الفصل الاخير من روايه الحنق
بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الاخير من رواية الحنق
مقدمة : -
رواية الحنق كتبتها وانا في الثامنة عشر من عمري الغرض منها كان لفت النظر للشوفونية الإثنية التي تمزق السودان وظاهرة الشذوذ الجنسي التي لا تزال تأخذ بتلابيب المجتمع الشمالي
بطل الرواية هو مصطفي الذي نشأ كإبن لاحد الرقيق في جنوب النيل الأزرق ويمر بحياة عاصفة . يترك بلدته ويعمل كنوتى . ويتقول الريس على اجره . وعندما يطالب بماله ينتهى الامر بمعركه يتكالب فيها النوتيه على العبد وينتهى الامر بتحطيم ذراعه . وتخذله العداله ويجد نفسه فى السجن .
وينتهي به الامر كصائد أسماك في امدرمان الموردة ويعمل مع العم عبدالساوي ريس المركب. ويشاهد ابناء جبال النوبه واهل الغرب عندما يسوقهم البوليس تحت تهديد السلاح الى النهر ويجبر على الاستحمام . ويرشهم رجال الصحه بالفنيك , وسط تهليل الرجال الصغار وهم يصفقون ويغنون حداد زينو وبالفنيك رشو . ولا يقرب البوليس ما عرف بعرب الباديه وهم اكثر اهل الارض قذاره ولا يعرفون الاستحمام اذا كان السلطه تريد ان تحارب مرض الحمه الراجعه الذى يسببه القمل فعرب الباديه هم من يجب اصطيادهم وليس اهل دارفور وجبال النوبه .
ثم يقعد المرض عبدالساوي ويتكفل مصطفي بكثير من مصاريفه ومصاريف زوجته وبنته الوحيدة ويتعرف بدبرياش المكنيكي ( من بقايا الرقيق ) الذي يسكن معه صديقه العربي وإبن خالته الجاك وصديقه الوفي رابع الذي ينتمي الي الفلاتة ويمر دبرياش ببعض المشاكل ويتجه للجريمة وبيع البنقو وانا أنقل لكم الفصل الاخير من الرواية الحنق .
الرحيل ...
مرت الأيام ومن الأيام كانت أسابيع ومن بعض اسابيع يتكون الشهر ، وهكذا إنصرمت بضع الشهور مات فيها أناس وولد أخرون ومصطفي يتابع مياه النهر ، وهي تعود الي حالتها الأولي بعد الفيضان الذي لم يكن قوياً تلك السنة وأصدر القارب ألاف الأصوات وهو يئن تحت ثقله مجاهداً في سبيل الحصول علي قوت تلك العائلة المسكينة .
كان المال يتدفق بين يدي دبرياش ، وصارت له عربتا أجرة يقوم بقيادتهما بعض سائقي التاكسي ، كما هدمت بعض الأجزاء من الدار وشيدت بوابة قوية من الصلب ، حتي تقف أمام هجمات رجال البوليس وإرتفع الحائط عالياً وإكتسي أعلاه بالزجاج المكسر والحديد المدبب الأطراف ككل المنازل التي تبيع المخدر، مما يعوق رجال البوليس وعند جناح الحاجة السابق كان يقف رجل علي أهبة الاستعداد بان يلقي بالبضاعة الي بئر المرحاض عند اول اشارة ، كما وقف إثنان من الرجال عند نهاية الشارع للمراقبة .
لم يستطيع مصطفي ان يحدد موقفه ، فلقد كان المال الذي يتكوم أمام دبرياش علي المنضدة يدير رأسه ، وكلما قارن حاله بحال دبرياش والعمل المضني الذي يؤديه ، شئ واحد منع مصطفي ان يمد يده لكي يسقط إلي القاع شئ لم يستطيع أن يصارح به نفسه ، إنه بعيد هناك في منزل العم عبدالساوي ، كان مصطفي يقرر في كل شهر أن يرسل إلي والدته بعض النقود ، لكنه لم يقم بذلك ولا مرة بالرغم من أنه كان عالماً بالحالة السيئة التي ستكون فيها المرأة المسكينة لقد كان عنده عائلة أخري يرعاها .
لم يستمر الحال طويلاً فلقد قابله احمد في صباح يوم من الأيام وإبتدره قائلاً : -
إن عمك عبدالثاوي أتي للبحث عنك ، لقد طلب مني أن أخبرك بذلك حتي تنطلق إليه .
لم يكن احمد الوحيد الذي أخبر مصطفي بذلك فقد قابله عدة أشخاص وكررت نفس الجملة ( عمك يبحث عنك)
فهكذا كان يقول عم عبدالساوي عندما يقابله احدهم :
- ( هل قابلت مصطفي ? أرجو أن تخبره بأن عمه يبحث عنه) .
عندما ولج مصطفي الدار قابلته زوجة العم عبدالساوي وقالت :
- إن عمك ثائرٌ اليوم فكن رفيقاً به .
وصرخ العم عبدالساوي قائلاً : -
والغضب يبدو ظاهراً عليه : - ماشاء الله ... ماشاء الله ...... حتي أنت يا مصطفي يا من نعتبرك خيرة الشباب ما الذي يدفعك للسكن مع الحشاشين والمجرمين والقتلة ؟
لقد سمعت بكل شئ من أول الأمر ولكني أردت أن أترك الأمر لك . فثقتي بك كبيرة ولكنك لم تقم بعمل شئ ! ولذا كان لزاماً عليّ أن أذهب وأري بنفسي ، بالرغم من ألم ساقي . ماذا يعني كل هذا ؟ لماذا تسكن مع هؤلاء البشر ؟ لقد رأيتهم بعينيّ رأسي يدخنون المخدر ولقد كانوا يلعبون الورق وأمامهم أكوام من النقد .... ألا تخجل من كل هذا يا مصطفي ؟ فلا أظنك تشارك في كل ذلك !!
ودّ مصطفي لو إستطاع أن يشرح كل شئ للعم عبدالساوي .... من هو دبرياش ولماذا ذهب للسكن معه ؟؟ ولماذا تغير .... وما هو التشرد والملجأ الذي تربي فيه دبرياش . والموردة . والجاك وتلك العاهرة التي إختطفته . وأبناء النوبة ومحلول الفنيك . والسجن .... والريس الذي إغتصب نقوده .... الناظر .... النظام الفاسد .... ( طلب) وعشرات بل الألف الاشياء .
وكل ما يذكره مصطفي أنه سمع شخصاً يعد العم عبدالساوي بالرحيل في أقرب فرصة . ولم يكن هنالك سواهما . وبعد عدة أيام حدثت مشادة بين مصطفي والعربي . ولأول مرة يرتفع صوت مصطفي وخلق من الحبه قبة علي غير عادته . وعندما عاد دبرياش وجد أن مصطفي قد أخذ حوائجه وإنتقل للسكن مع صديقه احمد . وإنطلق دبرياش مباشرة للتحدث مع مصطفي . إذ لم يستطيع دبرياش أن يفهم لماذا غادر مصطفي الدار ؟ ولم تكن حجة مصطفي مقنعة . إلا أنه أصر علي رأيه في عدم الرجوع الي البيت . وزعم بأنه قد ضاق بالعربي ، وساق حادثة قديمة وهي أن العربي قد تركه في الخارج عندما ذهب لزيارة أهله في بانت . وكأنه يخشي أن يعرف أهله أن له صديقاً من العبيد .
إكتفي دبرياش بإبتسامة ساخرة وقال : - وماذا عنك أنت ؟ ألا تترك رابع في الخارج عندما تنطلق لزيارة تلك العائلة الملعونة ؟ و تخشي أن يعلم القوم أنك تصادق أحد الفلاتة ؟
إبتدأ الموسم الجديد . ووجد مصطفي نفسه يقف علي أرض صلبة . فتحته قاربٌ جديد من أخشاب الحراز . قام بصنعه مستعيناً بالعم خضر وأدواته وأتي القارب قوياً متماسكاً عملياً ، بمؤخرة ضيقة وصدر مرتفع ، ووسط منبعج تماماً كما علمه الحاج قبل عدة سنوات ، وزود مصطفي القارب بقلاعين مختلفين وسارية قوية . أما الحبال فكانت كلها من التيل القوي . وإختار مصطفي مدراة . رائعة من الغاب قليل التجويف . مما يجعل تسرب الماء داخلها مستحيلا . أما المجاديف فكانت من نوع الرشاش الخفيف مما يجعل استعمالها سهلا .
في كل مرة ينطلق القارب . بصدر شامخ إلي أعلي النهر . والريح المصري يملء قلعه النظيف الابيض ، يحس مصطفي بنفسه يرتفع عالياً فوق الامواج ، وعند منطقة الدوامات ترقد شباك القاع مسترخية عند جزيرة ود كين التي تحت أقدام الجسر ، أما الجزيرة الهلالية ورأس جزيرة توتي الرملي فتلك مناطق نفوذ مصطفي حيث يلقي بمئات من الأمتار من الشباك الضخمة التي لا توقع إلا بالكبير من الأسماك . كما صار في مقدوره أن يتخلف في بعض الأيام بينما يقوم بعض الرجال بالعمل نيابة عنه .
كان ذلك الموسم جيداً وحالف الحظ مصطفي بصورة غير طبيعية ، خاصة عندما كانوا ينطلقون للخزان ، فلقد عاد مرة مصحوباً بأربعة من أسماك العجل الضخمة . وأمامه مدة طويلة قبل أن تأتي رياح النوءة . ثم رياح برمهات الطيبة .
لم يكن هناك ما يخشاه مصطفي . فلقد إنتقل الي دار جديدة مع احمد . كما إبتاع بعض الأساس ، وصار في إستطاعته أن يأتي من عمله ثم يلقي بنفسه تحت ذلك الدش الرائع ، لم تكن الدار فاخرة بالطبع ، ولكن بمستوي صائدي الأسماك كانت تعتبر حدثاً . وكم أبدي الكثير دهشتهم وتحسرهم عندما أقبلوا لزيارته .
عندما يكون مصطفي بلا عمل في العصر ، كان يجلس علي كرسي مريح أمام الدار، مرتدياً جلباباً نظيفاً وحذاءاً جميلاً ، وطاقية ترتاح علي حاجبه بثقة ، بينما ترقد العمامة علي كتفه . ومن تحت فتحت جلبابه يبدو صدار أزرق أو أخضر ، والخيزرانة لا تفارق يده ، راسماً بها الخطوط دافعاً بها الحصي الذي أمامه .
لم يكن مصطفي قد صار قادراً بعد أن يصرخ عبر باب المطعم المفتوح حتي يعطي التاجر اليمني الجرسون ما يريد ، أو أن يجمع حوله عشرات الاصدقاء ، وأن يبعثر المال ذات اليمين وذات الشمال . إلا أنه قد صار يبتاع أغراضه من الدكان دون أن يدفع مباشرة . وصارت له نوته صغيرة تحمل إسمه ، وترقد أمام صاحب الدكان . كما صار صاحب المطعم يعرفه ويخصه بالجيد من الطعام . وصاحب المقهي يعزم عليه ببعض الشاي في بعض الأحيان . وعرف مصطفي الفرق بين الصابون الذي يستخدم في غسل الثياب ، والأخر ذو الرائحة الجيدة الذي يستعمل في الإستحمام . كما إبتاع بعض الزجاجات من العطر الذي لم يكن بالغ السوء .
لم يكن ذلك كل شئ فلقد صارت له عشيقة . إنها ليست عشيقة بالمعني المفهوم ، ولكنها عاهرة تخصه بمعاملة خاصة .
وتخلي دارها من الزبائن عندما تعلم أنه آت إليها .
وأخيراً أتت النهاية وظهر المنقذ الذي يترقبه مصطفي حيناً طويلاً . وبينما مصطفي عائد من بيت العم عبدالثاوي . الذي كان متوعكاً ، وجد نفسه وجهاً لوجه مع طلب الذي كان يركب دراجة ويحمل بعض الاوراق الذي يقوم بتوزيعها . وما أن راءه حتي إبتدره بتحيه حارة وسأله عن أحواله ، وأحوال الكثير من الأصدقاء متجاهلاً دبرياش و السؤال عنه .
تحدث طلب بطريقته السلسة شارحاً لمصطفي الموقف السياسي ، وأخبره بأن الإنجليز في طريقهم الي مغادرة البلاد . وإن البرجوازية التي إكتسحت الإنتخابات لا تزال تواجه معارضة شديدة من الرجعية . وإن ذلك يدفعها بشدة الي أحضان المصريين والوحدة معهم ، مما يضيع حق الجنوبيين الذين يبدون كثيراً من التخوف من أن يعود عهد الإسترقاق ولو بطريقة أخري .
لم يكن مصطفي يفهم كثيراً عن السياسة . ولكن كلمات طلب الحارة كانت تشده للإستماع إليه . أما طريقته السلسة هي الشئ الوحيد الذي جعله يفهم سوء موقف الجنوبيين ، لانعدام الوعي بين جماهيرهم . والأمانة بين ساستهم ، فلقد كانو ا تحت قبضة نخاسي السياسة من الشماليين . الذين أسكرهم الإستقلال . وذهب تقرير المصير التقليل من المعقولية التي توافرت لهم .
لم يدري مصطفي كم من الوقت تحدث إليه طلب ، أهي ساعة !! أم نصف ساعة !!! ؟؟ لا يدري ولكن لأول مرة منذ مدة طويلة أحس مصطفي بأنالحياة ليست أن تفكر في نفسك ، مأكلك ومشربك . فإن هنالك أشياء مهمة كالتي يشقي طلب من أجلها . ولأول مرة منذ أن تكامل بناء القارب لم يستطيع مصطفي أن ينام مرتاحاً . فلقد كان يفكر في النساء والأطفال والشيوخ . في ذلك القسم المسكين من الوطن . حيث يسير الناس عراة ولا يحمل قاموسهم أي كلمات كحكومة وبرلمان وسياسة ونواب وديمقراطية .
كل ذلك لم يلبث أن تبخر من رأس مصطفي . ومرت الايام وعاد إهتمامه يتركز في الرياح والأسماك ولون المياه وعمقها . وأسعار الخيوط وحال الشباك ، والأمسيات عندما تضع آمنة كوب الشاي امامه وامام العم عبدالساوي . قبل أن تنطلق مختفية في مؤخرة الدار . مخلفة بقايا من عطرها غير النفاذ .
وهبت رياح برمهات الخيرة . وأقبلت أسماك البياض والكبروس الغالية الثمن ومن أجسامها الفضية إستل مصطفي ثمن جهاز الراديو الكبير ، الذي كان صوته يرتفع في المساء ، ثم أقبلت أسماك الدبسة برؤسها المثلثة وقشورها الكبيرة ، وشباك مصطفي تثبت وجودها في كل مرة ، ونظرية الحاج كأكبر دليل علي أن أحسن صانع سفن في كل البلاد كان قاتلاً تطارده العدالة .
كان مصطفي راجعاً من السوق متعباً بعد أن فشل في أن يتحصل علي نوع من الخيوط الذي يريده لشباك الكوارة الدقيقة . وقابله رابع وأخبره بأن البوليس قد هاجم دار دبرياش وأنهم قد عثروا علي كمية كبيرة من المخدر . وأن دبرياش قد قاومهم وشج رأس أحدهم مستخدماً ماسورة مياه ضخمة . وكان ذلك يعني عدة سنوات في السجن علي أقل التقدير .
كان رابع يبدو محطماً ، وزادت حركة جفونه ، لم يعرف مصطفي معها ما الواجب عمله هل يضحك أم يبكي ؟ شعر مصطفي ببعض الحزن علي صديقه دبرياش والمصيبة التي إنتهي إليها . وفكر في عشرات الناس الذين سيشمتون . وأمه الحاجة التي سيقطع قلبها . إلا أن مصطفي أحس بأنه سعيد بذلك الخبر ولم يعرف السبب .
هب مصطفي واقفاً علي قدميه وأقفل جهاز الراديو بقوة . ووجد نفسه يرتدي خير ثيابه . وصار يسير بغير هدي ، ولكن ما هو الا بعض الوقت حتي كان مصطفي امام دار العم عبدالساوي . إختفي مدخل الزقاق خلف مركبة شحن ضخمة كانت قد أتت لتفرغ بعض التراب المستخدم في البناء . وعلي رأس المركبة وقف رجلان ينتظران ويمسكان بجاروفين ، في إنتظار أوامر السائق الذي كان يستمع لصاحبة الدار . وهي تشكو من أن التراب ليس من النوع الذي تريده . والسائق يبذل كل جهده بإقناعها .
هل كان الوقت عصراً ؟ إنه شئ بين العصر والمغرب . وعند الناصية بعض النسوة يلقطن وهن يمسكن ببعض المواعين . إنتظارا لبايع اللبن الذي يقبل علي ظهر حماره . والتاجر الشايقي بشلوخه يرفع صوت المذياع الذي يلعلع بخطاب سياسي . وبائع البرسيم ينتزع حزمة صغيرة من فم غنماية جائعة بعد أن أشبعها ضرباً .
وجد مصطفي نفسه جالساً أمام العم عبدالساوي . ولم يخفي عليه أنه لم يكن متابعاً لأسئلة العم عبدالساوي عن العمل وأحوال الزملاء . بينما هو مستلقي علي عنقريبه ومتغطياً بالرغم من أن الدنيا لم تكن برداً . فلقد كان المرض قد تملكه ووهن منه العظم .
وفجأة أفاق مصطفي علي صوت العم عبدالساوي ، وهو يصرخ كمن التاس عقله . و إذا به يحاول أن يندفع محاولاً القيام من عنقريبه .
- ماذا .....؟ ما شاء الله !!! ماشاء الله ..... !!!!
إنه آخر الزمان ؟؟؟ هذا هو جزاءنا !!! إننا والله لنستحق أكثر من هذا ... هذا هو جزاء معاشرة العبيد من أمثالك ، أيها العبد ابن الكلب . إن الدنيا لم تكن رفيقة بي . ولكن هذا ولا شك أكثر مما توقعت . أنت أيها العبد الأغلف تريد أن تتزوج إبنتي !!!؟؟؟؟
أنت يا إبن الخنا ؟؟؟!! لم يبقي إلا هذا ... هذا هو جزائي إني والله لأستحق أكثر من هذا ... سأريك جزاء تطاولك وإساءتك لنا أيها العبد القذر . هيا يا إمراة أتيني بسيفي لكي أقطع رأس العبد المتطاول . لقد بطر العبد إبن الغلفاء لم يبقي إلا أن يطلب يد إبنتي . هذه هي نتيجة معاشرة أبناء الفاجرة .
لابد أن الباب قد ترك مفتوحاً ، وإلا لما إشرأبّ بعض المتطفلين بأعناقهم . وكان العم عبدالساوي قد بلغ الغرفة الداخلية بعد أن سقط مرة ، وصوت سعاله يرتفع بإصرار . وإختلج جسمه بقوة وهو مقبل والسيف مشهر في يده ولم يلبث أن سقط سقطه قوية . ثم جاهد لكي يقف من جديد . وفي تلك اللحظة أقبلت إمراته وإبنته . وعند ذلك المشهد كان رأس مصطفي قد إستحال الي شئ لا يصدق . وأحس بالإختناق . وهب واقفاً يريد أن يغادر ذلك الجحيم .
أين يا تري ( طلب ) أين يمكن أن يجد ( رابع ) ؟ متي سيعود دبرياش من سجنه ؟
وما أحس مصطفي إلا وتلك المرأة العجفاء تتعلق بعنقه وهي تصرخ وتولول بطريقة لم يتوقعها من تلك الحنجرة المتيبسة . وسمعها تخاطبه إلا أن صوتها أتاه من بعيد جداً .
- الي أين أنت هارب يا عبد النحس ؟ لقد قتلته وها أنت هارب . لقد نصحته أن يطردك من هذا المنزل في أول يوم وقعت عينايّ عليك . إلا أنه لم يعمل بنصيحتي ألحقوني ... ألحقوني يا أهل المروءة ....
أحس مصطفي بنفسه يدفع تلك الجنية بعيداً . ثم ينطلق لكي لا يختنق ، وتخطي باب تلك الدار الملعونة وملء رئتيه بالهواء . وقبل أن يخرجه أحس بشئ ضخم يدب خلفه . فقد دفع السائق الذي لم يستطيع أن يقنع صاحبة الدار بجودة ترابه بتلك المركبة الثقيلة خلفه .
وعندما تحطم ظهره تحت العجلات الضخمة ، والتراب الذي كان صفقة غير رابحة . خرج الهواء من رئتي مصطفي عن طريق منخاره الذي إلتصق بالارض ، مما جعل التراب يندفع بعيداً عن تلك البقعة ، كانت الحفرة صغيرة لم تلبث أن إمتلئت بالدم عندما سقطت ضربة جاروف مروعة علي تلك الجمجمة البائسة . وصدر خوار مخيف وحشرجة قاسية وحاول الجسم أن يستقيم علي ساعد مقوس إلا أنه لم يلبث ان خمد كلكلب مسعور .
ومن راديو الشايقي الذي كان يجثم في صدر الدكان إرتفع صوت المذيع معلناً للملأ نبا الثورة في الجنوب . وأن الكثيرين قد فقدوا أرواحهم . وأن الجيش قد توجه الي الجنوب ليقضي علي المتمردين .
شوقي بدري
|