لعلنا أشرنا فوق إلى حوادث حدثت لأبي هريرة رمي فيها بالكذب و عدم الأمانة من أقرب الصحابة إلى رسول الله و زوجته أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنهم، و كثر الحديث في هذه الحوادث من المؤرخين، نختار لكم منها ما اجتمعت عليه الامة من مخرجين و مؤرخين:
نبدأ بالأمانه
ما حدث في البحريين:
ولاه عمر البحريين سنة 20 هجرية، و قبل أن نخوض في هذه التفاصيل أرى من الأرجح إستعراض فلسفة سيدنا عمر في إختيار الولاه، من حكمته و رجاحة رأيه كان الخليفة عمر رضي الله عنه لا يولي كبار الصحابة بل كان يولي من كان دونهم من الصحابه مثل عمرو بن العاص و عمار إبن ياسر و أبو هريرة و شعبه إبن المغيرة و معاوية رضي الله عنهم، و لعل البعض استغرب ذالك فقيل له: مالك لا تولي الأكابر من أصحاب رسول الله، فقال: أكرة أن أدنسهم بالعمل (طبقات إبن سعد، ج3، ص 203). بدرت منه أشياء تخل بالنزاهة فعزله و وبخه عمر: و هذا ما رواه الطبري: عزله و ولى مكانة عثمان إبن أبي العاص - ولما عاد وجد معه لبيت المال أربعمائة ألف، فقال له: أظلمت احدا ؟ فقال: لا، قال من أين اصبتها؟ قال: كنت اتجر، قال: أنظر رأس مالك و رزقك فخذه، وجعل الآخر في بيت المال (تاريخ الذهبي الكبير، ج2، ص 338, سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج2، ص 444)
وفي رواية إبن سعد: قال له: عدوا لله و للإسلام و في رواية عدواً لله و كتابه (طبقات إبن سعد، ج4، قسم 2, ص 59 و 60)
و كثرت الروايات في هذه الواقعة، منها ما فيه طول و شرح خلاصته كله أن الخليفة نزع منه الخلافة بعد أن أدرك ما أدرك و أتى به و إنتزع المال و ترك له القليل بعد أن وبخه، نكتفي بما أوردنا هنا.
و كان ما وصل لعمر من الأخبار أنه ابتاع أفرساً بالف و ستمائة دينار، و لما استدعاه من البحريين أتاه يحمل أربعين ألف درهم لبيت المال، و عشرين ألف لنفسه، فندهش عمر كيف يجبي من المال هذا المبلغ الطائل، فأجاب حين سئل "كنت اتجر، و كانت لنا أفرساً تنتاجت" (الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج2، ص440)
هل ظلم عمر العادل أبا هريرة عندما نزع منه الولاية و أخذ منه نصف ماله و وبخه؟
دعنا نستعرض مثلاً آخر عن أحد من ولاهم عمر لنتعرف إلى امانه الصحابة و عداله عمر المشود لها رضي الله عنه، ولا عمر الصحابي حذيفة إبن اليمان المدائن و كتب له عهداً قال فيه: اسمعوا له و أطيعوا و اعطوه ما سألكم، فخرج على حمار موكف (حمار هزيل) تحته زاده، فلما قدم المدائن، استقبله أعاظم الدهاقين (التجار) و بيده رغيف و عرق من لحم، فلما قراء عليهم عهده، قالوا: سل ما شئت، قال: طعماً أكله، و علف حماري هذا ما دمت فيكم من تبن، فاقام ما شاء الله، ثم كتب إليه عمر: أقدم، فلما بلغه قدومه، كمن له في الطريق، فلما رأه على الحال التي خرج عليها، أتاه فالتزمه و قال: أنت أخي و أنا أخوك.
هذا مثال على عداله عمر و حرصه على مال المسلمين و هو مثال على صحابي جليل إلتزم بالنزاهة ولا تسابق على متاع دنيا.
و مثال أخر على أمانة الصحابة و حرص عمر ليقارن القاريء، ذكر إبن عبد البر حافظ المغرب أن قوم دخلوا على سلمان الفارسي، و هو الوالي أمير المؤمنين، فوجدوه يعمل الخوص، فقيل له: لم تعمل هذا و أنت أمير يجري عليك الرزق؟؟ فقال: اني احب أن آكل من عمل يدي. و كان يشتري خوصاً بدرهم فيعمله و يبيعه بثلاث، ينفق درهما و يتصدق بدرهمين، و كان عطاؤه خمس الآف، يتصدق به، و يأكل من عمل يديه.
التعديل الأخير تم بواسطة عبدالله علي موسى ; 27-01-2013 الساعة 12:33 AM.
|