديولوجية، أو منظومات فكرية، تخوض من خلالها نوعا من الحروب ضد عدو من الأعداء، قد يكون محتلا أجنبيا فى بعض الحالات، أو نظاما تسلطيا متحالفا مع العدو الخارجى فى حالات أخرى،

2-إن حرب التحرير هذه غالبا ما تتولد عنها عاطفة قومية وتضامن وطنى واسع، ولكن ما أن تحقق نصيبا من النجاح العسكرى أو السياسى حتى تتحول حربها من الساحة الخارجية إلى الساحة الداخلية؛ فتبتلى بنوع من الحروب الأهلية التى تعشعش فى الأبنية الداخلية لحركة التحرير نفسها؛

3-وأن الحرب الأهلية الداخلية ستقود فى محصلتها النهائية إلى تصنيع نظام "أوتوقراطى" فى داخل حركة التحرير، تكون نقطة ارتكازه ومحور وجوده "شخص/زعيم" يجمع بين الرمزية التاريخية، والموارد المالية، والسلطة الأمنية/العسكرية. وفى هذه المرحلة تتبعثر المنظومة الأيديولوجية الأولى، وينحل البناء التنظيمى الذى أسس عليها، ويتبدد التضامن الوطنى الذى صاحب نشأتها الأولى، ويتحول قائد الحركة من شخص ثوري يقود حركة تحرر ثورية إلى "زعيم ضخم" تحيط به الحاشية وأصحاب المصالح والأهواء،(وقد تسيطر عليه الذهنية التآمرية، ويستهويه النشاط السري))، ثم تتحول حركة التحرير تبعا لذلك إلى فصائل تتحارب فيما بينها،ثم يسعى كل منها سعيا حثيثا نحو التودد و التحالف مع الأعداء السابقين.

فاذا أردنا أن نختبر صدق هذا المقولة فيمكن أن نلقى نظرة سريعة على الحالة الجزائرية مثلا، باعتبار أن حركة التحرير الجزائرية كانت هى أشهر تلك الحركات وأبلغها آثرا. سنلاحظ بوضوح نمط الانتقال من حرب التحرير الى الحرب الأهلية إلى النظام الاوتوقراطى. اذ أن الثوار الأساسيين الذين قادوا المعارك ضد لاستعمار الفرنسي تمت إزاحتهم بعد حرب أهلية طاحنة مهد لها وأدارها انقلاب داخلي قام على تحالف بين بن بللا و بومدين، ثم لم يلبث الانقلابيون أن انقسموا على أنفسهم فأطاح بو مدين بحكومة بن بللا وطويت صفحة الأيديولوجية القديمة، وجمعت السلطات كلها فى يد الزعيم الاوتوقراطى الجديد الذى تحول إلى زعيم عصابة، ثم يلتفت يمنة ويسرى فلم يجد قوة دولية أو أقليمية يتحالف معها سوى الدولة الفرنسية؛ الدولة الفرنسية ذاتها التى كانت تمثل العدو الإستراتيجى لجبهة التحرير الجزائرية.

ويمكن أن نختبر صدق المقولة مرة ثانية بأن ننظر فى الحالة الفلسطينية، باعتبار أن حركة التحرير الفلسطينية هي أيضا من اشهر حركات التحرير فى الإطار العربى-الاسلامى. فقد تأسست كما هو معلوم فى عام 1957 لتجسد نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الاسرائيلى، ولكن بعد نحو عقدين فقط تحولت حروبها التحريرية من الجبهة الخارجية الى الداخل، وتبعثرت منظومتها الأيديولوجية الأولى، وتكاثرت التنظيمات المتصارعة فى داخلها، وبرز الى جانب القيادات التاريخية جيل ثانى وثالث من الشباب الذين تمرسوا فى مقارعة العدو الإسرائيلى، أو أمضوا مددا فى سجونه، فأخذوا يطورون آيديولوجية جديدة، ويصنعون قيادات بديلة، ويبلورون رؤية استراتيجية مغايرة.على أن تلك النزاعات الداخلية (و التى بلغت فى بعض الأحيان مستوى الحرب الأهلية) لم تؤد الا لبروز وتصنيع وهيمنة القيادة الاوتوقراطية لياسر عرفات، وهى هيمنة لم تكن قائمة على الوضوح الفكري أو النقاء الثوري القديم بقدر ما كانت تقوم على الرمزية التاريخية مع الإمساك بزمام الأجهزة الأمنية والموارد المالية. ثم لم يجد ياسر عرفات صديقا أقليميا أو دوليا يعقد معه "تحالفا" أو يقيم معه "شراكة" الا الدولة الإسرائيلية؛ الدولة الإسرائيلية ذاتها التى كانت تمثل العدو الإستراتيجى لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ المنظمة التى لم تقم فى الأساس الا لمقومة الإحتلال الإسرائيلى. ولك أن تجرى هذا على الحالة الناصرية فى مصر، أو الحالات البعثية فى سوريا والعراق.

والسؤال الحرج هنا: هل نستطيع أن نعمم هذا النمط ونجعله يتسع لتفسير الحالة السودانية؟ هل يمكننا مثلا أن نقول على سبيل المقارنة: أن "حرب الجنوب" كانت بمثابة الشرارة التى تولدت عنها "ثورة الإنقاذ" ؟ اذ نلاحظ أن بعض العسكريين الإسلاميين الذين حملوا مشروع الإنقاذ لم تختبر قدراتهم العسكرية، ولم تنضج رؤاهم السياسية الا فى أتون تلك الحرب، كما أن السياسيين الإسلاميين الذين اشتركوا مع العسكريين فى ابرام الخيوط الدقيقة للحركة الإنقلابية فى 30يوليو1989 لم يفعلوا ذلك الا تخوفا من "حرب الجنوب"، ومما قد تجره من غلبة للمعسكر العلمانى- اليسارى الذى يلتقى "مصلحيا" مع القوى الغربية المناهضة للحركة الإسلامية. وهل يمكننا أن نتقدم خطوة أخرى فى هذا الإتجاه فنقول: وكما أن حروب التحرير الجزائرية والفلسطينية قد ولدت عاطفة دينية وتضامنا وطنيا أعقبته حروب داخليه ثم تصالح/تحالف مع العدو الإستراتيجى السابق، فان "حرب الجنوب" قد ولدت مثل تلك العاطفة وأوجدت مثل ذلك التضامن، وأنها، اتساقا مع ما سبق، ستولد (أو هى قد استولدت بالفعل) حروبا فى داخل الحركة الإسلامية، تماما كم وقع فى حالتى الجزائر وفلسطين، وأن تلك الحروب الداخلية حول السلطة ستقود الى تصنيع نوع من القيادة الأوتوقراطية، ثم الى "التحالف" مع الأعداء الإستراتيجيين، كما وقع أيضا فى حالتى الجزائر وفلسطين؟وكيف يتم مثل هذا التغيير دون تغيير مماثل على مستوى الآيديولوجيا؟

(ب)

إن القيادة السياسية، أيا كان نوعها، لا تصنع نفسها بنفسها، وانما يتم "تصنيعها" فى اطار الثقافة والتقاليد الاجتماعية التى تحملها العضوية معها وهى تنضم الى الحزب السياسى، فهذه التقاليد والثقافة قد تكون لهما قدرة على التأثير تفوق قدرة الإجراءات والنظم الإدارية التى يرسمها الحزب، مما يعنى أن بعض هذه النظم الحزبية قد تتحول فى كثير من الحالات الى مجرد "هياكل" فارغة لا تخدم غرضا غير " تمرير" أو تبرير الأنشطة والصفقات والتحالفات التى تم ابرامها "بصورة غير رسمية" وراء الكواليس أو فى الجلسات العائلية الخاصة. وهذه بالطبع قضية لا تخص الاسلاميين وحدهم وانما تتعداهم الى المجموعات السياسية الأخرى فى السودان وغيره من البلدان الافريقية والعربية، بل وحتى فى الدول الغربية "الحديثة"، اذ تكاثرت الدراسات عن دور العلاقات الشخصية وتأثيرها المتعاظم في المؤسسات السياسية والأطر الحزبية الحديثة، مما جعل "جبرائيل ألموند" رائد المدرسة الوظيفية في السياسة يقر بأن الحزب السياسي الحديث، القائم على عمومية الجمهور وبيروقراطية التنظيم، لم يخفق فقط في تحقيق نفوذ مماثل للنفوذ الذى كان يتمتع به الزعماء التقليديون(العمد والمشايخ والنظار)، وإنما أستصحب معه البني التنظيمية الأكثر تخلفا ليصير بذلك خليطاً من النظامين التقليدى والحديث.

إن مثل هذا التداخل والتزاوج بين البنية القانونية الرسمية المعلنة(الهيكل التنظيم/اللوائح/الدستور( والبنية التحتية عير المعلنة)الشلة،الدفعة،الحاشية، التلاميذ( والقائمة على خصوصية العلاقات والمصالح يظهر بصورة أوضح في المجتمعات الإسلامية التقليدية، اذ سرعان ما تتحول الأجهزة الرسمية للدولة أو الحزب الى مجرد غطاء فوقى ، وذلك مقارنة مع النفوذ والتأثير العميق الذي يأتي عن طريق الاتصال الشخصي والتعبير غير المباشر عن رغبات الآخرين ومطالبهم. ولا يختلف تنظيم الحركة الإسلامية السودانية عن هذا النمط، فهو كذلك يجمع بين الحداثة والتقليد، يضاف الى ذلك ما يسود بين أفراد التنظيم من قناعة دينية وأخلاقية تجعل التنافس السياسى المكشوف واحدا من أمور"العيب"، فيستحى الشخص أن يعبر صراحة عن رغبته في أن يكون في موقع تنفيذي في داخل الحركة الإسلامية أو في الدولة. ترتب على هذه الثقافة، التي يختلط فيها التقليد الاجتماعي والديني، أن تبلورت في داخل التنظيم ثلاثة أنماط من الميول النفسية تجسدت في ثلاث مجموعات من الأفراد:

1- مجموعة ضعفت لديها الرغبة في التنافس السياسي المباشر، أو أنها استطاعت أن تتحكم بصورة كبيرة في تلك الميول وتصرفها نحو مسارح أخرى للعمل العام (مثل التجارة أو العلم أو الجهاد أو العمل الخيرى) ؛

2- مجموعة تحركها رغبة قوية في السلطة السياسية، وتملك قدرات تؤهلها للمنافسة ولكنها لا تستطيع التعبير الصريح عن ذلك؛

3- مجموعة لها رغبة قوية في السلطة السياسية، ولكنها لا تمتلك قدرات حقيقية تمكنها- فى منافسة حرة وشريفة- من نيل ثقة العضوية القاعدية أو الجمهور العريض، ولذلك فهى تسعى لتحقيق رغباتها من خلال الالتفاف حول شخص "محورى" فتعبر عن بعض رغباته أو تنفذ بعض سياساته حتى تتمكن تدريجيا من تطويقه لتتمكن هى من تحقيق رغباتها. أى أن أعضاء هذه المجموعة يقومون بدور "وظيفى" فى المرحلة الأولى من مراحل "تمكنهم"، ثم يتحولون فى المرحلة التالية الى مواقع القرار وصناعة الزعيم، وينبغى أن نلاحظ هنا أن هذه المجموعة ستكون هى الأكثر نفوذا والأبلغ أثرا في التنظيم والدولة معا، وهى التي يمكن أن تتحكم فى المجموعات الأخرى. وإذا شئنا أن نكون أكثر صراحة فيمكن أن نقول أن الترابي والبشير وعلى عثمان يمثلون شخصيات "محورية" ولكن لا يمكن لأي منهم فى مرحلة ما بعد الإنشقاق أن يحقق أهدافه السياسية الا من خلال "الصنائع" كما فى تعبير ابن خلدون الذى يرى أن انهيار الدولة يبدأ بعملية صراع وانشقاق فى داخل النخب الحاكمة، ثم يتبع ذلك اندفاع فى اتجاه البحث عن أولياء وصنائع من خارج العصبيات التى تنتمى إليها النخب(أى من خارج التنظيم الإسلامى فى حالتنا نحن)، ولكن الصنائع الجدد فوق أنهم لا يوفرون مشروعية فهم أيضا بحسب ابن خلدون قد تحدث لهم "دالة واعتزاز" على صاحب الدولة، مما يضطره الى منافرتهم واستعمال سواهم، فتتولد بؤر جديدة للصراع لا يكون لصاحب الدولة قدرة على التحكم فيها، ولكنه لا يستطيع فى الوقت نفسه أن يستغنى عن صنائعه ومواليه على فسادهم.

هذا النوع من الارتباط بين الشخصية المحورية و المجموعات الوظيفية هو ما يفسر لنا (أولا) "سر" بقاء بعض الشخصيات فى مواقعها فى التنظيم وفى حكومة الإنقاذ طيلة العقود الأخيرة، وذلك على الرغم من أن بعضها يتمتع بسمعة سيئة فى القواعد التنظيمية وفى الشارع السوداني ويشار إليه فى كليهما بأصابع الإتهام؛ وبعضها غير مؤهل أساسا من حيث التكوين الفكري العام أو العلم الاسلامى الخاص او حتى الثقافة السودانية الشعبية الدارجة لأن يوضع على مكتب قيادي فى حركة إسلامية تدعى أنها تقود نهضة حضارية وتخوض معاركا من أجل تجديد الفكر الاسلامى. كما أن هذا الارتباط يفسر لنا (ثانيا) أن هذه الشخصيات "المحورية" لا تمتلك القوة "الخارقة" التى يتوهمها البعض. مما يعنى أن الصراع الذى فجره الترابى والبشير قد أكتسب ديناميكية خاصة به، وأن أيا منهما لن يستطيع التحكم فيه، بل إنه سيستمر فى مساراته الخاصة سواء تصالح الترابي والبشير أو ظلا على خلافاتهما القديمة. كما أن هذا الترابط يكشف لنا (أخيرا) سبب انعدام الرغبة لدى أى من هذه الشخصيات المحورية فى تطوير أيديولوجية واضحة المعالم، أو بلورة منظومة فكرية متماسكة البناء، أو بناء قاعدة فكرية متينة الأساس، وهى فالإيديولوجية( فى معناها الإيجابى غير الماركسى) تصلح أن تشكل معيارا "نظريا" يمكن الاستناد إليه فى بناء الهرم الحزبى وفى تصميم سياسات الحكومة وهياكلها الأساسية وتوجهاتها الكلية، وهى حلقة الوصل بين الفعل السياسي ومنظومة الاعتقادات(والقيم والأفكار) التى يؤمن بها أعضاء الحزب وجمهوره، أما فى غيابها فستختفي الأطر النظرية والمحددات الأخلاقية وتبرز الشخصيات المحورية فتنجذب نحوها مراكز القوى والبطانة وأصحاب المصالح الخاصة، وهذا هو بالطبع المناخ المثالى الذى يتم فيه وتمرر فيه التحالفات وتقديم التنازلات على مستوى الآيديولوجى والسياسى.

(ج)

ولكن كيف وقع مثل هذا "الفراغ الإيديولوجى" فى الحالة الاسلامية السودانية؟ وماذا سيترتب عليه؟ وقع ذلك لأن قيادة الحركة كانت تخشى أن تلصق بها صورة "رجال الدين"، وتحرص على أن تعرف بأنها حركة تجديد تختلف شكلاً ومضموناً عن أنماط القيادات الدينية التقليدية السائدة في بعض المجتمعات الإسلامية. وقد كان لهذا التقدير ما يبرره، وقد أصابت الحركة من ورائه شيئاً من النجاح. ثم تمادت الحركة في هذا الاتجاه وصارت تحرص على إلا يكون لها مذهب فقهي بعينه، وهو الاتجاه عينه الذي سارت عليه المدرسة السلفية المتمثل في العودة إلى الكتاب والسنة والاستئناس بآراء الفقهاء دون تعصب لأحد أو أتباع له إلا بدليل. وكل هذه لا غبار عليه من الناحية النظرية، إلا أنه من حيث الواقع أدى إلى نشأة فراغ فكري في قواعد الحركة، فإذا كان رجال الدين التقليديون غير مرغوب فيهم ولا تعمل الحركة على إعادة إنتاجهم، وإذا كانت المذاهب الفقهية ليست محل اهتمام في برامج الحركة، واذا كانت المدارس والجامعات الحديثة (التى يتخرج فيها معظم أعضاء التنظيم) هى مؤسسات "مفرغة" من الدين تماما، فمن هو الذى سيكون مؤهلا علميا أذن ليعود مباشرة إلى القرآن والسنة، و يؤسس منظومة فكرية تتجاوز التراث وتستوعب قضايا العصر؟ أو فلنطرح السؤال بصورة أخرى فنقول: لماذا لم تسع الحركة الإسلامية بصورة إيجابية لتصنيع قيادة فكرية تسد الفراغات التي أوجدها غياب القيادة الدينية التقليدية في داخل التنظيم الإسلامي؟.

قد يقال فى هذا الصدد أن تكوين القيادات الفكرية ليس من مهمة التنظيم الإسلامي، وإنما تضطلع بذلك مؤسسات التعليم ومراكز الثقافة والتوجيه، وهذا يمكن أن يقال فى معرض الإيضاح لخصائص التنظيم الإسلامي، فهو تنظيم مفتوح لا يلزم عضويته إلا بعهد الولاء للجماعة والالتزام بما ينعقد عليه إجماعها، على أن هذا لا يخفي الإشكال الأساسي المتمثل في ضآلة العناصر ذات التكوين الفكري المناسب، والتي يكون في مقدروها الإسهام في صياغة برنامج الحركة وبلورة المفاهيم الأساسية فيه ووصلها من جهة بأصول الشريعة ومقاصدها العامة وإيصالها إلى جمهور الناس في الجهة الأخرى. هذه الضآلة في العلم والهشاشة في التكوين الفكرى كان من الممكن التغلب عليها بعدة طرق إذا اجتهدت القيادة في ذلك، ولكن القيادة لم تكن راغبة فى ذلك لأنه لا يصب في اتجاه "القصر الجمهوري".

كما كان يمكن النزاع نفسه أن يكون محركا للفكر، فتتولد عنه رؤية فكرية جديدة ،كما حدث فى حالات

مشابهة أخرى، ولكن نزاع الإسلاميين فى السودان لم يستطع، برغم تطاول فترته الزمنية، وبرغم الصخب والضجيج الذى صاحبه، أن يبرز رؤية جديدة، ولم يستطع أي من طرفي النزاع أن يبلور "أطروحة" متماسكة تصلح أن تكون إطارا لنقض بنيان سابق أو لرفع بنيان جديد. وكلما فتح حوار عام إلا وأغلق على جناح السرعة حتى لا تتعرض الشخصيات الأساسية(الترابى/البشير) لأى نقد حقيقى.

. أما فى الجانب الآخر فقد كان من الممكن أيضا "لمجموعة القصر" الا تكتفى بمذكرة واحدة يتيمة بل تطور أطروحة متكاملة تفصح من خلالها عن رؤية تنتج برنامجا(خاصة وأن هذه المجموعة استطاعت أن تخترط الحزب والدولة) غير أنها اكتفت بهز "الهيكل" الإدارى وما أن تمت ازاحة "الشيخ" الا وانصرف كل من أفرادها فى حال سبيله. ولا يقبل أن يقال فى هذا الصدد أنهم ليسو مفكرين أو أن قائد مجموعتهم رجل جيش ودولة ولا شان له بالأمور الفكرية، اذ أن من أخص خصائص الحركة الإسلامية أنها حركة فكرية-اجتماعية تسعى لإصلاح الفكر والمجتمع معا، فمن يكون قائدا لها ولدولتها لا بد أن يكون منشغلا بأمور الفكر والنظر كانشغاله بأمور العمل. ولكن الرؤية الفكرية المتماسكة غير مرغوب فيها لأنها تحد من تمدد الجماعات الوظيفية، وتمنع من تحول الشخصية المحورية الى مركز للوجود السياسى.

ولن تبقى، والحالة هذه، الا ثلاثة مسارات: المسار الأول: أن تتم دحرجة من تبقى من قيادات الحركة الإسلامية القديمة الى خارج السلطة(كما دحرج العسكريون الأوائل أو كما أخرج الترابى) بسبب من نزاع فى المواقع، أو اختلاف فى الرؤى، أو ضغوط من الحلفاء، فيتحول العسكريون من موقع الشريك الى موقع المالك، وتعود القيادات الإسلامية المزاحة الى تقاليدها السابقة فى التربية والتنظيم؛المسار الثانى: أن تبقى الدولة على بعض عناصر الحركة الإسلامية ولكنها تذهب،أى الدولة، فى تأليف واصطناع موالين جدد واستقطاب قاعة شعبية بديلة، وتكون عندئذ العلاقة بينهما وبين الحركة الاسلامية علاقة توظيف للشعار والرموز وليست علاقة المشاركة فى الرؤية وصناعة القرار؛ المسار الثالث( وهو الأصعب) أن تبق الحركة والدولة معا، ولكن فى هذه الحالة ستحتاج الحركة الإسلامية الى أمور كثيرة، قد يكون على رأسها "فك وإعادة التسجيل"، وذلك على طريقة الأندية الرياضية، أى أن الحركة الإسلامية تحتاج، بعد هذه السلسلة الطويلة من الأحداث (والكوارث) أن تنظر فى "المرآة" وتقول لنفسها: ان دورة طويلة من "اللعب المتواصل" قد بلغت نهاياتها، وان بعض "لاعبينا" قد بلغوا مرحلة الشيخوخة، وان بعضهم قد ترك الرياضة وانصرف الى مهن أخرى، وإن البعض الآخر ممن هو محسوب علينا وقادر على اللعب صار يسدد ضرباته ورمياته فى "شباكنا"، فنحن نحتاج فى هذه الحالة الضبابية الى استراحة محارب نتحسس فيها رؤوسنا ومواقع أقدامنا، ونستعيد فيها توازننا، ونعيد فيها تعريف أنفسنا، وفحص عضويتنا، واختيار قيادتنا، ورسم استراتيجيتنا، ثم من بعد ذلك(وليس قبله) ننظر فى متن "الشراكة" القديمة مع العسكريين وامكانية العمل معا على تطويرها فى اتجاه استراتيجية اسلامية أعمق تنتظم وتتوازن فيها علاقات ومؤسسات التنظيم والدولة والمجتمع.غير أن السير فى هذا الإتجاه محفوف بالمخاطر، لأنه سيقتضى فى بعده النظرى مراجعة شاملة لكثير من المفاهيم والتوجهات، وبلورة رؤية جديدة، ترد اليها الاتفاقات والتحالفات والسياسات، كما سيؤدى فى بعده العملى الى سحب المشروعية من الحاشية والجماعات الوظيفية وإزاحتها من مراكز القيادة فى التنظيم والدولة.

وهذه هي العقبة الكأداء التي تحطمت فيها من قبل كثير من حركات التحرر، والتى إما أن ستعجز فى بناء نظام سياسى تتناسق فيه حركة الدولة والحزب والمجتمع، فتسقط في مرحلة التحول ليخلفها نظام سياسى مغاير، وإما أن تنخرط هى ذاتها فى النظام العسكرى- الأوتوقراطى فتفقد خطوط اتصالها وامداداتها الشعبية،كما تفقد وجودها الحزبى المستقل وتتحول الى مرفق من مرافق الدولة تحاول أن تجد لها مكانا بين "الصنائع" والإنتهازيين.



التوقيع:
[frame="1 80"]مكلوم محزون لفقدك يا خالــ د[/frame]
imported_عبدالعزيز خطاب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-11-2006, 11:37 PM   #[6]
imported_عبدالعزيز خطاب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_عبدالعزيز خطاب
 
افتراضي

القدس العربى بتاريخ 28/11/2006

معضلة السوبر ـ تنظيم في صراعات الإسلاميين في السودان

عبدالوهاب الأفندي:
كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن

للفيلسوف البريطاني النمساوي الأصل لودفيغ فيتغنشتاين نظرية في استخدام اللغة قد تبدو سطحية في ظاهرها ولكنها ذات مغزي عميق جداً. هذه النظرية التي تعرف بنظرية (أو مقولة) اللغة الخاصة تتلخص في القول باستحالة وجود لغة خاصة لا يعرف قوانينها إلا متكلم واحد، لأنه لو وجدت لغة من هذا النوع لاستحال تصحيح الخطأ والنسيان فيها. فلو أن الشخص المعني نسي أو استشكل عليه معني عبارة معينة، فإلي من يلجأ لإرشاده إلي الصواب إذا كان هو الوحيد الذي يفهم اللغة المعنية وقواعدها؟ وينتهي فيتغنشتاين بناء علي هذه الحجة إلي القول بأن اللغة هي في جوهرها ظاهرة اجتماعية أولاً وأخيراً.

أستعيد هذه المقولة الفلسفية لأسلط الضوء علي جانب مهم من الجدل الدائر حول صراعات الإسلاميين في السودان، والذي أعاد الأخ د. التجاني عبدالقادر فتح النقاش حوله مؤخراً، فحرك أشجان كثيرين أدلوا بدلوهم في هذا السجال، منهم الشيخ إبراهيم السنوسي والعقيد محمد الأمين خليفة وأخيراً الأستاذ محبوب عبدالسلام. وقد يكون كثيرون آخرون قد ساهموا في هذا الجدل لم تصلني مساهماتهم. (وأنا أضع عبارة الإسلاميين بين مزدوجتين هنا لأن من يقرأ هذا المقال سيصل إلي خلاصة إن هذا الوصف لم يعد من الممكن استخدامه في حق من نتحدث عنهم). والنقطة التي أرمي إليها تتعلق أساساً بدور الجهاز الذي أطلقت عليه تسمية السوبر ـ تنظيم، وهو جهاز سري لا يخضع لأي مساءلة من جهة أخري في التنظيم الأوسع (ما عدا القيادة العليا ممثلة في شخص الأمين العام) تحديداً لأنه أساساً غير معروف لأي جهة أخري. فهذا الجهاز المنغلق علي ذاته قد طور منذ البداية لغة خاصة هي مرجعية نفسها. فإذا قال اليوم إن عقيدة الإسلام تقتضي شن الحرب علي أمريكا والعالم، كان الأمر كذلك، وإذا عاد إلي الافتخار بتقديم الخدمات إلي جهاز المخابرات المركزية الأمريكية، أصبح هذا هو الجهاد الذي فرض عين علي كل مسلم ومسلمة.

وقد اتضح هذا الدور المحوري لـ السوبر ـ تنظيم منذ اللحظات الاولي لانقلاب الثلاثين من حزيران (يونيو) عام 1989، بدءاً من كون الانقلاب نفسه ودور الحركة الإسلامية فيه كان مفاجأة لأغلب من كانوا نظرياً يمثلون القيادة العليا للتنظيم، ولكنهم وجدوا أنفسهم فجأة علي هامش الهامش. وقد علق أحد الإخوة بأن أول ما كشف الانقلاب عنه هو أن كثيرين ممن كنا نعتقد أنهم أهل الحل والعقد في التنظيم انكشف الأمر فإذا بهم ليس لهم من الأمر شيء، بل أصبحوا من المتفرجين مثل غيرهم. ولم تكن خطة الانقلاب وحدها هي السر الذي استأثر به رجال الحلقة الداخلية السرية، بل أيضاً مسار الحكم بعد ذلك، وفلسفته وغايته النهائية. وفي الجدل الذي دار مؤخراً كان محور الخلاف هو حقيقة ما وصف بأنه الخطة السرية للنظام التي يؤكد البعض أنه كان متفقاً عليها، بل كانت مكتوبة وموثقة ومؤكدة بالأيمان المغلظة، بينما يقول آخرون، علي رأسهم التجاني، بأن المشكلة هي عدم وجود خطة من هذا النوع أصلاً.

وهنا نعود إلي حجة فيتغنشتاين حول اللغة الخاصة، ذلك أنه لو كانت هناك خطة فإنها كانت بالتعريف خطة سرية، لا يعرف عنها أحد شيئاً سوي الطرفين المتخاصمين الآن، وبالتالي لا توجد أي آلية مستقلة للتحقق من وجودها أو حسم الخلاف في التأويلات والتفسيرات لها. وأنا أضيف أن هذا الأمر كان متعمداً، لأن القيادة لم تكن تريد أن تقيد نفسها بأي قيد، بما في ذلك خطة تضعها بنفسها. ولهذا جاء حل التنظيم وابتداع أدوات سياسية جديدة تتمحور حول الأجهزة الأمنية والأذرع السرية الأخري لـ السوبر ـ تنظيم ، بما في ذلك أجهزة التمويل السري.

أقول هذا ليس رجماً بالغيب، وإنما لأنني شخصياً سعيت لاستجلاء الأمر ممن كنت أفترض أن عندهم الخبر اليقين، بدءاً من الشيخ الترابي. وقد تلقيت مرة وعداً وموعداً بإطلاعي إن لم يكن علي الخطة، فعلي الأقل علي الخطط العامة للتفكير الذي يحكم توجهات الحكم، ولكن الموعد ألغي في آخر لحظة لأسباب لم تشرح لي ولم يحدد بديل عنه حتي اليوم. وقد حدث الشيء نفسه في أمر أقل شأناً، وهو سياسة الحكومة حول الجنوب. وقد طلبت أكثر من مرة، بصفتي من المشاركين في وفود التفاوض حول الجنوب، عقد اجتماع يتم فيه التداول حول السياسة العامة في هذا المجال، وهو أمر لم يتم حتي اليوم. وربما يقول قائل ـ وهو إلي حد ما محق في ذلك ـ أن هذا الأمر لا يتعلق بغياب الخطط في هذه المجالات، بل برفض إطلاع غير أهل الشأن عليها. ولكنني بعد عدة سنوات من الإلحاح أبلغت من أحد الأشخاص من أهل الشأن بأنه لم تكن توجد أي سياسة متفق عليها حول الجنوب. وقد قال لي ذلك الشخص بالحرف الواحد: أنا المسؤول عن تنسيق السياسات حول الجنوب، وأنا أقول لك بأنه لا توجد سياسة. الجيش له سياسة منفصلة للجنوب، والأجهزة الامنية لها سياسة أخري، وصندوق إعمار الجنوب له سياسة ثالثة، ومنظمة الدعوة سياسة رابعة، وفلان له سياسة أخري، وقس علي ذلك
.
وقد أشار التجاني عبدالقادر إلي حادث الاعتداء علي الشيخ الترابي في كندا في صيف عام 1992 باعتبار أنه كان عاملاً حاسماً في تأجيج صراع السلطة. وفي حقيقة الأمر إن ذلك الحادث كشف لأول مرة لكل ذي شأن أنه لا الحركة ولا الدولة كانت لهما خطة، لأن الكل ترك التفكير كله لسيادة الأمين العام . وهكذا وجد الجميع أنفسهم في أيام غيبوبة الزعيم وكأنهم مركب بلا شراع ولا بوصلة. وبعد الحادث لم يصبح ممكناً أن يعزي المرء نفسه عن جهله بخبايا الأمور بالاعتقاد، شأن الغالبية، بأن الشيخ علي الأقل يعلم، مما طرح العديد من الأسئلة التي لم تجد أجوبة.

الأمر لم يتغير كثيراً الآن، وما يزال التفكير ممنوعاً، والمشاركة في الحكم، سواء لأنصار المؤتمر الوطني أو المتحالفين معهم، هي مشاركة من يسمع ويطيع، ولا يجرؤ عن السؤال عن الاتجاه الذي تتجه إليه السفينة. الفرق أنه في الفترة الأولي كان هناك وهم يسوق بأن هناك تفكيراً يتم، وإن كان المفكر شخصاً واحداً. أما الآن فإن هذا الوهم لا وجود له. في المرحلة السابقة، كانت الأجهزة الأمنية وبقية مركبات السوبر ـ تنظيم تستمد شرعيتها من كونها الذراع التنفيذية للمشروع الإسلامي الذي كان يشبه ملابس الفرعون الخفية الشفافة، أما اليوم فإن لا أحد يدعي هذه الدعوي، لأن الكل أصبح يعرف أن الفرعون عارٍ من كل ما يستره. والحقيقة إن الفرق يكاد يكون معدوماً بين الحالين. فكما يتضح من نظرية اللغة الخاصة، فإن المشروع الإسلامي السري الذي لا يعرف تفاصيله إلا شخص واحد، أو جهاز واحد، وهو وهم كبير، لأن الشخص أو التنظيم المعني يملك حق توصيف المشروع المعين كيفما شاء.

القول إذن بوجود خطة سرية هو غير ذي موضوع، لأن وجود مثل هذه الخطة وعدمها سواء، خاصة حين تصبح موضوع خلاف بين أطرافها المزعومين. وقد اتضح الآن بالتجربة ما كنا حذرنا منه منذ أكثر من عشر سنوات من أن الاعتماد علي تنظيم سري هو مرجعية نفسه والخصم والحكم في كل أمر هو أقصر طريق إلي التهلكة. ولم يكن ذلك التحذير حينها رجماً بالغيب، لأن نفس التجربة كانت قد اتبعت في الدول الشيوعية وكثر من الجمهوريات العربية، حيث كان الأمر ينتهي دائماً بنتيجة واحدة: دولة المنظمة السرية التي تدار كما تدار المافيا، ويهيمن عليها فرد واحد، قد يشاركه بعض أفراد أسرته وبطانته المقربين المغانم، ولكن السلطة تبقي له وحده. وقد كان الحزب الحاكم دائماً أول ضحايا هذا الوضع. في عهد ستالين أعدم أو سجن غالبية أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وقد لاقي المصير نفسه قادة أحزاب البعث في سورية والعراق وأعضاء مجالس قيادة الثورية في كل بلد ثوري. ولعل الصين تمثل القمة في هذه التراجيديا الكوميدية، ليس فقط لما أصاب قيادات الحزب الشيوعي من ضحايا التصفيات والثورات الثقافية، بل لأن ذلك الحزب الذي يتسمي بالشيوعية يقود اليوم أكثر النظم الرأسمالية شراسة وبشاعة في العالم.
وبالمثل فإن دولة السوبر ـ تنظيم في السودان ظلت حرباً علي الحركة الإسلامية، وهو وضع لم يستجد مع الإنشقاق كما يريد البعض أن يوهمنا. ذلك أن ملاحقة من كانوا يطالبون بإحياء التنظيم إلي درجة الاعتقال والتعذيب للبعض سبق الانشقاق بوقت طويل. وقد أخبرني أحد الإخوة الذين تعرضوا لمحنة من هذا النوع أن ضابط الأمن الذي تولي إجراءات إطلاق سراحه قال له بالحرف الواحد: نرجو أن تكون قد تعلمت الدرس، ومن الآن فصاعداً إذا قلنا لك اتجه يميناً تتجه يميناً، وإذا قلنا يساراً فيساراً . ولم يجرؤ صاحبنا علي الاعتراض خشية ألا يطلق سراحه إن فعل.

والشاهد هنا ليس هو فقط طلب الطاعة العمياء من المفروض فيهم أنهم رجال التنظيم البارزون، بل استخدام ضمير المتكلمين من قبل ضابط الأمن الذي يعتبر نفسه المتحدث باسم السلطة المطلقة التي تطاع بدون سؤال أو تفكير. وقد رأينا في الآونة الأخيرة أن الأمر يتعدي الحرب علي أي حركة إسلامية مستقلة إلي محاصرة ما يسمي بـ الحركة الإسلامية ، الجهاز الذي أنشأه المؤتمر الوطني الحاكم ليكون ذراعة الإسلامية في أكثر الاعترافات صراحة من المجموعة الحاكمة بأن الخيار الإسلامي لم يعد الحاكم لتوجهاتها، وإنما هو اهتمام جانبي تشغل به بعض أنصارها، مثل ما تنشيء بعض الأحزاب في داخلها جمعيات أصدقاء إسرائيل وما شابه لإرضاء بعض جماعات الضغط داخلها. ومع ذلك شهدنا في أكثر من مناسبة تحركات قوية لمنع هذه الحركة من حتي مجرد الحصول علي استقلال شكلي عبر انتخاب قادتها الموالين المطيعين بحرية.
الأخ التجاني حذر من أن ابتلاع الأجهزة للتنظيم يقود إلي محذور آخر، هو ابتلاع القبيلة للتنظيم. وما نشهده اليوم هو اجتماع هذه السيئات إضافة إلي انتشار الفساد وهيمنة أسر بعينها علي نواحي مهمة من الاقتصاد. الفساد هو أيضاً ليس بتطور جديد كما يسعي بعض منتقدي الحكومة من الإسلاميين (سابقاً) لإيهامنا، لأن الفساد يعتبر جزءاً أساسياً من هيكلية السوبر ـ تنظيم. فالحديث عن الفساد بالنسبة للتنظيم السري الذي لا يحاسبه أحد لا معني له، لأن كل ما يفعله ذلك التنظيم هو مشروع عنده وفساد موضوعياً. فهو يجمع الأموال من مصادر مجهولة ويوزعها في مصارف يقررها هو. وقد استفاد كثير من قادة التنظيم من هذا الفساد، إما مباشرة عبر تمويل التنظيم لنشاطهم أو حتي حياتهم الشخصية، أو عبر وضعهم في مناصب لم يكونوا أهلاً لها، أو إيثارهم بالعقود إن كانوا من رجال الأعمال. وقد كثرت منذ الانقلاب الشركات والمؤسسات التنظيمية والحكومية وشبه الحكومية التي أثري كثير من أهل الولاء من العمل فيها. فالفساد جزء لا يتجزأ من بنية دولة المنظمة السرية، والسودان ليس بدعاً في ذلك فما من دولة عربية إلا وهي واقعة في براثن هذا الأخطبوط المتمثل في ثلاثي القلة الحاكمة وأجهزتها الأمنية وبطانتها وشركائها من الفاسدين والمفسدين.
هناك واقعة كنا نرويها علي سبيل النكتة، وملخصها أن الفريق عمر البشير قال لمضيفه أثناء زيارته لبلد خليجي وهو يبرر لانقلابه: هل تصدق أن السودان هذا البلد الشاسع المعقد كانت تحكمه أسرتان فقط؟ ولم يدرك البشير ومساعدوه حجم الخطأ الذي وقع فيه إلا عندما أشاح الحاكم الخليجي بوجهه ولم يعلق، فتذكر القوم حينها أنهم يتحدثون مع حاكم بلد لا تحكمه أسرة واحدة فقط، بل رجل واحد. ولعل أكثر الأمور مأساوية في تجربتنا المعاصرة هو أن هذه الواقعة لم تعد للأسف نكتة نتندر بها، وإنما عنوان مأساة بلد ومحنة دين.



التوقيع:
[frame="1 80"]مكلوم محزون لفقدك يا خالــ د[/frame]
imported_عبدالعزيز خطاب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-11-2006, 11:39 PM   #[7]
imported_عبدالعزيز خطاب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_عبدالعزيز خطاب
 
افتراضي

قراءة هادئة فى مقالات د . التجانى عبدالقادر
راءة هادئة فى مقالات د . التجانى عبدالقادر
محمد الأمين خليفة
http://www.alsahafa.info/news/index....&id=2147507963
(1)
لفت نظرى الاخ محمد الامين محمد عثمان من لندن
الى سلسلة مقالات كتبها الاخ د. التجانى عبدالقادر بجريدة الصحافة السودانية، وكفانى عبء البحث عنها بارسالها لى عبر البريد الإلكترونى. لا أخفى اعجابى بكتابات الاخ د. التجانى وتحليلاته المتعمقة فهو - فيما احسب- مفكر اسلامى وباحث اثرى المكتبة السودانية بكتب قيمة صارت مراجع للمنشغلين بالعلوم السياسية والفكر الاسلامى. سودانى اصيل تركت مياه الرهود والآبار اثرا فى اسنانه ترى مشكلة اقليم كردفان من خلالها اذا تبسم. تعرفت عليه عن قرب ابان سنين الانقاذ الاولى والتى شارك فيها بفكره الثاقب وعلمه الغزير فى مؤتمرات الحوار ولجانها، كان عضوا بالمجلس الوطنى الانتقالى سافرنا معا نمثل شعبة السودان فى اتحاد البرلمانات العربية والافريقية والدولية. زاهد اغبر ولعل زهده هذا فسح مجالا واسعا للراكضين صوب السلطة فاختصموا فيها فترك السودان ميمما وجهه شرقا وغربا مهاجرا فى ارض الله الواسعة.
اثارت انتباهى بداية مقالاته الثلاثة التى بدأها بالعنوان ( العسكريون الإسلاميون أمناء على السلطة ام شركاء فيها؟) وختمها بـ ( العسكريون الاسلاميون شركاء فى السلطة ام مالكون لها؟)، فبداية العنوان ليس كخاتمته فى المعنى وهو يعنى ما يقول. لا اريد ان اعلق على تفاصيل اطروحته التى تستحق الوقوف عندها مليا فقد عكس فى بعض متنه مرآة صادقة، لكنى اتوقف واعلق على بعض تحليلاته المقنعة للذى لم يساير الاحداث كلها منذ نشأتها الاولى مرورا بعهد التغابن وانتهاء بالسقوط المدوى الذى تأذى منه الجميع. فهنالك بعض المعلومات الواردة ما يشبه التناقض وهناك بعض التحليلات ما يشبه التضارب ما بين تناول التحليل النظرى وبين ما جرى على ارض الواقع، بل هناك حقائق تاريخية مهمة اذا دونت خطأ تؤثر سلبا على مسيرة الحياة السياسية ان لم تصحح فى حينها. وهذا ما استشعرنى ان اقول ما اعلم وان ادلو فيما اقدر للحقيقة والتاريخ واقبر البعض منها بين الحنايا الى وقت معلوم فالبوح بها الان ضرره اكبر من نفعه.
اقول بداية ان التغيير الذى جرى فى صبيحة الثلاثين من يونيو 1989 لم يكن مجرد اجراء فنى محدود املته الضرورات الامنية السياسية التى كانت تحيط بالسودان بل هو مشروع كبير فى اذهان الرجال ظل ينمو ويتقلب فى رحم الغيب حتى جاءه المخاض فى الوقت المعلوم فليس المولود يولد بسبب آلآم الطلق بل بسبب اكتمال النمو وما المخاض والطلق الا عرض وارهاص لذاك الحدث.
لم يكن دور العناصر العسكرية الاسلامية ( وأنا واحد منهم ) وظيفيا اى دور اداتى بل هم مثل غيرهم من المدنيين بشتى وظائفهم ومهنهم من معلمين واطباء ومهندسين ومحامين وعمال وتجار، لذلك كانت ليلة التنفيذ لم تكن قاصرة على العسكريين فحسب وهذا دليل يدحض ذلك التصور. ايضا لم يكن دور العناصر المدنية فى البداية من اجل دحرجة العسكريين الى خارج السلطة لتهيئة المناخ لقادمين جدد بل كانت الفلسفة هى التحول الرفيق من الشرعية الثورية التى ظهرت بها الانقاذ بادىء الامر الى شرعية دستورية بتدرج لاكتساب السلطة الطابع المدنى شأن غالب الانقلابات والثورات التى تحمل اسسا ومفاهيم دستورية والتى تريد ان ترد السلطة الى مصدرها ( الشعب ) لا الاستئثار بها وحفظها واحتكارها وهذا ما افسد الفكرة والغي الفلسفة التى من اجلها قامت الثورة ولا نلقى باللائمة على العسكريين الاسلاميين فحسب بل الباحث المدقق الامين يشير باصبع الاتهام الى المدنيين الذين استحوذ عليهم الطابع الامنى.
يمضى الاخ د. التجانى عبدالقادر فى تحليلاته ان ذلك التصور كان واضحا للامين العام د. الترابى منذ اللحظة الاولى ولكنه لم يكن واضحا ( للفريق البشير ) الا بعد فترة من الزمن وهذا التحليل يناقض سرده للتاريخ الذى يقول فيه ان اعضاء المجموعة العسكرية قد ادوا قسم الولاء والعهد بالتزام خطة الحركة وقرارها ورعاية امانتها فى تولى السلطة فالسرد التاريخى لقسم الولاء والعهد صحيح ويجب على كل باحث ان يمعن النظر فى بنود العهد وصيغة القسم ثم يحكم ، فالامر لا يحتاج الى تحليل أو تأويل.
جاء فى تحليل د. التجانى ان مرحلة مابعد العام الثالث للتمكين تتخلى المجموعة العسكرية عن السلطة لتحل محلها قيادة الحركة الاسلامية ويكون الامين العام للحركة رئيسا للدولة .. ان هذا الزعم وجد رواجا عند الذين تستبد بهم شهوة السلطة . ويظنون كل الظن ان ما من احد الا وقلبه معلق بها . اذكر عندما كنا مجموعة من العسكريين نتلقى دورة دراسية لنيل دبلوم الدعوة والعلوم الاسلامية بجامعة افريقيا فى اواسط الثمانينات كان استاذ الفلسفة د. مالك بدرى _ رد الله غربته _ يشرح لنا نفسية السارق قائلا ( ان السارق ليسرق لانه يظن ان كل انسان اذا انتهزت له نهزة او لاحت له فرصة للسرقة سوف يسرق ) واضيف من عندى على ذات القياس ما من سلطوى الا ويظن ان اى انسان يشتغل بالسياسة تحركه نزوة السلطة ، وهذا مما يجعل رجال امن السلطة يجدون آذانا صاغية لاقوالهم وقلوبا واعية لتقاريرهم لدى السلطان. وتشيع فى وسطهم ثقافة الاعتقال والاغتيال . ان خطة التمكين لم تكن سرا بين الخاصة بل هى برنامج مفصل بمواقيت معلومة وعندما جاء الوقت المعلوم رفضت تلك المجموعة ذلك البرنامج فى مؤتمر مشهود بالعيلفون وهدد د. الترابى بالاستقالة من الامانة العامة للمؤتمر الوطنى ان لم تفسح الحريات ويوضع الدستور المدنى كله وخضع الامر للتصويت وفاز البرنامج بأغلبية بسيطة ولكن الدهر لا يبقى على حدثانه التقت ذات المجموعة والغت البرنامج فعلا لا قولا وفى ظنى كان ذلك بداية انهيار المشروع.
(2)
جاء فى المقال الثانى للاخ د. التجانى يقول إن هنالك ثلاثة متغيرات فى السياسة عززت موقف اصحاب الرؤية المعاكسة لرؤية الامين العام د. الترابى الاولى وهى موقف حكومة السودان من احتلال العراق للكويت عام 1990 وما لحق ذلك من تأسيس للمؤتمر الشعبى العربى والاسلامى حيث صار د. الترابى امينا عاما له مشكلا بؤرة اصولية لمعارضة المواقف السياسية الامريكية ولمواقف حلفائها بالمنطقة.
ويمضى فى تحليلاته ويقول عن المتغير الثانى هو حادث الاعتداء الذى تعرض له د. الترابى فى كندا 1992 وما لحقه من صخب اعلامى سلط الاضواء على الاوضاع الداخلية فى السودان والى اثارة مسائل حقوق الانسان واتخاذها وسيلة اضافية للضغط على حكومة السودان والاشتداد فى حصارها باعتبارها حكومة اصولية متشددة. والمتغير الثالث هو اشتداد الحرب فى جنوب البلاد واستيلاء حركة التمرد على عدد من المواقع مستفيدة من مناخ العداوة الغربية للأصولية الإسلامية.
أولا: نقول فى المتغير الاول قد انطلت الدعاية الامريكية الاعلامية على الناس فلم يكن موقف السودان مخزيا للكويت ولم يعترف السودان بسيادة العراق على الكويت ولم يؤيد الغزو بل كان موقفه مثل موقف الاردن واليمن وليبيا الذين ينكرون الغزو وينادون بالحل داخل البيت العربى دون تدخل خارجى ولكن البوق الاعلامى ظل صاخبا يردد ان هؤلاء(دول الضد) فجاء الغزو الغربى معززا بالحقد الاسرائيلى المدمر للكويت والعراق معا من اجل افساح المجال لشركاتهم الكبرى بامتلاك حقوق الامتياز لاعادة البناء والتعمير ولنهب الثروات ، وكان الجندى الامريكى يتقاضى مبلغ ثلاثة آلاف دولار فى اليوم وقد خصص ريع آبار للنفط مقابل تغطية نفقات التحرير. اما ما جاء من تأسيس المؤتمر الشعبى العربى والاسلامى على اثر ذلك حيث صار د. الترابى امينا عاما له. فقد تأسس المؤتمر الشعبى العربى والاسلامى لمناصرة قضية فلسطين وهى قضية اصولية وواجب دينى ووطنى واخلاقى ينبغى على كل عربى مسلم وحر ان ينصرها ويناصرها ولم يسع د . الترابي بان يكون امينه العام وقد كنت حاضرا لجاسته الافتتاحية بقاعة الصداقة بالخرطوم وكان من رأى د. الترابى وآخرين ان يكون الاستاذ مهدى ابراهيم هو مرشح السودان لذلك المنصب ولكن الراحل ياسر عرفات هو الذى قام بترشيح د. الترابى ووجد ترشيحه قبولا وارتياحا عاما من المؤتمرين.
كما ان الاعتداءعلى د. الترابى بكندا لم يكن سببه سوء الاوضاع الداخلية ومسائل حقوق الانسان بل كان د. الترابى ضحية لتآمر مثل التآمر الذى حاق بالرئيس المصرى حسنى مبارك وستكشف الايام القادمة صدق الحدث الحى بالنفوس. اما السرد التاريخى الذى يصفه د . التجانى متغيرا ثالثا باشتداد الحرب فى جنوب البلاد واستيلاء حركة التمرد على عدد من المواقع مستفيدة من مناخ العداوة الغربية للاصولية فان حركة التمرد فى ذلك الوقت من التاريخ بدأت تفقد الموقع تلو الآخر مما ساعدنا كثيرا ونحن على طاولة المفاوضات عام 1992، 1993 بالعاصمة النيجيرية أبوجا ، وعام 1994 - 1995 بالعاصمة الكينية نيروبى ابان جولات الايقاد .
وفى سرد الاخ د. التجانى للاحداث يقول احدثت هذه المتغيرات مجتمعة ضغطا نفسيا كبيراعلى اعضاء القيادة من المدنيين والعسكريين فلما ووجهوا بالخطة الرامية لحل المجلس العسكرى واحلال القيادة التنظيمية مكانه صار بعضهم خاصة العسكريين منهم ينظرون للامر كانه مقامرة كبيرة اذ كيف يحل المجلس العسكرى ويتخلى البشير عن رتبته العسكرية اما المدنيون فصار بعضهم يتعجب من فكرة ان يصير د. الترابى رئيسا للجمهورية فى اكثر الأوقات معارضة له على المستوى الإقليمى والدولى ... هذا التصور او التحليل يناقض بداية الاطروحة التى تفصل بين العسكريين والمدنيين فكيف يرفض المدنيون قيادة الترابى ( المدنى ) ويناصرون الفريق البشير( العسكرى ) الامر ليس فى التقسيم بين عسكرى ومدنى بل هى مجموعة تشابهت قلوبهم . اما تخلى العسكريين عن البزة العسكرية فليس بدعا فى الثورات وان الرتبة العسكرية لا تضيف شيئا لصاحب السلطة السياسية العليا لكن هذا لسان حال السلطويين ولسان مقالهم . وختام رسالته الثانية يقول د. التجانى ان هنالك جماعات وظيفية بدأت تتشكل وتدخل حلبة الصراع ولعل اول تلك الاطراف هى البطانة الجديدة التى بدأت تلازم الامين العام د. الترابى وتضرب حوله سياجا سميكا فلا يرى ولا يسمع إلا من خلالهم أو فى حضورهم .
عجبت لهذه المقولة تخرج من الاخ د. التجانى الذى اعرفه كما اعرف د. الترابى.و ليس دفاعا عن د. الترابى لكن ما يميزه عن رموزآخرين انه ليست له بطانة او جماعات وظيفية تحجبه عن الآخرين بل ظل باب داره مفتوحا وباب مكتبه على مصراعيه لكل من هب له أو دب إليه ،حتى نحن احيانا لا نجد متسعا من الوقت معه بسبب انفاقه للوقت مع عامة الناس ناهيك عن خاصتهم أمثال د. التجانى عبدالقادر .
(3)
اختتم الاخ د. التجانى مقالاته الثلاث بمقارنة بين
مسيرة الحركة الاسلامية السودانية وبين حركات سياسية اخرى فى المحيط العربى والافريقى واورد امثلة بالحالة الجزائرية كيف انقلبت من حرب تحرير الى حرب اهلية ثم ابرمت صلحا مع فرنسا معززا بالحالة الفلسطينية التى تتحول احيانا الى نزاعات داخلية ثم ابرمت صلحا مع العدو التقليدى الاسرائيلى ويريد ان يوظف هذه الظاهره على الحالة السودانية فى حرب الجنوب وما آلت اليه من ابرام اتفاقية فيمضى ويقول هل يمكننا ان نتقدم خطوة اخرى فى هذا الاتجاه فنقول كما ان حروب التحرير الجزائرية والفلسطينية قد ولدت عاطفة دينية وتضامنا وطنيا اعقبته حروب داخلية ثم تصالح مع العدو الاستراتيجى السابق، فإن حرب الجنوب قد ولدت مثل تلك العاطفة واوجدت مثل ذلك التضامن وانها اتساقا لما سبق ستولد او هى قد استولدت بالفعل حروبا داخل الحركة الاسلامية.
مع تقديرى للاخ د. التحانى فى طرحه هذا الا ان منطلقات الحركة الاسلاميه ليست كبواعث ومنطلقات حركة التحرير الجزائرية او حركة التحرير الفلسطينية او الحركة الشعبية لتحرير السودان وان تماهت معها فى بعض الوسائل . ان كان د . التجانى يقصد الانقاذ التى تخلت عن مشروعيتها وانشغلت بثوابت اخرى فإن العاقبة صنو السابقة والحتمية التاريخية ماضية اما الحركة الاسلامية سودانية كانت ام جزائرية ام فلسطينية فهى تقوم على قيم الاسلام ومثله ومبادئه السامية وهى لم تولد بسبب عاطفة وتولدت بسبب حرب اهليه ولم يجر عليها ذلك المثال، قد يتغير الناس ويترنحون بين الكفر والايمان ولكن القيم والمبادىء باقية لمن يشاء ان يتدثر بها.
ويخلص د. التجانى وينظر الى مآلآت مستقبل الحكم فى السودان من خلال مسارات ثلاثة، المسار الاول ان تتم دحرجة من تبقى من قيادات الحركة الاسلامية القديمة خارج السلطة كما دحرج العسكريون او كما اخرج د .الترابى ، والمسار الثانى ان تبقى الدولة على بعض عناصر الحركة الاسلامية لكنها تذهب - اى الدولة - فى تأليف واصطناع موالين جدد والمسار الثالث الذى وصفه بالاصعب ان تبقى الحركة الاسلامية والدولة معا ويتطلب هذا فك ارتباط واعادة تسجيل. وقفت مليا اتأمل هذه المسارات التى صورها الاخ د. التجانى ولم ار مسارا واحدا من المسارات يخرج السودان من المحنة التى ألمت به بسبب تصرفات الحركة الاسلامية فالمسار الاول هو تمادى فى الباطل وعدم الرجوع للحق. والمسار الثانى فهو بضاعة مزجاه رغب عنها الناس وكفى السودان حقلا للتجارب الفاشلة، اما المسار الثالث والذى وصفه بالاصعب فى بقاء الحركة الاسلامية والدولة معا شريطة فك الارتباط واعادة التسجيل يصور د . التجانى كأن الدولة ملك للحركة الاسلامية دون الآخرين ان كان يقصد ان تبقى القيم والمبادىء والاخلاق فهذا اقرب فان الامم الاخلاق ما بقيت اما الحركة الاسلامية التى تخلت عن ردائها وازارها والدولة التى فقدت هويتها فبقاؤهما معا هو رم للجرح على فساد .
رغم القيمة الثقافية والتحليل العلمى لمقالات الدكتور التجانى الا ان هنالك مثالب ثلاثة بدت ظاهرة على اطروحته ، اولا اعطاء الطابع الشخصى للقضية وانى لاربأ به ولعالم مثله ان يقف عند الاشخاص دون ان ينفذ الى القضايا ، ثانيا اعتقد فى تحليله ان القضية بين عسكريين ومدنيين وهذا تحليل ليس دقيقا ، ثالثا اعتمد فى رواياته السمع من جانب وا حد و دون اختبار المصدر.
أخيرا أسجى الشكر للأخ د . التجانى فقد حرك فينا الشجون وشحذ الأذهان وألقى بحجر على بركة ان لم تتحرك تتأسن .



التوقيع:
[frame="1 80"]مكلوم محزون لفقدك يا خالــ د[/frame]
imported_عبدالعزيز خطاب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-12-2006, 08:58 PM   #[8]
imported_عبدالعزيز خطاب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_عبدالعزيز خطاب
 
افتراضي

أخواننا الصغار ومشاريعهم التوسعية الكبرى«2-2»
د. التجاني عبد القادر
«3»
حاولنا فى المقالة الأولى أن نقدم صورة عن النزاع المستتر الذى كان يجرى فى داخل الأجهزة الأمنية، وذلك من خلال حالتين: حالة الدكتور محمود شريف الذى أحس بالاشكال فأح دث فى نفسه قلقا وانقساما لم يستطع التخلص منهما الا بالانخراط فى جبهة القتال العسكرى فى الجنوب، و حالة أحد القياديين الذى أحس بالاشكال ذاته ، ولكنه بدلا من الإنخراط فى الأعمال الجهادية كما فعل محمود شريف فضل الإنخراط فى دهاليز الأجهزة الأمنية ذاتها التى كانت تراقبه.
ماذا يمكننا أن نستنتج من هذا؟ يمكننا أن نستطيع «أولا»: أن عمل الأجهزة الأمنية لم يكن منصرفا بالكلية الى الخارج «لمراقبة أعداء الوطن وأعداء الحركة الإسلامية كما كان يتوقع الإسلاميون الطيبون، أو كما تتوهم عناصر المعارضة»، وانما كان جزءا من عملها يمتد أيضا الى داخل الداخل، وذلك لمضايقة ومحاصرة بعض العناصر القيادية في الحركة الإسلامية ذاتها، اما بغرض استيعابها في داخل هذه الأجهزة أو ازاحتها بصورة كاملة من المجال السياسى؛أي أنه ولكى لا تتكرر «تجربة» الدكتور الشهيد محمود شريف، فقد انتهجت سياسة «الإزاحة» المتعمدة، ثم أعقبتها عملية احلال العناصر الأمنية و«تأسيسها» فى سائر المواقع المفصلية فى التنظيم والدولة، ومن خلال هذه السياسة تمكنت تلك الأجهزة بصورة متدرجة من الهيمنة على معظم العمليات العسكرية و السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.ويمكننا أن نستنتج «ثانيا» أن استجابة التنظيم لقضايا البيئة السودانية والدولية لم تعد، من الآن فصاعدا، تصدر عن مرجعيته الفكرية أواستراتيجيته السياسية، وانما صارت تصدر وفقا لتقديرات الأجهزة الأمنية، أي أن الدولة ممثلة في أجهزتها الأمنية صارت هى التى تحدد مسار التنظيم وليس التنظيم هو الذى يحدد مسارها. ويمكننا أن نشير في هذا المجال الى عدد من الأحداث التى أثرت تأثيرا مدمرا على الحركة الإسلامية حاضرا ومستقبلا دون أن يعلم بها «ناهيك عن أن يشارك فيها» أي جهاز شورى من أجهزة الحركة: خذ مثلا دخول كارلوس الى السودان ثم تسليمه الى الحكومة الفرنسية على سبيل الترضية السياسية المفضية الى التقارب معها؛ أو خذ مثلا ايواء اسامة بن لادن فى السودان مغايظة للنظام السعودى ، ثم محاولة تسليمه الى الحكومة الأمريكية على طريقة «تبادل الهدايا»؛ أو الى محاولات اخماد التمرد في دارفور عن طريق ممالأة بعض العناصر الشريرة. كل هذه العمليات لم تسقط فجأة من السحاب وانما أتت نتيجة تخطيط وقرارات تمت في داخل هذه الأجهزة السرية التى احتلت مواقع عليا في التنظيم وحولته الى أداة من ادواتها.
أما ان كان يداخلك شك فيما نقول، فيمكنك أن تعاود النظر فى التقرير الصحافى المطول الذى أعده كن سليفشتاين« Ken Sil
verstein» الكاتب المحرر بصحيفة لوس أنجلز تايمز الأمريكية،
ونشره في تلك الصحيفة بتأريخ 29ابريل 2005 تحت عنوان:الدولة السودانية المارقة تصبح ذات قيمة للحرب الأمريكية على الإرهاب«والترجمة من عندى»، وقد أعادت نشره ملخصا صحيفة الغارديان البريطانية وصحيفة القدس العربى. تنبع أهمية هذا التحقيق من أن صاحبه قد أجرى عددا من المقابلات الشخصية المباشرة مع عدد من الشخصيات الأساسية في كل من المخابرات الأمريكية والسودانية، قال الصحفى نقلا عن مسؤولين في المخابرات الأمريكية وفى الحكومة الأمريكية ان أدارة الرئيس جورج بوش أقامت شراكة وثيقة في مجال المخابرات مع السودان الذى ساعد في حرب واشنطن على الإرهاب؛ ونسبت الصحيفة الى رئيس وكالة المخابرات السودانية القول بأن للمخابرات السودانية شراكة قوية مع وكالة المخابرات الأمريكية؛ وقالت الصحيفة ان السودان اعتقل بعض المشتبه بانتمائهم للقاعدة، وسلم أدلة الى مكتب التحقيقات الإتحادى، وأحبط هجمات ارهابية ضد أهداف أمريكية، وقالت الصحيفة ان السودان يريد مقابل ذلك رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للارهاب وان ترفع واشنطن العقوبات الإقتصادية عنه.
نحن هنا كما تلاحظ أمام ظاهرة فريدة في نوعها: اذ نرى من ناحية كيف أن أجهزة أمنية تابعة للحكومة الإسلامية «تخترق» التنظيم الإسلامى الذى أنشأها، فتستولى على مراكز القيادة فيه، وتحتكر العملية السياسية فى داخله، فتؤوى من تشاء وتقصى من تشاء، أما من الناحية الأخرى فنرى كيف أن هذه الأجهزة الأمنية ذاتها تدخل فى «شراكة» مع المخابرات الأجنبية، لتصبح عرضة للاختراق والإبتزاز من قبل تلك الأجهزة والتى لا تهتم بشىء كاهتمامها بتصفية الحكومة الإسلامية برمتها، أو توظيفها فى اتجاه استراتيجياتها ومشاريعها الكبرى. ولا يستطيع أحد بالطبع أن ينكر الضغوط الدولية الهائلة التى كانت تتعرض لها حكومة الإنقاذ فى تلك الفترة، أو ينكر أهمية المناورة والتكتيك فى العملية السياسية، كما لا يستطيع أحد أن يمارى فى أن تكون للدولة، أية دولة، أجهزة إستخبار شديدة الذكاء وسريعة الحركة، ولكن الذى يكون محل رفض واستنكار هو أن تقوم الأجهزة الأمنية بوضع الاستراتيجية السياسية للتنظيم، وأن تقوم على تنفيذها فى غيبة كاملة لأىة جهة تنظيمية عليا يكون لها حق المراجعة والنقض والمحاسبة،«أما اذا اعترض أحدهم بأن هناك جهة تنظيمية عليا، فليقل لنا أين هى، ولماذا تلتزم الصمت بينما يتحدث الأمنيون الى الصحف»، كما أن الذى يكون محل استنكار هو أن تدخل تلك الأجهزة فى «شراكة» مع مخابرات أجنبية لا يعرف أحد محتواها أو مداها، ثم يكون محل الإستنكار الأخير هو مبدأ أن تكون هذه الأجهزة هى مرجعية ذاتها، كما يقول الأخ الدكتور الأفندى، أي أن توكل ادارتها لبعض الأفراد الذين لا يستطيع أحد من داخل الحركة الإسلامية أو من خارجها أن يعرف كفاءتهم المهنية، ، أو يراجع سياساتهم أو يحاسبهم عليها، ثم يترك لهم برغم ذلك أن يقرروا مصير الحركة الاسلامية والسودان معا.
«4»
أن هذه الظاهرة التى يتحول فيها دور الأجهزة الأمنية من جمع المعلومات الى وضع السياسات العامة والهيمنة على سائر جوانب العملية السياسية لمن الظواهر التى تحتاج الى نظر عميق لمعرفة أسبابها ومآلاتها. وهى بالطبع لا تقتصر على الحالة السودانية، فقد لاحظ أحد الباحثين المختصين في شؤون السياسة المصرية- أن «السياسة الأمنية في مصر طوال العقود الثلاثة الماضية» لم تعد واحدة من حزمة «السياسات العامة»، وانما صارت المهيمنة عليها جميعا، كما أن نطاق ممارستها شهد توسعا وامتدادا، بحيث أن معظمها، حتى البعيدة عن ذلك بحكم طابعها التخصصى، قد تحولت الى «حقيبة أمنية»، ويرى الباحث نفسه أن هناك أسبابا عديدة وراء تلك الهيمنة الأمنية، مثل ضعف أحزاب المعارضة وقوى المجتمع المدنى، وضعف البناء المؤسسى في الدولة، والتحولات الدولية التى صارت تزكى الدور المتزايد لهذه الأجهزة. وتكاد هذه الملاحظات تنطبق بحذافيرها على الحالة السودانية، ولكن مع فارق واحد هو أن أحزاب المعارضة السياسية في السودان أستطاعت هى الأخرى«مع استثناءات قليلة» أن تعوض عن ضعفها ازاء الدولة بالإرتماء شبه الكامل في أحضان الدول الأجنبية والتعاون مع أجهزة المخابرات فيها، وذلك على المنوال ذاته الذى سلكته قوات تحالف الشمال في أفغانستان والاكراد في شمال العراق، وذلك ما لم تلجأ اليه المعارضة المصرية رغم ضعفها والأضطهاد الذى تعرضت له.على أن الذى يهمنا الآن ونسوق الحديث من أجله ليس هو ضعف الأحزاب السودانية المعارضة، وانما هو مأزق الحركة الإسلامية السودانية، والتى تعرضت لعملية افراغ واختراق من قبل أجهزتها الأمنية، بينما صارت هذه الأخيرة عرضة للاختراق من الخارج.
ومما يجعل مأزق الحركة الإسلامية يزداد تفاقما هو ما حدث من تحولات في البيئة الدولية جعلها تزكى وتبارك الدور المتزايد لأجهزة الأمن، حتى أن بعض الدول الغربية-خاصة الولايات المتحدة-قد بلورت لنفسها بعد حوادث سبتمبر 2001 رؤى جديدة في المسألة الأمنية، فلم تعد تكتفى بتمويل او تسليح بعض العناصر في داخل الدولة المعنية، وانما صارت تستولى على كل الملفات السياسية الحيوية فى تلك الدول وتحولها الى جهاز المخابرات المركزى فى واشنطن. يبدو ذلك ظاهرا في الحالة العراقية والباكستانية وغيرها، كما يبدو بصورة أكثر وضوحا فى الحالة الفلسطينية حيث صارت عناصر من المخابرات الأمريكية منذ عهد الرئيس السابق بيل كلينتون جزءا من عملية مفاوضات السلام، حيث أوكل ذلك الملف الى مدير المخابرات المركزية آنذاك-جورج تنت-فلم يعد مجرد وسيط موثوق به وانما صار المحرك الأساسى والمشارك الفعلى في ابتدار السياسات ووضع شروط لكل الأطراف المشاركة في العمليات السياسية، ولن يبقى في مقدور الإدارة الفلسطينية في هذه الحالة أن تحافظ على وجودها فى السلطة الا بعد ان تتحول هى ذاتها الى ما يشبه الملحقية الأمنية التابعة لأجهزة الأستخبارات الأمريكية، أو أن تعقد معها «شراكة» استراتيجية.
ويبدو أن هذا هو نفس المنظور الإستراتيجى الذى يراد للمخابرات السودانية أن تعمل فيه: شراكة مع الخارج وهيمنة على الداخل. وقد أثمرت شراكة الخارج اتفاقية السلام فى الجنوب، أما هيمنة الداخل فقد كانت ثمرتها حربان: حرب تدمير «باردة» بين المؤتمر الشعبى والمؤتمر الوطنى، قادت بدورها الى حرب التدمير الساخنة بينهما فى دارفور. وكأنك تقرأ هذا وتسألنى: وما العمل؟ وهل هناك من مخرج؟ أيغمض أحدنا عينيه عما يفعله «أخوانه الصغار» ثم يأخذ سلاحه ويتجه صوب الجنوب كما فعل الشهيد محمود شريف؟ أم يكشف عن ساقه ثم يخوض معهم فيما يخوضون، كما فعل القيادى آنف الذكر؟ الخروج فى ظنى لن يكون بهذا أو ذاك، وانما يحتاج لأمور كثيرة، يأتى على رأسها مواجهة «الذهنية» الأمنية التى تعتقد أن الأمن لا يتأتى الا عن طريق التستر والتعتيم وحبس الأشخاص والأفكار وخنق الأصوات المعارضة أو باغرائها بالمال والمنصب. هذه الذهنية الأمنية المنغلقة هى «الإشكال الأكبر» الذى سيظل يكبل المؤتمرين الشعبى والوطنى ويفقدهما المصداقية ويقودهما ومعهما الحركة الإسلامية الى الفناء.ومواجهة الذهنية الأمنية لا تكون بترك الميدان لها، كما لا تكون بالاندراج فى صفوفها، وانما تكون بان تتمسك العضوية الصامتة فى داخل الحركة الاسلامية بمبدأين اسلاميين بسيطين: العدل والشفافية، وأن تجعلهما شرطين من شروط الإنتماء التنظيمى، وأن تضم صوتها لأصوات منظمات المجتمع المدنى والدولى فى المطالبة بهما. والعدل، اذا كان لا بد من شرح، يعنى أن يعطى كل ذى حق حقه، وألا يوسد الأمر لغير أهله، ولا يكون ذلك كما هو معلوم الا بأن يزاح الظلمة والفاسدون من مواقع النفوذ السياسى والإقتصادى، بعد أن تحصى أموالهم الثابتة والمتحركة، ويسألوا عنها، ثم تقدم الكفاءة والالتزام الخلقى على القرابة والالتزام الحزبى، فاذا حدث هذا فان حاجة النظام لأجهزة الأمن ستقل. ويقصد بالشفافية كما هو معلوم انسياب المعلومات الموضوعية عن الأوضاع الداخلية للنظام السياسى والإقتصادى؛ أي عن السياسات والقرارات وكيفية صناعتها ومن هم الذين يصنعونها، وما هى مرجعياتهم الفكرية وقدراتهم الحقيقية، وعن موارد الدولة ومصارفها، وعن التوظيف فى مؤسسات البترول ووزارات المال، ولا يقصد بانسياب المعلومات أن توزع سرا على العضوية الملتزمة وانما يقصد بها ان تتاح لمن هو خارج أطار الالتزام التنظيمى-الحزبى، فاذا حدث هذا، ورأى الناس صدقا فى القول، وعدلا فى العمل، وشفافية فى الأداء، فانهم قد يستعيدون ثقتهم فى النظام، فتقل بالتالى حاجة النظام للأجهزة الأمنية، اذ أن غياب العدل والشفافية هو الذى يصنع المناخ الذى يتولد فيه الفساد، وتنعدم فيه الثقة، وتتضخم فيه الأجهزة الأمنية، وتوضع فيه بذور الثورة القادمة.

المقال منقول من الصحافة الصادرة اليوم



التوقيع:
[frame="1 80"]مكلوم محزون لفقدك يا خالــ د[/frame]
imported_عبدالعزيز خطاب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 10-12-2006, 08:35 PM   #[9]
imported_عبدالعزيز خطاب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_عبدالعزيز خطاب
 
افتراضي

الرأسماليون الإسلاميون: (1-2)
مـــاذا يفعلـــون فى الحـــركة الإســـلامية؟
د. التجاني عبد القادر
[email protected]
(1)
أشرت فى مقال سابق إلى إرهاصات تحول إستراتيجى وقع فى مسار الحركة الإسلامية، وذكرت أنه صار يتجسد سياسيا فى تحالف ثلاثى بين "القبيلة" و"السوق" والذهنية الأمنية"، ثم تحدثت فى مقالين تاليين عن هذه الذهنيةالتى هيمنت على التنظيم وحولت سائر نشاطه الى ملفات أمنية، وأريد فى هذا المقال أن أتحول الى السوق، لنرى ظاهرة أخرى تتمثل فى "الذهنية" التجارية وفى العناصر الرأسمالية التى صارت هى الأخرى تنشط وتتمدد حتى كادت أن "تبتلع" الجزء المتبقى من تنظيمنا الإسلامى الذى لم ننضم اليه أصلا الا فرارا من الرأسمالية المتوحشة.
ولما كان الشىء بالشىء يذكر، فقد كتب صديقنا عبد المحمود الكرنكى،الصحفى والملحق الإعلامى السابق بلندن، كتب ذات مرة فى أوائل الثمانينات مقالا لصحيفة الأيام تعرض فيه بالنقد لممارسات بعض "أخواننا" العاملين فى بنك فيصل الإسلامى. كانت رئاسة الصحيفة قد أوكلت آنذاك، ابان ما عرف بالمصالحة الوطنية، الى الأستاذ يسين عمر الإمام. وقبل أن ينشر الموضوع وصل بصورة ما الى الدكتور الترابى، فلم يعجبه وطلب من الكرنكى أن يعرض عن نشره، على أن يبلغ فحواه الى "أخوانه" فى البنك على سبيل النصيحة. قال له الكرنكى: لن أنشر الموضوع احتراما لرأيك، ولكنى لن أتقدم بأية نصيحة لأحد. ولما سأله الترابى عن سبب ذلك، قال له: هب أنى تقدمت اليهم بنصيحة، ثم تقدم اليهم "الأخ" الطيب النص بنصيحة أخرى، فبأى النصيحتين يأخذون؟ وكان الطيب النص آنذاك من التجار/المستثمرين الكبار الذين يحبهم مديرو البنوك، ويطيلون معهم الجلوس، ويولونهم إهتماما لا يولون معشاره لأقوال الصحف والصحفيين، خاصة الفقراء منهم. وقد أحس الكرنكى بذلك وأدرك أولا أن بعض "أخواننا" قد داخلهم "شىء ما" أفقدهم القدرة على تذوق النصيحة "الناعمة" والموعظة الحسنة، كما أدرك ثانيا أن العلاقة بين التنظيم والسوق، والتى يمثل(اكس) "همزة الوصل" فيها، قد بلغت من القوة مبلغا لا تجدى معه المواعظ الأخوية والنقد السرى. والسيد (اكس) ليس هو التاجر المجرد، وانما هو تاجر"إسلامى"، وهو حينما يذهب الى موظفى البنك "الاسلامى"، أو الى العاملين فى مرافق الدولة لا يذهب كما يذهب عامة التجار وانما يذهب ومعه هالة التنظيم، ليتوصل الى مصالحه الخاصة، وهذا هو مربط الفرس وبيت القصيد، أى أن "المصالح الخاصة" التى تتخذ لها غطاء من "التنظيم" هى محل الإشكال وموضع النظر فى هذا المقال.
والسؤال هنا: كيف بدأت العلاقة بين التنظيم والسوق؟ وفى أى اتجاه تطورت، والى أى شىء يتوقع لها أن تقودنا؟ أظن أن بداية هذه العلاقة تعود الى فكرتين بسيطتين احداهما صحيحة والأخرى خاطئة. أما الفكرة الأولى الصحيحة فهى أن اصلاح المجتمع السودانى أو اعادة بنائه على قواعد الاسلام وهديه(وذلك هو الهدف الأساسى للتنظيم) يستلزم تجديدا فى الفكر الاسلامى ذاته، تتمخض من خلاله رؤية تحريرية-تنموية، يتوسل بها لانتزاع الإنسان السودانى من براثن الجهل والمرض والفاقة، وذلك من خلال بناء نماذج فى التنظيم والقيادة، ونماذج فى المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية تكون كل واحدة منها "بؤرة إشعاع" يلتقى فيه الهدى الدينى، والعرف الإجتماعى، والخبرة التقنية،والقيادة الرشيدة. ولكن العمليات البنائية هذه لا تكتمل إلا بتنظيم دقيق ومال وفير، فهما وسيلتان أساسيتان من وسائل التحرر والنهضة الإجتماعية الإسلامية، ولكن لا ينبغى للوسيلة "التنظيم" أن تتحول الى هدف، كما لا ينبغى أن تكون للعاملين على تحقيق هذه الوسائل "أجندة خاصة"، كأن يتحولوا هم الى أغنياء ثم يتركوا التنظيم والمجتمع فى قارعة الطريق.
أما الفكرة الثانية الخاطئة فهى أن "التنظيم" لا يكون قويا الا اذا صار غنيا، ولن يكون التنظيم غنيا فى ذاته وانما يكون كذلك اذا استطاع أن يأخذ بعض المنتسبين اليه "فيصنع" منهم أغنياء، بأن يضعهم على قمة المؤسسات الإقتصادية:مديرون لبنوك، ورؤساء لمجالس الإدارات والشركات، ومستشارون قانونيون، وفقهاء شرعيون ملحقون بالبنوك، فيصير هؤلاء أغنياء ليس عن طريق الرواتب الكبيرة والمخصصات السخية فحسب وانما عن طريق السلفيات طويلة الأجل، والقروض الميسرة، والمعلومات الكاشفة لأوضاع السوق ولفرص الإستثمار. هذه الرؤية الخاطئة لم أستطع أن أتحقق من مصدرها بعد، ولكنى أذكرها لأنها صارت رؤية سائدة وذات جاذبية كبرى، وكان من نتائجها أن تولد لدينا "مكتب التجار"، ليكون بمثابة الأصابع التنظيمية فى السوق، ثم تحولت "إشتراكاتنا" الصغيرة الى شركات(كيف؟ لا أدرى)، ثم صارت كل شركة صغيرة تكبر حتى تلد شركة أخرى، ولما لوحظ أن عددا كبيرا من العضوية الإسلامية ميسورة الحال يوجد فى السعودية وفى دول الخليج الأخرى، أنشأ "مكتب المغتربين"، ليقوم بجمع الاشتراكات، ثم تحولت وظيفته بصورة متدرجة الى ما يشبه الوساطة التجارية والوكالة والإستثمار. ولما لوحظ تكرر المجاعات والكوارث فى السودان، أنشئت أعداد من المنظمات الخيرية التى تهتم بالعون الإنسانى، ولكنها تركت لأصحاب العقلية الرأسمالية التوسعية، فصار القائمون عليها فى كثير من الأحيان ينحدرون من الشريحة التجارية ذاتها؛ الشريحة التى تتخندق فى البنوك والشركات والمكاتب التجارية.
ثم جاءت ثورة الإنقاذ، فكانت تلك هى اللحظة التأريخية التى وقع فيها التلاحم الكامل بين الشريحة التجارية المشار اليها، والمؤسسات الإقتصادية فى الدولة، فمن كان مديرا لبنك البركة صار وزيرا للمالية والإقتصاد، ومن كان مديرا لبنك فيصل صار محافظا لبنك السودان المركزى، ومن كان مديرا لشركة التأمين الإسلامى صار وزيرا للطاقة، فاذا لم يصب فيها نجاحا خلفه عليها مدير بنك التضامن أو بنك الشمال الإسلاميين، الى غير ذلك من وزراء الدولة ووكلاء الوزارات. وكل من هؤلاء لم يعرف لأحدهم أسهام أصيل فى الدراسات الإقتصادية، أو رؤية عميقة للتنمية الإسلامية، ولكن كل هؤلاء يعرف بعضهم بعضا معرفة شخصية، وكانت لهم ذكريات مشتركة فى المدارس، أو فى العمل التنظيمى، فصاروا يديرون الإقتصاد السودانى كأنما هو شركاتهم الخاصة، وتحولوا تدريجيا الى نخبة حاكمة مغلقة، فاذا خرج أحدهم من وزارة أعيد الى وزارة أخرى أو أعيد الى "مملكته" السابقة، أو أوجدت له شركة خاصة للاستشارات أو المقاولات أو الإنشاءات، وذلك ريثما يخلو أحد المقاعد الوزارية، فى تطابق تام مع نظرية "تدوير النخبة الحاكمة" التى قال بها عالم الاجتماع الأمريكى رايت ميلز وآخرون. وبهذه الطريقة تم تمرير وتسويق المفاهيم الرأسمالية وتوطينها فى برامج الدولة والتنظيم، وبهذه الطريقة سدت المنافذ لأية محاولة جادة لبلورة مذهب اسلامى أصيل فى التنمية الإقتصادية،وبهذه الطريقة تحول التنظيم الى ما يشبه "حصان طروادة" يشير مظهره الخارجى الى صرامة المجاهدين وتقشف الدعاة، أما من الداخل فقد تحول الى سوق كبير تبرم فيه الصفقات، وتقسم فيه الغنائم، دون ذكر لتجديد الفكر الإسلامى أو لنموذج التنمية الإسلامية الموعودة، وبهذه "الطريقة" صار أفراد هذه الشريحة أغنياء بينما ترك "التنظيم" ليزداد فقرا وتمزقا،بل إن عامة العضوية ظلوا فقراء مثل عامة الشعب برغم الشركات الكثيرة التى تم توزيعها بين المؤتمرين الوطنى والشعبى؛ الشركات التى أسست باسم الإسلام ومن أجل نصرة الفقراء والمستضعفين.
(2)
وما الغضاضة فى ذلك، يقولون، ألم يعمل النبى عليه السلام فى التجارة، وكان بعض الكبار من أصحابه تجارا، وأن التجار قد نشروا الإسلام فى بقاع العالم، وبفضل من أموالهم ترسخت دعائم الحضارة الإسلامية قرونا؟ ألم يساهم هؤلاء الرأسماليون الإسلاميون فى انجاح مشروع الانقاذ الوطنى، وفى تثبيت الحكومة فى أيامها الصعبة الأولى حينما قبض الناس أيديهم؟ أليست التجارة هى أحد ركائز التنمية؟ والإجابة على كل هذا: اللهم نعم، ولو شئنا الإستطراد فى اتجاه المبادىء والمثال لقلنا أكثر من هذا، على أن الاعتراض ليس على مبدأ التجارة ولا على صيرورة بعض الناس أغنياء(إذ نعم المال الصالح للعبد الصالح)، ولكن الإعتراض يتركز حول "الكيفية" التى صاروا بها أغنياء، أى ان الاعتراض ليس على "الثروة" فى ذاتها، ولكنه على استغلال "للعلاقات والمعلومات" التنظيمية (رأس المال الإجتماعى)) وتحوير اتجاهها وتسخيرها لتأسيس الشركات الخاصة ولتعظيم أرباحها، ولتأمين الحياة لأبناء النخب الحاكمة، ولأصهارهم وأبناء عمومتهم وأعيان قبائلهم،هذا هو المال غير الصالح الذى يتحكم فيه غير الصالحين، كما يفهم من الحديث النبوى بمفهوم المخالفة.
الإعتراض إذن ليس على وجود شريحة من الأغنياء فى داخل الحركة الإسلامية، إذ لو تكونت تلك الثروة بطريقة مستقلة عن "التنظيم"(كما هو حال بعض الإسلاميين) لما حق لأحد أن يتساءل، وذلك على مثل ما يحدث فى المجتمعات التى شهدت ظاهرة الإقطاع، حيث لا يوجد معنى للسؤال عن "كيف" صار بعض الناس أغنياء، لأن المجتمع تكون "تأريخيا" من "الفرسان النبلاء" الذين اغتصبوا الأراضى عنوة بحد السيف، وظلوا يتوارثونها جيلا بعد جيل تحت حماية القانون ومباركة العرش، فأكسبتهم تلك الملكية قاعدة اقتصادية راسخة، ووجاهة اجتماعية ونفوذا سياسيا لا يضارعهم فيها أحد. أما فى حالة المجتمع السودانى، وفى حالة الحركة الإسلامية السودانية بصورة خاصة فلم تكن توجد طبقة من النبلاء الأرستقراطيين ملاك الأراضى(أو الباشوات)، اذ أن الغالبية العظمى من الشعب لم تكن تملك شيئا، كما أن الغالبية العظمى من عضوية الحركة الإسلامية جاءت اما من أدنى الطبقة الوسطى، من شريحة الموظفين محدودى الدخل، واما من الشرائح الاجتماعية الفقيرة القادمة من قاع المجتمع ومن هوامشه الاقتصادية. يتذكر كاتب هذا المقال أنه فى أواسط السبعينيات من القرن الماضى كان تنظيمنا يعمل من تحت الأرض، وأردنا أن نجد "أماكن آمنة" فى مدينة الخرطوم نخفى فيها أعضاء اللجنة التنفيذية لإتحاد طلاب جامعة الخرطوم من أجهزة الأمن التى كانت تطاردهم، فكان عدد الذين يملكون منازلا خاصة بهم (تتسع لاستضافة ثلاثة أشخاص أو أكثر) يعدون على أصابع اليد. وأذكر أن أحد أخواننا الذى امتاز بالسخرية والدعابة كان لا يخفى تذمره من البقاء فى المنزل العائلى المتواضع الذى استضيف فيه، فاذا سألناه قال: كيف أبقى هنا وكلما أردت الحمام هرعت الى الشارع لأبحث عن سيارة للأجرة. أما الآن فقد صار كثير من هؤلاء يمتلكون البنايات الطويلة، التى تقدر أثمانها بما لا نستطيع له عدا، وتدخل منزل أحدهم فترى ما لم تكن تسمع به حتى فى بيوت الباشوات، وتسأل أحدهم من أين لك هذا فيقول من "استثماراتى"، ماطا شفتيه بالثاء، ولا يذكر أنه الى عهد قريب كان يسكن بيتا من الجالوص الأخضر.
فالسؤال إذن عن "الكيفية" التى تحولت بها هذه "البروليتاريا الإسلامية" إلى ما يشبه حالة البرجوازية سؤال مشروع، اذ أن كثيرا منا لم يأتِ الى الحركة الاسلامية، ويفنى زهرة شبابه فى خدمتها من أجل الحصول على الثروة ولكن من أجل العدل الإجتماعى، اذ أن قضية العدل الاجتماعي هي القضية الأم التي لم ينفصل الإسلاميون عن أحزابهم التقليدية وطرقهم الصوفية، ومجموعاتهم العرقية، الا من أجلها،كما لم يتصلوا بالحركة الإسلامية الا من أجلها.ولكن ما تقدم من سرد يشير الى أن قضية العدل الإجتماعى لم تعد هي القضية الأم في النموذج الراهن، وذلك لأن الفئات الثلاث التى يقوم عليها النموذج: الشريحة الرأسمالية المتحالفة مع القوى الأمنية والبيروقراطية فى داخل الدولة، ومع القوى القبلية فى خارجها، لم يعد لواحدة منها هم والتزام بقضية العدل الاجتماعي، فبيروقراطية الدولة لا يمكن أن تسعى في تحقيق العدل الاجتماعي لأنها لم تنشأ "تأريخيا" من داخل المجتمع، كما أنها لم تستطع فى عهد الإنقاذ أن تتحول الى نخبة "رسالية" مهمومة بقيم الدين، فلا هي إذن تعبر تعبيراً صادقا
عن رغبات ومصالح "الناس" ، ولا هى تجسد قيم الكتاب، فهي مجروجة لانقطاعها عن الكتاب من جهة، ولابتعادها عن الناس من جهة ثانية، ولانحباسها في مصالحها وامتيازاتها ولانصياعها للشريحة الرأسمالية من ناحية ثالثة.
وهذا على وجه الدقة هو ما يجعل أجهزة الدولة ومؤسساتها الإقتصادية أدوات طيعة تسخر لتحقيق مصالح المستثمرين والتجار (المحليين والعالميين) دون مراعاة جادة لمصالح الفئات الأخرى في المجتمع. وهو ما يؤكد القول بإن هناك تحالفاً مصلحياً بين بيروقراطية الدولة والشرائح الرأسمالية المتحكمة. وهو ما يوضح بصورة مباشرة لماذا صار بعض الثقات من الإسلاميين يوضعون مواضع الظنون والشبهات حينما يوضعون في المواقع العليا في بيروقراطية الدولة، ليس لأن هذه المواقع مسكونة بالشياطين، ولكن لأنها موصولة بمجموعات قرائبية/قبلية متضامنة، وبشبكات تجارية مترابطة ذات قدرة على الحركة والالتفاف تجعل الموظف أو الوالى أو الوزير يدافع عن سياساتها ومصالحها أكثر من دفاعه عن النموذج الإسلامى وعن المستضعفين من الناس.
فالحديث إذن عن الشريحة الرأسمالية هذه لا يأتى من قبل الحسد أو الغبن، كما قد يتوهم بعض الناس، وانما يأتى الحديث عنها لأنها صارت تشكل مسار الحركة الإسلامية، وتحدد اختياراتها، واذا لم تتدارك الحركة الاسلامية أمرها بصورة جادة فانها سرعان ما تجد نفسها منقادة بقوى السوق، وسيكون أرقى مكاتبها هو مكتب التجار، وستكون أنشط عناصرها هم المقاولون ورجال و(سيدات) الأعمال، الذين يكون انشغالهم بالأرصدة والصفقات أكثر من انشغالهم بالكتاب وبالناس وبالقسط الاجتماعي، وسيصعب عليهم الاستماع الى النصائح الناعمة من أى أحد حتى ولو قرأ عليهم كل ما كتب فى أبواب الزهد والقناعة. أما القضايا الإستراتيجية الكبرى، مثل قضايا الحرب والسلام، والعلاقات الإقليمية، والسياسيات الخارجية، فستتحول في غيبة الجماعات العلمية القادرة، والمجالس التشريعية الحاذقة إلى ملفات أمنية أو إلى صفقات تجارية، وفي كلتا الحالتين فستتولاها مجموعات "أمسك لي واقطع ليك"، وهى مجموعات "براغماتية" نبتت فى داخل الحركة الاسلامية، يطيل أحدهم اللحية، ويتسربل بالملفحة الفخمة، ثم يخوض فى أسواق السياسة والإقتصاد على غير هدى أو كتاب منير.أما قضايانا الأساسية مثل تجديد الفكر الاسلامى، وبناء المناهج والنماذج، وبلورة الرؤى، وتأهيل الكوادر، ونشر الوعى، واحداث التنمية فستترك لشعراء المدائح النبوية، وللوعاظ المتجولين، ولوزارة الأوقاف والشؤون الدينية إن وجدت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول الغزالى: اعلم أن الله عز وجل اذا أراد بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه، فمن كانت بصيرته نافذة لم تخف عليه عيوبه، فاذا عرف العيوب أمكنه العلاج، ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم، يرى أحدهم القذى فى عين أخيه ولا يرى الجذع فى عين نفسه...وكان عمر رضى الله عنه يقول:رحم الله امرءً أهدى إلى عيوبى، وكان داود الطائى قد اعتزل الناس فقيل له:لم لا تخالط الناس؟ فقال: وماذا بأقوام يخفون عنى عيوبى؟ ثم يقول الغزالى: وقد آل الأمر فى أمثالنا الى أن أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرفنا عيوبنا(الإحياء:كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلوب).



التوقيع:
[frame="1 80"]مكلوم محزون لفقدك يا خالــ د[/frame]
imported_عبدالعزيز خطاب غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 05:41 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.