الأم
الأم
طلب منى الابن وجدى الكردى ان اكتب عن الام وهذا احب موضوع الى نفسى . وانا ككل السودانيين مثل طه لى كثير من الامهات . المثل السودانى يقول لحق امات طه . وقصه طه انه كان عنده تسعه من الامهات , امه وخالاته واخواته الكبار . وسافر طه وجزع اماته وذهبن بحثاً عنه ولم يرجعن .
كثير من فرسان السودان ورجاله المشاهير عرفوا بإسم امهاتهم . وفى السودان عامه وامدرمان خاصه كانت للام او النساء فى الاسره مكانه كبيره جدا . اذكر فى سنه 1999 عندما أتى محجوب شريف للقاهره كنت اتجازب الحديث مع كمال عبد الكريم مرغنى . وكان اغلب كلامنا عن امدرمان القديمه وبيت المال . وفجأه لاحظنا ان كل كلامنا كان يدور حول الخالات والحبوبات الكبار . وتحدثنا عن سكينه بت سوركتى وهى والده عبد الكريم مرغنى وبنت خالتها ستنا بت الصندليه . وبنت خالتهن الاخرى التى هى زينب بنت الحرم . وهى والده امى وجدتى زينب بت الحرم كنت اقضى معها كل الاجازه وجدتى الرساله كانت تشاطرنا المسكن . وكنا نتحدث عن الخاله مكه الدار قريبتنا . والتومه ( ام الحسن ) . والده الادارى الكبير الدرديرى نقد وشقيقه الدكتور عبد العزيز نقد . وهذا الحوش الكبير الذى كان يضم عشرات البشر كان كثيراً ما يشار اليه بحوش التومه . كما كان يشار الى حوش ابو القاسم بحوش بت النور وهى زوجه احد مشاهير امدرمان الخال على ابو القاسم . او بحوش بنات امونه . وحوش الحاج حمد كان من اكبر الحيشان فى امدرمان . وفيه طاحونه بيت المال . وجدنا الحاج حمد بقامته الطويله وشاربه الضخم كان علم على رأسه نار . ولكن زوجته ستنا بت الصندليه كان معروفه للجميع . وسمعنا ان والدتها الصندليه كانت امرأه ملئ السمع والبصر . وجارتها من الشرق كانت الخاله لطيفه لها مجموعه من الاولاد كانوا ينادوا بأسم امهم . وفى الصيف الماضى كنت اجتر الزكريات مع الاخت الدكتوره ام راشد وكان الكلام وتعريف الاماكن والبيوت الحيشان يتم عن طريق الخالات والحبوبات . ولهذا اقول ان الام السودانيه كانت تعنى الكثير .
فى يونيو 1966 رجعت فى اجازه من تشسلوفاكيا . وذهبت لزياره اخى كمال ابراهيم بدرى وزوجته وامى الاخرى شقيقه والدتى آسيا خليل رحمه الله عليهم . ووصل القطار الى السوكى متأخراً بسبب الامطار . ووجدت نفسى احمل حقيبتى فى منتصف الليل وليس هنالك مواصلات الى شاشينا . فسألت عن منزل ابو شقه . كنت اسمع عن عمنا ابو شقه شقيق الحاج حمد فى بيت المال . فطرقت الباب . ولم يتواجد سوى بعض النساء عندما سألوا . منو ؟ قلت بثقه انا شوقى ابراهيم بدرى . وأتانى صوت حنون من الداخل يقول . هـييييي ود امينه بت زينب بت الحرم . واحسست بأنهن يودن ان يأخذنى فى احضانهن . وأعطونى اجمل عنقريب فى البيت . وفى الصباح أتى الشاى واللقيمات والاستفسارات عن حال امى والاهل فى امدرمان . واكتشفت انهن يعرفن كل كبيره وصغيره عنى وعن اخواتى واخوانى .
قديماً كتبت اننا نجن السودانيين تربيه امهاتنا . لان المرأه فى السودان هى التى تربى . واظن ان فى كل اوربا الامه الوحيده التى تشبهنا هم الايرنديين . فالمرأه الايرنديه كثيره الاطفال قويه الشخصيه تدبر كل صغيره وكبيره فى حياة اسرتها وهى متجرده تعطى روحها وجسدها وراحتها لابنائها . وان الاسره السودانيه تواصل مسيرتها مهما كان الوالد سيئاً او سجمان . ولكن اذا كانت الوالده سجمانه وهذا لا يحدث الا فى الحالات النادره جداً فان الاسره تنهار .
كنت عندما احلف قائلاً وحياة حاجه امينه يعرف الناس اننى لن اتراجع . لاننى لم احلف ابدا بحياتها كذباً . وكان من يأتون بطلب واردهم يعمدون الى اخضاعى قائلين عليك حاجه امينه . ورجال السودان عادةً يقدسون امهاتهم . واحد الاصدقاء قال لى يوماً عندما وجد نفسه على وشك ان يدخل فى معركه مع رجل اكبر منه سناً بسبب حادث حركه انه اجبر ان يلتجئ الى حيله امدرمانيه عندما قال له _ بس خلينى اقول ليك يا خال . وتغير الرجل 180 درجه . وهذا بسبب ارتباطنا بالام .
والدتى امينه خليل أبتر نشأت وترعرعت فى جبال النوبه ولم تضع رجلها فى اى مدرسه . تزوجها والدى وهى فى السادسه او السابعه عشر من عمرها . انجبت خمسه عشر طفلاً فى فتره لا تزيد عن ثمانيه عشر سنه . وفى فترة من الفترات شاركتنا اختى امال فى المنزل وكان لها خمسه اطفال تحت سن التاسعه وكذلك والدتى . وكان هنالك مجموعه لا تقل عن خمسه او سته من طلاب العلم من اهلنا واصدقائنا يسكنون معنا . وسيل الزوار والضيوف لا ينقطع . وكانت والدتى رحمه الله عليها تدير هذا المنزل الذى يتواجد فيه عادةً ما لا يقل عن ثلاثين شخصاَ . ولا تكل ولا تمل ولا تفارق الابتسامه وجهها وتحس كل انسان بأنه اهم بشر فى العالم وانه الوحيد الذى يعنى لها كل شئ . وعاشت لتشاهد ابناء احفادها يصيرون رجالاً ونساءً . وككل نساء السودان تحملت مسئوليتها , اعطت كل ما تملك لاسرتها . تنهدت يوماً بعمق فسألتها . مالك يا حاجه ؟ فقالت . ما القلب يا ولدى . انا ما بفكر فيكم ليل ونهار كلكم طشيتوا بفكر كان شبعانين ولا جعانين كان بردانين ولا متدفيين كان سعيدين ولا حزنانين .
عندما افكر الآن فى مشاكلنا البسيطه . خاصه بعد ان كل شئ ميسور وسهل . افكر فى امهاتنا قديماً عندما كانت النار تشعل من الحطب والفحم . والملائات تغسل بالصابون المغلى قبل اكتشاف صابون البودره . وماكينات الغسيل لم تعرف . وحفاضات الاطفال تغسل باليد وهذا بالنسبه للميسورين اما الاغلبيه فلم تتوفر لهم اى نوع من الحفاضات . وكان النساء قديماً يعالجن البرجم بطين الارضه ( النمل الابيض ). ويعالجن ابو عديلات والآلام باللبخه والمكمدات . ويعالجن السعال الديكى بلبن الحمير والحمى بالزيت المر والقرض . ويسهرن الليالى .
عندما افكر فى اماتنا قديماً . والضيوف اللذين يحضرون فى وسط الليل . واذكر فى سنه 1964 ان حل بنا سبعه عشر ضيفاً فى يوم واحد . وبالرغم من انه كان لنا خمسه حمامات الا ان الانسان كان ينتظر فى الصف . ووالدتى تقف على كل كبيره وصغيره وتتأكد بأن الصابون متواجد فى الحمامات وان الملائات قد غيرت . تطالب شقيقاتى والجميع بأن يكونوا مستعدين وان يكون المنزل فى حاله مشرفه كل الوقت وتقول الموت ده لمن يجى حيقول ليكم ؟ . ولهذا كأغلب نساء امدرمان كانت تحتفظ بالقدور الكبيره والمناقد الكبيره والفنادق وصوانى النحاس والكمش والمقاصيص الكبيره .
أذكر اننى فى التسعينات عندما كان الاتصال التلفونى صعباً جداً للسودان نجحت بعد ايام عديده فى الاتصال بمنزلنا فى امدرمان . وردت على امرأه لم اعرف صوتها . فسألتها اذا كان هذا منزل ابراهيم بدرى وكان الجواب . شن خبرنى . فسألتها انتى منو . فقالت انا من ناس العرس . فسألتها عرس منو . فقالت عرس الصادق . فطلبت منها ان تنادى احد اهل المنزل وكانت المتحدثه اختى الكبيره واحدى اماتى . نظيفه .وعندما تعرفت على صوتها سألتها عندكم عرس فقالت اى عرس الصادق ود خديجه اهلك ناس الدويم . والصادق كان مغترباً رجع للزواج . واشقاء الصادق الثلاثه الكبار كانوا من سكان المنزل اثناء دراستهم فى المرحله الاوسطى والثانويه وحتى بعد تخرجهم واغترابهم .
فى بعض الاحيان عندما افكر فى امهاتنا السودانيات كنت اعجب لطوله بالهن . ومقدرتهن للتعايش مع ظروف الدنيا وتقبل الآخرين . والطلاق او الانفصال كان شيئاً بعيداً عن الخيال . واعجب لمقدره امهاتنا على ربط واسعاد الآخرين . والدتى رحمه الله عليها كانت تدير منزلاً يقدم ثمانيه صوانى غداء . وعندما تكون مجموعتنا قليله فى الغداء تقول والدتى مستائه عقابكم وينو مالكم براكم الليله ؟ .
شوقى ود امينه
|