عند وصولنا المكان المخصّص للخيام كانت الشمس قد قاربت المغيب، وكان من سبقونا قد نصبوا خيامهم وما زالوا في مرحلة التنظيم الداخلي. كنت ترى الناس يدخلون ويخرجون من الخيام لإدخال حاجياتهم من حقائب وكراتين، والأطفال قد استعجلوا لقاء البحر ورماله. يخوض بعضهم في مياه الساحل الضحلة، والبعض الآخر آثر أن يبني بيتاً صغيراً من الرمال المبلولة. يفعلون كما كنّا نفعل تماماً بعد أن يسقي المطر "رمال حلّتنا". يجعلون من أقدامهم الصغيرة قالباً يحتويه الترى، وعند ثباته، يسحبونها برفق حتّى لا ينهدّ ما بنوه. لا يلبثون كثيراً حتّى تداهم المنزل الهش موجة ناعسه، لكنها كافية لهدّه.
ذلك لعمري حالنا مع الحياة، نكافح من أجلها، نأخذها دائماً بحذر، نخشى مغافلتها، وعندما يقول القدر كلمته؛ لا مفرّ من التسليم. الجميع يحزن، حين إنهيار بمقادير متباينة. منهم من يغرق في أحزانه فلا يعاود المحاولة إلاّ بعد حين، ومنهم من يبتسم بعد فترة وجيزة، يستلذ الصراع مع المتغيّرات، ويستأنف مجابدة الحياة من جديد.
أولئك هم المتفاؤلون!
ذكّرني ذلك مقولة للأديب الروماني لوشيان بلاقا (دائماً ما يكون النجاح حليف الّذين يحبّون الكفاح، أكثر من حبّهم النجاح.)
بعد إستلام خيمتنا من مسؤولة المخيّم، بدأنا في نصبها على مكان تخيّرناه وقد انتشرت حوله الخيام. كان عبدالله أكثرنا حماساً، وكنت أدّعي المعرفة دون تقديم الدليل العملي لذلك. أمّا أشرف فقد استمسك بحجة جذوره المصريّة، فكان خير الجليس ونعم الأنيس. لم نفلح تماماً في نصبها كما يجب رغم مساعدة بعض الشباب الرومان. ومن وسنٍ داعب الأجفان، خلدنا للنوم مبكّرين. لم يمض وقت طويل منذ أن تعالى شخيرنا بسبب وعثاء السفر وكآبة المنظر، حتّى فاجأنا إنهمار المطر. حينها أدركنا لمَ كانت المساحة التي نصبنا فيها خيمتنا فارغة وقد اكتظّت الخيام من حولها.
امتلأت الخيمة بالمياه المتجمّعة من المناطق المحيطة، وذلك بسبب إنخفاض المكان المنصوبة عليه، فكانت تلك معاناة أخرى أن تستيقظ وتجد المياه من حولك وحقائبنا الصغيرة تحاكي "عوم الوزازين"!
قضينا ليلتنا تلك بكل مشقّة، وعند الصباح التمسنا مكان عالٍ يعصمنا من الماء، وليس بيننا إبن نوح –عليه السلام- كما وليس هناك جوديّ، بعدها التفتنا لأنفسنا لنوفيها حقّها باستكشاف ما حولنا من رمال وبحر وجمال.
يتبع ..
|